Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:66–80
19:66–69Page 310
وَيَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوۡفَ أُخۡرَجُ حَيًّا ٦٦
And man [i.e., the disbeliever] says, "When I have died, am I going to be brought forth alive?"
أَوَلَا يَذۡكُرُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ يَكُ شَيۡـٔٗا ٦٧
Does man not remember that We created him before, while he was nothing?
فَوَرَبِّكَ لَنَحۡشُرَنَّهُمۡ وَٱلشَّيَٰطِينَ ثُمَّ لَنُحۡضِرَنَّهُمۡ حَوۡلَ جَهَنَّمَ جِثِيّٗا ٦٨
So by your Lord, We will surely gather them and the devils; then We will bring them to be present around Hell upon their knees.1
ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمۡ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ عِتِيّٗا ٦٩
Then We will surely extract from every sect those of them who were worst against the Most Merciful in insolence.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَيَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهم والشَياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَحْمَنِ عِتِيًّا﴾
"الإنْسانُ" اسْمٌ لِلْجِنْسِ يُرادُ بِهِ الكافِرُونَ، ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ هو أنَّ رِجالًا مِن قُرَيْشٍ كانُوا يَقُولُونَ هَذا ونَحْوَهُ، ورُوِيَ أنَّ القائِلَ هو أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، جاءَ إلى النَبِيِّ ﷺ بِعَظْمِ رُفاتٍ فَنَفَخَ فِيهِ وقالَ: أيُبْعَثُ هَذا؟ وكَذَّبَ وسَخِرَ، وقِيلَ: إنَّ القائِلَ هو العاصِي بْنُ وائِلٍ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو: "أإذا" بِالِاسْتِفْهامِ الظاهِرِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إذا" دُونَ ألِفِ اسْتِفْهامٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ هَذا مُسْتَوْعَبًا. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مِتُّ" بِكَسْرِ المِيمِ، وقَرَأْتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّها واللامُ في قَوْلِهِ: "لَسَوْفَ" مَجْلُوبَةٌ عَلى الحِكايَةِ لِكَلامٍ مُعْلِمْ بِهَذا المَعْنى، كَأنَّ قائِلًا قالَ لِلْكافِرِ: إذا مُتَّ يا فُلانُ لَسَوَفَ تُخْرَجُ حَيًّا، فَقَرَّرَهُ الكافِرُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِبْعادِ، وكَرَّرَ الكَلامَ حِكايَةُ لِلْقَوْلِ الأوَّلِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أُخْرَجُ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ - بِخِلافٍ - وأبُو حَيْوَةَ: "أخْرُجُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وضَمِّ الراءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ﴾ الآيَةُ احْتِجاجٌ، خاطَبَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ رادًّا عَلى مَقالَةِ الكافِرِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ: أوَلا يَذْكُرُ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أوَلا يَذَّكَّرُ" بِشَدِّ الذالِ والكافِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: " أوَلا يَتَذَكَّرُ"، والنَشْأةُ الأُولى والإخْراجُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ أوضَحُ دَلِيلٍ عَلى جَوازِ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، ثُمْ قَرَّرَ ذَلِكَ وأوجَبَهُ السَمْعُ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَعْدُومَ لا يُسَمّى شَيْئًا، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أرادَ شَيْئًا مَوْجُودًا.
(p-٥٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ فَتَأمَّلْها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ الآيَةُ وعِيدٌ يَكُونُ مابَعْدَهُ عَلى أصْعَبِ وُجُوهِهِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾، عائِدٌ لِلْكُفّارِ القائِلِينَ ما تَقَدَّمَ، ثُمْ أخْبَرَ أنَّهُ يَقْرِنُ بِهِمُ الشَياطِينَ المُغْوِينَ لَهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿جِثِيًّا﴾ جَمْعُ جاثٍ كَقاعِدٍ وقُعُودٍ وجالِسِ وجُلُوسٍ، وأصْلُهُ: جُثُووًا، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ واوٌ مُتَطَرِّفَةٌ قَبْلَها ضَمَّةٌ فَوَجَبَ أنْ تُعَلَّ، ولَمْ يُعْتَدَّ ها هُنا بِالساكِنِ الَّذِي بَيْنَهُما لِخِفَّتِهِ وقِلَّةِ حَوْلِهِ فَقُلِبَتْ ياءٌ فَجاءَ جُثُويًا، فاجْتَمَعَ الواوُ والياءُ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُكُونِ فَقُلِبَتْ ياءٌ، ثُمْ أُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ ثُمْ كُسِرَتِ الثاءُ لِلتَّناسُبِ بَيْنَ الكَسْرَةِ والياءِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ "جُثِيًّا" و"صُلِيًّا" بِضَمِّ الجِيمِ والصادِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابُ والأعْمَشُ: "جِثِيًّا" و"صِلِيًّا" بِكَسْرِ الجِيمِ والصادِ. وأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ يُحْضِرُ هَؤُلاءِ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ مَعَ الشَياطِينِ فَيَجْثُونَ حَوْلَ جَهَنَّمَ، وهي قَعْدَةُ الخائِفِ الذَلِيلِ عَلى رُكْبَتَيْهِ كالأسِيرِ ونَحْوِهُ، قالَ قَتادَةُ: "جِثِيًّا" مَعْناهُ: عَلى رُكَبِهِمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الجِثِيُّ شَرُّ الجُلُوسِ.
و"الشِيعَةُ": الفِرْقَةُ المُرْتَبِطَةُ بِمَذْهَبٍ واحِدٍ، المُتَعاوِنَةُ فِيهِ، كَأنَّ بَعْضَهم يُشِيعُ بَعْضًا، أيْ يُنَبِّهُ مِنهُ، ومِنهُ تَشْيِيعُ النارِ بِالحَطَبِ، وهو وقْدُها بِهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ومِنهُ قِيلَ لِلشُّجاعِ: مُشِيعُ القَلْبِ، فَأخْبَرَ اللهُ أنَّهُ يُنْزَعُ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أعْتاها وأولاها بِالعَذابِ فَتَكُونُ تِلْكَ مُقَدِّمَتَها إلى النارِ، قالَ أبُو الأحْوَصِ: المَعْنى: نَبْدَأُ بِالأكابِرِ جُرْمًا، ثُمْ أخْبَرَ تَعالى في الآيَةِ بَعْدُ أنَّهُ أعْلَمُ بِمُسْتَحِقِّي ذَلِكَ وأبْصَرُ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَخْفَ عَلَيْهِ حالُهم مِن أوَّلِها إلى آخِرِها.
وقَرَأ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ، ومُعاذُ بْنُ مُسْلِمْ، وهارُونُ القارِئُ: "أيَّهُمْ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أيُّهُمْ" بِالضَمِّ، إلّا أنَّ طَلْحَةَ والأعْمَشَ سَكَّنا مِيمَ "أيُّهُمْ"، واخْتَلَفَ الناسُ في وجْهِ رَفْعِ "أيُّ" - فَقالَ الخَلِيلُ: رَفْعُهُ عَلى الحِكايَةِ بِتَقْدِيرِ: الَّذِي يُقالُ فِيهِ مِن أجْلِ عُتُوِّهِ: أيُّهم أشَدُّ، وقَرَنَهُ بِقَوْلِ الشاعِرِ:(p-٥٥)
؎ ولَقَدْ أبِيتُ مِنَ الفَتاةِ بِمَنزِلٍ فَأبِيتُ لا حَرِجَ ولا مَحْرُومَ
أيْ: فَأبِيتُ يُقالُ فِيَّ: لا حَرِجَ ولا مَحْرُومَ، ورَجَّحَ الزَجّاجُ قَوْلَ الخَلِيلِ، وذَكَرَ عنهُ النَحّاسُ أنَّهُ غَلَّطَ سِيبَوَيْهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ يَجُوزَ: أضْرِبُ السارِقُ الخَبِيثُ، أيِ الَّذِي يُقالُ لَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولَيْسَ بِلازِمٍ؛ مِن حَيْثُ هَذِهِ أسْماءٌ مُفْرَدَةٌ والآيَةُ جُمْلَةٌ، وتَسَلُّطُ الفِعْلِ عَلى المُفْرَدِ أعْظَمُ مِنهُ عَلى الجُمْلَةِ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ "أيُّهُمْ" مَبْنِيٌّ عَلى الضَمِّ؛ إذْ هي أُخْتٌ لِـ "الَّذِي" ولِـ "ما"، وخالَفَتْهُما في جَوازِ الإضافَةِ فِيها فَأُعْرِبَتْ لِذَلِكَ، فَلَمّا حُذِفَ مِن صِلَتِها ما يَعُودُ عَلَيْها ضَعُفَتْ فَرَجَعَتْ إلى البِناءِ، وكانَ التَقْدِيرُ: أيُّهم هو أشَدُّ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: حُذِفَ ما الكَلامُ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ فَوَجَبَ البِناءُ، وقالَ يُونُسُ: عُلِّقَ عنها الفِعْلُ فارْتَفَعَتْ بِالِابْتِداءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ مُعْمَلٌ في مَوْضِعِ "مِن كُلِّ شِيعَةٍ" إلّا أنَّهُ مُلْغى لِأنَّهُ تَعَلَّقَ جُمْلَةً، إلّا أفْعالَ الشَكِّ كَظَنَنْتُ ونَحْوِها مِمّا لَمْ يَتَحَقَّقُ وُقُوعُهُ. وقالَ الكِسائِيُّ: ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾ مَعْناهُ: لِنُنادِيَنَّ، فَعُومِلَ مُعامَلَةَ الفِعْلِ المُرادِ فَلَمْ يَعْمَلْ في "أيُّ"، وقالَ المُبَرِّدُ: "أيُّهُمْ" مُتَعَلِّقٌ بِـ "شِيعَةٍ" فَلِذَلِكَ ارْتَفَعَ، والمَعْنى: مِنَ الَّذِينَ تَشايَعُوا أيُّهم أشَدُّ، كَأنَّهم يَتَبارَوْنَ إلى هَذا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَلْزَمُهُ أنْ يُقَدِّرَ مَفْعُولًا لِـ "نَنْزِعَنَّ" مَحْذُوفًا.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أيُّهم أكْبَرُ". و"عِتِيًّا" مَصْدَرٌ، أصْلُهُ: عُتُووًا، وأُعِلَّ بِما أُعِلَّ بِهِ "جِثِيًّا"، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: «يَنْدَلِقُ عُنُقٌ مِنَ النارِ (p-٥٦)فَيَقُولُ: إنِّي أُمِرْتُ بِكُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ، فَتَلْتَقِطُهم...» الحَدِيثُ.
19:70–72Page 310
ثُمَّ لَنَحۡنُ أَعۡلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمۡ أَوۡلَىٰ بِهَا صِلِيّٗا ٧٠
Then, surely it is We who are most knowing of those most worthy of burning therein.
وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَاۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتۡمٗا مَّقۡضِيّٗا ٧١
And there is none of you except he will come to it.1 This is upon your Lord an inevitability decreed.
ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّٗا ٧٢
Then We will save those who feared Allāh and leave the wrongdoers within it, on their knees.
قوله عزّ وجلّ:
﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينَ هم أولى بِها صِلِيًّا﴾ ﴿وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾
أيْ: نَحْنُ في ذَلِكَ النَزْعِ لا نَضَعُ شَيْئًا غَيْرَ مَوْضِعِهِ؛ لِأنَّنا قَدْ أحَطْنا عِلْمًا بِكُلِّ أحَدٍ، فالأولى بَصِلِيِّ النارِ نَعْرِفُهُ، و"الصِلِيُّ" مَصْدَرُ صَلِيَ يَصْلى إذا باشَرَهُ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَعْنى: أولى بِالخُلُودِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ حَتْمٌ، والواوُ تَقْتَضِيهِ، ويُفَسِّرُهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: «مَن ماتَ لَهُ ثَلاثٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ تَمَسَّهُ النارُ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ». وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وعِكْرِمَةُ، وجَماعَةٌ: "وَإنْ مِنهُمْ" بِالهاءِ، عَلى إرادَةِ الكُفّارِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَلا شَغَبَ في هَذِهِ القِراءَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ الجُمْهُورِ القارِئِينَ "مِنكُمْ": المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، فَإنَّما المُخاطَبُ بِـ "مِنكُمُ" الكَفَرَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وتَأْوِيلُ هَؤُلاءِ أيْضًا سَهْلُ التَناوُلِ.
وقالَ الأكْثَرُ: المُخاطَبُ العالَمُ كُلُّهُ، ولا بُدَّ مِن وُرُودِ الجَمِيعِ، واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ (p-٥٧)وُرُودِ المُؤْمِنِينَ - فَقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ، وخالِدُ بْنُ مَعْدانَ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وغَيْرُهُمْ: وُرُودُ دُخُولٍ، لَكِنَّها لا تَعْدُو عَلى المُؤْمِنِينَ، ثُمْ يُخْرِجُهُمُ اللهُ مِنها بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ بِحَقِيقَةِ ما نَجَوا مِنهُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ المَسْألَةِ لِنافِعِ بْنِ الأزْرَقِ الخارِجِيِّ: أمّا أنا وأنْتَ فَلا بُدَّ أنْ نَرِدُها، فَأمّا أنا فَيُنَجِّينِي اللهُ مِنها، وأمّا أنْتَ فَما أظُنُّهُ يُنَجِّيكَ، وقالُوا: في القُرْآنِ أرْبَعَةُ أورادٍ مَعْناها الدُخُولِ، هَذا أحَدُها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأورَدَهُمُ النارَ﴾ [هود: ٩٨]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦]، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، وقالُوا: كانَ مِن دُعاءِ بَعْضِ السَلَفِ: "اللهم أدْخِلْنِي النارَ سالِمًا، وأخْرِجْنِي مِنها غانِمًا". ورَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: الوُرُودُ في هَذِهِ الآيَةِ هو الدُخُولُ». وأشْفَقَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ مِن تَحَقُّقِ الوُرُودِ والجَهْلِ بِالصُدُورِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هو وُرُودُ إشْرافٍ واطِّلاعٍ وقُرْبٍ، كَما تَقُولُ: ورَدْتُ الماءَ إذا جِئْتَهُ، ولَيْسَ يَلْزَمُ أنْ تَدْخُلَ فِيهِ، قالُوا: وحَسْبُ المُؤْمِنِينَ بِهَذا هَوْلًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣].
(p-٥٨)وَرَوَتْ فِرْقَةٌ أنَّ اللهَ تَعالى يَجْعَلُ يَوْمَ القِيامَةِ النارَ جامِدَةَ الأعْلى كَأنَّها هالَةٌ، فَيَأْتِي الخَلْقُ كُلُّهم بِرُّهم وفاجِرُهُمْ، فَيَقِفُونَ عَلَيْها، ثُمْ تَسُوخُ بِأهْلِها، ويَخْرُجُ المُؤْمِنُونَ الفائِزُونَ ولَمْ يَنُلْهم ضُرٌّ، فَقالُوا: هَذا هو الوُرُودُ.
ورَوَتْ حَفْصَةُ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا يَدْخُلُ النارَ أحَدٌ مِن أهْلِ بَدْرٍ والحُدَيْبِيَةَ "، فَقالَتْ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، وأيْنَ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ ؟، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "فَمَهْ، ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾»، ورَجَّحَ الزُجاجُ هَذا القَوْلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عنها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١].
وذَكَرَ النِقاشُ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: نُسِخَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عنها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا ضَعِيفٌ، ولَيْسَ هَذا مَوْضِعَ نَسْخٍ.
وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: وُرُودُهم هو جَوازُهم عَلى الصِراطِ، وذَلِكَ أنَّ الحَدِيثَ الصَحِيحَ تَضَمَّنَ أنَّ الصِراطَ مَضْرُوبٌ عَلى جِسْرِ جَهَنَّمَ، فَيَمُرُّ الناسُ كالبَرْقِ الخاطِفِ، وكالرِيحِ، وكالجَوادِ مِنَ الخَيْلِ، عَلى مَراتِبَ، ثُمْ يَسْقُطُ الكافِرُ في جَهَنَّمَ وتَأْخُذُهم كَلالِيبُ، قالُوا: فالجَوازُ عَلى الصِراطِ هو الوُرُودُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: وُرُودُ المُؤْمِنِينَ هو الحُمّى الَّتِي تُصِيبُهم في دارِ الدُنْيا، وفي الحَدِيثِ «الحُمّى مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأبْرِدُوها بِالماءِ»، وفي الحَدِيثِ أيْضًا «الحُمّى حَظُّ كُلِّ (p-٥٩)مُؤْمِنٍ مِنَ النارِ»، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ لِرَجُلٍ مَرِيضٍ عادَهُ مِنَ الحُمّى: «إنَّ اللهَ يَقُولُ: هي نارِي أُسَلِّطُها عَلى عَبْدِي المُؤْمِنِ لِتَكُونَ حَظَّهُ مِن نارِ الآخِرَةِ» فَهَذا هو الوُرُودُ.
و"الحَتْمُ": الأمْرُ المُنَفَّذُ المَجْذُومُ، وقَرَأ أبِيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "ثُمْ" بِفَتْحِ الثاءِ عَلى الظَرْفِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي لَيْلى: "ثَمَّةَ" بِفَتْحِ الثاءِ وهاءُ السَكْتِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ، وجُمْهُورٌ مِنَ الناسِ: "نُنَجِّي" بِفَتْحِ النُونِ الثانِيَةِ وشَدِّ الجِيمِ، وقَرَأ يَحْيى، والأعْمَشُ: "نُنْجِي" بِسُكُونِ النُونِ الثانِيَةِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "نُجِّيَ" بِضَمِّ النُونِ واحِدَةٌ وشَدِّ جِيمٍ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ثُمْ" بِفَتْحِ الثاءِ "نُحِّيَ" بِالحاءِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ.
و﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ مَعْناهُ: اتَّقَوُا الكُفْرَ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا يَضِيعُ أحَدٌ بَيْنَ الإيمانِ والشَفاعَةِ. و"نَذَرُ" دالَّةٌ عَلى أنَّهم كانُوا فِيها، و"الظُلْمُ" هُنا هو ظُلْمُ الكَفْرِ. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في قَوْلِهِ: " جِثِيًّا "، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "ثُمْ نُنْجِي الَّذِينَ اتَّقَوْا مِنها ونَتْرُكُ الظالِمِينَ".
19:73–75Page 310
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ خَيۡرٞ مَّقَامٗا وَأَحۡسَنُ نَدِيّٗا ٧٣
And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who disbelieve say to those who believe, "Which of [our] two parties is best in position and best in association?"1
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَحۡسَنُ أَثَٰثٗا وَرِءۡيٗا ٧٤
And how many a generation have We destroyed before them who were better in possessions and [outward] appearance?
قُلۡ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَٰلَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَدًّاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوۡاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلۡعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعۡلَمُونَ مَنۡ هُوَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضۡعَفُ جُندٗا ٧٥
Say, "Whoever is in error - let the Most Merciful extend for him an extension [in wealth and time] until, when they see that which they were promised - either punishment [in this world] or the Hour [of resurrection] - they will come to know who is worst in position and weaker in soldiers."
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَحْمَنُ مَدًّا﴾
قَرَأ الأعْرَجُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "يُتْلى" بِالياءِ مِن تَحْتٍ.
وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ لِما كانَ الرَجُلُ مِنهم يُكَلِّمُ المُؤْمِنَ في مَعْنى الدِينِ فَيَقْرَأُ المُؤْمِنُ عَلَيْهِ القُرْآنَ، ويَبْهَرُهُ بِآياتِ النَبِيِّ ﷺ، كانَ الكافِرُ مِنهم يَقُولُ: إنَّ اللهَ إنَّما يُحْسِنُ لِأحَبِّ الخَلْقِ إلَيْهِ، وإنَّما يُنْعِمْ عَلى أهْلِ الحَقِّ، ونَحْنُ قَدْ أنْعَمَ عَلَيْنا دُونَكُمْ، فَنَحْنُ أغْنِياءُ وأنْتُمْ فُقَراءُ، ونَحْنُ أحْسَنُ مَجْلِسًا وأجْمَلُ شارَةً، فَهَذا المَعْنى ونَحْوَهُ هو المَقْصُودُ بِالتَوْقِيفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ﴾ ؟
(p-٦٠)وَقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "مَقامًا" بِفَتْحِ المِيمِ، و"لا مَقامَ لَكُمْ" بِالفَتْحِ أيْضًا، وهو المَصْدَرُ مَن قامَ، أوِ الظَرْفُ مِنهُ في مَوْضِعِ القِيامِ. وهَذا يَقْتَضِي لَفْظَ المَقامُ، إلّا أنَّ المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ يُحْرِزُ أنَّهُ واقِعٌ عَلى الظَرْفِ فَقَطْ، وقَرَأ أبِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فِي مُقامٍ أمِينٍ"، بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "مُقامًا" بِضَمِّ المِيمِ، وهو ظَرْفٌ مَن أقامَ، وكَذَلِكَ أيْضًا مِنَ المَصْدَرِ مِنهُ مِثْلَ "مَجْراها ومُرْساها" وقَرَأ: "فِي مَقامٍ أمِينٍ" و"لا مَقامَ لَكُمْ" بِالفَتْحِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ جَمِيعُهَنَّ بِالفَتْحِ، ورَوى حَفْصٌ عن عاصِمْ "لا مُقامَ لَكُمْ" بِالضَمِّ.
و"النَدِيُّ" والنادِي: المَجْلِسُ فِيهِ الجَماعَةُ، ومِنهُ قَوْلُ حاتِمُ الطائِيِّ:
؎ ودُعِيَتُ في أُولى النَدِيِّ ولِمْ يُنْظَرْ إلَيَّ بِأعْيُنٍ خُزْرِ
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ﴾ مُخاطَبَةً مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، خَبَرٌ يَتَضَمَّنُ كَسْرَ حُجَّتِهِمْ واحْتِقارَ أمْرِهِمْ؛ لَأنَّ التَقْدِيرَ: هَذا الَّذِي افْتَخَرُوا بِهِ لا قَدْرَ لَهُ عِنْدَ اللهِ، ولَيْسَ بِمُنْجٍ لَهُمْ، فَكَمْ أهْلَكَ اللهُ مِنَ الأُمَمِ لَمّا كَفَرُوا وهم أشَدُّ مِن هَؤُلاءِ وأكْثَرُ أمْوالًا وأجْمَلَ مَنظَرًا. و"القَرْنُ": الأُمَّةُ يَجْمَعُها العَصْرُ الواحِدُ، واخْتَلَفَ الناسُ في قَدْرِ المُدَّةِ الَّتِي إذا اجْتَمَعَتْ أُمَّةٌ سُمِّيَتْ تِلْكَ الأُمَّةُ قَرْنًا - فَقِيلَ: مِائَةُ سَنَةٍ، وقِيلَ: ثَمانُونَ سَنَةً، وقِيلَ: سَبْعُونَ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا غَيْرَ مَرَّةٍ. و"الأثاثُ": المالُ العَيْنُ والعَرَضُ والحَيَوانُ، وهو اسْمٌ عامٌّ، واخْتَلَفَ، هَلْ هو جَمْعٌ أو إفْرادٌ؟ فَقالَ الفَرّاءُ: هو اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كالمَتاعِ، وقالَ خَلَفُ الأحْمَرِ، هو جَمْعٌ واحِدُهُ أثاثَةٌ، كَحَمامَةٍ وحَمامٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٦١)
؎ أشاقَتْكَ الظَعائِنُ يَوْمَ بانُوا ∗∗∗ بِذِي الرِئِيِ الجَمِيلِ مِنَ الأثاثِ؟
وأنْشَدَ أبُو العَبّاسِ:
؎ لَقَدْ عَلِمَتْ عُرَيْنَةُ حَيْثُ كانُوا ∗∗∗ بِأنّا نَحْنُ أكْثَرُهم أثاثًا
وقَرَأ نافِعٌ - بِخِلافٍ - وأهْلُ المَدِينَةِ: "وَرِيًّا" بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ فِيما رُوِيَ عنهُ، وطَلْحَةُ: "وَرِيًا" بِياءٍ مُخَفَّفَةٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ، وحَمْزَةَ، والكِسائِيُّ: "وَرَءْيًا" بِهَمْزَةٍ بَعْدَها ياءٌ، عَلى وزْنِ رَعْيًا، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ، وابْنُ عامِرٍ، رَواها أشْهَبُ عن نافِعٍ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ: "وَرِيئًا" بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها هَمْزَةٌ، وهو عَلى القَلْبِ، وزْنُهُ فَلِعًا، وكَأنَّهُ مِن راءَ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ وكُلُّ خَلِيلٍ راءَنِي فَهو قائِلٌ ∗∗∗ مِن أجْلِكَ: هَذا هامَةُ اليَوْمِ أو غَدِ
(p-٦٢)فَأمّا القِراءَتانِ المَهْمُوزَتانِ فَهُما مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، الرِئِيُ اسْمُ المَرْئِيِّ والظاهِرُ لِلْعَيْنِ كالطَحْنِ والسَقْيِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرِئِيُ: المَنظَرُ، قالَ الحَسَنَ: ورِيًّا بِمَعْناهُ، وأمّا المُشَدَّدَةُ الياءِ فَقِيلَ: هي بِمَعْنى المَهْمُوزَةِ إلّا أنَّ الهَمْزَةَ خُفِّفَتْ لِتَسْتَوِيَ رُؤُوسِ الآيِ. وذَكَرَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ مِنَ الرَيِّ في السُقْيا، كَأنَّهُ أرادَ أنَّهم خَيْرٌ مِنهم بِلادًا وأطْيَبُ أرْضًا وأكْثَرُ نِعَمًا؛ إذْ جُمْلَةُ النِعَمِ إنَّما هي مِن والمَطَرِ، وأمّا القِراءَةُ المُخَفَّفَةُ الياءِ فَضَعِيفَةُ الوَجْهِ، وقَدْ قِيلَ: هي لَحْنٌ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ويَزِيدُ البَرْبَرِيِّ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: "وَزِيًّا" بِالزايِ، وهو بِمَعْنى المَلْبَسُ وهَيْئَتُهُ، تَقُولُ: زُيِّيَتْ بِمَعْنى: زَيَّنَتْ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَلالَةِ﴾ فَقَوْلٌ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الدُعاءِ والِابْتِهالِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: الأضَلُّ مِنّا أو مِنكم مَدَّ اللهُ لَهُ حَتّى يَؤُولُ ذَلِكَ إلى عَذابِهِ. والمَعْنى الآخَرُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الخَبَرِ كَأنَّهُ يَقُولُ: مَن كانَ ضالًّا مِنَ الأُمَمِ فَعادَةُ اللهِ فِيهِ أنَّهُ يَمُدُّ لَهُ ولا يُعاجِلُهُ حَتّى يُفْضِيَ ذَلِكَ إلى عَذابِهِ في الآخِرَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فاللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَلْيَمْدُدْ" عَلى المَعْنى الأوَّلِ لامُ رَغْبَةٍ في صِيغَةِ الأمْرِ، وعَلى المَعْنى الثانِي لامُ أمْرٍ دَخَلَتْ في مَعْنى الخَبَرِ لِيَكُونَ أوكَدَ وأقْوى، وهَذا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ وفَصاحَتِها.
19:76–80Page 310
وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ هُدٗىۗ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٞ مَّرَدًّا ٧٦
And Allāh increases those who were guided, in guidance, and the enduring good deeds are better to your Lord1 for reward and better for recourse.
أَفَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالٗا وَوَلَدًا ٧٧
Then, have you seen he who disbelieved in Our verses and said, "I will surely be given wealth and children [in the next life]"?
أَطَّلَعَ ٱلۡغَيۡبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا ٧٨
Has he looked into the unseen, or has he taken from the Most Merciful a promise?
كـَلَّاۚ سَنَكۡتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلۡعَذَابِ مَدّٗا ٧٩
No! We will record what he says and extend [i.e., increase] for him from the punishment extensively.
وَنَرِثُهُۥ مَا يَقُولُ وَيَأۡتِينَا فَرۡدٗا ٨٠
And We will inherit him [in] what he mentions,1 and he will come to Us alone.
قوله عزّ وجلّ:
﴿حَتّى إذا رَأوا ما يُوعَدُونَ إمّا العَذابَ وإمّا الساعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا وأضْعَفُ جُنْدًا﴾ [مريم: ٧٥] ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى والباقِياتُ الصالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لأُوتَيَنَّ مالا ووَلَدًا﴾ ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا﴾ ﴿كَلا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْدًا﴾
"حَتّى" في هَذِهِ الآيَةِ حَرْفُ ابْتِداءٍ دَخَلَتْ عَلى جُمْلَةٍ، وفِيها مَعْنى الغايَةِ، و"إذا" (p-٦٣)شَرْطٌ، وجَوابُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ [مريم: ٧٥]، و"الرُؤْيَةُ" رُؤْيَةُ العَيْنِ، و"العَذابَ" و"الساعَةَ" بَدَّلَ مِن "ما" الَّتِي وقَعَتْ عَلَيْها "رَأوا". و"إمّا" هي المُدْخَلَةُ لِلشَّكِّ في أوَّلِ الكَلامِ، والثانِيَةُ عِطْفٌ عَلَيْها. و"العَذابَ" يُرِيدُ بِهِ عَذابَ الدُنْيا ونُصْرَةَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، و"الجُنْدُ" النُصْرَةُ والقائِمُونَ بِأمْرِ الحَرْبِ، و"شَرٌّ مَكانًا" بِإزاءِ قَوْلِهِمْ: "خَيْرٌ مَقامًا"، و"أضْعَفُ جُنْدًا" بِإزاءِ قَوْلِهِمْ: "أحْسَنُ نَدِيًّا"
ولَمّا ذَكَرَ ضَلالَةَ الكُفْرِ، وارْتِباكَهم في الِامْتِحانِ بِنِعَمِ الدُنْيا وعَماهم عَنِ الطَرِيقِ المُسْتَقِيمِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ نِعْمَتِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، في أنَّهُ يَزِيدُهم هُدًى في الِارْتِباطِ إلى الأعْمالِ الصالِحَةِ، والمَعْرِفَةِ بِالدَلائِلِ الواضِحَةِ، وزِيادَةِ العِلْمِ دَأبًا، قالَ الطَبَرَيْ عن بَعْضِهِمُ: المَعْنى: بِناسِخِ القُرْآنِ ومَنسُوخِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مِثالٌ.
و" الباقِياتُ الصالِحاتُ " إشارَةٌ إلى ذَلِكَ الهُدى الَّذِي يَزِيدُهُمُ اللهُ، وهَذِهِ النِعَمُ عَلى هَؤُلاءِ خَيْرٌ عِنْدَ اللهِ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرْجِعًا.
والقَوْلُ في زِيادَةِ الهُدى سَهْلٌ بَيِّنُ الوُجُوهِ.
و" الباقِياتُ الصالِحاتُ " كُلُّ عَمَلٍ صالِحٍ يَرْفَعُ اللهُ بِهِ دَرَجَةَ عامِلِهِ، وقالَ الحَسَنُ: هي الفَرائِضُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الصَلَواتُ الخَمْسُ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّها الكَلِماتُ المَشْهُوراتُ: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ. فَقَدْ قالَ ﷺ لِأبِي الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خُذْهُنَّ قَبْلَ أنْ يُحالَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُنَّ، فَهُنَّ الباقِياتُ الصالِحاتُ، وهُنَّ مَن كُنُوزِ الجَنَّةِ»، ورُوِيَ (p-٦٤)عنهُ ﷺ أنَّهُ قالَ يَوْمًا: « "خُذُوا جُنَّتَكُمْ"، قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، أمِن عَدُوٍّ حَضَرَ؟ قالَ: "مِنَ النارِ"، قالُوا: ما هي يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ، وهُنَّ الباقِياتُ الصالِحاتُ»، وكانَ أبُو الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُ إذا ذَكَرَ هَذا الحَدِيثَ يَقُولُ: «لَأُهَلِّلَنَّ ولَأُكَبِرَنَّ اللهَ ولَأُسَبِّحَنَّهُ حَتّى إذا رَآنِي الجاهِلُ ظَنَّنِي مَجْنُونًا».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾. الفاءُ في قَوْلِهِ: " أفَرَأيْتَ " عاطِفَةٌ بَعْدَ ألْفِ الِاسْتِفْهامِ، وهي عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، و ﴿الَّذِي كَفَرَ﴾ يَعْنِي بِهِ العاصِيَ بْنَ وائِلٍ السَهْمَيَّ، قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وخَبَرَهُ «أنَّ خَبّابَ بْنَ الأرَتِّ كانَ قَيْنًا في الجاهِلِيَّةِ، فَعَمِلَ لَهُ عَمَلًا، واجْتَمَعَ لَهُ عِنْدَهُ دَيْنٌ، فَجاءَهُ يَتَقاضاهُ، فَقالَ لَهُ العاصِي بْنُ وائِلٍ: لا أقْضِيكَ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقالَ خَبّابٌ: لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - حَتّى يُمِيتُكَ اللهُ ثُمْ يَبْعَثُكَ، قالَ العاصِي: أو مَبْعُوثٌ أنا بَعْدَ المَوْتِ؟ قالَ خَبّابٌ: نَعَمْ، قالَ: فَإذا كانَ ذَلِكَ فَسَيَكُونُ لِي مالٌ ووَلَدٌ، وعِنْدَ ذَلِكَ أقْضِيكَ دَيْنَكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ».
وقالَ الحَسَنُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقَدْ كانَتْ لِلْوَلِيدِ أيْضًا أقْوالٌ تُشْبِهُ هَذا الغَرَضَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "وَوَلَدًا" عَلى مَعْنى اسْمِ الجِنْسِ، بِفَتْحِ الواوِ واللامِ، (p-٦٥)وَكَذَلِكَ في سائِرٍ ما في القُرْآنِ، إلّا في سُورَةِ نُوحٍ فَإنَّهُما قَرَأا بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللامِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الواوِ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَوُلْدًا" بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللامِ، وكَذَلِكَ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وِلْدًا" بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ اللامِ، واخْتَلَفَ مَعَ ضَمِّ الواوِ - فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ ولَدٍ كَأسَدٍ وأُسْدٍ واحْتَجُّوا بِقَوْلِ الشاعِرِ:
؎ فَلَقَدْ رَأيْتُ مُعاشِرًا قَدْ ثَمَّرُوا مالًا ووُلْدًا
وقالَ بَعْضُهُمْ: هو مُفْرَدٌ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِ الشاعِرِ:
؎ فَلَيْتَ فُلانًا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ ∗∗∗ ولَيْتَ فُلانًا كانَ وُلْدَ حِمارِ
قالَ أبُو عَلِيٍّ رَحِمَهُ اللهُ: وفي قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ ما كانَ مُفْرَدًا قُصِدَ بِهِ المُفْرَدُ، وما كانَ مِنهُ جَمْعًا قُصِدَ الجَمْعُ، وقالَ الأخْفَشُ: الوَلَدُ: الِابْنُ، والوُلْدُ: الأهْلُ والوالِدُ، وقالَ غَيْرُهُ: والوُلْدُ: بَطْنُ الَّذِي هو مِنهُ، حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾ تَوْقِيفٌ، والألِفُ لِلِاسْتِفْهامِ، وحُذِفَتْ في الوَصْلِ لِلِاسْتِغْناءِ عنها، و"اتِّخاذُ العُهَدِ" مَعْناهُ: بِالإيمانِ والأعْمالِ الصالِحَةِ. و"كَلّا" زَجْرٌ ورَدْعٌ، ثُمْ أخْبَرَ تَعالى أنَّ قَوْلَ هَذا الكافِرِ سَيَكْتُبُ، عَلى مَعْنى حِفْظِهِ عَلَيْهِ ومُعاقَبَتِهِ بِهِ، وقَرَأ عاصِمْ، والأعْمَشُ: "سَيُكْتَبُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ، وقَرَأ: "سَنَكْتُبُ" بِالنُونِ أبُو (p-٦٦)عَمْرٍو، والحُسْنُ، وعِيسى. و"مَدُّ العَذابِ" هو إطالَتُهُ وتَعْظِيمُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَقُولُ﴾ أيْ: هَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي سَمّاها، وقالَ إنَّهُ يُؤْتاها في الآخِرَةِ يَرِثُ اللهُ ما لَهُ مِنها في الدُنْيا بِإهْلاكِهِ وتَرْكِهِ لَها، فالوِراثَةُ مُسْتَعارَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَيْبَتَهُ في الآخِرَةِ كَوِراثَةِ ما أمَّلَ. وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَنَرِثُهُ ما عِنْدَهُ"، وقالَ النُحاسُ: "وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ" مَعْناهُ: نَحْفَظُهُ عَلَيْهِ لِنُعاقِبَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: «العُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ»، أيْ: حَفَظَةُ ما قالُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَكَأنَّ هَذا المُجْرِمْ يُورِثُ هَذِهِ المَقالَةَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَأْتِينا فَرْدًا﴾ يَتَضَمَّنُ ذِلَّتَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences