Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:83–95
18:83–86Page 302
وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَن ذِي ٱلۡقَرۡنَيۡنِۖ قُلۡ سَأَتۡلُواْ عَلَيۡكُم مِّنۡهُ ذِكۡرًا ٨٣
And they ask you, [O Muḥammad], about Dhul-Qarnayn. Say, "I will recite to you about him a report."
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِن كُلِّ شَيۡءٖ سَبَبٗا ٨٤
Indeed, We established him upon the earth, and We gave him from everything a way [i.e., means].
فَأَتۡبَعَ سَبَبًا ٨٥
So he followed a way
حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغۡرِبَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَغۡرُبُ فِي عَيۡنٍ حَمِئَةٖ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوۡمٗاۖ قُلۡنَا يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمۡ حُسۡنٗا ٨٦
Until, when he reached the setting of the sun [i.e., the west], he found it [as if] setting in a body of dark water,1 and he found near it a people. We [i.e., Allāh] said, "O Dhul-Qarnayn, either you punish [them] or else adopt among them [a way of] goodness."
(p-٦٥٢)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَيَسْألُونَكَ عن ذِي القَرْنَيْنِ قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾ ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ ﴿فَأتْبَعَ سَبَبًا﴾ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَمْسِ وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾
اخْتُلِفَ فِيمَن سَألَهُ عن هَذِهِ القِصَّةِ، فَقِيلَ: سَألَتْهُ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، ورَوى في ذَلِكَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ حَدِيثًا ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ، وقِيلَ: إنَّما سَألَتْهُ قُرَيْشٌ حِينَ دَلَّتْها اليَهُودُ عَلى سُؤالِهِ عَنِ الرُوحِ والرَجُلِ الطَوّافِ وفَتْيَةٍ ذَهَبُوا في الدَهْرِ لِيَقَعَ امْتِحانُهُ بِذَلِكَ.
وذُو القَرْنَيْنِ هو الإسْكَنْدَرُ اليُونانِيُّ المَقْدُونِيُّ، وقَدْ تُشَدَّدُ قافُهُ فَيُقالُ: المَقَّدُونِيُّ، وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقٍ في كِتابِ الطَبَرِيِّ أنَّهُ يُونانِيٌّ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهَ: هو رُومِيٌّ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ شابٌّ مِنَ الرُومِ، وهو حَدِيثٌ واهِيُ السَنَدِ، عن شَيْخَيْنِ مَن تَجِيبُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في وجْهِ تَسْمِيَتِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ، فَأحْسَنُ الأقْوالِ أنَّهُ كانَ ذا ضِفِيرَتَيْنِ مَن شَعْرٍ هُما قَرْناهُ، فَسُمِّي بِهِما، ذَكَرَهُ المَهْدَوْيُّ وغَيْرُهُ، والضَفائِرُ قُرُونُ الرَأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلَثَمَتْ فاها آخِذًا بِقُرُونِها ∗∗∗ شُرْبَ النَزِيفِ لِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ
ومِنهُ الحَدِيثُ في غَسْلِ بِنْتِ النَبِيِّ ﷺ، قالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: « "فَضَفَرْنا رَأْسَها ثَلاثَةَ (p-٦٥٣)قُرُونَ"،» وكَثِيرًا تَجِيءُ تَسْمِيَةُ النَواصِي قُرُونًا.
ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في أوَّلِ مُلْكِهِ يَرى في نَوْمِهِ أنَّهُ يَتَناوَلُ الشَمْسَ ويُمْسِكُ قَرْنَيْنِ لَها بِيَدَيْهِ، فَقَصَّ ذَلِكَ، فَفَسَّرَ أنَّهُ سَيُغْلَبُ عَلى ما ذَرَّتْ عَلَيْهِ وسُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ لِأنَّهُ بَلَغَ المَغْرِبَ والمَشْرِقَ، فَكَأنَّهُ حازَ قَرْنَيِ الدُنْيا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّهُ بَلَغَ مَطْلَعَ الشَمْسِ كَشَفَ بِالرُؤْيَةِ قَرْنَيْها فَسَمِّي بِذَلِكَ، أو قَرْنَيِ الشَيْطانِ بِها، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ جَنَبَتَيْ رَأسِهِ كانَتا مِن نُحاسٍ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهَ أيْضًا: كانَ لَهُ قَرْنانِ تَحْتَ عِمامَتِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا كُلُّهُ بَعِيدٌ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ لِأنَّهُ ضُرِبَ عَلى قَرْنِ رَأْسِهِ فَماتَ، ثُمَّ حَيِيَ، ثُمَّ ضُرِبَ عَلى قَرْنِ رَأْسِهِ الآخَرِ فَماتَ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ جُرِحَ عَلى قَرْنَيْ رَأْسِهِ جُرْحَيْنِ عَظِيمَيْنِ في يَوْمَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِن أيّامِ حَرْبِهِ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ.
قالَ القاضِي أُبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَرِيبٌ.
والتَمْكِينُ لَهُ في الأرْضِ أنَّهُ مَلَكَ الدُنْيا ودانَتْ لَهُ المُلُوكُ كُلُّها، فَرُوِيَ أنَّ جَمِيعَ مُلُوكِ الدُنْيا أرْبَعَةٌ: مُؤْمِنانِ وكافِرانِ، فالمُؤْمِنانِ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، والإسْكَنْدَرُ، والكافِرانِ نَمْرُوذُ وبَخْتَنْصَرُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ مَعْناهُ: عَلْمًا في كُلِّ أمْرٍ، وأقْيِسَةً يَتَوَصَّلُ بِها إلى مَعْرِفَةِ الأشْياءِ. وقَوْلُهُ: " كُلِ شَيْءٍ " عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ في كُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يَعْلَمَهُ ويَحْتاجُ إلَيْهِ، وثَمَّ لا مَحالَةَ أشْياءَ لَمْ يُؤْتَ مِنها سَبَبًا يَعْلَمُها بِهِ.
(p-٦٥٤)واخْتُلِفَ في ذِي القَرْنَيْنِ، فَقِيلَ: هو نَبِيٌّ، وهَذا ضَعِيفٌ، وقِيلَ: هو مَلَكٌ -بِفَتْحِ اللامِ-، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ سَمَعَ رَجُلًا يَدْعُو آخَرَ: يا ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ: أما كَفاكم أنْ تَسَمَّيْتُمْ بِأسْماءِ الأنْبِياءِ حَتّى تَسَمَّيْتُمْ بِأسْماءِ المَلائِكَةِ؟ ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عنهُ فَقالَ: "مَلَكٌ مَسَحَ الأرْضَ مِن تَحْتِها بِالأسْبابِ"،» وقِيلَ: هو عَبْدُ مَلِكٌ -بِكَسْرِ اللامِ- صالِحٌ نَصَحَ لِلَّهِ فَأيَّدَهُ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ: "فِيكُمُ اليَوْمَ مِثْلُهُ"، وعَنى بِذَلِكَ نَفْسَهُ، واللهُ أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَ سَبَبًا﴾ الآيَةُ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو: "فاتَّبَعَ سَبَبا" بِشَدِّ التاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "فَأتْبَعَ سَبَبا" بِسُكُونِ التاءِ، عَلى وزْنٍ أفْعَلُ، قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هَمّا بِمَعْنًى واحِدٍ، وكَذَلِكَ "تَبِعَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أتْبَعُ" بِقَطْعِ الألْفِ عِبارَةٌ عَنِ المُجِدِّ المُسْرِعِ الحَثِيثِ الطَلَبِ، و"اتَّبَعَ" إنَّما يَتَضَمَّنُ مَعْنى الِاقْتِفاءِ دُونَ هَذِهِ القَرائِنِ، قالَهُ أبُو زَيْدٍ وغَيْرُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
واسْتَقْرَأ هَذا القائِلُ هَذِهِ المَقالَةَ مِنَ القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠]، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ﴾ [يونس: ٩٠]، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتْبَعَهُ الشَيْطانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥]، وهَذا قَوْلٌ حَكاهُ النَقّاشُ عن يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ، وإذا تَأمَّلْتَ "اتَّبَعَ" بِشَدِّ التاءِ لِمْ يَرْتَبِطْ لَكَ هَذا المَعْنى ولا بُدَّ. و"السَبَبُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الطَرِيقُ المَسْلُوكَةُ؛ لِأنَّها سَبَبُ الوُصُولِ إلى المَقْصِدِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ"، عَلى وزْنِ فِعْلَةٍ، أيْ: ذاتُ حُماةٍ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -، والباقُونَ: "فِي عَيْنٍ حامِيَةٍ"، أيْ حارَةٍ، وقَدِ اخْتَلَفَ في قِراءَةَ ذَلِكَ مُعاوِيَةُ وابْنُ عَبّاسٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "حَمِئَةٍ"، وقالَ مُعاوِيَةُ: "حامِيَةٍ"، فَبَعَثا إلى كَعْبِ الأحْبارِ لِيُخْبِرَهم (p-٦٥٥)بِالأمْرِ كَيْفَ هو في التَوْراةِ، فَقالَ لَهُما: أمّا العَرَبِيَّةُ فَأنْتُما أعْلَمُ بِها مِنِّي، ولَكِنِّي أجِدُ في التَوْراةِ أنَّها تَغْرُبُ في عَيْنٍ ثَأْطٍ، والثَأْطُ: الطِينُ، فَلَمّا انْفَصَلا قالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَوَدِدْتُ أبا العَبّاسِ فَكُنْتُ أُنْجِدُكَ بِشِعْرٍ تُبَّعَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ في ذِكْرِ ذِي القَرْنَيْنِ:
؎ قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ جَدِّي مُسْلِمًا ∗∗∗ ∗∗∗ مَلِكًا تَدِينُ لَهُ المُلُوكُ ويُحْشَدُ
؎ بَلَغَ المَشارِقَ والمَغارِبَ يَبْتَغِي ∗∗∗ ∗∗∗ أسْبابَ أمْرٍ مِن حَكِيمٍ مُرْشِدٍ
؎ فَرَأى مَغِيبَ الشَمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها ∗∗∗ ∗∗∗ في عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وثَأْطِ حَرْمَدَ
فالخُلُبُ: الطِينُ، والثَأْطُ: الحُمْأةُ، والحَرْمَدُ: الأسْوَدُ، ومَن قَرَأ: "حامِيَةٍ" وجْهُها إلى الحَرارَةِ، ورُوِيَ «عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَظَرَ إلى الشَمْسِ وهي تَغِيبُ فَقالَ: "فِي نارِ اللهِ الحامِيَةِ، لَوْلا ما يَزَعُها مِنَ اللهِ لَأحْرَقَتْ ما عَلى الأرْضِ".»«وَرَوى أبُو ذَرٍّ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَظَرَ إلى الشَمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها فَقالَ: "أتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ يا أبا ذَرٍّ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: إنَّها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حامِيَةٍ"،» فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العَيْنَ هُنالِكَ حارَةٌ، و"حامِيَةٌ" هي قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وعَمْرُو بْنِ العاصِ، وابْنِهِ، وابْنِ عُمَرَ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى الجَمْعِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ فَقالَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ العَيْنُ حارَةً ذاتَ حَمْأةٍ، فَكُلُّ قِراءَةٍ وصْفٌ بِصِفَةٍ مِن أحْوالِها، وذَهَبَ بَعْضُ البَغْدادِيِّينَ إلى أنْ "فِي" بِمَنزِلَةِ "عِنْدَ"، كَأنَّها مَسامَّتَهُ مِنَ الأرْضِ فِيما يَرى الرائِي لِعَيْنٍ حَمِئَةٍ. وقالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ: ﴿فِي عَيْنٍ﴾ إنَّما المُرادُ أنْ ذا القَرْنَيْنِ كانَ فِيها، أيْ: هي آخِرِ الأرْضِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وظاهِرُ هَذِهِ الأقْوالِ مُحْتَمَلٌ، واللهُ أعْلَمُ. قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَدْ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ "حامِئَةٍ" مَهْمُوزَةً، بِمَعْنى: ذاتُ حَمْأةٍ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ. واسْتَدَلَّ بَعْضُ (p-٦٥٦)الناسِ عَلى أنَّ ذا القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ﴾، ومَن قالَ إنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، قالَ: كانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ مِنَ اللهِ بِإلْهامٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ﴾ مَعْناهُ: بِالقَتْلِ عَلى الكُفْرِ، ﴿وَإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ بِالحَمْلِ عَلى الإيمانِ واتِّباعِ الهُدى، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذِهِ لا تُعْطِها إلّا إحْدى خُطَّتَيْنِ: إمّا أنْ تَكْفُرَ فَتُعَذِّبُها، وإمّا أنْ تُؤْمِنَ فَتُحْسِنُ إلَيْها. وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ "اتِّخاذَ الحُسْنِ" هو الأسْرُ مَعَ كُفْرِهِمْ، فالمَعْنى -عَلى هَذا- أنَّهم كَفَرُوا ولا بُدَّ، فَخَيَّرَهُ اللهُ تَعالى بَيْنَ قَتْلِهِمْ أو أسْرِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الِاتِّخاذُ" ضَرْبَ الجِزْيَةِ. ولَكِنَّ تَقْسِيمَ ذِي القَرْنَيْنِ بَعْدَ هَذا الأمْرِ إلى كُفْرٍ أو إيمانٍ يَرُدُّ هَذا القَوْلَ بَعْضَ الرَدِّ، فَتَأمَّلْهُ.
18:87–91Page 303
قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوۡفَ نُعَذِّبُهُۥ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِۦ فَيُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا نُّكۡرٗا ٨٧
He said, "As for one who wrongs,1 we will punish him. Then he will be returned to his Lord, and He will punish him with a terrible punishment [i.e., Hellfire].
وَأَمَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَسَنَقُولُ لَهُۥ مِنۡ أَمۡرِنَا يُسۡرٗا ٨٨
But as for one who believes and does righteousness, he will have a reward of the best [i.e., Paradise], and we [i.e., Dhul-Qarnayn] will speak to him from our command with ease."
ثُمَّ أَتۡبَعَ سَبَبًا ٨٩
Then he followed a way
حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَطۡلِعَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَطۡلُعُ عَلَىٰ قَوۡمٖ لَّمۡ نَجۡعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتۡرٗا ٩٠
Until, when he came to the rising of the sun [i.e., the east], he found it rising on a people for whom We had not made against it any shield.
كَذَٰلِكَۖ وَقَدۡ أَحَطۡنَا بِمَا لَدَيۡهِ خُبۡرٗا ٩١
Thus.1 And We had encompassed [all] that he had in knowledge.
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ ﴿وَأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى وسَنَقُولُ لَهُ مَن أمْرِنا يُسْرًا﴾ ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَمْسِ وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾
"ظَلَمَ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: كَفَرَ، ثُمَّ تَوَعَّدَ الكافِرِينَ بِتَعْذِيبِهِ إيّاهم قَبْلَ عَذابِ اللهِ، وعَقَّبَ لَهم بِذِكْرِ عَذابِ اللهِ لِأنَّ تَعْذِيبَ ذِي القَرْنَيْنِ هو اللاحِقُ عِنْدَهُمُ، المَحْبُوسُ لَهُمُ، الأقْرَبُ نِكايَةً. فَلَمّا جاءَ وعْدُ المُؤْمِنِينَ قَدَّمَ تَنْعِيمَ اللهِ تَعالى الَّذِي هو الأحَقُّ عَنِ المُؤْمِنِينَ، والآخَرُ بِإزائِهِ حَقِيرٌ، ثُمَّ عَقَّبَ أخِيرًا بِذِكْرِ إحْسانِهِ في قَوْلِ اليُسْرِ، وجَعْلَهُ قَوْلًا إذِ الأفْعالُ كُلُّها خَلْقُ اللهِ تَعالى، فَكَأنَّهُ سَلَّمَها ولَمْ يُراعِ تَكَسُّبِهِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "نُكُرًا" بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "نُكْرًا" بِسُكُونِ الكافِ، ومَعْناهُ: المُنْكَرُ الَّذِي تُنْكِرُهُ الأوهامُ لِعَظْمِهِ وتَسْتَهْوِيِهِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "جَزاءً الحُسْنى" بِإضافَةِ الجَزاءِ إلى الحُسْنى، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُرِيدَ بِـ "الحُسْنى" الجَنَّةَ، والجَنَّةُ هي الجَزاءُ، فَأضافَ (p-٦٥٧)ذَلِكَ، كَما قالَ: ﴿وَلَدارُ الآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩] والآخِرَةُ هي الدارُ، والثانِي أنْ يُرِيدَ بِـ "الحُسْنى" أعْمالَهُمُ الصالِحَةَ في إيمانِهِمْ، فَوَعَدَهم بِجَزاءِ الأعْمالِ الصالِحَةِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، الكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "جَزاءُ الحُسْنى" بِنَصْبِ "الجَزاءِ" عَلى المَصْدَرِ في مَوْضِعِ الحالِ. و"الحُسْنى" ابْتِداءٌ، وخَبُرُهُ في المَجْرُورِ، ويُرادُ بِها الجَنَّةُ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ أبِي إسْحاقٍ: "جَزاءٌ" بِالرَفْعِ والتَنْوِينِ "الحُسْنى"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومَسْرُوقٌ: "جَزاءَ" بِالنَصْبِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ "الحُسْنى" بِالإضافَةِ. قالَ المَهْدَوِيُّ: ويَجُوزُ حَذْفُ النُونِ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، ووَعْدِهِمْ بِذَلِكَ بِأنَّهُ يُيَسِّرُ عَلَيْهِمْ أُمُورَ دُنْياهم. وقَرَأ ابْنُ القَعْقاعِ: "يُسُرًا" بِضَمِّ السِينِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾، المَعْنى: ثُمَّ سَلَكَ ذُو القَرْنَيْنِ الطُرُقَ المُؤَدِّيَةَ إلى مَقْصِدِهِ، فَهي سَبَبُ الوُصُولِ، فَكانَ ذُو القَرْنَيْنِ -عَلى ما وقَعَ في كُتُبِ التارِيخِ- يَدُوسُ الأرْضَ بِالجُيُوشِ الثِقالِ، والسِيرَةِ الحَمِيدَةِ، والإعْدادِ المُوَفّى، والحَزْمِ المُسْتَيْقِظِ المُتَّقِدِ، والتَأْيِيدِ المُتَواصِلِ، وتَقْوى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فَما لَقِيَ أُمَّةً ولا مُرَّ بِمَدِينَةٍ إلّا دانَتْ لَهُ ودَخَلَتْ في طاعَتِهِ، وكُلُّ مَن عارَضَهُ وتَوَقَّفَ عن أمْرِهِ جَعَلَهُ عِظَةً وآيَةً لِغَيْرِهِ، ولَهُ في هَذا المَعْنى أخْبارٌ كَثِيرَةٌ، وغَرائِبٌ كَرَهْتُ التَطْوِيلَ بِها لِأنَّها عِلْمُ تارِيخٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ "مَطْلِعَ" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِخِلافٍ-، وابْنُ كَثِيرٍ، وأهْلُ مَكَّةَ: "مَطْلَعَ" بِفَتْحِ اللامِ.
و"القَوْمُ": الزِنْجُ، قالَهُ قَتادَةُ، وهُمُ الهُنُودُ وما وراءَهم.
وقالَ الناسُ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾ مَعْناهُ: إنَّهم لَيْسَ لَهم بُنْيانٌ، إذْ لا تَحْمِلُ أرْضُهُمُ البِناءَ، وإنَّما يَدْخُلُونَ مِن حَرِّ الشَمْسِ في أسْرابٍ، وقِيلَ: يَدْخُلُونَ في ماءِ البَحْرِ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ. وكَثَّرَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ في هَذا المَعْنى، والظاهِرُ مِنَ الألْفاظِ أنَّها عِبارَةٌ بَلِيغَةٌ عن قُرْبِ الشَمْسِ مِنهُمْ، وفِعْلِها بِقُدْرَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى فِيهِمْ، ونَيْلِها مِنهُمْ، ولَوْ كانَ لَهم أسْرابٌ تُغْنِي لَكانَ سَتْرًا كَثِيفًا، وإنَّما هم في (p-٦٥٨)قَبْضَةِ القُدْرَةِ سَواءٌ كانَ لَهم أسْرابٌ أو دُورٌ أو لَمْ يَكُنْ، ألّا تَرى أنَّ السَتْرَ عِنْدَنا بِحَقٍّ إنَّما هو مِنَ السَحابِ والغَمامِ وبَرْدِ الهَواءِ، ولَوْ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْنا الشَمْسَ لَأحْرَقَتْنا، فَسُبْحانَ المُنْفَرِدِ بِالقُدْرَةِ التامَّةِ.
وقَوْلُهُ: "كَذَلِكَ" مَعْناهُ: فَعَلَ مَعَهم كَفِعْلِهِ مَعَ الأوَّلِينَ أهْلِ المَغْرِبِ، فَأوجَزَ بِقَوْلِهِ: "كَذَلِكَ". ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن إحاطَتِهِ بِجَمِيعِ ما لَدى ذِي القَرْنَيْنِ، وما تَصَرَّفَ مِن أفْعالِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "كَذَلِكَ" اسْتِئْنافُ قَوْلٍ، ولا يَكُونُ راجِعًا عَلى الطائِفَةِ الأُولى، فَتَأمَّلْهُ، والأوَّلُ أصْوَبُ.
18:92–95Page 303
ثُمَّ أَتۡبَعَ سَبَبًا ٩٢
Then he followed a way
حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ بَيۡنَ ٱلسَّدَّيۡنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوۡمٗا لَّا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ قَوۡلٗا ٩٣
Until, when he reached [a pass] between two mountains, he found beside them a people who could hardly understand [his] speech.
قَالُواْ يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِنَّ يَأۡجُوجَ وَمَأۡجُوجَ مُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَهَلۡ نَجۡعَلُ لَكَ خَرۡجًا عَلَىٰٓ أَن تَجۡعَلَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَهُمۡ سَدّٗا ٩٤
They said, "O Dhul-Qarnayn, indeed Gog and Magog1 are [great] corrupters in the land. So may we assign for you an expenditure that you might make between us and them a barrier?"
قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيۡرٞ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجۡعَلۡ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُمۡ رَدۡمًا ٩٥
He said, "That in which my Lord has established me is better [than what you offer], but assist me with strength [i.e., manpower]; I will make between you and them a dam.
قوله عزّ وجلّ:
﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَدَّيْنِ وجَدَ مِن دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ ﴿قالُوا يا ذا القَرْنَيْنِ إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سَدًّا﴾ ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾
قَرَأتْ فِرْقَةٌ: "اتَّبَعَ" بِشَدِّ التاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِتَخْفِيفِها، وقَدْ تَقَدَّمَ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ لَمّا بَلَغَ مَطْلَعَ الشَمْسِ أتْبَعَ بَعْدَ ذَلِكَ سَبَبًا، أيْ: طَرِيقًا آخَرَ، فَهو -واللهُ أعْلَمُ- إمّا يُمْنَةً وإمّا يُسْرَةً مِن مَطْلَعِ الشَمْسِ. و"السَدّانِ" فِيما ذَكَرَ أهْلُ التَفْسِيرِ-: جَبَلانِ سَدّا مَسالِكَ تِلْكَ الناحِيَةِ مِنَ الأرْضِ، وبَيْنَ طَرِيقَيِ الجَبَلَيْنِ فَتْحٌ هو مَوْضِعُ الرُومِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الجَبَلانِ اللَذانِ بَيْنَهُما السَدُّ أرْمِينِيَّةُ وأذْرَبِيجانِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما مِن وراءِ بِلادِ التُرْكِ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ، وإنَّما هُما في طَرَفِ الأرْضِ مِمّا يَلِي المَشْرِقَ، ويَظْهَرُ مِن ألْفاظِ التَوارِيخِ أنَّهُما إلى ناحِيَةِ الشَمالِ، وأمّا تَعْيِينُ مَوْضِعٍ فَضَعِيفٌ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "السُدَّيْنِ" بِضَمِّ السِينِ، وكَذَلِكَ "سُدًّا" حَيْثُ وقَعَ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ بِفَتْحِ ذَلِكَ كُلِّهِ مِن جَمِيعِ القِراءاتِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وإبْراهِيمَ النَخْعِيِّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "السَدَّيْنِ" بِفَتْحِ السِينِ، وضَمِّ "سُدًّا" في (يَسِ). (p-٦٥٩)واخْتُلِفَ بَعْدُ فَقالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: الضَمُّ هو الِاسْمُ، والفَتْحُ المَصْدَرُ، وقالَ الكِسائِيُّ: الضَمُّ والفَتْحُ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ عِكْرِمَةُ، وأبُو عَمْرُو بْنُ العَلاءِ، وأبُو عُبَيْدَةَ: ما كانَ مِن خِلْقَةِ اللهِ تَعالى لَمْ يُشارِكْ فِيهِ أحَدٌ بِعَمَلٍ فَهو بِالضَمِّ، وما كانَ مِن صُنْعِ البَشَرِ فَهو بِالفَتْحِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَلْزَمُ أهْلُ هَذِهِ المَقالَةِ أنْ نَقْرَأ: "بَيْنَ السَدَّيْنِ" بِالضَمِّ، وبَعْدَ ذَلِكَ "سَدًّا" بِالفَتْحِ، وهي قِراءَةُ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ. وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ عَكْسَ ما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وقالَ ابْنُ أبِي إسْحاقٍ: ما رَأتْهُ عَيْناكَ فَهو "سُدٌّ" بِضَمِّ السِينِ، وما لا يَرى فِيهِ "سَدٌّ" بِالفَتْحِ. والضَمِيرُ في "دُونِهِما" عائِدٌ عَلى الجَبَلَيْنِ، أيْ: وجَدَهم في الناحِيَةِ الَّتِي تَأْتِي إلى المَغْرِبِ. واخْتُلِفَ في "القَوْمِ"، فَقِيلَ: هم بَشَرٌ، وقِيلَ: جِنٌّ، والأوَّلُ أصَحُّ مِن وُجُوهٍ. وقَوْلُهُ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ عِبارَةٌ عن بُعْدِ لِسانِهِمْ عن ألْسِنَةِ الناسِ، لَكِنَّهم فَقَهُوا أو فَهَمُوا بِالتَرْجَمَةِ ونَحْوَها. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَفْقَهُونَ" مِن أفْقَهَ، وقَرَأ الباقُونَ: "يَفْقَهُونَ" مِن فَقِهَ.
والضَمِيرُ في "قالُوا" لِلْقَوْمِ الَّذِينَ مِن دُونِ السَدَّيْنِ، ويَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ قَبِيلَتانِ مِن بَنِي آدَمَ، لَكِنَّهم يَنْقَسِمُونَ أنْواعًا كَثِيرَةً اخْتُلِفَ في عَدَدِها، فاخْتَصَرْتُ ذِكْرَهُ لِعَدَمِ الصِحَّةِ، وفي خَلْقِهِمْ تَشْوِيهِ، مِنهُمُ المُفْرِطُ الطُولِ، ومِنهُمُ المُفْرِطُ القَصْرِ عَلى قَدْرِ الشِبْرِ وأقَلُّ وأكْثَرُ، ومِنهم صِنْفٌ عَظِيمُ الآذانِ، الأُذُنُ الواحِدَةُ وبَرَةٌ والأُخْرى زَعْراءُ، يُصَيِّفُ بِالواحِدَةِ ويَشْتُو في الأُخْرى وهي تَعُمُّهُ. واخْتَلَفَ القُرّاءُ -فَقَرَأ عاصِمُ وحْدَهُ: "يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ" بِالهَمْزِ، وقَرَأ الباقُونَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، فَأمّا مِن هَمْزَ فاخْتُلِفَ فِيهِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو أعْجَمِيٌّ، عِلَّتُهُ في مَنعِ الصَرْفِ التَعْرِيفُ والتَأْنِيثُ، وأمّا مَن لَمْ يَهْمِزْ فَإمّا أنْ يَراهُما اسْمَيْنِ أعْجَمِيَّيْنِ، وإمّا أنْ يُسَهِّلَ مِنَ الهَمْزِ، وقَرَأ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ: "آجُوجُ ومَأْجُوجُ" بِهَمْزَةٍ بَدَلِ الياءِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في إفْسادِهِمُ الَّذِي وصَفُوهم بِهِ -فَقالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدُ العَزِيزِ: إفْسادُهم أكْلُ بَنِي آدَمَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إفْسادُهم إنَّما عِنْدُهم مُتَوَقِّعًا، أيْ: سَيُفْسِدُونَ فَطَلَبُوا وجْهَ التَحَرُّزِ مِنهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إفْسادُهم هو الظُلْمُ والغَشْمُ والقَتْلُ وسائِرُ وُجُوهِ الإفْسادِ المَعْلُومِ مِنَ البَشَرِ، وهَذا أظْهَرُ الأقْوالِ؛ لِأنَّ الطائِفَةَ الشاكِيَةَ إنَّما (p-٦٦٠)شَكَتْ مَن ضُرٍّ قَدْ نالَهم. وقَوْلُهُمُ ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى جِهَةِ حُسْنِ الأدَبِ.
و"الخَرْجُ": المُجْبى، وهو الخَراجُ، وقالَ قَوْمٌ: "الخُرْجُ": المالُ يَخْرُجُ مَرَّةً، و"الخَراجُ": المُجْبى المُتَكَرِّرُ، فَعَرَضُوا عَلَيْهِ أنْ يَجْمَعُوا لَهُ أمْوالًا يُقِيمُ بِها أمْرَ السَدِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "خَرْجًا" أجْرًا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ: "خَرَجا"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "خَراجًا"، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ مَصْرِفٍ، والأعْمَشِ، والحَسَنِ -بِخِلافِ عنهُ-، ورُوِيَ في أمَرِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ أنَّ أرْزاقَهم هي مِنَ التِنِّينِ يُرْزَقُونَها ويُمْطِرُونَها، ونَحْوَ هَذا مِمّا لَمْ يَصِحُّ، ورُوِيَ أيْضًا أنَّ الذَكَرَ مِنهم لا يَمُوتُ حَتّى يُولَدَ لَهُ ألْفُ ولَدٍ، والأُنْثى لا تَمُوتُ حَتّى يَخْرُجَ مَن بَطْنِها ألْفٌ، فَهم لِذَلِكَ إذا بَلَغُوا العَدَدَ ماتُوا، ورُوِيَ أيْضًا أنَّهم يَتَناكَحُونَ في الطُرُقِ كالبَهائِمِ، وأخْبارُهم تَضِيقُ بِها الصُحُفُ فاخْتَصَرْتُها لِضَعْفِ صِحَّتِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾، المَعْنى: قالَ لَهم ذُو القَرْنَيْنِ: ما بَسَطَ اللهُ لِي مِنَ القُدْرَةِ والمُلْكِ خَيْرٌ مِن خُرْجِكم وأمْوالِكُمْ، ولَكِنْ أعِينُونِي بِقُوَّةِ الأبْدانِ، وبِعَمَلٍ مِنكم بِالأيْدِي. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "ما مَكَّنَنِي" بِنُونَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ "ما مَكَّنِّي" بِإدْغامِ النُونِ الأُولى في الثانِيَةِ. وهَذا: مِن تَأْيِيدِ اللهِ تَعالى لِذِي القَرْنَيْنِ، فَإنَّهُ تَهَدّى في هَذِهِ المُحاوَرَةِ إلى الأنْفَعِ والأنْزَهِ، فَإنَّهم لَوْ جَمَعُوا لَهُ خَرَجًا ومالًا لَمْ يُعِنْهُ مِنهم أحَدٌ ولَوَكَلَوُهُ إلى البُنْيانِ، ومَعُونَتُهم بِالقُوَّةِ أجْمَلُ بِهِ، وأمَرٌ يُطاوِلُ مُدَّةَ العَمَلِ، ورُبَّما أرْبى عَلى الخَرْجِ.
و"الرَدْمُ" أبْلَغُ مِنَ "السَدِّ"؛ إذِ السَدُّ كُلُّ ما يُسَدُّ بِهِ، والرَدْمُ وضْعُ الشَيْءِ عَلى الشَيْءِ مِن حِجارَةٍ أو تُرابٍ أو نَحْوَهُ حَتّى يَقُومَ مِن ذَلِكَ حِجابٌ مَنِيعٌ، ومِنهُ: رَدَمَ ثَوْبَهُ إذا رَقَعَهُ بِرِقاعٍ مُتَكاتِفَةٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ عنتَرَةَ:
؎ هَلْ غادَرَ الشُعَراءُ مِن مُتَرَدَّمِ؟
أيْ: مِن قَوْلٍ يَرْكَبُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences