Ibn 'AtiyyaAl‑Baqarah · 2:187–194

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:187–194

2:187Page 29

أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٨٧

It has been made permissible for you the night preceding fasting to go to your wives [for sexual relations]. They are a clothing for you and you are a clothing1 for them. Allāh knows that you used to deceive yourselves,2 so He accepted your repentance and forgave you. So now, have relations with them and seek that which Allāh has decreed for you [i.e., offspring]. And eat and drink until the white thread of dawn becomes distinct to you from the black thread [of night]. Then complete the fast until the night [i.e., sunset]. And do not have relations with them as long as you are staying for worship in the mosques. These are the limits [set by] Allāh, so do not approach them. Thus does Allāh make clear His verses [i.e., ordinances] to the people that they may become righteous.

قوله عزّ وجلّ:

﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِيامِ الرَفَثُ إلى نِسائِكم هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكم فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عنكم فالآنَ باشِرُوهُنَّ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكم وكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكم الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطُ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أتِمُّوا الصِيامِ إلى اللَيْلِ ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهُ فَلا تَقْرَبُوها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾

لَفْظَةُ "أُحِلَّ" تَقْتَضِي أنَّهُ كانَ مُحَرَّمًا قَبْلَ ذَلِكَ، و"لَيْلَةَ" نُصِبَ عَلى الظَرْفِ، وهي (p-٤٤٩)اسْمُ جِنْسٍ فَلِذَلِكَ أُفْرِدَتْ، ونَحْوُهُ قَوْلُ عامِرٍ الرامِيِّ الحَضْرَمِيِّ المُحارِبِيِّ:

؎ هُمُ المَوْلى وقَدْ جَنَفُوا عَلَيْنا وإنّا مِن عَداوَتِهِمْ لَزُورُ

و"الرَفَثُ" كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، لِأنَّ اللهَ تَعالى كَرِيمٌ يُكَنّى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ "الرُفُوثُ". و"الرَفَثُ" في غَيْرِ هَذا ما فَحُشَ مِنَ القَوْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ .................... ∗∗∗ عَنِ اللَغا ورَفَثِ التَكَلُّمِ

وقالَ أبُو إسْحاقَ: "الرَفَثُ" كُلُّ ما يَأْتِيهِ الرَجُلُ مَعَ المَرْأةِ مِن قُبْلَةٍ ولَمْسٍ وجِماعٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

أو كَلامٌ في هَذِهِ المَعانِي، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: «مَن حَجَّ هَذا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِن خَطاياهُ كَيَوْمِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ».

وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ فِيما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: أنَّ جَماعَةً مِنَ المُسْلِمِينَ اخْتانُوا (p-٤٥٠)أنْفُسَهُمْ، وأصابُوا النِساءَ بَعْدَ النَوْمِ، أو بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ عَلى الخِلافِ. مِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، جاءَ إلى امْرَأتِهِ فَأرادَها فَقالَتْ لَهُ: قَدْ نِمْتُ فَظَنَّ أنَّها تَعْتَلِ فَوَقَعَ بِها، ثُمَّ تَحَقَّقَ أنَّها قَدْ كانَتْ نامَتْ، وكانَ الوَطْءُ بَعْدَ نَوْمِ أحَدِهِما مَمْنُوعًا. وقالَ السُدِّيُّ: جَرى لَهُ هَذا في جارِيَةٍ لَهُ، قالُوا: فَذَهَبَ عُمَرُ فاعْتَذَرَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وجَرى نَحْوُ هَذا لِكَعْبِ بْنِ مالِكٍ الأنْصارِيِّ، فَنَزَلَ صَدُرُ الآيَةِ فِيهِمْ، فَهي ناسِخَةٌ لِلْحُكْمِ المُتَقَرِّرِ في مَنعِ الوَطْءِ بَعْدَ النَوْمِ.

وحَكى النَحّاسُ، ومَكِّيُّ أنَّ عُمَرَ نامَ، ثُمَّ وقَعَ بِامْرَأتِهِ، وهَذا عِنْدِي بَعِيدٌ عَلى عُمْرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ. ورُوِيَ أنَّ صِرْمَةَ بْنَ قَيْسٍ، ويُقالُ: صِرْمَةَ بْنَ مالِكٍ، ويُقالُ: أبُو أنَسٍ قَيْسُ بْنُ صِرْمَةَ نامَ قَبْلَ الأكْلِ فَبَقِيَ كَذَلِكَ دُونَ أكْلٍ حَتّى غُشِيَ عَلَيْهِ في نَهارِهِ (p-٤٥١)المُقْبِلُ، فَنَزَلَ فِيهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا﴾.

واللِباسُ: أصْلُهُ في الثِيابِ، ثُمَّ شُبِّهَ التِباسُ الرَجُلِ بِالمَرْأةِ وامْتِزاجُهُما وتَلازُمُهِما بِذَلِكَ، كَما قالَ النابِغَةُ:

؎ إذا ما الضَجِيعُ ثَنى جِيدَها ∗∗∗ تَداعَتْ فَكانَتْ عَلَيْهِ لِباسًا

وقالَ النابِغَةُ أيْضًا:

؎ لَبِسْتُ أُناسًا فَأفْنَيْتُهم ∗∗∗ وأفْنَيْتُ بَعْدَ أُناسٍ أُناسًا

فَشَبَّهَ خَلْطَتَهُ لَهم بِاللِباسِ. نَحا هَذا المَنحى في تَفْسِيرِ اللِباسِ الرَبِيعُ، وغَيْرُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: لِباسٌ: سَكَنَ، أيْ يَسْكُنُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ.

وإنَّما سُمِّيَتْ هَذِهِ الأفْعالُ اخْتِيانًا لِعاقِبَةِ المَعْصِيَةِ وجَزائِها، فَراكِبُها يَخُونُ نَفْسَهُ ويُؤْذِيها.

وتابَ عَلَيْكم مَعْناهُ: مِنَ المَعْصِيَةِ الَّتِي واقَعْتُمُوها، ﴿وَعَفا عنكُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَنِ المَعْصِيَةِ بِعَيْنِها، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَأْكِيدًا وتَأْنِيسًا بِزِيادَةٍ عَلى التَوْبَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَفا عَمّا كانَ ألْزَمَكم مِنِ اجْتِنابِ النِساءِ فِيما يُؤْتَنَفُ بِمَعْنى تَرْكِهِ لَكم. كَما تَقُولُ: شَيْءٌ مَعْفُوٌّ عنهُ أيْ مَتْرُوكٌ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: "باشِرُوهُنَّ" كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ مَأْخُوذٌ مِنَ البَشْرَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا لَفْظَةَ الآنَ في ماضِي قِصَّةِ البَقَرَةِ، ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، (p-٤٥٢)وَمُجاهِدٌ، والحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ، والسُدِّيُّ، والرَبِيعُ، والضَحّاكُ، مَعْناهُ: ابْتَغَوُا الوَلَدَ. ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ أنَّ المَعْنى وابْتَغَوْا لَيْلَةَ القَدْرِ، وقِيلَ: المَعْنى: ابْتَغَوُا الرُخْصَةَ والتَوْسِعَةَ. قالَهُ قَتادَةُ، وهو قَوْلٌ حَسَنٌ. وقَرَأ الحَسَنُ -فِيما رُوِيَ عنهُ- ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ: "واتَّبَعُوا" مِنَ الِإتْباعِ، وجَوَّزَها ابْنُ عَبّاسٍ، ورَجَّحَ ابْتَغُوا مِنَ الِابْتِغاءِ.

﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ﴾ نَزَلَتْ بِسَبَبِ صِرْمَةَ بْنِ قَيْسٍ، و"حَتّى" غايَةٌ لِلتَّبَيُّنِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَقَعَ التَبَيُّنَ لِأحَدٍ ويَحْرُمَ عَلَيْهِ الأكْلُ إلّا وقَدْ مَضى لِطُلُوعِ الفَجْرِ قَدْرٌ، و"الخَيْطُ" اسْتِعارَةٌ وتَشْبِيهٌ لِرِقَّةِ البَياضِ أوَّلًا ورَقَةِ السَوادِ الحافِّ بِهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي داوُدَ

؎ فَلَمّا بَصَرْنَ بِهِ غَدْوَةً ∗∗∗ ولاحَ مِنَ الفَجْرِ خَيْطٌ أنارا

ويُرْوى "فَنارًا". وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "الخَيْطُ": اللَوْنُ، وهَذا لا يَطَّرِدُ لُغَةً، والمُرادُ فِيما قالَ جَمِيعُ العُلَماءِ: بَياضُ النَهارِ وسَوادُ اللَيْلِ، وهو نَصُّ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ في حَدِيثِهِ المَشْهُورِ، و"مِنَ" الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، (p-٤٥٣)وَ"الفَجْرِ" مَأْخُوذٌ مِن تَفَجُّرِ الماءِ لِأنَّهُ يَتَفَجَّرُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.

ورُوِيَ عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وغَيْرِهِ مِنَ الصَحابَةِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ إلّا قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ فَصَنَعَ بَعْضُ الناسِ خَيْطَيْنِ أبْيَضَ وأسْوَدَ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ بَيْنَ طَرَفَيِ المُدَّةِ عامٌ مِن رَمَضانَ إلى رَمَضانَ تَأخَّرَ البَيانُ إلى وقْتِ الحاجَةِ. وعَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ جَعَلَ خَيْطَيْنِ عَلى وِسادِهِ وأخْبَرَ النَبِيَّ ﷺ فَقالَ لَهُ: «إنَّ وِسادَكَ لَعَرِيضٌ»، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لَهُ: «إنَّكَ لَعَرِيضُ القَفا»، ولِهَذِهِ الألْفاظِ تَأْوِيلانِ.

واخْتَلَفَ في الحَدِّ الَّذِي بِتَبَيُّنِهِ يَجِبُ الإمْساكُ، فَقالَ الجُمْهُورُ -وَبِهِ أخَذَ الناسُ، ومَضَتْ عَلَيْهِ الأمْصارُ والأعْصارُ، ووَرَدَتْ بِهِ الأحادِيثُ الصِحاحُ -ذَلِكَ الفَجْرُ المُعْتَرِضُ الآخِذُ في الأُفُقِ يَمْنَةً ويَسْرَةً، فَبِطُلُوعِ أوَّلِهِ في الأُفُقِ يَجِبُ الإمْساكُ وهو مُقْتَضى حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ وسُمْرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ.

(p-٤٥٤)وَرُوِيَ عن عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، وابْنِ عَبّاسٍ وطَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ، وعَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، والأعْمَشِ، وغَيْرِهِمْ: أنَّ الإمْساكَ يَجِبُ بِتَبَيُّنِ الفَجْرِ في الطُرُقِ، وعَلى رُؤُوسِ الجِبالِ، وذُكِرَ «عن حُذَيْفَةَ أنَّهُ قالَ: تَسَحَّرْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وهو النَهارُ إلّا أنَّ الشَمْسَ لَمْ تَطْلُعْ»، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ صَلّى الصُبْحَ بِالناسِ ثُمَّ قالَ: "الآنَ تَبَيَّنَ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ. قالَ الطَبَرِيُّ: "وَمِمّا قادَهم إلى هَذا القَوْلِ أنَّهم يَرَوْنَ أنَّ الصَوْمَ إنَّما هو في النَهارِ، والنَهارُ عِنْدَهم مِن طُلُوعِ الشَمْسِ لِأنَّ آخِرَهُ غُرُوبُها، فَكَذَلِكَ أوَّلُهُ طُلُوعُها".

وحَكى النَقّاشُ، عَنِ الخَلِيلِ بْنِ أحْمَدَ أنَّ النَهارَ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَأقِمِ الصَلاةَ طَرَفَيِ النَهارِ﴾ [هود: ١١٤].

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والقَوْلُ في نَفْسِهِ صَحِيحٌ وقَدْ ذُكِرَتْ حُجَّتُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ﴾ [البقرة: ١٦٤] وفي الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ نَظَرٌ. ومَن أكَلَ وهو يَشُكُّ: هَلْ طَلَعَ (p-٤٥٥)الفَجْرُ أمْ لَمْ يَطْلُعْ؟ فَعَلَيْهِ عِنْدُ مالِكٍ القَضاءُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِيامَ إلى اللَيْلِ﴾ أمْرٌ يَقْتَضِي الوُجُوبَ، و"إلى" غايَةٌ، إذا كانَ ما بَعْدَها مِن جِنْسِ ما قَبْلَها فَهو داخِلٌ في حُكْمِهِ، كَقَوْلِكَ اشْتَرَيْتُ الفَدّانَ إلى حاشِيَتِهِ، وإذا كانَ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ كَما تَقُولُ: اشْتَرَيْتُ الفَدّانَ إلى الدارِ لَمْ يَدْخُلْ في المَحْدُودِ ما بَعْدَ إلى.

ورَأتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلى اللَيْلِ﴾ يَقْتَضِي النَهْيَ عَنِ الوِصالِ، وقَدْ واصَلَ النَبِيُّ ﷺ ونَهى الناسَ عَنِ الوِصالِ، وقَدْ واصَلَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَتِ الحُكْمَ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] عَلى قَوْلِ مَن رَأى التَشْبِيهَ في الِامْتِناعِ مِنَ الوَطْءِ والأكْلِ بَعْدَ النَوْمِ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وبَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ في قَوْلِ بَعْضِهِمْ.

واللَيْلُ الَّذِي يَتِمُّ بِهِ الصِيامُ مَغِيبُ قُرْصِ الشَمْسِ، فَمَن أفْطَرَ وهو شاكٌّ هَلْ غابَتِ الشَمْسُ، فالمَشْهُورُ مِنَ المَذْهَبِ أنَّ عَلَيْهِ القَضاءَ والكَفّارَةَ، وفي ثَمانِيَةِ أبِي زَيْدٍ: عَلَيْهِ القَضاءُ فَقَطْ قِياسًا عَلى الشَكِّ في الفَجْرِ، وهو قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، وقالَ إسْحاقُ والحَسَنُ: لا قَضاءَ عَلَيْهِ كالناسِي عِنْدَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: لا تُجامِعُوهُنَّ، وقالَ الجُمْهُورُ: ذَلِكَ يَقَعُ عَلى الجِماعِ فَما دُونَهُ مِمّا يَتَلَذَّذُ بِهِ مِنَ النِساءِ، (p-٤٥٦)وَ"عاكِفُونَ" مُلازِمُونَ، يُقالُ: عَكَفَ عَلى الشَيْءِ إذا لازَمَهُ مُقْبِلًا عَلَيْهِ، قالَ الراجِزُ:

؎ .................... ∗∗∗ عَكَفَ النَبِيطُ يَلْعَبُونَ الفَنْزَجا

وقالَ الشاعِرُ:

؎ وظَلَّ بَناتُ اللَيْلِ حَوْلِي عُكَّفا ∗∗∗ عُكُوفٌ البَواكِي بَيْنَهُنَّ صَرِيعُ

وقالَ أبُو عَمْرٍو، وأبُو حاتِمٍ: قَرَأ قَتادَةُ: "عَكِفُونَ" بِغَيْرِ ألِفٍ، والِاعْتِكافُ سُنَّةٌ. وقَرَأ الأعْمَشُ: "فِي المَسْجِدِ" بِالإفْرادِ، وقالَ: وهو المَسْجِدُ الحَرامُ.

قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ وجَماعَةٌ مَعَهُ: لا اعْتِكافَ إلّا في مَساجِدِ الجُمُعاتِ، ورُوِيَ عن مالِكٍ أيْضًا أنَّ ذَلِكَ في كُلِّ مَسْجِدٍ، ويَخْرُجُ إلى الجُمْعَةِ كَما يَخْرُجُ إلى ضَرُورِيِّ أشْغالِهِ، وقالَ قَوْمٌ: لا اعْتِكافَ إلّا في أحَدِ المَساجِدِ الثَلاثَةِ الَّتِي تُشَدُّ المَطِيَّ إلَيْها، وقالَتْ فِرْقَةٌ، لا اعْتِكافَ إلّا في مَسْجِدِ نَبِيٍّ. وقالَ مالِكٌ: لا يَعْتَكِفُ أقَلَّ مِن يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، ومِن نَذَرَ أحَدُهُما لَزِمَهُ الآخَرُ. وقالَ سَحْنُونُ: مَن نَذَرَ اعْتِكافَ لَيْلَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وقالَتْ طائِفَةٌ: أيُّهُما نَذَرَ اعْتَكَفَهُ ولَمْ يَلْزَمْهُ أكْثَرُ.

وقالَ مالِكٌ: لا اعْتِكافَ إلّا بِصَوْمٍ، وقالَ غَيْرُهُ: يَعْتَكِفُ بِغَيْرِ صَوْمٍ. ورُوِيَ عن عائِشَةَ أنَّهُ يَعْتَكِفُ في غَيْرِ مَسْجِدٍ، و"تِلْكَ" إشارَةٌ إلى هَذِهِ الأوامِرِ والنَواهِي. والحُدُودُ: الحَواجِزُ بَيْنَ الإباحَةِ والحَظْرِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْبَوّابِ حَدّادٌ لِأنَّهُ يَمْنَعُ، ومِنهُ الحادُّ لِأنَّها تَمْنَعُ مِنَ الزِينَةِ،.

والآياتُ: العَلاماتُ الهادِيَةُ إلى الحَقِّ، و"لَعَلَّهُمْ" تَرَجٍّ في حَقِّهِمْ، وظاهِرُ ذَلِكَ (p-٤٥٧)عُمُومٌ، ومَعْناهُ خُصُوصٌ فِيمَن يَسَّرَهُ اللهُ لِلْهُدى بِدَلالَةِ الآياتِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ أنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ.

2:188–190Page 29

وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٨

And do not consume one another's wealth unjustly or send it [in bribery] to the rulers in order that [they might aid] you [to] consume a portion of the wealth of the people in sin, while you know [it is unlawful].

۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٨٩

They ask you, [O Muḥammad], about the crescent moons. Say, "They are measurements of time for the people and for ḥajj [pilgrimage]." And it is not righteousness to enter houses from the back, but righteousness is [in] one who fears Allāh. And enter houses from their doors. And fear Allāh that you may succeed.

وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ١٩٠

Fight in the way of Allāh those who fight against you but do not transgress. Indeed, Allāh does not like transgressors.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِن أمْوالِ الناسِ بِالإثْمِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها ولَكِنَّ البِرُّ مِن اتَّقى وأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها واتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللهِ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾

الخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، والمَعْنى: لا يَأْكُلُ بَعْضُكم مالَ بَعْضٍ، فَأُضِيفَتِ الأمْوالُ إلى ضَمِيرِ المَنهِيِّ لَمّا كانَ كُلُّ واحِدٍ مَنهِيًّا عنهُ، وكَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥].

ويَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ القِمارُ والخِداعُ والغُصُوبُ وجَحْدُ الحَقائِقِ وغَيْرُ ذَلِكَ، ولا يَدْخُلُ فِيهِ الغَبْنُ في البَيْعِ مَعَ مَعْرِفَةِ البائِعِ بِحَقِيقَةِ ما يَبِيعُ لِأنَّ الغَبْنَ كَأنَّهُ وهَبَهُ.

وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِالآيَةِ: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ أيْ في المَلاهِي والقِيانِ، والشَرابِ، والبَطالَةِ، فَتَجِيءُ عَلى هَذا إضافَةُ المالِ إلى ضَمِيرِ المالِكِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِها﴾ الآيَةُ، يُقالُ: أدْلى الرَجُلُ بِالحُجَّةِ، أو بِالأمْرِ الَّذِي يَرْجُو (p-٤٥٨)النَجاحَ بِهِ، تَشْبِيهًا بِالَّذِي يُرْسِلُ الدَلْوَ في البِئْرِ يَرْجُو بِها الماءَ.

قالَ قَوْمٌ: مَعْنى الآيَةِ: تُسارِعُونَ في الأمْوالِ إلى المُخاصَمَةِ إذا عَلِمْتُمْ أنَّ الحُجَّةَ تَقُومُ لَكُمْ، إمّا بِألّا تَكُونَ عَلى الجاحِدِ بَيِّنَةٌ، أو يَكُونُ مالَ أمانَةٍ، كاليَتِيمِ ونَحْوِهِ، مِمّا يَكُونُ القَوْلُ فِيهِ قَوْلَهُ، فالباءُ في "بِها" باءُ السَبَبِ.

وقِيلَ مَعْنى الآيَةِ: تَرْشُوا بِها عَلى أكْلِ أكْثَرِ مِنها، فالباءُ إلْزاقُ مُجَرَّدٍ، وهَذا القَوْلُ يَتَرَجَّحُ لِأنَّ الحُكّامَ مَظِنَّةُ الرِشا، إلّا مَن عُصِمَ وهو الأقَلُّ، وأيْضًا فَإنَّ اللَفْظَتَيْنِ مُتَناسِبَتانِ، "تُدْلُوا" مِن أرْسَلَ الدَلْوَ، والرِشْوَةُ مِنَ الرِشاءِ، كَأنَّها يُمَدُّ بِها لِتُقْضى الحاجَةُ.

و"تَدْلُوا" في مَوْضِعِ جَزْمٍ عَطْفًا عَلى "تَأْكُلُوا"، وفي مُصْحَفٍ أُبَيٍّ: "وَلا تُدْلُوا" بِتَكْرارِ حَرْفِ النَهْيِ، وهَذِهِ القِراءَةُ تُؤَيَّدُ جَزْمَ "تُدْلُوا" في قِراءَةِ الجَماعَةِ.

وقِيلَ: "تُدْلُوا" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الظَرْفِ، وهَذا مَذْهَبٌ كُوفِيٌّ، أنَّ مَعْنى الظَرْفِ هو الناصِبُ، والَّذِي يُنْصَبُ في مِثْلِ هَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ "أنْ" مُضْمَرَةً.

والفَرِيقُ: القِطْعَةُ والجُزْءُ و"بِالإثْمِ" مَعْناهُ: بِالظُلْمِ والتَعَدِّي، وسُمِّيَ ذَلِكَ إثْمًا لَمّا كانَ الإثْمُ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِفاعِلِهِ، ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ إنَّكم مُبْطِلُونَ آثِمُونَ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في المَعْصِيَةِ والجُرْأةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ الآيَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والرَبِيعُ، (p-٤٥٩)وَغَيْرُهُمْ: نَزَلَتْ عَلى سُؤالِ قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ النَبِيَّ ﷺ عَنِ الهِلالِ. وما فائِدَةُ مُحاقِهِ وكَمالِهِ ومُخالَفَتِهِ لِحالِ الشَمْسِ؟

وجَمْعٌ وهو واحِدٌ في الحَقِيقَةِ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ هِلالًا في شَهْرٍ غَيْرِ كَوْنِهِ هِلالًا في الآخَرِ، فَإنَّما جَمْعُ أحْوالِهِ مِنَ الهِلالِيَّةِ، والهِلالُ لَيْلَتانِ بِلا خِلافٍ ثُمَّ يَقْمُرُ، وقِيلَ: ثَلاثٌ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: هو هِلالٌ حَتّى يَحْجُرَ ويَسْتَدِيرَ لَهُ كالخَيْطِ الرَقِيقِ، وقِيلَ: هو هِلالٌ حَتّى يُبْهِرَ بِضَوْئِهِ السَماءَ وذَلِكَ لَيْلَةَ سَبْعٍ.

وقَوْلُهُ: "مَواقِيتُ" مَعْناهُ: لِمَحَلِّ الدُيُونِ وانْقِضاءِ العَدَدِ والأكْرِيَةِ وما أشْبَهَ هَذا مِن مَصالِحِ العِبادِ، ومَواقِيتُ الحَجِّ أيْضًا يُعْرَفُ بِها وقْتُهُ وأشْهُرُهُ.

(p-٥٦٠)وَ"مَواقِيتُ" لا يَنْصَرِفُ، لِأنَّهُ جَمْعٌ لا نَظِيرَ لَهُ في الآحادِ، فَهو جَمْعٌ ونِهايَةُ جَمْعٍ، إذْ لَيْسَ يُجْمَعُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "والحَجُّ" بِكَسْرِ الحاءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿حَجَّ البَيْتَ﴾ [البقرة: ١٥٨] في آلِ عِمْرانَ، قالَ سِيبَوَيْهِ: الحَجُّ كالرَدِّ والشَدِّ، والحَجُّ كالذِكْرِ فَهُما مَصْدَرانِ بِمَعْنًى، وقِيلَ: الفَتْحُ مَصْدَرٌ، والكَسْرُ الِاسْمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَيْسَ البِرُّ﴾ الآيَةُ، قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، والزُهْرِيُّ، وقَتادَةُ: سَبَبُها (p-٤٦١)أنَّ الأنْصارَ كانُوا إذا حَجُّوا أوِ اعْتَمَرُوا يَلْتَزِمُونَ تَشَرُّعا ألّا يَحُولَ بَيْنَهم وبَيْنَ السَماءِ حائِلٌ، فَكانُوا يَتَسَنَّمُونَ ظُهُورَ بُيُوتِهِمْ عَلى الجُدْرانِ، وقِيلَ: كانُوا يَجْعَلُونَ في ظُهُورِ بُيُوتِهِمْ فُتُوحًا يَدْخُلُونَ مِنها، ولا يَدْخُلُونَ مِنَ الأبْوابِ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا يُشْبِهُهُ فاخْتَصَرْتُهُ، فَجاءَ رَجُلٌ مِنهم فَدَخَلَ مِن بابِ بَيْتِهِ فَعُيِّرَ بِذَلِكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وقالَ إبْراهِيمُ: كانَ يَفْعَلُ ما ذَكَرَ قَوْمٌ مِن أهْلِ الحِجازِ. وقالَ السُدِّيُّ: «ناسٌ مِنَ العَرَبِ، وهُمُ الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ الحُمْسَ. قالَ: فَدَخَلَ النَبِيُّ ﷺ بابًا ومَعَهُ رَجُلٌ مِنهُمْ، فَوَقَفَ ذَلِكَ الرَجُلُ، وقالَ: "إنِّي أُحَمِّسُ" فَقالَ لَهُ النَبِيُّ ﷺ::"وَأنا أُحَمِّسُ" فَنَزَلَتِ الآيَةُ.» ورَوى الرَبِيعُ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ دَخَلَ وخَلْفَهُ رَجُلٌ أنْصارِيٌّ فَدَخَلَ وخَرَقَ عادَةَ قَوْمِهِ، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ ﷺ: "لِمَ دَخَلْتَ وأنْتَ قَدْ أحْرَمْتَ؟" قالَ: دَخَلْتَ أنْتَ فَدَخَلْتُ بِدُخُولِكَ، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ ﷺ: "إنِّي أُحَمِّسُ" أيْ مِن قَوْمٍ لا يَدِينُونَ بِذَلِكَ، فَقالَ الرَجُلُ: "وَأنا دِينِي دِينُكَ" فَنَزَلَتِ الآيَةُ». وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الآيَةُ ضَرْبُ مَثَلٍ، المَعْنى: لَيْسَ البِرُّ أنْ تَسْألُوا الجُهّالَ، ولَكِنِ اتَّقُوا واسْألُوا العُلَماءَ، فَهَذا كَما يُقالُ: أتَيْتُ هَذا الأمْرَ مِن بابِهِ. وقالَ (p-٤٦٢)غَيْرُ أبِي عُبَيْدَةَ: المَعْنى: لَيْسَ البَرُّ أنْ تَشِذُّوا في الأسْئِلَةِ عَنِ الأهِلَّةِ وغَيْرِها، فَتَأْتُونَ الأُمُورَ عَلى غَيْرِ ما يَجِبُ، وهَذا يُحْتَمَلُ، والأوَّلُ أسَدُّ. وأمّا ما حَكاهُ المَهْدَوِيُّ، ومَكِّيٌّ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ مِن أنَّ الآيَةَ مَثَلٌ في جِماعِ النِساءِ فَبِعِيدٌ مُغَيَّرٌ نَمَطَ الكَلامِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، ونافِعٌ بِخِلافٍ عنهُ: "البِيُوتَ" بِكَسْرِ الباءِ. وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "وَلَكِنَّ البِرَّ" بِتَشْدِيدِ نُونِ "لَكُنَّ" ونَصْبِ "البِرَّ"، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى "مَن" في قَوْلِهِ: ﴿مَن آمَنَ بِاللهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، "واتَّقُوا مَعْناهُ: اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ عِقابِهِ وِقايَةً، و"لَعَلَّكُمْ" تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ، والفَلاحُ: دَرْكُ البُغْيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ﴾ الآيَةُ، هي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في الأمْرِ بِالقِتالِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ، والرَبِيعُ: مَعْناها: قاتِلُوا مَن قاتَلَكُمْ، وكَفُّوا عَمَّنْ كَفَّ عنكُمْ، ولا تَعْتَدُوا في قِتالِ مَن لَمْ يُقاتِلُوكُمْ، وهَذِهِ المُوادَعَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ بَراءَةٍ وبِقَوْلِهِ: ﴿وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦].

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، ومُجاهِدٌ: مَعْنى الآيَةِ: قاتِلُوا الَّذِينَ هم بِحالَةِ مَن يُقاتِلُكُمْ، ولا تَعْتَدُوا في قَتْلِ النِساءِ والصِبْيانِ والرُهْبانِ وشَبَهِهِمْ، فَهي (p-٤٦٣)مُحْكَمَةٌ عَلى هَذا القَوْلِ، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: لا تَعْتَدُوا في القِتالِ لِغَيْرِ وجْهِ اللهِ، كالحَمِيَّةِ وكَسْبِ الذِكْرِ.

2:191–194Page 30

وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡ وَأَخۡرِجُوهُم مِّنۡ حَيۡثُ أَخۡرَجُوكُمۡۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِيهِۖ فَإِن قَٰتَلُوكُمۡ فَٱقۡتُلُوهُمۡۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩١

And kill them [in battle] wherever you overtake them and expel them from wherever they have expelled you, and fitnah1 is worse than killing. And do not fight them at al-Masjid al-Ḥarām until they fight you there. But if they fight you, then kill them. Such is the recompense of the disbelievers.

فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٩٢

And if they cease, then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَلَا عُدۡوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩٣

Fight them until there is no [more] fitnah and [until] religion [i.e., worship] is [acknowledged to be] for Allāh. But if they cease, then there is to be no aggression [i.e., assault] except against the oppressors.

ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَٰتُ قِصَاصٞۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٩٤

[Battle in] the sacred month is for [aggression committed in] the sacred month,1 and for [all] violations is legal retribution. So whoever has assaulted you, then assault him in the same way that he has assaulted you. And fear Allāh and know that Allāh is with those who fear Him.

قوله عزّ وجلّ:

﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكم والفِتْنَةُ أشَدُّ مِن القَتْلِ ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهم كَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَإنِ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِينُ لِلَّهِ فَإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إلا عَلى الظالِمِينَ﴾ ﴿الشَهْرُ الحَرامُ بِالشَهْرِ الحَرامُ والحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكم واتَّقُوا اللهَ واعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾

قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في شَأْنِ عَمْرِو بْنِ الحَضْرَمِيِّ وواقِدٍ، وهي سَرِيَّةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ و"ثَقِفْتُمُوهُمْ" مَعْناهُ: أحْكَمْتُمْ غَلَبَهُمْ، ولَقِيتُمُوهم قادِرِينَ عَلَيْهِمْ، يُقالُ: رَجُلٌ ثَقِفٌ لَقِفٌ، إذا كانَ مُحْكَمًا لِما يَتَناوَلُهُ مِنَ الأُمُورِ، و"أخْرِجُوهُمْ"قالَ الطَبَرِيُّ: الخِطابُ لِلْمُهاجِرِينَ، والضَمِيرُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

بَلِ الخِطابُ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، ويُقالُ: "أخْرِجُوكُمْ" إذا أخْرَجُوا بَعْضَهُمُ الأجَلَّ قَدْرًا. وهُمُ النَبِيُّ ﷺ والمُهاجِرِينَ.

﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ أيِ: الفِتْنَةُ الَّتِي حَمَلُوكم عَلَيْها، ورامُوكم بِها عَلى الرُجُوعِ إلى الكُفْرِ، أشَدُّ مِنَ القَتْلِ.

(p-٤٦٤)قالَ مُجاهِدٌ: أيْ مِن أنْ يَقْتُلَ المُؤْمِنُ، فالقَتْلُ أخْفُّ عَلَيْهِ مِنَ الفِتْنَةِ. قالَ غَيْرُهُ: بَلِ المَعْنى: الفِتْنَةُ الَّتِي فَعَلُوا أشَدَّ في هَتْكِ حُرُماتِ الحَقِّ مِنَ القَتْلِ الَّذِي أُبِيحَ لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْ تُوقِعُوهُ بِهِمْ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: والفِتْنَةُ أيِ الكُفْرُ والضَلالُ، الَّذِي هم فِيهِ أشَدُّ في الحَرَمِ، وأعْظَمُ جُرْمًا مِنَ القَتْلِ الَّذِي عَيَّرُوكم بِهِ في شَأْنِ ابْنِ الحَضْرَمِيِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ الآيَةُ، قالَ الجُمْهُورُ: كانَ هَذا ثُمَّ نُسِخَ، وأُمِرَ بِالقِتالِ في كُلِّ مَوْضِعٍ. قالَ الرَبِيعُ: نَسَخَهُ: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾. وقالَ قَتادَةُ: نَسَخَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وقالَ مُجاهِدٌ: الآيَةُ مُحْكَمَةٌ، ولا يَجُوزُ قِتالُ أحَدٍ في المَسْجِدِ الحَرامِ إلّا بَعْدَ أنْ يُقاتِلَ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ: ولا تَقْتُلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يَقْتُلُوكم فِيهِ فَإنْ قَتَلُوكم فاقْتُلُوهم بِالقَتْلِ في الأرْبَعَةِ، ولا خِلافَ في الأخِيرَةِ أنَّها "فاقْتُلُوهُمْ"، والمَعْنى عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ، والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ فَإنْ قَتَلُوا مِنكم فاقْتُلُوهم أيُّها الباقُونَ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا﴾ [آل عمران: ١٤٦] أيْ: فَما وهَنَ الباقُونَ.

والِانْتِهاءُ في هَذِهِ الآيَةِ: هو الدُخُولُ في الإسْلامِ، لِأنَّ غُفْرانَ اللهِ ورَحْمَتَهُ إنَّما تَكُونُ مَعَ ذَلِكَ.

(p-٤٦٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أمَرَ بِالقِتالِ لِكُلِّ مُشْرِكٍ في كُلِّ مَوْضِعٍ، عَلى قَوْلِ مَن رَآها ناسِخَةً، ومَن رَآها غَيْرَ ناسِخَةٍ قالَ: المَعْنى: قاتِلُوا هَؤُلاءِ الَّذِينَ قالَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿فَإنْ قاتَلُوكُمْ﴾، والأوَّلُ أظْهَرُ، وهو أمْرٌ بِقِتالٍ مُطْلَقٍ، لا بِشَرْطِ أنْ يَبْدَأ الكُفّارُ، دَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَيَكُونَ الدِينُ لِلَّهِ﴾، والفِتْنَةُ هُنا: الشِرْكُ وما تابَعَهُ مِن أذى المُؤْمِنِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والرَبِيعُ، والسُدِّيُّ، و"الدِينُ" هُنا الطاعَةُ والشَرْعُ. وقالَ الأعْشى مَيْمُونُ بْنُ قَيْسٍ:

؎ هو دانِ الرَبابِ إذْ كَرِهُوا الدِيـ ـنَ دِراكًا بِغَزْوَةٍ وصِيالِ

والِانْتِهاءُ في هَذا المَوْضِعِ يَصِحُّ مَعَ عُمُومِ الآيَةِ في الكُفّارِ أنْ يَكُونَ الدُخُولُ في الإسْلامِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ أداءَ الجِزْيَةِ.

وسَمّى ما يُصْنَعُ بِالظالِمِينَ عُدْوانًا مِن حَيْثُ هو جَزاءُ عُدْوانٍ، إذِ الظُلْمُ يَتَضَمَّنُ العُدْوانَ، والعُقُوبَةُ تُسَمّى باسِمِ الذَنْبِ في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ والظالِمُونَ: هم -عَلى أحَدِ التَأْوِيلَيْنِ- مَن بَدَأ بِقِتالٍ، وعَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ مَن بَقِيَ عَلى كُفْرٍ وفِتْنَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الشَهْرُ الحَرامُ بِالشَهْرِ الحَرامُ﴾ الآيَةُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقْسِمٌ والسُدِّيُّ، والرَبِيعُ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُمْ: نَزَلَتْ في عُمْرَةِ القَضِيَّةِ (p-٤٦٦)وَعامِ الحُدَيْبِيَةَ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ مُعْتَمِرًا حَتّى بَلَغَ الحُدَيْبِيَةَ سَنَةَ سِتٍّ، فَصَدَّهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ عَنِ البَيْتِ، فانْصَرَفَ، ووَعَدَهُ اللهُ أنَّهُ سَيُدْخِلُهُ عَلَيْهِمْ فَدَخَلَهُ سَنَةَ سَبْعٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ»، أيِ: الشَهْرُ الحَرامُ الَّذِي غَلَّبَكُمُ اللهُ فِيهِ وأدْخَلَكُمُ الحَرَمَ عَلَيْهِمْ، بِالشَهْرِ الحَرامِ الَّذِي صَدُّوكم فِيهِ.

ومَعْنى ( الحُرُماتُ قِصاصٌ ) عَلى هَذا التَأْوِيلِ أيْ: حُرْمَةُ الشَهْرِ، وحُرْمَةُ البَلَدِ، وحُرْمَةُ المُحْرِمِينَ حِينَ صَدَدْتُمْ بِحُرْمَةِ البَلَدِ والشَهْرِ والقِطّانِ حِينَ دَخَلْتُمْ.

وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: نَزَلَتِ الآيَةُ في «أنَّ الكُفّارَ سَألُوا النَبِيَّ ﷺ: هَلْ يُقاتَلُ في الشَهْرِ الحَرامِ؟ فَأخْبَرَهم أنَّهُ لا يُقاتَلُ فِيهِ، فَهَمُّوا بِالهُجُومِ عَلَيْهِ فِيهِ، وقُتِلَ مَن مَعَهُ حِينَ طَمِعُوا أنَّهُ لا يُدافِعُ فِيهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿الشَهْرُ الحَرامُ بِالشَهْرِ الحَرامُ والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾» أيْ هو عَلَيْكم في الِامْتِناعِ مِنَ القِتالِ أوِ الِاسْتِباحَةِ بِالشَهْرِ الحَرامِ عَلَيْهِمْ في الوَجْهَيْنِ، فَأيَّةً سَلَكُوا فاسْلُكُوا. و"الحُرُماتُ" عَلى هَذا جَمْعُ حُرْمَةٍ عُمُومًا: النَفْسُ، والمالُ، والعِرْضُ، وغَيْرُ ذَلِكَ. فَأباحَ اللهُ بِالآيَةِ مُدافَعَتَهم. والقَوْلُ الأوَّلُ أكْثَرُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ: ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ، وهو ابْتِداءُ أمْرِ كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ أنَّ مَنِ انْتَهَكَ حُرْمَتَكَ نِلْتَ مِنهُ مِثْلَ ما اعْتَدى عَلَيْكَ بِهِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالقِتالِ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: ما تَناوَلَ مِنَ الآيَةِ التَعَدِّي بَيْنَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ والجِناياتِ ونَحْوِها لَمْ يُنْسَخْ، وجائِزٌ لِمَن تَعَدّى عَلَيْهِ في مالٍ أو جُرْحٍ أنْ يَتَعَدّى بِمِثْلِ ما تُعُدِّيَ عَلَيْهِ بِهِ إذا خَفِيَ ذَلِكَ لَهُ (p-٤٦٧)وَلَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ في ذَلِكَ شَيْءٌ، قالَهُ الشافِعِيُّ، وغَيْرُهُ، وهي رِوايَةٌ في مَذْهَبِ مالِكٍ.

وقالَتْ طائِفَةٌ -مِنهم مالِكٌ -: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وأُمُورُ القَصاصِ وقْفٌ عَلى الحُكّامِ. والأمْوالُ يَتَناوَلُها قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: «أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ، ولا تَخُنْ مَن خانَكَ». وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والحُرْماتُ" بِسُكُونِ الراءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةُ. اخْتُلِفَ في نَسْخِ هَذِهِ الآيَةِ حَسَبَ ما تَقَدَّمَ، وسُمِّيَ الجَزاءُ عَلى العُدْوانِ عُدْوانًا كَما قالَ: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ في ألّا تَعْتَدُوا، وقِيلَ: في ألّا تَزِيدُوا عَلى المِثْلِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وما هو في مَعْناها بِمَكَّةَ والإسْلامِ لَمْ يُعَزْ، فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وعَزَّ دِينُهُ أُمِرَ المُسْلِمُونَ بِرَفْعِ أُمُورِهِمْ إلى حُكّامِهِمْ، وأُمِرُوا بِقِتالِ الكُفّارِ، وقالَ مُجاهِدٌ: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالمَدِينَةِ بَعْدَ عُمْرَةِ القَضاءِ، وهي مِنَ التَدْرِيجِ في الأمْرِ بِالقِتالِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском