Ibn 'AtiyyaMaryam · 19:29–50

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:29–50

19:29–33Page 307

فَأَشَارَتۡ إِلَيۡهِۖ قَالُواْ كَيۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلۡمَهۡدِ صَبِيّٗا ٢٩

So she pointed to him. They said, "How can we speak to one who is in the cradle a child?"

قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا ٣٠

[Jesus] said, "Indeed, I am the servant of Allāh. He has given me the Scripture and made me a prophet.

وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا ٣١

And He has made me blessed wherever I am and has enjoined upon me prayer and zakāh as long as I remain alive

وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَتِي وَلَمۡ يَجۡعَلۡنِي جَبَّارٗا شَقِيّٗا ٣٢

And [made me] dutiful to my mother, and He has not made me a wretched tyrant.

وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا ٣٣

And peace is on me the day I was born and the day I will die and the day I am raised alive."

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ وأوصانِي بِالصَلاةِ والزَكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ ﴿وَبَرًّا بِوالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ ﴿والسَلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾

التَزَمَتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَلامُ ما أُمِرَتْ بِهِ مِن تَرْكِ الكَلامِ، ولَمْ يَرِدْ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَطَقَتْ بِـ ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦]، وإنَّما ورَدَ أنَّها أشارَتْ، فَيَقْوى بِهَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ أمْرَها في "فَقُولِي" إنَّما أُرِيدَ بِهِ الإشارَةُ، ويُرْوى أنَّهم - لَمّا أشارَتْ إلى الطِفْلِ - قالُوا: اسْتِخْفافُها بِنا أشَدُّ عَلَيْنا مِن زِناها، ثُمْ قالُوا لَها - عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ - ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ ؟

و"كانَ" هُنا لَيْسَ يُرادُ بِها المُضِيُّ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ قَدْ كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا، وإنَّما هي في مَعْنى: هو "الآنَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الناقِصَةَ، والأظْهَرُ أنَّها التامَّةُ، وقَدْ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "كانَ" هُنا لَغْوٌ. وقالَ الزَجّاجُ والفَرّاءُ: "مَن" شَرْطِيَّةٌ في قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿مَن كانَ﴾.

(p-٢٩)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ونَظِيرُ "كانَ" هَذِهِ قَوْلُ رُؤْبَةَ:

؎ والرَأْسُ قَدْ كانَ لَهُ قَتِيرٌ

و"صَبِيًّا" إمّا خَبَرُ "كانَ" عَلى تَجَوُّزٍ وتَخَيُّلٍ في كَوْنِها ناقِصَةً، وإمّا حالٌ [إذا قُدِّرَتْ زائِدَةً أو تامَّةً] لِاسْتِقْرارِ المُقَدَّرِ في الكَلامِ.

ورُوِيَ أنَّ المَهْدَ يُرادُ بِهِ حِجْرُ أُمِّهِ، قالَ لَهم عِيسى مِن مَرْقَدِهِ: "إنِّي عَبْدُ اللهِ" الآيَةُ، ورُوِيَ أنَّهُ قامَ مُتَّكِئًا عَلى يَسارِهِ، وأشارَ إلَيْهِمْ بِسَبّابَتِهِ اليُمْنى. و"الكِتابُ": التَوْراةُ، ويُحْتَمَلُ التَوْراةُ والإنْجِيلُ، و"آتانِيَ" مَعْناهُ: قَضى بِذَلِكَ وأنْفَذَهُ في سابِقِ حُكْمِهِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أتى أمْرُ اللهِ﴾ [النحل: ١] وغَيْرُ هَذا، وأمالَ الكِسائِيُّ "آتانِيَ" و"أوصانِيَ"، والباقُونَ لا يُمِيلُونَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: الإمالَةُ في "آتانِيَ" أحْسَنُ لا في "أوصانِيَ". و"مُبارَكًا" قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: نَفّاعًا، وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: مَعْناهُ: مُعَلِّمْ خَيْرٍ، (p-٣٠)وَقِيلَ: آمِرًا بِمَعْرُوفٍ ناهِيًا عن مُنْكَرٍ، وقالَ رَجُلٌ لِبَعْضِ العُلَماءِ: ما الَّذِي أُعْلِنُ مِن عِلْمِي؟ قالَ: الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيُ عَنِ المُنْكَرِ؛ فَإنَّهُ دِينُ اللهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ أنْبِياءَهُ، وأسْنَدَ النَقّاشُ عَنِ الضَحّاكِ أنَّهُ قالَ: "مُبارَكًا" مَعْناهُ: قَضّاءٌ لِلْحَوائِجِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقَوْلُهُ تَعالى: "مُبارَكًا" يَعُمْ هَذِهِ الوُجُوهَ وغَيْرَها.

و‎"‎الصَلاةُ والزَكاةُ" قِيلَ: هُما المَشْرُوعَتانِ في البَدَنِ والمالِ، وقِيلَ: زَكاةُ الرُؤُوسِ في الفِطْرِ، وقِيلَ: الصَلاةُ الدُعاءُ، والزَكاةُ التَطْهِيرُ مِن كُلِّ عَيْبٍ ونَقْصٍ ومَعْصِيَةٍ. وقَرَأ "دُمْتُ" بِضَمِّ الدالِّ عاصِمْ وجَماعَةٌ، وقَرَأ "دِمْتُ" بِكَسْرِها أهْلُ المَدِينَةِ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وجَماعَةٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "وَبَرًّا" بِفَتْحِ الباءِ - وهو الكَثِيرُ البِرُّ - ونَصْبُهُ عَلى قَوْلِهِ: "مُبارَكًا"، وقَرَأ أبُو نَهْيِكٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وجَماعَةٌ "بِرًّا" بِكَسْرِ الباءِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: نَصْبُهُ عَلى العَطْفِ عَلى قَوْلِهِ: "مُبارَكًا"، فَكَأنَّهُ قالَ: ذا بِرٍّ، فاتَّصَفَ بِالمَصْدَرِ كَعَدْلٍ ونَحْوِهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: نَصْبُهُ بِقَوْلِهِ: "وَأوصانِي"، أيْ: وأوصانِي بِرًّا بِوالِدَتِي، حَذَفَ الجارَّ، يُرِيدُ: وأوصانِي بِبِرِّ والِدَتِي، وحَكى الزَهْراوِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ "وَبِرٍّ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "الزَكاةِ"، وقَوْلُهُ: "بِوالِدَتِي" بَيانٌ لِأنَّهُ لا والِدَ لَهُ، وبِهَذا القَوْلِ بَرَّأها قَوْمُها.

و"الجَبّارُ": المُتَعَظِّمْ، وهي خُلُقٌ مَقْرُونَةُ بِالشَقاءِ لِأنَّها مُناقِضَةٌ لِجَمِيعِ الناسِ فَلا يَلْقى صاحِبُها مِن أحَدٍ إلّا مَكْرُوهًا، وكانَ عِيسى صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ في غايَةِ التَواضُعِ، يَأْكُلُ الشَجَرَ، ويَلْبَسُ الشَعْرَ، ويَجْلِسُ عَلى التُرابِ، ويَأْوِي حَيْثُ جَنَّهُ اللَيْلُ لا مَسْكَنَ لَهُ، قالَ قَتادَةُ: وكانَ يَقُولُ: سَلُونِي فَإنَّ لَيِّنُ القَلْبِ صَغِيرٌ في نَفْسِي، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ تَسْلِيمِهِ عَلى نَفْسِهِ وإدْلالِهِ في ذَلِكَ، وذِكْرُ المَواطِنِ الَّتِي خَصَّها لِأنَّها أوقاتُ حاجَةِ الإنْسانِ إلى رَحْمَةِ اللهِ.

(p-٣١)وَقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ما أشَدَّها عَلى أهْلِ القَدْرِ، أخْبَرَ عِيسى بِما قُضِيَ مِن أمْرِهِ وبِما هو كائِنٌ إلى أنْ يَمُوتَ، وفي قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وغَيْرِهِ أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كَلامَ عِيسى وهو في المَهْدِ أذْعَنُوا وقالُوا: إنَّ هَذا لَأمْرٌ عَظِيمٌ، ورُوِيَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما تَكَلَّمَ في طُفُولَتِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ ثُمْ عادَ إلى حالَةِ الأطْفالِ حَتّى نَشَأ عَلى عادَةِ البَشَرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ عِيسى كانَ أُوتِيَ الكُتّابَ وهو في ذَلِكَ السِنِّ، وكانَ يَصُومُ ويُصَلِّي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا في غايَةِ الضَعْفِ، مُصَرِّحٌ بِجَهالَةِ قائِلِهِ.

19:34–36Page 307

ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ قَوۡلَ ٱلۡحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمۡتَرُونَ ٣٤

That is Jesus, the son of Mary - the word of truth about which they are in dispute.

مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٖۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٣٥

It is not [befitting] for Allāh to take a son; exalted is He!1 When He decrees an affair, He only says to it, "Be," and it is.

وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٣٦

[Jesus said], "And indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. That is a straight path."

قوله عزّ وجلّ:

﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿وَإنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾

المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِمُعاصِرِيكَ مِنَ اليَهُودِ والنَصارى: ذَلِكَ الَّذِي مِنهُ قِصَّةُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وإنَّما قَدَّرْنا في الكَلامِ "قُلْ" لِأنَّهُ يَجِيءُ في الآيَةِ بَعْدَ "وَإنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ"، وهَذِهِ مُقالَةُ بَشَرٍ، ولَيْسَ يَقْتَضِي ظاهِرُ الآيَةِ قائِلًا مِنَ البَشَرِ سِوى مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "ذَلِكَ عِيسى " إلى قَوْلِهِ: "فَيَكُونُ" إخْبارًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ واعْتِراضًا أثْناءَ كَلامِ عِيسى، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "وَأنْ" بِفَتْحِ الألِفِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: "الكِتابَ"، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: عَهِدَ عِيسى إلَيْهِمْ "أنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ"، ومَن كَسَرَ الألِفَ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: "إنِّي عَبْدُ اللهِ".

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعامَّةُ الناسِ: "قَوْلُ الحَقِّ"، وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "قَوْلَ الحَقِّ" بِنَصْبِ "القَوْلِ" عَلى (p-٣٢)المَصْدَرِ، وقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ المُقْرِي: كانَ يُجالِسُنِي ضَرِيرٌ ثِقَةٌ، فَقالَ: رَأيْتُ النَبِيَّ ﷺ في النَوْمِ يَقْرَأُ: "قَوْلَ الحَقِّ" نَصْبًا، قالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: وكُنْتُ أقْرَأُ بِالرَفْعِ فَحَسْبُ، فَصِرْتُ أقْرَأُ بِها جَمِيعًا، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "قالَ اللهُ" بِمَعْنى: كَلِمَةُ اللهِ، وقَرَأ عِيسى: "قالَ الحَقَّ".

وقَرَأ نافِعٌ والجُمْهُورُ، "يَمْتَرُونَ" بِالياءِ عَلى الكِنايَةِ عنهُمْ، وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ، وداوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ: "تَمْتَرُونَ" بِالتاءِ عَلى الخِطابِ لَهُمْ، والمَعْنى: تَخْتَلِفُونَ أيُّها اليَهُودُ والنَصارى، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: هو لِزَنْيَةٍ ونَحْوُ هَذا، ويَقُولُ بَعْضُهُمْ: هو اللهُ تَعالى، فَهَذا هو امْتِراؤُهُمْ، وسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ مِن بَعْدِ هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ﴾ مَعْناهُ النَفْيُ وهَذا هو مَعْنى هَذِهِ الألْفاظِ حَيْثُ وقَعَتْ، ثُمْ يُضافُ إلى ذَلِكَ بِحَسْبِ حالِ المَذْكُورِ فِيها، إمّا زَجْرٌ ونَهْيٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا﴾ [التوبة: ١٢٠]، وإمّا تَعْجِيزٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ [النمل: ٦٠]، وإمّا تَبَرُّئُهُ كَهَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن ولَدٍ﴾، دَخَلَتْ "مِن" مُؤَكِّدَةً لِلْجَحْدِ، لِنَفْيِ الواحِدِ فَما فَوْقَهُ مِمّا يَحْتَلُّهُ نَظِيرُ هَذِهِ العِبارَةِ إذا لَمْ تَدَخُّلْ "مِن"، وقَوْلُهُ: "أمْرًا" أيْ: واحِدًا مِنَ الأُمُورِ، ولَيْسَ بِمَصْدَرِ "أمَرَ يَأْمُرُ"، فَمَعْنى قَضى أوجَدَ وأخْرَجَ مِنَ العَدَمِ وهَذِهِ التَصارِيفُ في هَذِهِ الأفْعالِ مِن (p-٣٣)مُضِيٍّ واسْتِقْبالٍ هي بِحَسَبِ تَجَوُّزِ العَرَبِ واتِّساعِها، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في قَوْلِهِ تَعالى: " كُنْ فَيَكُونُ ".

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "وَأنَّ اللهَ" بِفَتْحِ الألِفِ، وذَلِكَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ﴾ و ﴿وَإنَّ اللهَ رَبِّي﴾، كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَإنَّ اللهَ" بِكَسْرِ الألِفِ، وذَلِكَ بَيِّنٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ" بِكَسْرِ الألْفِ دُونِ واوٍ.

وقَوْلُهُ: " فاعْبُدُوهُ "، وقَفَ ثُمُ ابْتَدَأ: " هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ " أيْ: ما أعْلَمَتْكم بِهِ عَنِ اللهِ تَعالى مِن وحْدانِيَّتِهِ، ونَفْيِ الوَلَدِ عنهُ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَتَنَزَّهُ عنهُ، طَرِيقٌ واضِحٌ مُفْضٍ إلى النَجاةِ ورَحْمَةِ اللهِ تَعالى.

19:37–40Page 307

فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشۡهَدِ يَوۡمٍ عَظِيمٍ ٣٧

Then the factions differed [concerning Jesus] from among them, so woe to those who disbelieved - from the scene of a tremendous Day.

أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ يَوۡمَ يَأۡتُونَنَا لَٰكِنِ ٱلظَّٰلِمُونَ ٱلۡيَوۡمَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٣٨

How [clearly] they will hear and see the Day they come to Us, but the wrongdoers today are in clear error.

وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ إِذۡ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ وَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٣٩

And warn them, [O Muḥammad], of the Day of Regret, when the matter will be concluded;1 and [yet], they are in [a state of] heedlessness, and they do not believe.

إِنَّا نَحۡنُ نَرِثُ ٱلۡأَرۡضَ وَمَنۡ عَلَيۡهَا وَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ ٤٠

Indeed, it is We who will inherit the earth and whoever is on it, and to Us they will be returned.

قوله عزّ وجلّ:

﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لَكِنِ الظالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾

هَذا ابْتِداءُ خَبَرٍ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِمُحَمَّدٍ ﷺ بِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ اخْتَلَفُوا أحْزابًا، أيْ: فِرَقًا، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَيْنِهِمْ﴾ مَعْناهُ أنَّ الِاخْتِلافَ لَمْ يَخْرُجْ عنهُمْ، بَلْ كانُوا المُخْتَلِفِينَ، ورُوِيَ في هَذا عن قَتادَةَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ جَمَعُوا مِن أنْفُسِهِمْ أرْبَعَةَ أحْبارٍ غايَةَ في المَكانَةِ والجَلالَةِ عِنْدَهُمْ، وطَلَبُوهم بِأنْ يُبَيِّنُوا أمْرَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقالَ أحَدُهُمْ: عِيسى هو اللهُ نَزَلَ إلى الأرْضِ فَأحْيا مَن أحْيا وأماتَ ثُمْ صَعِدَ، فَقالَ لَهُ الثَلاثَةُ: كَذَبْتَ، واتَّبَعَهُ اليَعْقُوبِيَّةُ، ثُمْ قِيلَ لِلثَّلاثَةِ، فَقالَ أحَدُهُمْ: عِيسى ابْنُ اللهِ، فَقالَ لَهُ الِاثْنانِ: كَذَبْتَ، واتَّبَعَهُ النَسْطُورِيَّةُ، ثُمْ قِيلَ لِلِاثْنَيْنِ، فَقالَ أحَدُهُما: عِيسى أحَدُ ثَلاثَةٍ، عِيسى إلَهٌ، ومَرْيَمُ إلَهٌ، واللهُ إلَهٌ، فَقالَ لَهُ الرابِعُ: كَذَبْتَ، واتَّبَعَهُ الإسْرائِيلِيَّةُ، فَقِيلَ لِلرّابِعِ، فَقالَ: عِيسى رُوحُ اللهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ، فاتَّبَعَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأرْبَعَةِ فَرِيقٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمُ اقْتَتَلُوا فَغُلِبَ المُؤْمِنُونَ وقُتِلُوا، وظَهَرَتِ اليَعْقُوبِيَّةُ عَلى الجَمِيعِ. (p-٣٤)وَرُوِيَ أنَّ في ذَلِكَ نَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ ويَقْتُلُونَ النَبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ الناسِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١].

و"الوَيْلُ": الحُزْنُ والثُبُورُ، وقِيلَ: ويْلٌ وادٍ في جَهَنَّمَ، ومَشْهَدُ يَوْمٍ عَظِيمٍ هو مَشْهَدُ يَوْمِ القِيامَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ ﴿مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يَوْمَ قُتِلَ المُؤْمِنُونَ حِينَ اخْتَلَفَ الأحْزابُ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾، أيْ: ما أسْمَعَهم وأبْصَرَهم يَوْمَ يَرْجِعُونَ إلَيْنا ويَرَوْنَ ما نَصْنَعُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، فَإنَّ إعْراضَهم حِينَئِذٍ يَزُولُ، ويُقْبِلُونَ عَلى الحَقِيقَةِ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإقْبالُ عَلَيْها وهم في الدُنْيا صُمْ عُمْيٌ؛ إذْ لا يَنْفَعُهُمُ النَظَرُ مَعَ إعْراضِهِمْ، ثُمْ قالَ: لَكِنَّهُمُ اليَوْمَ في الدُنْيا في ضَلالٍ، وهو جَهْلُ المَسْلَكِ، و"المُبِينُ": البَيِّنُ في نَفْسِهِ وإنْ لَمْ يُبَيَّنْ لَهُمْ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي العالِيَةِ أنَّهُ قالَ: "أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ" بِمَعْنى الأمْرِ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ ﷺ، أيْ: أسْمِعِ الناسَ اليَوْمَ وأبْصِرْهم بِهِمْ وبِحَدِيثِهِمْ، ماذا يُصْنَعُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ إذا أتَوْا مَحْشُورِينَ مَغْلُوبِينَ.

واخْتُلِفَ في ﴿يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ فَقالَ الجُمْهُورُ: هو يَوْمُ ذَبْحِ المَوْتِ، وفي هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وقَعَ في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ «أنَّ المَوْتَ يُجاءُ بِهِ في صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ، وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: كَأنَّهُ دابَّةٌ، فَيُذْبَحُ عَلى الصِراطِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنارِ، ويُنادى: يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ لا مَوْتَ، ويا أهْلَ النارِ خُلُودٌ لا مَوْتَ. ويُرْوى أنَّ أهْلَ النارِ يَشْرَئِبُّونَ إلَيْهِ رَجاءَ أنْ يَخْرُجُوا مِمّا هم فِيهِ، وأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَشْرَئِبُّونَ خَوْفًا عَلى ما هم فِيهِ، و"الأمْرُ المَقْضِيُّ" هو ذَبْحُ الكَبْشِ الَّذِي هو مِثالُ المَوْتِ»، وهَذا عِنْدَ حُذّاقِ العُلَماءِ كَما يُقالُ: (p-٣٥)تُدْفَنُ الغَوائِلُ ويُجْعَلُ التُرابُ تَحْتَ القَدَمِ ونَحْوُ ذَلِكَ، وعِنْدَ ذَلِكَ تُصِيبُ أهْلَ النارِ حَسْرَةٌ لا حَسْرَةَ مِثْلُها.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: يَوْمَ الحَسْرَةِ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وذَلِكَ أنَّ أهْلَ النارِ قَدْ حَصَلُوا مِن أوَّلِ أمْرِهِمْ في سُخْطِ اللهِ وأمارَتِهِ، فَهم في حالِ حَسْرَةٍ، و الأمْرُ المَقْضِيُّ - عَلى هَذا - هو الحَتْمُ عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ وظُهُورُ إنْفاذِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: يَوْمُ الحَسْرَةِ حِينَ يَرى الكُفّارُ مَقاعِدَهُمُ الَّتِي فاتَتْهم في الجَنَّةِ لَوْ كانُوا مُؤْمِنِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ يَوْمُ الحَسْرَةِ اسْمَ جِنْسٍ لِأنَّ هَذِهِ حَسَراتٌ كَثِيرَةٌ في مَواطِنَ عِدَّةٍ، ومِنها يَوْمُ القِيامَةِ، ومِنها وقْتُ أخْذِ الكِتابِ بِالشِمالِ وغَيْرُ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم في غَفْلَةٍ﴾، يُرِيدُ: في الدُنْيا الآنَ وهم لا يُؤْمِنُونَ كَذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ﴾ تَجَوُّزٌ وعِبارَةٌ عن فَناءِ المَخْلُوقاتِ وبَقاءِ الخالِقِ، فَكَأنَّها وِراثَةٌ، وقَرَأ عاصِمْ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، والأعْمَشُ: "يُرْجَعُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ الأعْرَجُ "تُرْجَعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنُ أبِي إسْحاقٍ، وعِيسى: "يَرْجِعُونَ" بِالياءِ مَفْتُوحَةً وكَسْرِ الجِيمِ، وحَكى عنهم أبُو عَمْرٍو: "تَرْجِعُونَ" بِالتاءِ.

19:41–46Page 308

وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا ٤١

And mention in the Book [the story of] Abraham. Indeed, he was a man of truth and a prophet.

إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا ٤٢

[Mention] when he said to his father, "O my father, why do you worship that which does not hear and does not see and will not benefit you at all?

يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ يَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا ٤٣

O my father, indeed there has come to me of knowledge that which has not come to you, so follow me; I will guide you to an even path.

يَٰٓأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا ٤٤

O my father, do not worship [i.e., obey] Satan. Indeed Satan has ever been, to the Most Merciful, disobedient.

يَٰٓأَبَتِ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيۡطَٰنِ وَلِيّٗا ٤٥

O my father, indeed I fear that there will touch you a punishment from the Most Merciful so you would be to Satan a companion [in Hellfire]."

قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنۡ ءَالِهَتِي يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ لَأَرۡجُمَنَّكَۖ وَٱهۡجُرۡنِي مَلِيّٗا ٤٦

[His father] said, "Have you no desire for my gods, O Abraham? If you do not desist, I will surely stone you, so avoid me a prolonged time."

قوله عزّ وجلّ:

﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عنكَ شَيْئًا﴾ ﴿يا أبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ ﴿يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَيْطانَ إنَّ الشَيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ ﴿يا أبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ ﴿قالَ أراغِبٌ أنْتَ عن آلِهَتِي يا إبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْ﴾ مَعْناهُ: واتْلُ وبَلِّغْ، لِأنَّ اللهَ تَعالى هو الذاكِرُ، و"الكِتابُ" هو القُرْآنُ، وهَذا ما أشْبَهَهُ مِن لِسانِ الصِدْقِ الَّذِي أبْقاهُ اللهُ عَلَيْهِمْ، و"الصِدِّيقُ"، فَعِيلٌ، بِناءُ مُبالَغَةٍ مِنَ الصِدْقِ، وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ: "إنَّهُ كانَ صادِقًا"، والصِدْقُ عُرْفُهُ في (p-٣٦)اللِسانِ، وهو مُطَّرِدٌ في الأفْعالِ والخَلْقِ إلّا أنَّهُ يُسْتَعارُ لِما لا يَعْقِلُ، فَيُقالُ: صَدَقَنِي الطَعامُ كَذا وكَذا قَفِيزًا، ويُقالُ: "عَوْدُ صِدْقٍ" لِلصُّلْبِ الجَيِّدِ.

فَكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ يُوصَفُ بِالصِدْقِ عَلى العُمُومِ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وذَلِكَ يَغْتَرِقُ صِدْقَ اللِسانِ الَّذِي يُضادُّ الكَذِبَ، وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ وُصِفَ بِصِدِّيقٍ لِكَثْرَةِ ما صَدَّقَ في تَصْدِيقِهِ بِالحَقائِقِ، وصَدَقَ في مُبادَرَتِهِ إلى الإيمانِ وما يُقَرِّبُ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى. ولِلصَّدِيقِ مَراتِبُ، ألا تَرى أنَّ المُؤْمِنِينَ صِدِّيقُونَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩].

وقَوْلُهُ: ﴿يا أبَتِ﴾، اخْتَلَفَ النُحاةُ في التاءِ مَن "أبَتِ" -فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّها عِوَضٌ مِن ياءِ الإضافَةِ، والوُقُوفُ عِنْدَهُ عَلَيْها بِالهاءِ، ومَذْهَبُ الفَرّاءِ أنْ يُوقَفَ عَلَيْها بِالتاءِ لِأنَّ الياءَ الَّتِي لِلْإضافَةِ عِنْدَهُ مَنوِيَّةٌ، وجُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى كَسْرِ التاءِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "وا أبَتِ" بِواوٍ لِلنِّداءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "يا أبَتَ" بِفَتْحِ التاءِ، ووَجْهُها أنَّهُ أرادَ: "يا أبَتا" فَحَذَفَ الألِفَ وتَرَكَ الفَتْحَةَ دالَّةٌ عَلَيْها، ووَجْهٌ آخَرُ أنَّ تَكُونَ التاءُ المُقْحَمَةُ كالَّتِي في قَوْلِهِمْ "يا طَلْحَةُ أقْبِلْ"، وفي هَذا نَظَرٌ، وقَدْ لَحَّنَ هارُونُ هَذِهِ القِراءَةَ. و"الَّذِي لا يُبْصِرُ ولا يَسْمَعُ" هو الصَنَمُ، ولَوْ سَمِعَ وأبْصَرَ كَما هي حالَةُ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ عُبِدَ لَمْ يَحْسُنْ عِبادَتُها، لَكِنْ بَيَّنَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ بِنَفْيِ السَمْعِ والبَصَرُ شُنْعَةَ الرَأْيِ في عِبادَتِها وفَسادَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ جاءَنِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ المُقاوَلَةَ بَعْدَ أنْ نُبِّئَ، و"الصِراطُ السَوِيُّ" مَعْناهُ: الطَرِيقُ المُسْتَقِيمُ، وهو طَرِيقُ الإيمانِ.

وقَوْلُهُ: ﴿يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَيْطانَ﴾ مُخاطَبَةُ بِرٍّ واسْتِعْطافٍ عَلى حالَةِ كُفْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿لا تَعْبُدِ الشَيْطانَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أبُوهُ مِمَّنْ عَبَدَ الجِنَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَ طاعَةَ الشَيْطانِ المَعْنَوِيِّ في عِبادَةِ الأوثانِ والكَفْرِ بِاللهِ عِبادَةً لَهُ. و"العَصِيُّ" فَعِيلٌ مِن عَصى يَعْصِي إذا خالَفَ الأمْرَ.

(p-٣٧)وَقَوْلُهُ: ﴿إنِّي أخافُ﴾، قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: "أخافُ" بِمَعْنى: أعْلَمُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والظاهِرُ عِنْدِي أنَّهُ خَوْفٌ عَلى بابِهِ؛ وذَلِكَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَكُنْ في وقْتِ هَذِهِ المُقاوَلَةِ أيِسًا مِن أبِيهِ، فَكانَ يَرْجُو ذَلِكَ، وكانَ يَخافُ ألّا يُؤْمِنَ ويَتَمادى عَلى كُفْرِهِ إلى المَوْتِ فَيَمَسُّهُ العَذابُ. و"الوَلِيُّ": الخالِصُ المُصاحِبُ القَرِيبُ بِنَسَبٍ أو مَوَدَّةٍ.

قالَ آزَرُ -وَهُوَ تارَخُ-: ﴿أراغِبٌ أنْتَ عن آلِهَتِي﴾، والرَغْبَةُ: مَيْلُ النَفْسِ، فَقَدْ تَكُونُ الرَغْبَةُ في الشَيْءِ، وقَدْ تَكُونُ عنهُ. وقَوْلُهُ: ﴿أراغِبٌ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و"أنْتَ" فاعِلٌ يَسُدُّ مَسَدَ الخَبَرِ، وحَسَّنَ ذَلِكَ وقَرَّبَهُ اعْتِمادُ "راغِبٌ" عَلى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "راغِبٌ" خَبَرًا مُقَدَّمًا، و"أنْتَ" مُبْتَدَأٌ، والأوَّلُ أصْوَبُ، وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿عن آلِهَتِي﴾ يُرِيدُ الأصْنامَ، وكانَ - فِيما رُوِيَ - يَنْحِتُها ويُنْجِزُها بِيَدِهِ ويَبِيعُها ويَحُضُّ عَلَيْها، فَقَرَّرَ ابْنُهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى رَغْبَتِهِ عنها عَلى جِهَةِ الإنْكارِ عَلَيْهِ، ثُمْ أخَذَ يَتَوَعَّدُهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿لأرْجُمَنَّكَ﴾ اخْتَلَفَ فِيهِ المُتَأوِّلُونَ -فَقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: بِالقَوْلِ، أيْ: لَأشْتُمَنَّكَ واهْجُرْنِي أنْتَ إذا شِئْتَ مُدَّةً مِنَ الدَهْرِ، أو سالِمًا، حَسَبَ الخِلافِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ رَحِمَهُ اللهُ: مَعْناهُ: لَأرْجُمَنَّكَ بِالحِجارَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: لَأقْتُلَنَّكَ.

وهَذانِ القَوْلانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿واهْجُرْنِي﴾ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - إنَّما يَتَرَتَّبُ بِأنَّهُ أمَرَ عَلى حَياتِهِ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ لَمْ تَنْتَهِ قَتَلَتُكَ بِالرَجْمِ، ثُمْ قالَ لَهُ: واهْجُرْنِي، أيْ: مَعَ انْتِهائِكَ، كَأنَّهُ جَزَمَ لَهُ الأمْرَ بِالهِجْرَةِ، وإلّا فَمَعَ الرَجْمِ لا تَتَرَتَّبُ الهِجْرَةُ. و"مَلِيًّا" (p-٣٨)مَعْناهُ: دَهْرًا طَوِيلًا، مَأْخُوذٌ مِنَ المَلَوَيْنِ، وهُما اللَيْلُ والنَهارُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، الحَسَنِ، ومُجاهِدِ، وغَيْرِهِما، فَهو ظَرْفٌ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مَلِيًّا" مَعْناهُ: سَلِيمًا سَوِيًّا، فَهو حالٌ مِن [إبْراهِيمُ] عَلَيْهِ السَلامُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وتَلْخِيصُ هَذا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى قَوْلِهِ: مُسْتَبِدًّا بِحالِكَ عَنِّي غَنِيًّا، مَلِيًّا بِالِاكْتِفاءِ.

19:47–50Page 308

قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا ٤٧

[Abraham] said, "Peace [i.e., safety] will be upon you.1 I will ask forgiveness for you of my Lord. Indeed, He is ever gracious to me.

وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّي عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّٗا ٤٨

And I will leave you and those you invoke other than Allāh and will invoke1 my Lord. I expect that I will not be in invocation to my Lord unhappy [i.e., disappointed]."

فَلَمَّا ٱعۡتَزَلَهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا نَبِيّٗا ٤٩

So when he had left them and those they worshipped other than Allāh, We gave him Isaac and Jacob, and each [of them] We made a prophet.

وَوَهَبۡنَا لَهُم مِّن رَّحۡمَتِنَا وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ لِسَانَ صِدۡقٍ عَلِيّٗا ٥٠

And We gave them of Our mercy, and We made for them a mention [i.e., reputation] of high honor.

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ ﴿وَأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ وأدْعُو رَبِّي عَسى ألا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وكُلا جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ ﴿وَوَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾

قَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ: "سَلامًا" بِالنَصْبِ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مَعْنى تَسْلِيمِهِ عَلَيْهِ - فَقالَ بَعْضُهُمْ: هي تَحِيَّةُ مُفارِقٍ، وجَوَّزُوا تَحِيَّةَ الكافِرِ، وأنْ يُبْدَأ بِها، وقالَ الجُمْهُورُ: ذَلِكَ التَسْلِيمُ بِمَعْنى المُسالَمَةِ لا بِمَعْنى التَحِيَّةِ، قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: أمَنَةٌ مِنِّي لَكَ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهم لا يَرَوْنَ ابْتِداءَ الكافِرِ بِالسَلامِ. وقالَ النَقّاشُ: حَلِيمٌ خاطَبَ سَفِيهًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، ورَفْعَ "السَلامُ" بِالِابْتِداءِ، وجازَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً مُخَصَّصَةً، فَقَرُبَتْ مِنَ المَعْرِفَةِ، ولِأنَّهُ في مَوْضِعِ المَنصُوبِ الَّذِي هُوَ: سَلَّمْتَ سَلامًا، وهَذا كَما يَجُوزُ ذَلِكَ فِيما هو في مَعْنى الفاعِلِ، كَقَوْلِهِمْ: "شَرٌّ أهَرَّ ذا نابٌ"، هَذا مَقالُ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ.

(p-٣٩)وَقَوْلُهُ: ﴿سَأسْتَغْفِرُ﴾ مَعْناهُ: سَأدْعُو اللهَ تَعالى في أنْ يَهْدِيَكَ، فَيَغْفِرُ لَكَ بِإيمانِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا أظْهَرُ مِن أنْ يُتَأوَّلَ عَلى إبْراهِيمَ الخَلِيلِ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللهَ تَعالى لا يَغْفِرُ لِكافِرٍ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ أوَّلَ نَبِيٍّ أُوحِيَ إلَيْهِ أنْ لا يُغْفَرُ لِكافِرٍ؛ لِأنَّ هَذِهِ العَقِيدَةَ إنَّما طَرِيقُها السَمْعُ، فَكانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ مِنهُ لِأبِيهِ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ ذَلِكَ، وإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما تَبَيَّنَ لَهُ في أبِيهِ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ بِأحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا بِمَوْتِهِ عَلى الكُفْرِ كَما رُوِيَ، وإمّا بِأنْ أُوحِيَ إلَيْهِ تَعَسُّفُ الحَتْمِ عَلَيْهِ. وقالَ مَكِّيٌّ عَنِ السُدِّيِّ: أخَّرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ إلى السَحَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا تَعَسُّفٌ، وإنَّما ذُكِرَ ذَلِكَ في أمْرِ يَعْقُوبَ وبَنِيهِ، وأمّا هَذا فَوَعْدٌ بِاسْتِغْفارٍ كَثِيرٍ مُؤْتَنِفٍ، فالسِينُ مُتَمَكِّنَةٌ.

و"الحَفِيُّ": المُبْتَهِلُ المُتَلَطِّفُ، وهَذا شُكْرٌ مِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لِنِعَمِ اللهِ تَعالى عَلَيْهِ. ثُمْ أخْبَرَهُ أنَّهُ يَعْتَزِلُهُمْ، أيْ: يَصِيرُ عنهم بِمَعْزِلٍ، ويُرْوى أنَّهم كانُوا بِأرْضِ كَوْثى، فانْتَقَلَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ إلى الشامِ، وفي هِجْرَتِهِ تِلْكَ لَقِيَ الجَبّارُ الَّذِي أخْدَمَ هاجَرَ بِسارَّةَ.... الحَدِيثُ بِطُولِهِ. و"تَدْعُونَ": تَعْبُدُونَ. وقَوْلُهُ: "عَسى" تَرَجٍّ وفي ضِمْنِهِ خَوْفٌ شَدِيدٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ﴾ الآيَةُ إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا رَحَلَ عن بَلَدِ أبِيهِ وبَلَدِ قَوْمِهِ عَوَّضَهُ اللهُ مِن ذَلِكَ ابْنَهُ إسْحاقَ وابْنَ ابْنِهِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِما السَلامُ، وجُعِلَ لَهُ الوَلَدُ تَسْلِيَةً وشَدًّا لِعَضُدِهِ، وإسْحاقُ أصْغَرُ مِن إسْماعِيلَ ؛ ولَمّا حَمَلَتْ هاجَرُ بِإسْماعِيلَ غارَتْ سارَّةُ فَحَمَلَتْ بِإسْحاقَ فِيما رُوِيَ.

(p-٤٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا﴾ يُرِيدُ العِلْمَ والمَنزِلَةَ والشَرَفَ في الدُنْيا والنَعِيمَ في الآخِرَةِ، كُلُّ ذَلِكَ مِن رَحْمَةِ اللهِ، و"لِسانُ الصِدْقِ" هو الثَناءُ الباقِي عَلَيْهِمْ آخِرَ الأبَدِ، قالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما. واللِسانُ في كَلامِ العَرَبِ المَقالَةُ الذائِعَةُ كانَتْ في خَيْرٍ أو شَرٍّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ إنِّي أتَتْنِي لِسانٌ لا أُسِرُّ بِها مِن عُلُوٍّ لا كَذِبَ فِيها ولا سَخِرَ

وقالَ آخَرٌ:

؎ نَدِمْتُ عَلى لِسانٍ فاتَ مِنِّي ∗∗∗..............

وإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ - وذُرِّيَّتُهُ - مُعَظَّمٌ في جَمِيعِ الأُمَمِ والمَمالِكِ، صَلّى اللهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ.

(p-٤١)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском