Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:146–157
2:146–149Page 23
ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡۖ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنۡهُمۡ لَيَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٤٦
Those to whom We gave the Scripture know him [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] as they know their own sons. But indeed, a party of them conceal the truth while they know [it].
ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ١٤٧
The truth is from your Lord, so never be among the doubters.
وَلِكُلّٖ وِجۡهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَاۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ أَيۡنَ مَا تَكُونُواْ يَأۡتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٤٨
For each [religious following] is a [prayer] direction toward which it faces. So race to [all that is] good. Wherever you may be, Allāh will bring you forth [for judgement] all together. Indeed, Allāh is over all things competent.
وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ وَإِنَّهُۥ لَلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ١٤٩
So from wherever you go out [for prayer, O Muḥammad], turn your face toward al-Masjid al-Ḥarām, and indeed, it is the truth from your Lord. And Allāh is not unaware of what you do.
قوله عزّ وجلّ:
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِن المُمْتَرِينَ﴾ ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ أيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إنَّ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ وما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾
(p-٣٧٨)"الَّذِينَ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ "يَعْرِفُونَهُ"، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ نَعْتًا لِلظّالِمِينَ، و"يَعْرِفُونَهُ" في مَوْضِعِ الحالِ.
وخُصَّ الأبْناءُ دُونَ الأنْفُسِ وهي ألْصَقُ، لِأنَّ الإنْسانَ يَمُرُّ عَلَيْهِ مِن زَمَنِهِ بُرْهَةً لا يَعْرِفُ فِيها نَفْسَهُ، ولا يَمُرُّ عَلَيْهِ وقْتٌ لا يَعْرِفُ فِيهِ ابْنَهُ. والمُرادُ هُنا مَعْرِفَةُ الوَجْهِ ومَيْزُهُ لا مَعْرِفَةَ حَقِيقَةِ النَسَبِ، ولِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في هَذا المَوْضِعِ كَلامٌ مُعْتَرِضٌ يَأْتِي مَوْضِعُهُ إنْ شاءَ اللهُ.
والضَمِيرُ في "يَعْرِفُونَهُ" عائِدٌ عَلى الحَقِّ في القِبْلَةِ والتَحَوُّلِ بِأمْرِ اللهِ إلى الكَعْبَةِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والرَبِيعُ.
وقالَ قَتادَةُ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: هو عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ يَعْرِفُونَ صِدْقَهُ ونُبُوَّتَهُ.
(p-٣٧٩)والفَرِيقُ: الجَماعَةُ، وخُصَّ لِأنَّ مِنهم مَن أسْلَمَ ولَمْ يَكْتُمْ، والإشارَةُ بِالحَقِّ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الخِلافِ في ضَمِيرِ "يَعْرِفُونَهُ"، فَعَمَّ الحَقَّ مُبالَغَةً في ذَمِّهِمْ. ﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾ ظاهِرٌ في صِحَّةِ الكُفْرِ عِنادًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾، الحَقُّ رُفِعَ عَلى إضْمارِ الِابْتِداءِ، والتَقْدِيرُ هو الحَقُّ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً والخَبَرُ مُقَدَّرٌ بَعْدَهُ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "الحَقَّ" بِالنَصْبِ عَلى أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "يَعْلَمُونَ"، ويَصِحُّ نَصْبُهُ عَلى تَقْدِيرِ: الزَمِ الحَقَّ.
﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾، الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ أُمَّتُهُ. وامْتَرى في الشَيْءِ إذا شَكَّ فِيهِ، ومِنهُ المِراءُ لِأنَّ هَذا يَشُكُّ في قَوْلِ هَذا، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ شاهِدًا عَلى أنَّ المُمْتَرِينَ الشاكُونَ: قَوْلُ الأعْشى:
؎ تَدُرُّ عَلى أسْؤُقِ المُمْتَرِينَ رَكَضًا إذا ما السَرابُ ارْجَحَنْ
ووَهِمَ في ذَلِكَ لِأنَّ أبا عُبَيْدَةَ وغَيْرَهُ قالُوا: المُمْتَرُونَ في البَيْتِ هُمُ الَّذِينَ يَمُرُّونَ الخَيْلَ بِأرْجُلِهِمْ هَمْزًا لِتَجْرِيَ، كَأنَّهم يَحْتَلِبُونَ الجَرْيَ مِنها، فَلَيْسَ في البَيْتِ مَعْنًى مِنَ الشَكِّ كَما قالَ الطَبَرِيُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾، الوِجْهَةُ: فِعْلَةٌ مِنَ المُواجَهَةِ، كالقِبْلَةِ، وقَوْلُهُ: "هُوَ" (p-٣٨٠)عائِدٌ عَلى اللَفْظِ المُفْرَدِ في "كُلٍّ"، والمُرادُ بِهِ الجَماعاتُ، المَعْنى: لِكُلِّ صاحِبِ مِلَّةٍ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها نَفْسَهُ. قالَهُالرَبِيعُ، وعَطاءٌ، وابْنُ عَبّاسٍ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ مِنَ السَبْعَةِ: "هُوَ مَوْلاها". وقالَتْ طائِفَةٌ: الضَمِيرُ في "هُوَ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، والمَعْنى: اللهُ مُوَلِّيها إيّاهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى في الآيَةِ أنَّ لِلْكُلٍّ دِينًا وشَرْعًا وهو دِينُ اللهِ ومِلَّةُ مُحَمَّدٍ، وهو مُوَلِّيها إيّاهُمُ، اتَّبَعَها مَنِ اتَّبَعَها، وتَرَكَها مَن تَرَكَها. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالآيَةِ أنَّ الصَلاةَ إلى الشامِ ثُمَّ الصَلاةَ إلى الكَعْبَةِ، لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما وجِهَةٌ، اللهُ مُوَلِّيها إيّاهم.
وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ قَوْمًا قَرَؤُوا: "لِكُلٍّ وِجْهَةٌ" بِإضافَةِ "كُلٍّ إلى وِجْهَةٍ، وخَطَّأها الطَبَرِيُّ، وهي مُتَّجِهَةٌ، أيْ: فاسْتَبْقُوا الخَيْراتِ لِكُلِّ وِجْهَةٍ ولاكَمُوها، ولا تَعْتَرِضُوا فِيما أمَرَكم مِن هَذِهِ وهَذِهِ، أيْ إنَّما عَلَيْكُمُ الطاعَةَ في الجَمِيعِ، وقَدَّمَ قَوْلَهَ: "كُلٍّ وِجْهَةٌ" عَلى الأمْرِ في قَوْلِهِ: "فاسْتَبِقُوا" لِلِاهْتِمامِ بِالوِجْهَةِ كَما يُقَدَّمُ المَفْعُولُ، وذَكَرَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
وسَلِمَتِ الواوُ في "وِجْهَةٍ" ولَمْ تَجْرِ كَعِدَةٍ وزِنَةٍ، لِأنَّ جْهَةً ظَرْفٌ، وتِلْكَ مَصادِرُ فَسَلِمَتْ لِلْفَرْقِ، وأيْضًا فَلْيُكْمِلْ بِناءَ الهَيْئَةِ كالجِلْسَةِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ مَصْدَرٌ شَذَّ عَنِ القِياسِ فَسَلِمَ، وقَوْمٌ إلى أنَّهُ اسْمٌ لَيْسَ بِمَصْدَرٍ، قالَ غَيْرُ أبِي عَلِيٍّ: وإذا أرَدْتَ المَصْدَرَ قُلْتَ: جِهَةً وقَدْ يُقالُ الجِهَةُ في الظَرْفِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن مَنصُورٍ أنَّهُ قالَ: نَحْنُ نَقْرَؤُها: "وَلِكُلٍّ جَعَلْنا قِبْلَةً يَرْضَوْنَها"، ثُمَّ أمَرَ تَعالى عِبادَهُ بِاسْتِباقِ الخَيْراتِ والبِدارِ إلى سَبِيلِ النَجاةِ، ثُمَّ وعَظَهم بِذِكْرِ الحَشْرِ مَوْعِظَةً تَتَضَمَّنُ وعِيدًا وتَحْذِيرًا.
(p-٣٨١)وَقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا﴾، يَعْنِي بِهِ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ. ثُمَّ اتَّصَفَ اللهُ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ لِتَناسُبِ الصِفَةِ مَعَ ما ذُكِرَ مِنَ الإتْيانِ بِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ مَعْناهُ: حَيْثُ كُنْتُ وأنّى تَوَجَّهْتُ مِن مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، ثُمَّ تَكَرَّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَأْكِيدًا مِنَ اللهِ تَعالى لِأنَّ مَوْقِعَ التَحْوِيلِ كانَ صَعْبًا في نُفُوسِهِمْ جِدًّا فَأكَّدَ الأمْرَ لِيَرى الناسُ التَهَمُّمَ بِهِ فَيَخِفُّ عَلَيْهِمْ وتَسْكُنُ نُفُوسُهم إلَيْهِ.
2:150–151Page 23
وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِي وَلِأُتِمَّ نِعۡمَتِي عَلَيۡكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥٠
And from wherever you go out [for prayer], turn your face toward al-Masjid al-Ḥarām. And wherever you [believers] may be, turn your faces toward it in order that the people will not have any argument against you, except for those of them who commit wrong; so fear them not but fear Me. And [it is] so I may complete My favor upon you and that you may be guided,
كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ ١٥١
Just as We have sent among you a messenger from yourselves reciting to you Our verses and purifying you and teaching you the Book and wisdom1 and teaching you that which you did not know.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي ولأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكُمُ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾، هو فَرْضُ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ عَلى المُصَلِّينَ، وفَرْضُ المُصَلِّي ما دامَ يَرى الكَعْبَةَ أنْ يُصادِفَها بِاسْتِقْبالِهِ، فَإذا غابَتْ عنهُ فَفَرْضُهُ الِاجْتِهادُ في مُصادَفَتِها، فَإنِ اجْتَهَدَ ثُمَّ كَشَفَ الغَيْبَ أنَّهُ أخْطَأ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ، ورَأى مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ أنْ يُعِيدَ في الوَقْتِ إحْرازًا لِفَضِيلَةِ القِبْلَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ الآيَةُ، قَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ بِتَسْهِيلِ (p-٣٨٢)الهَمْزَةِ، وقَرَأ الباقُونَ "لِئَلّا" بِالهَمْزِ. والمَعْنى: عَرَّفْتُكم وجْهَ الصَوابِ في قِبْلَتِكم والحُجَّةُ في ذَلِكَ "لِئَلّا" وقَوْلُهُ: "لِلنّاسِ" عُمُومٌ في اليَهُودِ والعَرَبِ وغَيْرِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالناسِ اليَهُودُ، ثُمَّ اسْتَثْنى كُفّارَ العَرَبِ، وقَوْلُهُ: "مِنهُمْ" يَرُدُّ هَذا التَأْوِيلَ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: "إلّا الَّذِينَ" اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وهَذا مَعَ كَوْنِ الناسِ اليَهُودُ فَقَطْ، وقَدْ ذَكَرْنا ضِعْفَ هَذا القَوْلِ، والمَعْنى: لَكِنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: رَجَعَ مُحَمَّدٌ إلى قِبْلَتِنا وسَيَرْجِعُ إلى دِينِنا كُلِّهِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ مَن تَكَلَّمَ في النازِلَةِ مِن غَيْرِ اليَهُودِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ زَيْدٍ: "ألا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللامِ عَلى مَعْنى اسْتِفْتاحٍ لِكَلامٍ، فَيَكُونُ "الَّذِينَ" ابْتِداءً، أو عَلى مَعْنى الإغْراءِ بِهِمْ فَيَكُونُ "الَّذِينَ" نَصْبًا بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ.
(p-٣٨٣)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي﴾ الآيَةُ، تَحْقِيرٌ لِشَأْنِهِمْ، وأمْرٌ بِاطِّراحِ أمْرِهِمْ ومُراعاةِ أمْرِهِ، وقَوْلَهُ: "وَلِأُتِمَّ" عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: "لِئَلّا"، وقِيلَ: هو مَقْطُوعٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مُضْمَرٌ بَعْدَ ذَلِكَ، والتَقْدِيرُ: لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم عَرَّفْتُكم قِبْلَتِي ونَحْوَهُ. ﴿وَلَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ، والكافُ في قَوْلِهِ "كَما" رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ: "لِأُتِمَّ" أيْ إتْمامًا كَما، وهَذا أحْسَنُ الأقْوالِ، أيْ لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم في بَيانِ سُنَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولا مِنكُمْ﴾ إجابَةً لِدَعْوَتِهِ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] الآيَةُ، وقِيلَ: الكافُ مِن "كَما" رَدٌّ عَلى "تَهْتَدُونَ" أيِ اهْتِداءً كَما، وقِيلَ هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وقِيلَ: هو في مَعْنى التَأْخِيرِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: "فاذْكُرُونِي".
وهَذِهِ الآيَةُ خِطابٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿رَسُولا مِنكُمْ﴾، و"يَتْلُوا" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الصِفَةِ، والآياتُ: القُرْآنُ، و"يُزَكِّيكُمْ": يُطَهِّرُكم مِنَ الكُفْرِ ويُنَمِّيكم بِالطاعَةِ، و"الكِتابَ" القُرْآنُ، و"الحِكْمَةَ" ما يُتَلَقّى عنهُ عَلَيْهِ السَلامُ مِن سُنَّةٍ وفِقْهٍ في دِينٍ.
و﴿ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ قِصَصُ مَن سَلَفَ، وقِصَصُ ما يَأْتِي مِنَ الغُيُوبِ.
2:152–157Page 23
فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ ١٥٢
So remember Me; I will remember you. And be grateful to Me and do not deny Me.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٥٣
O you who have believed, seek help through patience and prayer. Indeed, Allāh is with the patient.
وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقۡتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتُۢۚ بَلۡ أَحۡيَآءٞ وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ ١٥٤
And do not say about those who are killed in the way of Allāh, "They are dead." Rather, they are alive, but you perceive [it] not.
وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٥٥
And We will surely test you with something of fear and hunger and a loss of wealth and lives and fruits, but give good tidings to the patient,
ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ ١٥٦
Who, when disaster strikes them, say, "Indeed we belong to Allāh, and indeed to Him we will return."
أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ ١٥٧
Those are the ones upon whom are blessings from their Lord and mercy. And it is those who are the [rightly] guided.
قوله عزّ وجلّ:
﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَبْرِ والصَلاةِ إنَّ اللهَ مَعَ الصابِرِينَ﴾ ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَمَراتِ وبَشِّرِ الصابِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾
(p-٣٨٤)قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَعْنى الآيَةِ: اذْكُرُونِي بِالطاعَةِ أذْكُرُكم بِالثَوابِ والمَغْفِرَةِ. أيِ اذْكُرُونِي عِنْدَ كُلِّ أُمُورِكم فَيَحْمِلُكم خَوْفِي عَلى الطاعَةِ فَأذْكُرُكم حِينَئِذٍ بِالثَوابِ.
وقالَ الرَبِيعُ، والسُدِّيُّ: المَعْنى: اذْكُرُونِي بِالدُعاءِ والتَسْبِيحِ ونَحْوِهِ، وفي الحَدِيثِ: «إنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ابْنُ آدَمَ: اذْكُرْنِي في الرَخاءِ أذْكُرُكَ في الشِدَّةِ»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: «إنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: وإذا ذَكَرَنِي عَبْدِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ مِنهم»، ورُوِيَ: إنَّ الكافِرَ إذا ذَكَرَ اللهَ ذَكَرَهُ اللهُ بِاللَعْنَةِ والخُلُودِ في النارِ، وكَذَلِكَ العُصاةُ يَأْخُذُونَ بِحَظٍّ مِن هَذا المَعْنى، ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: "قُلْ لِلْعاصِينَ لا يَذْكُرُونِي".
﴿واشْكُرُوا لِي﴾ واشْكُرُونِي بِمَعْنًى واحِدٍ، ولِي: أشْهَرُ وأفْصَحُ مَعَ الشُكْرِ. ومَعْناهُ: نِعَمِي وأيادِيِّ، وكَذَلِكَ إذا قُلْتَ: شَكَرْتُكَ فالمَعْنى: شَكَرْتُ صَنِيعَكَ وذَكَرْتُهُ، فَحُذِفَ المُضافُ إذْ مَعْنى الشُكْرِ ذِكْرُ اليَدِ وذِكْرُ مُسْدِيها مَعًا، فَما حُذِفَ مِن ذَلِكَ فَهو اخْتِصارٌ لِدَلالَةِ ما بَقِيَ عَلى ما حُذِفَ.
و"تَكْفُرُونِ" أيْ نِعَمِي وأيادِيَّ، وانْحَذَفَتْ نُونُ الجَماعَةِ لِلْجَزْمِ، وهَذِهِ نُونُ (p-٣٨٥)المُتَكَلِّمِ، وحُذِفَتِ الياءُ الَّتِي بَعْدَها تَخْفِيفًا لِأنَّها رَأْسُ آيَةٍ، ولَوْ كانَ نَهْيًا عَنِ الكُفْرِ ضِدُّ الإيمانِ لَكانَ "وَلا تَكْفُرُوا" بِغَيْرِ النُونِ.
و"يا" حَرْفُ نِداءٍ، و"أيْ" مُنادى، و"ها" تَنْبِيهٌ، وتَجْلِبُ "أيْ" فِيما فِيهِ الألِفُ واللامُ، لِأنَّ في حَرْفِ النِداءِ تَعْرِيفًا ما فَلَوْ لَمْ تُجْلَبْ "أيْ" لاجْتَمَعَ تَعْرِيفانِ. وقالَ قَوْمٌ: "الصَبْرُ": الصَوْمُ، ومِنهُ قِيلَ لِرَمَضانَ: شَهْرُ الصَبْرِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى الِاسْتِعانَةِ بِالصَبْرِ والصَلاةِ. واخْتِصارُهُ أنَّهُما رادِعانِ عَنِ المَعاصِي.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ مَعَ الصابِرِينَ﴾ مَعْناهُ: بِمَعُونَتِهِ وإنْجادِهِ، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، كَما «قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: اهْجُهم ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ». وكَما قالَ: «ارْمُوا وأنا مَعَ بَنِي فُلانٍ» الحَدِيثُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللهِ﴾ الآيَةُ. سَبَبُها أنَّ الناسَ قالُوا فِيمَن قُتِلَ بِبَدْرٍ وأُحُدٍ: ماتَ فُلانٌ، وماتَ فُلانٌ. فَكَرِهَ اللهُ أنَّ تُحَطَّ مَنزِلَةُ الشُهَداءِ إلى مَنزِلَةِ غَيْرِهِمْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأيْضًا فَإنَّ المُؤْمِنِينَ صَعُبَ عَلَيْهِمْ فِراقُ إخْوانِهِمْ وقَراباتِهِمْ فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُسَلِّيَةً لَهُمْ، تُعَظِّمُ مَنزِلَةَ الشُهَداءِ، وتُخْبِرُ عن حَقِيقَةِ حالِهِمْ، فَصارُوا مَغْبُوطِينَ لا مَحْزُونًا لَهُمْ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ مِن حَدِيثِ أُمِّ حارِثَةَ في السَيْرِ.
والفَرْقُ بَيْنَ الشَهِيدِ وغَيْرِهِ إنَّما هو الرِزْقُ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى فَضَّلَهم بِدَوامِ (p-٣٨٦)حالِهِمُ الَّتِي كانَتْ في الدُنْيا فَرَزَقَهُمْ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ في ذَلِكَ «أنَّ أرْواحَ الشُهَداءِ في حَواصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تُعَلَّقُ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ»، ورُوِيَ أنَّهم في قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ إلى كَثِيرٍ مِن هَذا ولا مَحالَةَ أنَّها أحْوالٌ لِطَوائِفَ، أو لِلْجَمِيعِ في أوقاتٍ مُتَغايِرَةٍ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهم في الجَنَّةِ، ويُؤَيِّدُهُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ لِأُمِّ حارِثَةَ: إنَّهُ في الفِرْدَوْسِ الأعْلى»، وقالَ مُجاهِدٌ: هم خارِجُ الجَنَّةِ، ويُعَلَّقُونَ مِن شَجَرِها.
و"أمْواتٌ" رُفِعَ بِإضْمارِ الِابْتِداءِ، والتَقْدِيرُ: هم أمْواتٌ، ولا يَجُوزُ إعْمالُ القَوْلِ فِيهِ، لِأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ تَناسُبٌ، كَما يَصِحُّ في قَوْلِكَ: قُلْتُ كَلامًا وحُجَّةً.
وقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾، أيْ قَبْلَ أنْ نُشْعِرَكم.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ" الآيَةُ. أمَرَ تَعالى بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَبْرِ والصَلاةِ وأخْبَرَ أنَّهُ مَعَ الصابِرِينَ، ثُمَّ اقْتَضَتِ الآيَةُ بَعْدَها مِن فَضْلِ الشُهَداءِ ما يُقَوِّي الصَبْرَ عَلَيْهِمْ ويُخَفِّفُ المُصِيبَةَ، ثُمَّ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ مِن هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي لا تُتَلَقّى إلّا بِالصَبْرِ، أشْياءٌ تُعْلِمُ أنَّ الدُنْيا دارَ بَلاءٍ ومِحَنٍ، أيْ فَلا تُنْكِرُوا فِراقَ الإخْوانِ والقَرابَةِ، ثُمَّ وعَدَ الصابِرِينَ أجْرًا.
وقالَ عَطاءٌ، والجُمْهُورٌ، إنَّ الخِطابَ في هَذِهِ الآيَةِ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقِيلَ: الخِطابُ لِقُرَيْشٍ وحَلَّ ذَلِكَ بِهِمْ، فَهي آيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ.
(p-٣٨٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأوَّلُ أظْهَرُ.
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ﴾ مَعْناهُ: لَنَمْتَحِنَنَّكُمْ، وحُرِّكَتِ الواوُ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، وقِيلَ: الفِعْلُ مَبْنِيٌّ وهو مَعَ النُونِ الثَقِيلَةِ بِمَنزِلَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ.
و"الخَوْفِ": يَعْنِي مِنَ الأعْداءِ في الحُرُوبِ، و"الجُوعِ": الجَدْبُ والسِنَةُ، وأمّا الحاجَةُ إلى الأكْلِ فَإنَّما اسْمُها الغَرْثُ، وقَدِ اسْتَعْمَلَ فِيهِ المُحْدَثُونَ الجُوعَ اتِّساعًا، ونَقْصُ الأمْوالِ: بِالجَوائِحِ والمَصائِبِ. و"الأنْفُسِ": بِالمَوْتِ والقَتْلِ. و"الثَمَراتِ": بِالعاهاتِ ونَزْعِ البَرَكَةِ.
فالمُرادُ: بِشَيْءٍ مِن هَذا، وشَيْءٍ مِن هَذا، فاكْتَفى بِالأوَّلِ إيجازًا ولِذَلِكَ وحَّدَ. وقَرَأ الضَحّاكُ "بِأشْياءَ" عَلى الجَمْعِ، والمَعْنى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ.
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّما المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ مُؤَنُ الجِهادِ وكُلَفُهُ، فالخَوْفُ مِنَ العَدُوِّ، والجُوعُ بِهِ وبِالأسْفارِ إلَيْهِ، ونَقْصُ الأمْوالِ بِالنَفَقاتِ فِيهِ، والأنْفُسُ بِالقَتْلِ، والثَمَراتُ بِإصابَةِ العَدُوِّ لَها، أو بِالغَفْلَةِ عنها بِسَبَبِ الجِهادِ.
ثُمَّ وصَفَ تَعالى الصابِرِينَ الَّذِينَ بَشَّرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ الآيَةُ، وجَعَلَ هَذِهِ الكَلِماتِ مَلْجَأً لِذَوِي المَصائِبِ، وعِصْمَةً لِلْمُمْتَحِنِينَ، لِما جَمَعَتْ مِنَ المَعانِي المُبارَكَةِ وذَلِكَ: تَوْحِيدُ اللهِ، والإقْرارُ لَهُ بِالعُبُودِيَّةِ، والبَعْثُ مِنَ القُبُورِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يُعْطَ هَذِهِ الكَلِماتِ نَبِيٌّ قَبْلَ نَبِيِّنا، ولَوْ عَرَفَها يَعْقُوبُ لَما قالَ: يا أسَفا عَلى يُوسُفَ، ورُوِيَ «أنَّ مِصْباحَ رَسُولِ اللهِ ﷺ انْطَفَأ ذاتَ لَيْلَةٍ فَقالَ: (p-٣٨٨)﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾، فَقِيلَ: أمُصِيبَةٌ هي يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "نَعَمْ. كُلُّ ما آذى المُؤْمِنَ فَهي مُصِيبَةٌ».
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ﴾ الآيَةُ، نَعَمْ مِنَ اللهِ عَلى الصابِرِينَ المُسْتَرْجِعِينَ. وصَلَواتُ اللهِ عَلى عَبْدِهِ: عَفْوُهُ ورَحْمَتُهُ، وبَرَكَتُهُ، وتَشْرِيفُهُ إيّاهُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، وكَرَّرَ الرَحْمَةَ لَمّا اخْتُلِفَ اللَفْظُ تَأْكِيدًا، وهي مِن أعْظَمِ أجْزاءِ الصَلاةِ مِنهُ تَعالى.
وشَهِدَ لَهم بِالِاهْتِداءِ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: نِعْمَ العَدْلانِ، ونِعْمَ العِلاوَةُ. أرادَ بِالعَدْلَيْنِ الصَلاةَ والرَحْمَةَ، وبِالعِلاوَةِ الِاهْتِداءُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences