Ibn 'AtiyyaAl‑Kahf · 18:17–21

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:17–21

18:17–18Page 295

۞ وَتَرَى ٱلشَّمۡسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهۡفِهِمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقۡرِضُهُمۡ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمۡ فِي فَجۡوَةٖ مِّنۡهُۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِۗ مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيّٗا مُّرۡشِدٗا ١٧

And [had you been present], you would see the sun when it rose, inclining away from their cave on the right, and when it set, passing away from them on the left, while they were [lying] within an open space thereof. That was from the signs of Allāh. He whom Allāh guides is the [rightly] guided, but he whom He sends astray - never will you find for him a protecting guide.

وَتَحۡسَبُهُمۡ أَيۡقَاظٗا وَهُمۡ رُقُودٞۚ وَنُقَلِّبُهُمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِۖ وَكَلۡبُهُم بَٰسِطٞ ذِرَاعَيۡهِ بِٱلۡوَصِيدِۚ لَوِ ٱطَّلَعۡتَ عَلَيۡهِمۡ لَوَلَّيۡتَ مِنۡهُمۡ فِرَارٗا وَلَمُلِئۡتَ مِنۡهُمۡ رُعۡبٗا ١٨

And you would think them awake, while they were asleep. And We turned them to the right and to the left, while their dog stretched his forelegs at the entrance. If you had looked at them, you would have turned from them in flight and been filled by them with terror.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَتَرى الشَمْسَ إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عن كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ وإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِمالِ وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ ذَلِكَ مِن آياتِ اللهِ مِن يَهْدِ اللهِ فَهو المُهْتَدِ ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ ﴿وَتَحْسَبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ ونُقَلِّبُهم ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِمالِ وكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾

بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ اقْتِضابٌ يُبَيِّنُهُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ، وتَقْدِيرُهُ: فَآوَوْا وضَرَبَ اللهُ عَلى آذانِهِمْ، ومَكَثُوا كَذَلِكَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "تَزّاوَرُ" بِتَشْدِيدِ الزايِ وإدْغامِ التاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَزاوَرُ" بِتَخْفِيفِها، بِتَقْدِيرِ: تَتَزاوَرُ، فَحُذِفَتْ إحْدى التاءَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وقَتادَةُ: (تَزْوَرُّ) في وزْنٍ تَحْمَرُّ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو رَجاءٍ: "تَزْوارُّ" بِألْفٍ بَعْدِ الواوِ. ومَعْنى اللَفْظَةِ عَلى كُلِّ هَذا التَصْرِيفِ: تَعْدِلُ وتَرُوغُ وتَمِيلُ، وهَذِهِ عِباراتُ المُفَسِّرِينَ، أمّا إنَّ الأخْفَشَ قالَ: (p-٥٧٨)"تَزْوَرُّ" مَعْناهُ: تَنْقَبِضُ، والزَوْرُ: المَيْلُ، والأزْوَرُ في العَيْنِ: المائِلُ النَظَرِ إلى ناحِيَةٍ، ويُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ العَيْنِ، كَقَوْلِ ابْنِ أبِي رَبِيعَةَ:

؎ وجَنْبِي خِيفَةَ القَوْمِ أزْوَرُ

ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ عنتَرَةَ:

؎ فازْوَرَّ مِن وقَعَ القَنا بِلَبانِهِ

ومِنهُ قَوْلُ بِشْرِ بْنِ أبِي حازِمٍ:

؎ تَؤُمُّ بِها الحُداةُ مِياهَ نَخْلٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وفِيها عن أبانَيْنِ ازْوِرارُ

(p-٥٧٩)وَفِي حَدِيثِ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ رَأى في سَرِيرِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَواحَةَ ازْوِرارًا عن سَرِيرَيْ جَعْفَرٍ وزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَقْرِضُهُمْ" بِالتاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَقْرِضُهُمْ" بِالياءِ، أيِ الكَهْفِ، كَأنَّهُ مِنَ القَرْضِ وهو القَطْعُ، أيْ: يَقْتَطِعُهُمُ الكَهْفُ بِظِلِّهِ مِن ضَوْءِ الشَمْسِ. وجُمْهُورُ مَن قَرَأ بِالتاءِ فالمَعْنى أنَّهم كانُوا لا تُصِيبُهم شَمْسٌ البَتَّةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فَيَتَأوَّلُونَ "تَقْرِضُهُمْ" بِمَعْنى: تَتْرُكُهُمْ، أيْ: كَأنَّها عِنْدَهُ تَقْطَعُ كُلَّ ما لا تَنالُهُ عن نَفْسِها، وفِرْقَةٌ مِمَّنْ قَرَأ بِالتاءِ تَأوَّلَتْ أنَّها كانَتْ بِالعَشِيِّ تَنالُهم فَكَأنَّها "تَقْرِضُهُمْ"، أيْ تَقْتَطِعُهم مِمّا لا تَنالُهُ، وقالُوا: كانَ في مَسِّها لَهم بِالعَشِيِّ صَلاحٌ لِأجْسامِهِمْ. وحَكى الطَبَرِيٌّ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: قَرَضْتُ مَوْضِعَ كَذا، أيْ قَطَعْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:

؎ إلى ظُعُنٍ يَقْرِضْنَ أجْوازَ مُشْرِفٍ ∗∗∗ ∗∗∗ شِمالًا وعن أيْمانِهِنَّ الفَوارِسُ

ومِنهُ: أقْرِضْنِي دِرْهَمًا، أيِ: اقْطَعْهُ لِي مِن مالِكَ. وهَذِهِ الصِفَةُ مَعَ الشَمْسِ تَقْتَضِي أنَّهُ كانَ لَهم حاجِبٌ مِن جِهَةِ الجَنُوبِ، وحاجِبٌ مِن جِهَةِ الدَبُّورِ، وهم في زاوِيَتِهِ. وحَكى الزَجّاجُ وغَيْرُهُ قالَ: كانَ بابُ الكَهْفِ يَنْظُرُ إلى بَناتِ نَعْشٍ، وقالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وهَذا نَحْوَ ما قُلْناهُ، غَيْرَ أنَّ الكَهْفَ كانَ مَسْتُورَ الأعْلى مِنَ المَطَرِ. وذَهَبَ الزَجّاجُ إلى أنَّ فِعْلَ الشَمْسِ كانَ آيَةً مِنَ اللهِ تَعالى دُونَ أنْ يَكُونَ بابُ الكَهْفِ إلى جِهَةٍ تُوجِبُ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذاتَ اليَمِينِ﴾ ﴿وَذاتَ الشِمالِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ذاتَ يَمِينِ الكَهْفِ، بِأنْ تُقَدِّرَ بابَ الكَهْفِ بِمَثابَةِ وجْهِ إنْسانٍ، فَإنَّ الشَمْسَ تَجِيءُ مِنهُ أوَّلَ النَهارِ عن (p-٥٨٠)يَمِينٍ وآخِرَهِ عن شِمالٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ذاتَ يَمِينِ الشَمْسِ وذاتَ شِمالِها، بِأنْ نُقَدِّرَ الشُعاعَ المُمْتَدَّ مِنها إلى الكَهْفِ بِمَثابَةِ وجْهِ الإنْسانِ. والوَجْهُ الأوَّلُ أوضَحُ.

و"الفَجْوَةُ": المُتَّسِعُ، وجَمْعُها فِجاءٌ، قالَ قَتادَةُ: في فَضاءٍ مِنهُ، ومِنهُ الحَدِيثُ: «كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسِيرُ العَنَقَ، فَإذا وجَدَ فَجْوَةً نَصَّ.» وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ﴿فِي فَجْوَةٍ مِنهُ﴾: في مَكانٍ داخِلٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللهِ﴾ الإشارَةُ إلى الأمْرِ بِجُمْلَتِهِ، وعَلى قَوْلِ الزَجّاجِ "إنَّ الشَمْسَ كانَتْ تَزاوَرُ وتَقْرِضُ دُونَ حِجابٍ" تَكُونُ الإشارَةُ إلى هَذا المَعْنى خاصَّةً. ثُمَّ تابَعَ بِتَعْظِيمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ والتَسْلِيمِ لَهُ وما يَقْتَضِي صَرْفَ الآمالِ إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَحْسَبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ﴾ الآيَةَ. صِفَةُ حالٍ قَدْ نَقَضَتْ، وجاءَتْ أفْعالُها مُسْتَقْبِلَةً تَجَوُّزًا واتِّساعًا.

و"أيْقاظًا" جَمْعُ يَقِظٍ، كَعَضُدٍ وأعْضادٍ، وهو المُنْتَبِهُ. قالَ أهْلُ التَفْسِيرِ: كانَتْ أعْيُنُهم مَفْتُوحَةً وهم نائِمُونَ، فَلِذَلِكَ كانَ الرائِي يَحْسَبُهم أيْقاظًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُحْتَمَلُ أنْ يَحْسَبَ الرائِي ذَلِكَ لِشِدَّةِ الحِفْظِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِمْ، وقِلَّةِ التَغَيُّرِ، وذَلِكَ أنَّ الغالِبَ عَلى النُوّامِ أنْ يَكُونَ لَهُمُ اسْتِرْخاءٌ وهَيْئاتٌ تَقْتَضِي النَوْمَ، ورَبَّ نائِمٍ عَلى أحْوالٍ لَمْ تَتَغَيَّرْ عن حالَةِ اليَقَظَةِ، فَيَحْسَبُهُ الرائِي يَقْظانًا وإنْ كانَ مَسْدُودَ العَيْنِ، ولَوْ صَحَّ فَتْحُ أعْيُنِهِمْ بِسَنَدٍ يَقْطَعُ العُذْرَ كانَ أبْيَنَ في أنْ يَحْسِبَ عَلَيْهِمُ التَيَقُّظَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَنُقَلِّبُهُمْ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَتَقَلُّبُهُمْ" بِالتاءِ المَفْتُوحَةِ وضَمَّ اللامَ والباءَ، وهو مَصْدَرٌ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، قالَهُ أبُو حاتِمٍ. وحَكى ابْنُ جِنِّيٍّ القِراءَةَ عَنِ الحَسَنِ بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ اللامِ وفَتْحِ الباءِ، وقالَ: هَذا نَصْبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قالَ: وتَرى، أو تُشاهِدُ تَقَلُّبَهم.

(p-٥٨١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وأبُو حاتِمٍ أثْبَتُ.

ورَأتْ فِرْقَةٌ أنَّ التَقَلُّبَ هو الَّذِي مِن أجْلِهِ كانَ الرائِي يَحْسَبُهم أيْقاظًا.

وهَذا -وَإنْ كانَ التَقَلُّبُ لِمَن صادَفَ رُؤْيَتَهُ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ- فَإنَّ ألْفاظَ الآيَةِ لَمْ تَسُقْهُ إلّا خَبَرًا مُسْتَأْنِفًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ هَذا التَقْلِيبُ مَرَّتَيْنِ في السَنَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كُلُّ سَنَةٍ مَرَّةً، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كُلُّ سَبْعِ سِنِينَ مَرَّةً، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما قُلِّبُوا في التِسْعِ الأواخِرِ، وأمّا في الثَلاثِمِائَةِ فَلا. وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ تَقَلُّبَهم إنَّما كانَ حِفْظًا مِنَ الأرْضِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: لَوْ مَسَّتْهُمُ الشَمْسُ لَأحْرَقَتْهُمْ، ولَوْلا التَقْلِيبُ لِأكْلَتِهِمُ الأرْضُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وآيَةُ اللهِ تَعالى في نَوْمِهِمْ هَذِهِ المُدَّةَ الطَوِيلَةَ وحَياتِهِمْ دُونَ تَغَذٍّ أذْهَبُ في الغَرابَةِ مِن حِفْظِهِمْ مَعَ مَسِّ الشَمْسِ ولُزُومِ الأرْضِ، ولَكِنَّها رِواياتٌ تَخْتَلِفُ وتُتَأمَّلُ بَعْدُ، وظاهِرُ كَلامِ المُفَسِّرِينَ أنَّ التَقَلُّبَ كانَ بِأمْرِ اللهِ تَعالى وفَعَلَ مَلائِكَتِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِإقْدارِ اللهِ إيّاهم عَلى ذَلِكَ وهم في غَمْرَةِ النَوْمِ لا يَنْتَبِهُونَ كَما يَعْتَرِي كَثِيرًا مِنَ النُوّامِ؛ لِأنَّ القَوْمَ لَمْ يَكُونُوا مَوْتى.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَكَلْبُهُمْ". أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ كَلْبٌ حَقِيقَةً، كانَ لِصَيْدِ أحَدِهِمْ فِيما رُوِيَ، وقِيلَ: كانَ لِراعٍ مُرُوا عَلَيْهِ فَصَحِبَهم وتَبِعَهُ الكَلْبُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: سَمِعْتُ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيَّ في جامِعِ مِصْرَ يَقُولُ عَلى مِنبَرِ وعْظِهِ سَنَةَ تِسْعٍ وسِتِّينَ وأرْبَعِمِائَةٍ: إنَّ مَن أحَبَّ أهْلَ الخَيْرِ نالَ مِن بَرَكَتِهِمْ، كَلْبٌ أحَبَّ أهْلَ فَضَلٍ وصَحِبَهم فَذَكَرَهُ اللهُ تَعالى في مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ. وقِيلَ: كانَ أنْمَرَ، (p-٥٨٢)وَقِيلَ: كانَ أحْمَرَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ رَجُلًا طَبّاخًا لَهُمْ، حَكاهُ الطَبَرِيٌّ ولَمْ يُسَمِّ قائِلَهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ أحَدُهُمْ، وكانَ قَعَدَ عِنْدَ بابِ الغارِ طَلِيعَةً لَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَسُمِّي بِاسْمِ الحَيَوانِ المُلازِمِ لِذَلِكَ المَوْضِعِ مِنَ الناسِ، كَما سُمِّيَ النَجْمُ التابِعُ لِلْجَوْزاءِ كَلْبًا لِأنَّهُ مِنها كالكَلْبِ مِنَ الإنْسانِ، ويُقالُ لَهُ: كَلْبُ الجَبّارِ. أمّا أنَّ هَذا القَوْلَ يُضْعِفُهُ ذِكْرُ بَسْطِ الذِراعَيْنِ فَإنَّهُما في العُرْفِ مِن صِفَةِ الكَلْبِ حَقِيقَةً، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "وَلا يَبْسُطْ أحَدُكم ذِراعَيْهِ في السُجُودِ انْبِساطَ الكَلْبِ"،» وقَدْ حَكى أبُو عُمَرَ المُطَرِّزُ في كِتابِ اليَواقِيتِ أنَّهُ قُرِئَ: "وَكالِبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ"، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الكالِبِ" هَذا الرَجُلُ، عَلى ما رُوِيَ؛ إذْ بَسْطُ الذِراعَيْنِ واللُصُوقِ بِالأرْضِ مَعَ رَفْعِ الوَجْهِ لِلتَّطَلُّعِ هي هَيْئَةُ الرَبِيئَةِ، المُسْتَخْفِي بِنَفْسِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الكالِبِ" الكَلْبَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ أعْمَلَ اسْمَ الفاعِلِ وهو بِمَعْنى المُضِيِّ لِأنَّها حِكايَةٌ، ولَمْ يَقْصِدِ الإخْبارَ عن فِعْلِ الكَلْبِ.

و"الوَصِيدُ": العَتَبَةُ الَّتِي لِبابِ الكَهْفِ، أو مَوْضِعُها حَيْثُ لَيْسَتْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: الوَصِيدُ: الفَناءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: الوَصِيدُ: البابُ، وقالَ ابْنٌ جُبَيْرٍ أيْضًا: الوَصِيدُ: التُرابُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، والبابُ المُوصَدُ هو المُغْلَقُ، أيْ: قَدْ وقَفَ عَلى وصِيدِهِ.

ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى ما حَفَّهم مِنَ الرُعْبِ واكْتَنَفَهم مِنَ الهَيْبَةِ، وقَرَأ: "لَوِ اطَّلَعَتْ" بِكَسْرِ الواوِ جُمْهُورُ القُرّاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "لَوُ اطَّلَعَتْ" بِضَمِّها، وقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ عن نافِعٍ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وأهْلُ مَكَّةَ والمَدِينَةِ: "لَمُلِّئَتْ" بِشَدِّ اللامِ عَلى تَضْعِيفِ المُبالِغَةِ، أيْ: مُلِئَتْ ثُمَّ (p-٥٨٣)مُلِئَتْ، وقَرَأ الباقُونَ: "لَمُلِئَتْ" بِتَخْفِيفِ اللامِ، والتَخْفِيفُ أشْهَرُ في اللُغَةِ، وقَدْ جاءَ التَثْقِيلُ في قَوْلِ المُخَبَّلِ السَعْدِيِّ:

؎ وإذْ فَتَكَ النُعْمانُ بِالناسِ مُحْرِمًا ∗∗∗ ∗∗∗ فَمُلِّئَ مِن كَعْبِ بْنِ عَوْفٍ سَلاسِلُهُ

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما حَفَّهم هَذا الرُعْبُ لِطُولِ شُعُورِهِمْ وأظْفارِهِمْ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ والزَجّاجُ، وهَذا قَوْلٌ بَعِيدٌ، ولَوْ كانَتْ حالُهم هَكَذا، لَمْ يَقُولُوا: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩]، وإنَّما الصَحِيحُ في أمْرِهِمْ، أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ حَفِظَ لَهُمُ الحالَةَ الَّتِي قامُوا عَلَيْها لِتَكُونَ لَهم ولِغَيْرِهِمْ فِيهِمْ آيَةٌ، فَلَمْ يَبْلَ لَهم ثَوْبٌ، ولا تَغَيَّرَتْ صِفَةٌ، ولا أنْكَرَ الناهِضُ إلى المَدِينَةِ إلّا مَعالِمَ الأرْضِ والبِناءِ، ولَوْ كانَتْ في نَفْسِهِ حالَةٌ يُنْكِرُها لَكانَتْ عَلَيْهِ أهَمَّ، ولِرُوِيَ ذَلِكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رُعْبًا" بِسُكُونِ العَيْنِ، وقَرَأ "رُعُبًا" بِضَمِّها أبُو جَعْفَرٍ وعِيسى، قالَ أبُو حاتِمٍ: هُما لُغَتانِ.

18:19–20Page 295

وَكَذَٰلِكَ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِيَتَسَآءَلُواْ بَيۡنَهُمۡۚ قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡۖ قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۚ قَالُواْ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ فَٱبۡعَثُوٓاْ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هَٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ فَلۡيَنظُرۡ أَيُّهَآ أَزۡكَىٰ طَعَامٗا فَلۡيَأۡتِكُم بِرِزۡقٖ مِّنۡهُ وَلۡيَتَلَطَّفۡ وَلَا يُشۡعِرَنَّ بِكُمۡ أَحَدًا ١٩

And similarly,1 We awakened them that they might question one another. Said a speaker from among them, "How long have you remained [here]?" They said, "We have remained a day or part of a day." They said, "Your Lord is most knowing of how long you remained. So send one of you with this silver coin of yours to the city and let him look to which is the best of food and bring you provision from it and let him be cautious. And let no one be aware of you.

إِنَّهُمۡ إِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ يَرۡجُمُوكُمۡ أَوۡ يُعِيدُوكُمۡ فِي مِلَّتِهِمۡ وَلَن تُفۡلِحُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا ٢٠

Indeed, if they come to know of you, they will stone you or return you to their religion. And never would you succeed, then - ever."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْناهم لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ولْيَتَلَطَّفْ ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾ ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكم أو يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾

الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى الأمْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ في جِهَتِهِمْ والعِبْرَةِ الَّتِي جُعِلَتْ فِيهِمْ. و"البَعْثُ": التَحْرِيكُ عن سُكُونٍ، واللامُ في قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: "لِيَتَساءَلُوا" لامُ الصَيْرُورَةِ؛ لِأنَّ بَعْثَهم لَمْ يَكُنْ لِنَفْسِ تَساؤُلِهِمْ، وقَوْلُ القائِلِ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ هَجَسَ بِخاطِرِهِ طُولُ نَوْمِهِمْ، واسْتَشْعَرَ أنَّ أمْرَهم خَرَجَ عَنِ العادَةِ بَعْضَ الخُرُوجِ، وظاهِرُ أمْرِهِمْ أنَّهُمُ انْتَبَهُوا في حالٍ مِنَ الوَقْتِ والهَواءِ الزَمَنِيِّ لا تُبايِنُ الَّتِي نامُوا فِيها، وأمّا أنْ يُحَدِّدَ الأمْرَ جِدًّا فَذَلِكَ بِعِيدٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "بِوَرَقِكُمْ" (p-٥٨٤)بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "بِوَرْقِكُمْ" بِسُكُونِ الراءِ، وهُما لُغَتانِ، وحَكى الزَجّاجُ قِراءَةَ "بِوِرْقِكُمْ" بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الراءِ دُونَ إدْغامٍ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو الإدْغامُ، وإنَّما هو إخْفاءٌ؛ لِأنَّ الإدْغامَ مَعَ سُكُونِ الراءِ مُتَعَذِّرٌ، وأدْغَمَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ القافَ في الكافِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ إنَّما يَجُوزُ مَعَ تَحْرِيكِ الراءِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "بَوارِقِكُمُ"، اسْمُ جَمْعٍ كالجائِلِ والباقِرِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "بِوِرِقِكُمْ" بِكَسْرِ الواوِ والراءِ والإدْغامِ.

ويُرْوى أنَّهُمُ انْتَبَهُوا أحْيانًا، وأنَّ المَبْعُوثَ هو تَمْلِيخا، ورُوِيَ أنَّهم نامُوا لَيْلَةً واحِدَةً وبَعَثُوا تَمْلِيخا في صَبِيحَتِها.

ورُوِيَ أنَّ بابَ الكَهْفِ انْهَدَمَ بِناءُ الكُفّارِ مِنهُ لِطُولِ السِنِينَ، ورُوِيَ أنَّ راعِيًا هَدَمَهُ لِيُدْخِلَ فِيهِ غَنَمَهُ. فَأخَذَ تَمْلِيخا ثِيابًا مُنْكِرَةً رَثَّةً ولَبِسَها، وخَرَجَ مِنَ الكَهْفِ، فَأنْكَرَ ذَلِكَ البِناءَ المَهْدُومَ؛ إذْ لَمْ يَعْرِفْهُ بِالأمْسِ، ثُمَّ مَشى فَجَعَلَ يَذْكُرُ الطَرِيقَ والمَعالِمَ ويَتَحَيَّرُ، وهو في ذَلِكَ لا يَشْعُرُ شُعُورًا تامًّا، بَلْ يُكَذِّبُ ظَنَّهُ فِيما تَغَيَّرَ عِنْدَهُ، حَتّى بَلَغَ بابَ المَدِينَةِ، فَرَأى عَلى بابِها أمارَةَ الإسْلامِ فَزادَتْ حَيْرَتُهُ وقالَ: كَيْفَ هَذا بِبَلَدِ دَقْنَيُوسَ وبِالأمْسِ كُنّا مَعَهُ حَيْثُما كُنّا؟ فَنَهَضَ إلى بابٍ آخَرَ فَرَأى نَحْوًا مِن ذَلِكَ حَتّى مَشى الأبْوابَ كُلَّها، فَزادَتْ حَيْرَتُهُ ولَمْ يُمَيِّزْ بَشَرًا، وسَمِعَ الناسَ يُقْسِمُونَ باسِمِ عِيسى فاسْتَرابَ بِنَفْسِهِ وظَنَّ أنَّهُ جُنَّ وانْفَسَدَ عَقْلُهُ، فَبَقِيَ حَيْرانَ يَدْعُو اللهَ تَعالى، ثُمَّ نَهَضَ إلى بائِعِ الطَعامِ الَّذِي أرادَ شِراءَهُ، فَقالَ: يا عَبْدَ اللهِ بِعْنِي مِن طَعامِكَ بِهَذا الوَرِقِ، فَدَفَعَ إلَيْهِ دَراهِمَ كَأخْفافِ الرُبَعِ فِيما يُذْكَرُ، فَعَجِبَ لَها البَيّاعُ ودَفَعَها إلى آخَرَ بِعَجَبِهِ، وتَعاطاها الناسُ وقالُوا لَهُ: هَذِهِ دَراهِمُ عَهْدِ فُلانٍ المَلِكِ، مِن أيْنَ أنْتَ؟ وكَيْفَ وجَدَتْ هَذا الكَنْزَ؟ فَجَعَلَ يَبْهَتُ ويَعْجَبُ، وقَدْ كانَ بِالبَلَدِ مَشْهُورًا هو وفِتْيَتُهُ، فَقالَ: ما أعْرِفُ غَيْرَ أنِّي وأصْحابِي خَرَجْنا بِالأمْسِ مِن هَذِهِ المَدِينَةِ، فَقالَ الناسُ: هَذا مَجْنُونٌ، اذْهَبُوا بِهِ إلى المَلِكِ، فَفَزِعَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَذُهِبَ بِهِ حَتّى جِيءَ بِهِ المَلِكَ، فَلَمّا لَمْ يَرَ دِقْنَيُوسَ الكافِرَ تَأنَّسَ، وكانَ ذَلِكَ المَلِكُ مُؤْمِنًا فاضِلًا يُسَمّى تَيْرُوسِيسُ، فَقالَ لَهُ المَلِكُ: أيْنَ وجَدَتْ هَذا الكَنْزَ؟ فَقالَ لَهُ: إنَّما خَرَجْتُ أنا وأصْحابِي أمْسِ مِن هَذِهِ المَدِينَةِ، فَأوَيْنا إلى (p-٥٨٥)الكَهْفِ الَّذِي في جَبَلِ أنْجِلُوسَ، فَلَمّا سَمِعَ المَلِكُ ذَلِكَ قالَ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ-: لَعَلَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكم أيُّها الناسُ آيَةً، فَلْنَسِرْ إلى الكَهْفِ مَعَهُ حَتّى نَرى أصْحابَهُ، فَسارَ. ورُوِيَ أنَّهُ أو بَعْضَ جُلَسائِهِ قالَ: هَؤُلاءِ هُمُ الفِتْيَةُ الَّذِينَ أُرِّخَ أمْرُهم عَلى عَهْدِ دِقْنَيُوسَ المَلِكِ وكُتِبَ عَلى لَوْحِ النُحاسِ بِبابِ المَدِينَةِ، فَسارَ المَلِكُ إلَيْهِمْ، وسارَ الناسُ مَعَهُ، فَلَمّا انْتَهَوْا إلى الكَهْفِ قالَ تَمْلِيخا: أدْخُلُ عَلَيْهِمْ لِئَلّا يُرْعَبُوا، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ، وأعْلَمَهم بِالأمْرِ وأنَّ الأُمَّةَ أمَةُ إسْلامٍ، فَرُوِيَ أنَّهم سُرُّوا وخَرَجُوا إلى المَلِكِ وعَظَّمُوهُ وعَظَّمَهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى كَهْفِهِمْ، وأكْثَرُ الرِواياتِ عَلى أنَّهم ماتُوا حَيْثُ حَدَّثَهم تَمْلِيخا، فانْتَظَرَهُمُ الناسُ، فَلَمّا أبْطَأ خُرُوجُهم دَخَلَ الناسُ إلَيْهِمْ، فَرُعِبَ كُلُّ مِن دَخَلَ، ثُمَّ أقْدَمُوا فَوَجَدُوهم مَوْتى، فَتَنازَعُوا بِحَسْبِ ما يَأْتِي في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.

وفِي هَذا القَصَصِ مِنَ اخْتِلافِ الرِواياتِ والألْفاظِ ما تَضِيقُ بِهِ الصُحُفُ، فاخْتَصَرْتُهُ وذَكَرْتُ المُهِمَّ الَّذِي تَتَفَسَّرُ بِهِ ألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ، واعْتَمَدْتُ ا لْأصَحَّ، واللهُ المُعِينُ بِرَحْمَتِهِ.

وفِي هَذِهِ البِعْثَةِ بِالوَرَقِ الوِكالَةُ وصِحَّتُها، وقَدْ وكَّلَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أخاهُ عَقِيلًا عِنْدَ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهم.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلْيَنْظُرْ" بِسُكُونِ لامِ الأمْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "فَلِيَنْظُرْ" بِكَسْرِها. و"أزْكى" مَعْناها أكْثَرُ، فِيما ذَكَرَ عِكْرِمَةُ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: خَيْرٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ: أطْيَبُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ: أحَلُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

مِن جِهَةِ ذَبائِحِ الكَفَرَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَرُوِيَ أنَّهُ أرادَ شِراءَ زَبِيبٍ، وقِيلَ: بَلْ شِراءَ تَمْرٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلْيَتَلَطَّفْ"، أيْ: في اخْتِفائِهِ وتُحِيُّلِهِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَلِيَتَلَطَّفْ" بِكَسْرِ اللامِ.

والضَمِيرُ في "إنَّهُمْ" عائِدٌ عَلى الكُفّارِ آلِ دِقْنَيُوسَ، و﴿إنْ يَظْهَرُوا﴾ مَعْناهُ: (p-٥٨٦)يَثْقَفُوكم بَعْلُوِّهِمْ وغَلَبَتِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ قالَ الزَجّاجُ: مَعْناهُ: بِالحِجارَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهُوَ الأصَحُّ؛ لِأنَّهُ كانَ عازِمًا عَلى قَتْلِهِمْ لَوْ ظَفِرَ بِهِمْ. والرَجْمُ فِيما سَلَفَ هي كانَتْ -عَلى ما ذُكِرَ- قِتْلَةُ مُخالِفِ دِينِ الناسِ، إذْ هي أشَفى لِحَمَلَةِ ذَلِكَ الدِينِ، ولَهم فِيها مُشارَكَةٌ، وقالَ حَجّاجٌ: "يَرْجُمُوكُمْ" مَعْناهُ بِالقَوْلِ. وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

18:21Page 296

وَكَذَٰلِكَ أَعۡثَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ لِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيۡبَ فِيهَآ إِذۡ يَتَنَٰزَعُونَ بَيۡنَهُمۡ أَمۡرَهُمۡۖ فَقَالُواْ ٱبۡنُواْ عَلَيۡهِم بُنۡيَٰنٗاۖ رَّبُّهُمۡ أَعۡلَمُ بِهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِمۡ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيۡهِم مَّسۡجِدٗا ٢١

And similarly, We caused them to be found that they [who found them] would know that the promise of Allāh is truth and that of the Hour there is no doubt. [That was] when they1 disputed among themselves about their affair and [then] said, "Construct over them a structure. Their Lord is most knowing about them." Said those who prevailed in the matter, "We will surely take [for ourselves] over them a masjid."2

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ وأنَّ الساعَةَ لا رَيْبَ فِيها إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم أمْرَهم فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرَهم لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾

الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" في قَوْلِهِ تَعالى: "وَكَذَلِكَ" إلى بَعْثِهِمْ لِيَتَساءَلُوا، أيْ: كَما بَعَثْناهم أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ.

و"أعْثَرَ" تَعْدِيَةُ "عَثَرَ" بِالهَمْزَةِ، وأصْلُ العِثارِ في القَدَمِ، فَلَمّا كانَ العاثِرُ في الشَيْءِ مُشَبِّهًا لَهُ شُبِّهَ بِهِ، مِن شِبْهِ الِعِلْمٍ بِشَيْءٍ عَنَّ لَهُ وثارَ بَعْدَ خَفائِهِ، والضَمِيرُ في "لِيَعْلَمُوا" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ الَّذِينَ بُعِثَ أهْلُ الكَهْفِ عَلى عَهْدِهِمْ، وإلى هَذا ذَهَبَ الطَبَرِيٌّ، وذَلِكَ أنَّهم -فِيما رُوِيَ- دَخَلَتْهم حِينَئِذٍ فِتْنَةٌ في أمْرِ الحَشْرِ وبَعْثِ الأجْسادِ مِنَ القُبُورِ، فَشَكَّ في ذَلِكَ بَعْضُ الناسِ واسْتَبْعَدُوهُ، وقالُوا: إنَّما تُحْشَرُ الأرْواحُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى مِلْكِهِمْ وبَقِيَ حَيْرانَ لا يَدْرِي كَيْفَ يُبَيِّنُ أمْرَهُ لَهم حَتّى لَبِسَ المُسُوحَ وقَعَدَ عَلى الرَمادِ، وتَضَرَّعَ إلى اللهِ في حُجَّةٍ وبَيانٍ، فَأعْثَرَ اللهُ عَلى أهْلِ الكَهْفِ، فَلَمّا بَعَثَهُمُ اللهُ، وتَبَيَّنَ الناسُ أمْرَهم سُرَّ المَلِكُ، ورَجَعَ مَن كانَ شَكَّ في بَعْثِ الأجْسامِ إلى اليَقِينِ بِهِ، وإلى هَذا وقَعَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم أمْرَهُمْ﴾ عَلى هَذا التَأْوِيلِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْمَلَ في "إذْ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-، "أعْثَرْنا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "لِيَعْلَمُوا".

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "لِيَعْلَمُوا" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى أصْحابِ الكَهْفِ، أيْ: يَجْعَلُ اللهُ تَعالى أمْرَهم آيَةً لَهم دالَّةً عَلى بَعْثِ الأجْسادِ مِنَ القُبُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿إذْ يَتَنازَعُونَ﴾ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- ابْتِداءً خَبَرٌ عَنِ القَوْمِ الَّذِينَ بُعِثُوا عَلى عَهْدِهِمْ، والعامِلُ (p-٥٨٧)فِي "إذْ" فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ: "فَقالُوا"، ويَكُونُ المَعْنى:فَقالُوا إذْ يَتَنازَعُونَ: ابْنُوا عَلَيْهِمْ، والتَنازُعُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- إنَّما هو في أمْرِ البِناءِ والمَسْجِدِ لا في أمْرِ القِيامَةِ. و"الرَيْبُ": الشَكُّ، والمَعْنى أنَّ الساعَةَ في نَفْسِها وحَقِيقَتِها لا شَكَّ فِيها، وإنْ كانَ الشَكُّ قَدْ وقَعَ لِناسٍ فَذَلِكَ لا يَلْحَقُها مِنهُ شَيْءٌ، وقَدْ قِيلَ: إنِ التَنازُعَ إنَّما هو في أنِ اطَّلَعُوا عَلَيْهِمْ فَقالَ بَعْضُهُمْ: أمْواتٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أحْياءٌ، ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ القَوْمِ ذَهَبَ إلى طَمْسِ الكَهْفِ عَلَيْهِمْ، وتَرْكِهِمْ فِيهِ مُغَيَّبِينَ، فَقالَتِ الطائِفَةُ الغالِبَةُ عَلى الأمْرِ: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾، فاتَّخَذُوهُ، وقالَ قَتادَةُ: "الَّذِينَ غَلَبُوا هُمُ الوُلاةُ". وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ: "غُلِبُوا" بِضَمِّ الغَيْنِ وكَسْرِ اللامِ، والمَعْنى: إنَّ الطائِفَةَ الَّتِي دَعَتْ إلى البُنْيانِ إنَّها كانَتْ أرادَتْ بِناءَ بَيْعَةٍ أو مَصْنَعٍ لِكُفْرِهِمْ، فَمانَعَهُمُ المُؤْمِنُونَ، وقالُوا: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾. ورُوِيَ عن عَبِيدِ بْنِ عُمَيْرٍ أنَّ اللهَ تَعالى عَمّى عَلى الناسِ حِينَئِذٍ أمْرَهم وحَجَبَهم عنهُمْ، فَلِذَلِكَ دَعا إلى بِناءِ البُنْيانِ لِيَكُونَ مَعْلَمًا لَهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском