Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:61–73
18:61–65Page 300
فَلَمَّا بَلَغَا مَجۡمَعَ بَيۡنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ سَرَبٗا ٦١
But when they reached the junction between them, they forgot their fish, and it took its course into the sea, slipping away.
فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَىٰهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدۡ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبٗا ٦٢
So when they had passed beyond it, [Moses] said to his boy, "Bring us our morning meal. We have certainly suffered in this, our journey, [much] fatigue."
قَالَ أَرَءَيۡتَ إِذۡ أَوَيۡنَآ إِلَى ٱلصَّخۡرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلۡحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيۡطَٰنُ أَنۡ أَذۡكُرَهُۥۚ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ عَجَبٗا ٦٣
He said, "Did you see when we retired to the rock? Indeed, I forgot [there] the fish. And none made me forget it except Satan - that I should mention it. And it took its course into the sea amazingly."
قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبۡغِۚ فَٱرۡتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصٗا ٦٤
[Moses] said, "That is what we were seeking." So they returned, following their footprints.
فَوَجَدَا عَبۡدٗا مِّنۡ عِبَادِنَآ ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا ٦٥
And they found a servant from among Our servants [i.e., al-Khiḍr] to whom We had given mercy from Us and had taught him from Us a [certain] knowledge.
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾ ﴿فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ ﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وما أنْسانِيهُ إلا الشَيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ ﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "بَيْنِهِما" لِلْبَحْرَيْنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: هو لِمُوسى والخِضْرِ، والأوَّلُ أصْوَبُ. وقَرَأ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمٍ: "مَجْمِعَ" بِكَسْرِ المِيمِ الثانِيَةِ: وقالَ: "نَسِيا" وإنَّما كانَ النِسْيانُ مِنَ الفَتى وحْدَهُ، نَسِيَ أنْ يُعْلِمَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِما رَأى مِن حالِهِ مِن حَيْثُ كانَ لَهُما زادًا، وكانَ بِسَبَبٍ مِنهُ، فَنَسَبَ فِعْلَ الواحِدِ فِيهِ إلَيْهِما، وهَذا كَما يُقالُ: فَعَلَ بَنُو فُلانٍ الأمْرَ، إنَّما فَعَلَهُ مِنهم بَعْضٌ. ورُوِيَ في الحَدِيثِ أنْ يُوشِعَ رَأى الحُوتَ قَدْ حُشِرَ مِنَ المَكْتَلِ إلى البَحْرِ، فَرَآهُ قَدِ اتَّخَذَ السِرْبَ، وكانَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ نائِمًا، فَأشْفَقَ أنْ يُوقِظَهُ، وقالَ: أُؤَخِّرُ حَتّى يَسْتَيْقِظَ، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ يُوشِعُ أنْ يُعْلِمَهُ، ورَحَلا حَتّى جاوَزا، و"السَبِيلُ": المَسْلَكُ، و"السَرْبُ": المَسْلَكُ في جَوْفِ الأرْضِ، فَشَبَّهَ بِهِ مَسْلَكَ الحُوتِ في الماءِ حِينَ لَمْ يَنْطَبِقُ الماءُ بَعْدَهُ كالطاقِ وهَذا الَّذِي ورَدَ في الحَدِيثِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وقالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، إنَّ الحُوتَ بَقِيَ مَوْضِعَ سُلُوكِهِ ماءً جامِدًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: صارَ مَوْضِعُ سُلُوكِهِ (p-٦٣٢)حَجَرًا صَلْدًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّما اتَّخَذَ سَبِيلَهُ سَرَبًا في البَرِّ حَتّى وصَلَ إلى البَحْرِ ثُمَّ عامَ عَلى العادَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَؤُلاءِ يَتَأوَّلُونَ "سَرَبًا" بِمَعْنى: تَصَرُّفًا وجَوَلانًا، مِن قَوْلِهِمْ: فَحْلٌ سارِبٌ أيْ مُهْمَلٌ يَرْعى حَيْثُ يَشاءُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسارِبٌ بِالنَهارِ﴾ [الرعد: ١٠]، أيْ مُتَصَرِّفٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: اتَّخَذَ سَرَبًا في التُرابِ مِنَ المَكْتَلِ إلى البَحْرِ، وصادَفَ في طَرِيقِهِ حَجَرًا فَنَقَبَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وظاهِرُ الأمْرِ أنَّ السَرَبَ إنَّما كانَ في الماءِ، ومِن غَرِيبٍ ما رُوِيَ في البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الحُوتَ إنَّما حَيِيَ لِأنَّهُ مَسَّهُ ماءُ عَيْنٍ هُناكَ تُدْعى عَيْنُ الحَياةِ، ما مَسَّتْ قَطُّ شَيْئًا إلّا حَيِيَ. ومِن غَرِيبِهِ أيْضًا أنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ ذَكَرَ أنَّ مَوْضِعَ سُلُوكِ الحُوتِ عادَ حَجَرًا طَرِيقًا، وأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مَشى عَلَيْهِ مُتَّبِعًا لِلْحُوتِ حَتّى أفْضى ذَلِكَ الطَرِيقَ إلى الجَزِيرَةِ في البَحْرِ، وفِيها وجَدَ الخِضْرَ عَلَيْهِ السَلامُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحْمَةُ اللهِ:
وظاهِرُ الكِتابِ والرِواياتِ أنَّهُ إنَّما وجَدَ الخِضْرَ في ضَفَّةِ البَحْرِ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾، ورُوِيَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاوَزا﴾ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ نَزَلَ عِنْدَ شَجَرَةٍ عَظِيمَةٍ في ضَفَّةِ البَحْرِ فَنَسِيَ يُوشَعُ الحُوتَ هُنالِكَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ مُوسى، ورَحَلا مَرْحَلَةَ بَقِيَّةِ اللَيْلِ وصَدْرِ يَوْمِهِما، فَجاعَ مُوسى ولَحِقَهُ تَعَبُ الطَرِيقِ فاسْتَدْعى الغَداءَ.
قالَ لِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ: وسَمِعْتُ أبا الفَضْلِ الجَوْهَرِيِّ يَقُولُ في وعْظِهِ: مَشى مُوسى إلى المُناجاةِ فَبَقِيَ أرْبَعِينَ يَوْمًا لَمْ يَحْتَجْ إلى طَعامٍ، ولِمّا مَشى إلى بَشَرٍ لِحِقَهُ الجُوعُ في بَعْضِ يَوْمٍ. و"النَصْبُ": التَعَبُ والمَشَقَّةُ. وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: "نَصْبًا" بِضَمِّ النُونِ والصادِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ "نَصْبٍ"، وهو تَخْفِيفُ "نَصَبٍ".
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا﴾ الآيَةُ. حَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتِ: الصَخْرَةُ (p-٦٣٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في مَوْضِعِ هَذِهِ القِصَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَسِيتُ الحُوتَ﴾، يُرِيدُ: نَسِيتُ ذِكْرَ ما جَرى فِيهِ لَكَ، وأمّا الكِسائِيُّ وحْدَهُ "أنْسانِيهُ". وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في الوَصْلِ: "أنْسانِيهِي" بِياءٍ بَعْدَ الهاءِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "وَما أنْسانِيهُ أنْ أذْكُرَ لَهُ إلّا الشَيْطانُ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ أذْكُرَهُ﴾ بَدَلٌ مِنَ الحُوتَ بَدَلُ اشْتِمالٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلٍ يُوشِعُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أيِ: اتَّخَذَ الحُوتُ سَبِيلَهُ عَجَبًا لِلنّاسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ﴾ تَمامُ الخَبَرِ، فاسْتَأْنَفَ التَعَجُّبَ فَقالَ -مِن قِبَلِ نَفْسِهِ-: "عَجَبًا" لِهَذا الأمْرِ، ومَوْضِعُ العَجَبِ أنْ يَكُونَ الحُوتُ قَدْ ماتَ وأُكِلَ شِقَّهُ الأيْسَرُ، ثُمَّ حَيِيَ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ أبُو شُجاعٍ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: رَأيْتُهُ، أُوتِيتُ بِهِ فَإذا هو شِقُّهُ حُوتٌ وعَيْنٌ واحِدَةُ، وشَقٌّ آخَرُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأنا رَأيْتُهُ، والشِقُّ الَّذِي فِيهِ شَيْءٌ عَلَيْهِ قِشْرَةٌ رَقِيقَةٌ يَشُفُّ تَحْتَها شَوْكَهُ وشِقَّهُ الآخَرَ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾ إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى، وذَلِكَ عَلى وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يُخْبِرَ عن مُوسى أنَّهُ اتَّخَذَ سَبِيلَ الحُوتِ مِنَ البَحْرِ عَجَبًا، أيْ: تَعَجَّبَ مِنهُ، وإمّا أنْ يُخْبِرَ عَنِ الحُوتِ أنَّهُ اتَّخَذَ سَبِيلَهُ عَجَبًا لِلنّاسِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "واتِّخاذِ سَبِيلِهِ"، فَهَذا مَصْدَرٌ مَعْطُوفٌ عَلى الضَمِيرِ في "أنْ أذْكُرَهُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ الآيَةُ. المَعْنى: قالَ مُوسى لِفَتاهُ: أمْرُ الحُوتِ وفَقْدُهُ هو الَّذِي كُنّا نَطْلُبُ، فَإنَّ الرَجُلَ الَّذِي جِئْنا لَهُ ثُمَّ، فَرَجَعا يَقُصّانِ أثَرَهُما لِئَلّا يُخْطِئانِ طَرِيقَهُما. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَبْغِي" بِثُبُوتِ الياءِ، وقَرَأ عاصِمٌ وقَوْمٌ: "نَبَغَ" دُونَ ياءٍ، وكانَ الحَسَنُ يُثْبِتُها إذا وصَلَ ويَحْذِفُها إذا وقَفَ. و"قَصُّ الأثَرِ": اتِّباعُهُ وتَطَلُّبُهُ في مَوْضِعِ خِفايَةٍ.
(p-٦٣٤)وَ "العَبْدُ" هو الخَضْرُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ بِمُقْتَضى الأحادِيثِ، وخالَفَ مَن لا يَعْتَدُّ بِقَوْلِهِ فَقالَ: لَيْسَ صاحِبُ مُوسى بِالخِضْرِ، بَلْ هو عالَمٌ آخَرُ، والخُضَرُ نَبِيٌّ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: هو عَبْدٌ صالِحٌ غَيْرُ نَبِيٍّ.
والآيَةُ تَشْهَدُ بِنُبُوَّتِهِ؛ لِأنَّ بَواطِنَ أفْعالِهِ هَلْ كانَتْ إلّا بِوَحْيِ اللهِ؟ ورُوِيَ في الحَدِيثِ أنَّ مُوسى وجَدَ الخِضْرَ عَلَيْهِما السَلامُ مُسَجّى في ثَوْبِهِ مُسْتَلْقِيًا عَلى الأرْضِ، فَقالَ لَهُ: السَلامُ عَلَيْكَ، فَرَفَعَ الخِضْرُ رَأسَهُ وقالَ: وأنّى بِأرْضِكَ السَلامُ؟ ثُمَّ قالَ لَهُ: مَن أنْتَ؟ قالَ: أنا مُوسى، قالَ: مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ قالَ: نَعَمْ، قالَ لَهُ: ألَمْ يَكُنْ لَكَ في بَنِي إسْرائِيلَ ما يَشْغَلُكَ عَنِ السَفَرِ إلى هُنا؟ قالَ: بَلى، ولَكِنِّي أحْبَبْتُ لِقاءَكَ وأنْ أتَعَلَّمَ مِنكَ، قالَ لَهُ: إنِّي عَلى عِلْمٍ مَن عَلْمِ اللهِ عَلِمَنِيهِ ولا تَعْلَمُهُ أنْتَ، وأنْتَ عَلى عِلْمٍ مَن عَلْمِ اللهِ عَلَّمَكَهُ اللهُ لا أعْلَمُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
كانَ عَلْمُ الخِضْرِ مَعْرِفَةَ بَواطِنٍ قَدْ أُوحِيَتْ إلَيْهِ لا تُعْطِي ظَواهِرُ الأحْكامِ أفْعالَهُ بِحَسْبِها، وكانَ عِلْمُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عِلْمَ الأحْكامِ والفُتْيا بِظاهِرِ أقْوالِ الناسِ وأفْعالِهِمْ. ورُوِيَ أنَّ مُوسى وجَدَ الخِضْرُ قاعِدًا عَلى ثَيَجِ البَحْرِ، وسُمِّي الخَضْرُ خِضْرًا لِأنَّهُ جَلَسَ عَلى فَرْوَةٍ يابِسَةٍ فاهْتَزَّتْ تَحْتَهُ خَضْراءَ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، و"الرَحْمَةُ" -فِي هَذِهِ الآيَةِ- النُبُوَّةُ. وقَدْ ذَكَّرْنا الحَدِيثُ المُضَمَّنُ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قِيلَ لَهُ: هَلْ تَعْلَمُ أحَدًا أعْلَمُ مِنكَ؟ قالَ: لا. وحَكى الطَبَرِيُّ حَدِيثًا آخَرَ، مُضَمَّنَهُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قالَ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ: أيْ رَبِّ، أيُّ عِبادُكُ أعْلَمُ؟ قالَ: الَّذِي يَبْتَغِي عِلْمَ الناسِ إلى عِلْمِهِ عَسى أنْ يُصِيبَ كَلِمَةَ خَيْرٍ تُهْدِيهِ، قالَ: رَبِّ، فَهَلْ في الأرْضِ أحَدٌ؟ قالَ: نَعَمْ، فَسَألِ السَبِيلَ إلى لُقِيِّهِ.
(p-٦٣٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والحَدِيثُ الأوَّلُ في صَحِيحِ البُخارِيِّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِن لَّدُنّا" بِتَشْدِيدِ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو: "مِن لُدَنا" بِضَمِّ الدالِّ وتَخْفِيفِ النُونِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: هُما لُغَتانِ.
18:66–73Page 301
قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا ٦٦
Moses said to him, "May I follow you on [the condition] that you teach me from what you have been taught of sound judgement?"
قَالَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٦٧
He said, "Indeed, with me you will never be able to have patience.
وَكَيۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرٗا ٦٨
And how can you have patience for what you do not encompass in knowledge?"
قَالَ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرٗا وَلَآ أَعۡصِي لَكَ أَمۡرٗا ٦٩
[Moses] said, "You will find me, if Allāh wills, patient, and I will not disobey you in [any] order."
قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعۡتَنِي فَلَا تَسۡـَٔلۡنِي عَن شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ أُحۡدِثَ لَكَ مِنۡهُ ذِكۡرٗا ٧٠
He said, "Then if you follow me, do not ask me about anything until I make to you about it mention [i.e., explanation]."
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـًٔا إِمۡرٗا ٧١
So they set out, until when they had embarked on the ship, he [i.e., al-Khiḍr] tore it open. [Moses] said, "Have you torn it open to drown its people? You have certainly done a grave thing."
قَالَ أَلَمۡ أَقُلۡ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٧٢
[Al-Khiḍr] said, "Did I not say that with me you would never be able to have patience?"
قَالَ لَا تُؤَاخِذۡنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرۡهِقۡنِي مِنۡ أَمۡرِي عُسۡرٗا ٧٣
[Moses] said, "Do not blame me for what I forgot and do not overwhelm me in my matter with difficulty."
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ ﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ ﴿قالَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ ﴿قالَ فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عن شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا رَكِبا في السَفِينَةِ خَرَقَها قالَ أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾
هَذِهِ مُخاطَبَةُ المُسْتَنْزِلِ المُبالَغِ في حُسْنِ الأدَبِ. المَعْنى: هَلْ يَتَّفِقُ لَكَ ويُخْفَ عَلَيْكَ؟ وهَذا كَما في الحَدِيثِ: "هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُرِيَنِي كَيْفَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ؟" وعَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ يَجِيءُ كَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَماءِ﴾ [المائدة: ١١٢] "؟
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ: "رُشْدًا" بِتَخْفِيفِ الشِينِ، وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "رُشُدا"، وقَرَأ أبُو عَمْرُو: "رَشَدًا" بِفَتْحِ الراءِ والشِينِ. ونَصَبَهُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا بِـ "تُعَلِّمَنِي"، والآخَرُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: "أتَّبِعُكَ".
ثُمَّ قالَ الخِضْرُ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، أيْ: إنَّكَ يا مُوسى لا تُطِيقُ أنْ تَصْبِرَ عَلى ما تَراهُ مِن عَمَلِي؛ لِأنَّ الظَواهِرَ الَّتِي عَلَّمَكَ لا تُعْطِيهِ، وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى (p-٦٣٦)ما تَراهُ خَطَأً ولَمْ تُخْبَرْ بِوَجْهِ الحِكْمَةِ فِيهِ ولا وجْهَ الصَوابِ؟ فَقَرَّبَ لَهُ مُوسى الأمْرَ بِوَعْدِهِ أنَّهُ سَيَجِدُهُ صابِرًا، ثُمَّ اسْتَثْنى حِينَ حَكَمَ عَلى نَفْسِهِ بِأمْرٍ، فَقَوّى الخِضْرُ وُصاتَهُ، وأمْرَهُ بِالإمْساكِ عَنِ السُؤالِ والإكْنانِ لِما يَراهُ حَتّى يَبْتَدِئَهُ الخِضْرُ لِشَرْحَ ما يَجِبُ شَرْحُهُ.
وقَرَأ نافِعٌ: "فَلا تَسْألَنِّيَّ" بِفَتْحِ اللامِ وتَشْدِيدِ النُونِ وإثْباتِ الياءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ حَذَفَ الباءَ فَقالَ: "فَلا تَسْألَنَّ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " فَلا تَسَأْلُنِي" بِسُكُونِ اللامِ وثُبُوتِ الياءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "خُبُرا" بِسُكُونِ الباءِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "خُبُرًا" بِضَمِّها.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فانْطَلَقا"، رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وألَّهَ وسَلَّمَ أنَّهُما انْطَلَقا ماشِيَيْنِ عَلى سَيْفِ البَحْرِ حَتّى مَرَّتْ بِهِما سَفِينَةٌ، فَعُرِفَ الخِضْرُ فَحُمِلا بِغَيْرِ نَوْلٍ إلى مَقْصِدِ أُمَّةِ الخَضْرِ. وعُرِّفَتِ السَفِينَةِ بِالألِفِ واللامِ تَعْرِيفَ الجِنْسِ لا لِعَهْدِ عَيْنِها. فَلَمّا رَكِبا عَمَدَ الخِضْرُ إلى وتَدٍ فَجَعَلَ يَضْرِبُ في جَنْبِ السَفِينَةِ حَتّى بَلَغَ بِهِ -فِيما رُوِيَ- لَوْحَيْنِ مِن ألْواحِها، فَذَلِكَ هو مَعْنى "خَرَقَها"، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ غَلَبَهُ ظاهِرُ الأمْرِ عَلى الكَلامِ حِينَ رَأى فِعْلًا يُؤَدِّي إلى غَرَفِ جَمِيعِ مَن في السَفِينَةِ، فَوَقَّفَهُ بِقَوْلِهِ: "أخَرَقْتَها"؟ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "لِتُغْرِقَ أهْلَها" بِالتاءِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "لِتُغَرِّقَ أهْلَها" بِشَدِّ الراءِ وفَتْحِ الغَيْنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لِيَغْرَقَ أهْلُها" بِرَفْعِ الأهْلِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ.
و"الإمْرُ": الشَنِيعُ مِنَ الأُمُورِ كالداهِيَةِ والإدِّ ونَحْوَهُ. ومِنهُ "أمِرَ أمْرُ ابْنِ أبِي كَبْشَةَ"، ومِنهُ: "أمِرَ القَوْمُ" إذا كَثُرُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
و"الإمْرُ أخَصُّ مِنَ المُنْكَرِ".
فَقالَ الخِضْرُ مُجاوِبًا لِمُوسى: ﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، فَتَنَبَّهَ مُوسى لِما أتى مَعَهُ فاعْتَذَرَ بِالنِسْيانِ، وذَلِكَ أنَّهُ نَسِيَ العَهْدَ الَّذِي كانَ بَيْنَهُما، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وفي كِتابِ التَفْسِيرِ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "كانَتِ الأُولى مِن (p-٦٣٧)مُوسى نِسْيانًا"،» وفِيهِ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: « "كانَتِ الأُولى نِسْيانًا، والثانِيَةُ شَرْطًا، والثالِثَةُ عَمْدًا".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومَعْنى هَذا القَوْلِ صَحِيحٌ، والطَبَرِيُّ لَمْ يُبَيِّنْهُ، ووَجْهُهُ عِنْدِي أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما رَأى العَهْدَ في أنْ يَسْألَ، ولَمْ يَرَ إنْكارَ هَذا الفِعْلِ الشَنِيعِ سُؤالًا، بَلْ رَآهُ واجِبًا، فَلَمّا رَأى الخِضْرُ قَدْ أخَذَ العَهْدَ عَلى أعَمِّ وُجُوهِهِ فَضَمَّنَهُ السُؤالَ والمُعارَضَةَ والإنْكارَ وكُلَّ اعْتِراضٍ -إذِ السُؤالُ أخَفُّ مِن هَذِهِ كُلِّها- أخَذَ مَعَهُ في بابِ المَعارِيضِ الَّتِي هي مَندُوحَةٌ عَنِ الكَذِبِ، فَقالَ لَهُ: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾، ولَمْ يَقِلْ لَهُ: "إنِّي نَسِيتُ العَهْدَ"، بَلْ قالَ لَفْظًا يُعْطِي لِلْمُتَأوِّلِ أنَّهُ نَسِيَ العَهْدَ، ويَسْتَقِيمُ أيْضًا تَأْوِيلُهُ وطَلَبُهُ، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَنْسَ العَهْدَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ كَلامُ جَيِّدٌ طَلَبَهُ، ولَيْسَ فِيهِ لِلْعَهْدِ ذِكْرٌ، هَلْ نَسِيَهُ أمْ لا، وفِيهِ تَعْرِيضٌ أنَّهُ نَسِيَ العَهْدَ، فَجَمَعَ في هَذا اللَفْظِ بَيْنَ العُذْرِ والصِدْقِ وما يُخِلُّ بِهَذا القَوْلِ إلّا أنَّ الَّذِي قالَهُ وهو أُبَيٌّ رَوى عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "كانَتِ الأُولى نَسْيًا".»
و"تُرْهِقْنِي" مَعْناهُ تُكَلِّفُنِي وتُضِيِّقُ عَلَيَّ.
ومِمّا قُصَّ مِن أمْرِهِما، أنَّهُما لَمّا رَكِبا السَفِينَةَ وجَرَتْ نَزَلَ عُصْفُورٌ عَلى جَنْبِ السَفِينَةِ، فَنَقَرَ في الماءِ نَقْرَةً، فَقالَ الخِضْرُ لِمُوسى: ماذا تَرى هَذا العُصْفُورَ نَقْصَ مِن ماءِ البَحْرِ؟ قالَ مُوسى: قَلِيلًا، فَقالَ: يا مُوسى، ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللهِ إلّا ما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ مِن ماءِ البَحْرِ.
(p-٦٣٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَقِيلَ: مَعْنى هَذا الكَلامِ وضْعُ العِلْمِ مَوْضِعَ المَعْلُوماتِ، وإلّا فَعِلْمُ اللهِ تَبارَكَ تَعالى لا يُشَبَّهُ بِمُتَناهٍ، إذْ لا يَتَناهى، والبَحْرُ لَوْ فُرِضَتْ لَهُ عَصافِيرُ عَلى عَدَدِ نُقَطِهِ لانْتَهى، وعِنْدِي أنَّ الِاعْتِراضَ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مِن عِلْمِ اللهِ الَّذِي أعْطاهُ العُلَماءَ قَبْلَهُما وبَعْدَهُما إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَتَجِيءُ نِسْبَةُ عِلَمِهِ إلى عِلْمِ البَشَرِ نِسْبَةُ تِلْكَ النُقْطَةِ إلى البَحْرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ لَوْلا أنْ في بَعْضِ طُرُقِ الحَدِيثِ: "ما عِلْمِي وعِلْمُكَ وعِلْمُ الخَلائِقِ في عِلْمِ اللهِ إلّا كَنَقْرَةِ هَذا العُصْفُورِ"، فَلَمْ يَبْقَ مَعَ هَذا إلّا أنْ يَكُونَ التَشْبِيهُ بِتَجَوُّزٍ، إذْ لا يُوجَدُ في المَحْسُوساتِ أقْوى في القِلَّةِ مِن نُقْطَةٍ بِالإضافَةِ إلى البَحْرِ، فَكَأنَّها لا شَيْءَ؛ إذْ لا يُوجَدُ لَها إلى البَحْرِ نِسْبَةٌ مَعْلُومَةٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences