Ibn 'AtiyyaAl‑Baqarah · 2:248–253

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:248–253

2:248Page 40

وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ءَايَةَ مُلۡكِهِۦٓ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَبَقِيَّةٞ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَٰرُونَ تَحۡمِلُهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٤٨

And their prophet said to them, "Indeed, a sign of his kingship is that the chest will come to you in which is assurance1 from your Lord and a remnant of what the family of Moses and the family of Aaron had left, carried by the angels. Indeed in that is a sign for you, if you are believers."

(p-٧)قوله عزّ وجلّ:

﴿واللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ واللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧] ﴿وَقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التابُوتُ﴾.

لَمّا عَلِمَ نَبِيُّهم عَلَيْهِ السَلامُ تَعَنُّتَهم وجِدالَهم في الحُجَجِ تَمَّمَ كَلامَهُ بِالقَطْعِيِّ الَّذِي لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿واللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٤٧].

وظاهِرُ اللَفْظِ أنَّهُ مِن قَوْلِ النَبِيِّ لَهُمْ، وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى أنَّهُ مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وأُضِيفَ مُلْكُ الدُنْيا إلى اللهِ تَعالى إضافَةَ مَمْلُوكٍ إلى مالِكٍ، و"واسِعٌ" مَعْناهُ: وسِعَتْ قُدْرَتُهُ وعِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ.

وأمّا قَوْلُ النَبِيِّ لَهُمْ: "إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ" فَإنَّ الطَبَرِيَّ ذَهَبَ إلى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تَعَنَّتُوا، وقالُوا لِنَبِيِّهِمْ: وما آيَةُ مُلْكِ طالُوتَ؟ وذَلِكَ عَلى جِهَةِ سُؤالِ الدَلالَةِ عَلى صِدْقِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ﴾ [البقرة: ٢٤٧].

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُحْتَمَلُ أنَّ نَبِيَّهم قالَ لَهم ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَغْبِيطِ والتَنْبِيهِ عَلى هَذِهِ النِعْمَةِ الَّتِي قَرَنَها اللهُ بِمُلْكِ طالُوتَ، وجَعَلَها آيَةً لَهُ دُونَ أنْ تُعْنَ بَنُو إسْرائِيلَ لِتَكْذِيبِ نَبِيِّهِمْ، وهَذا عِنْدِي أظْهَرُ مِن لَفْظِ الآيَةِ، وتَأْوِيلُ الطَبَرِيِّ أشْبَهُ بِأخْلاقِ بَنِي إسْرائِيلَ الذَمِيمَةِ، فَإنَّهم أهْلُ تَكْذِيبٍ وتَعَنُّتٍ واعْوِجاجٍ، وقَدْ حَكى الطَبَرِيُّ مَعْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ زَيْدٍ والسُدِّيِّ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في كَيْفِيَّةِ إتْيانِ التابُوتِ، وكَيْفَ كانَ بَدْءُ أمْرِهِ.

فَقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ التابُوتُ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ يَغْلِبُونَ بِهِ مَن قاتَلَهم حَتّى (p-٨)عَصَوْا فَغُلِبُوا عَلى التابُوتِ، وصارَ التابُوتُ عِنْدَ القَوْمِ الَّذِينَ غَلَبُوا فَوَضَعُوهُ في كَنِيسَةٍ لَهم فِيها أصْنامٌ، فَكانَتِ الأصْنامُ تُصْبِحُ مُنَكَّسَةً، فَجَعَلُوهُ في قَرْيَةِ قَوْمٍ فَأصابَ أُولَئِكَ القَوْمَ أوجاعٌ في أعْناقِهِمْ.

وقِيلَ: جُعِلَ في مَخْرَأةِ قَوْمٍ، فَكانُوا يُصِيبُهُمُ الناسُورُ، فَلَمّا عَظُمَ بَلاؤُهم كَيْفَ كانَ قالُوا: ما هَذا إلّا لِهَذا التابُوتِ فَلْنَرُدَّهُ إلى بِلادِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأخَذُوا عَجَلَةً فَجَعَلُوا التابُوتَ عَلَيْها، ورَبَطُوها بِبَقَرَتَيْنِ فَأرْسَلُوهُما في الأرْضِ نَحْوَ بِلادِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَبَعَثَ اللهُ مَلائِكَةً تَسُوقُ البَقَرَتَيْنِ حَتّى دَخَلَتا بِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وهم في أمْرِ طالُوتَ فَأيْقَنُوا بِالنَصْرِ، وهَذا هو حَمْلُ المَلائِكَةِ لِلتّابُوتِ في هَذِهِ الرِوايَةِ.

وقالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ: بَلْ كانَ هَذا التابُوتُ مِمّا تَرَكَهُ مُوسى عِنْدَ يُوشَعِ بْنِ نُونَ، فَجَعَلَهُ يُوشَعُ في البَرِّيَّةِ، ومَرَّتْ عَلَيْهِ الدُهُورُ حَتّى جاءَ وقْتُ طالُوتَ، وكانَ أمْرُ التابُوتِ مَشْهُورًا عِنْدَهم في تَرِكَةِ مُوسى، فَجَعَلَ اللهُ الإتْيانَ بِهِ آيَةً لِمُلْكِ طالُوتَ، وبَعَثَ اللهُ مَلائِكَةً حَمَلَتْهُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ. فَيُرْوى أنَّهم رَأوُا التابُوتَ في الهَواءِ يَأْتِي حَتّى نَزَلَ بَيْنَهُمْ، ورُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ جاءَتْ بِهِ تَحْمِلُهُ حَتّى جَعَلَتْهُ في دارِ طالُوتَ، فاسْتَوْسَقَتْ بَنُو إسْرائِيلَ عِنْدَ ذَلِكَ عَلى طالُوتَ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ قَدْرُ التابُوتِ نَحْوًا مِن ثَلاثَةِ أذْرُعٍ في ذِراعَيْنِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: "التابُوهُ" وهي لُغَتُهُ، والناسُ عَلى قِراءَتِهِ بِالتاءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وكَثُرَ الرُواةُ في قِصَصِ التابُوتِ وصُورَةِ حَمْلِهِ بِما لَمْ أرَ لِإثْباتِهِ وجْهًا لِلِينِ إسْنادِهِ.

**

قوله عزّ وجلّ:

﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكم وبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ المَلائِكَةُ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لَكم إنَّ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.﴾

(p-٩)قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: السَكِينَةُ رِيحٌ هَفّافَةٌ لَها وجْهٌ كَوَجْهِ الإنْسانِ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: هي رِيحٌ خَجُوجٌ، ولَها رَأْسانِ. وقالَ مُجاهِدٌ: السَكِينَةُ لَها رَأْسٌ كَرَأْسِ الهِرَّةِ، وجَناحانِ وذَنَبٌ. وقالَ: أقْبَلَتِ السَكِينَةُ والصَرَدُ وجِبْرِيلُ مَعَ إبْراهِيمَ مِنَ الشامِ- وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عن بَعْضِ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ: السَكِينَةُ: رَأْسُ هِرَّةٍ مَيِّتَةٍ كانَتْ إذا صَرَخَتْ في التابُوتِ بِصُراخِ الهِرِّ أيْقَنُوا بِالنَصْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السَكِينَةُ: طَسْتٌ مِن ذَهَبٍ مِنَ الجَنَّةِ، كانَ يُغْسَلُ فِيهِ قُلُوبُ الأنْبِياءِ، وقالَهُ السُدِّيُّ. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: السَكِينَةُ رُوحٌ مِنَ اللهِ يَتَكَلَّمُ إذا اخْتَلَفُوا في شَيْءٍ أخْبَرَهم بِبَيانِ ما يُرِيدُونَ.

وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: السَكِينَةُ: ما يَعْرِفُونَ مِنَ الآياتِ فَيَسْكُنُونَ إلَيْها. وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: ﴿سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: رَحْمَةٌ مِن رَبِّكم. وقالَ قَتادَةُ: ﴿سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: وقارٌ لَكم مِن رَبِّكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والصَحِيحُ أنَّ التابُوتَ كانَتْ فِيهِ أشْياءٌ فاضِلَةٌ مِن بَقايا الأنْبِياءِ وآثارِهِمْ، فَكانَتِ النُفُوسُ تَسْكُنُ إلى ذَلِكَ، وتَأْنَسُ بِهِ وتَقْوى، فالمَعْهُودُ أنَّ اللهَ يَنْصُرُ الحَقَّ والأُمُورَ الفاضِلَةَ عِنْدَهُ، والسَكِينَةُ عَلى هَذا: فَعِيلَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنَ السُكُونِ، كَما يُقالُ: عَزَمَ عَزِيمَةً، وقَطَعَ قَطِيعَةً.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في البَقِيَّةِ- ما هِيَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي عَصا مُوسى ورُضاضُ (p-١٠)الألْواحِ. وقالَ الرَبِيعُ: هي عَصا مُوسى وأُمُورٌ مِنَ التَوْراةِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: هي التَوْراةُ والعَصا ورُضاضُ الألْواحِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ومَعْنى هَذا ما رُوِيَ مِن أنَّ مُوسى لَمّا جاءَ قَوْمَهُ بِالألْواحِ فَوَجَدَهم قَدْ عَبَدُوا العِجْلَ ألْقى الألْواحَ غَضَبًا فَتَكَسَّرَتْ، فَنَزَعَ مِنها ما بَقِيَ صَحِيحًا، وأخَذَ رُضاضَ ما تَكَسَّرَ فَجَعَلَ في التابُوتِ. وقالَ أبُو صالِحٍ: البَقِيَّةُ عَصا مُوسى وعَصا هارُونَ، ولَوْحانِ مِنَ التَوْراةِ، والمَنُّ، وقالَ عَطِيَّةُ بْنُ سَعْدٍ: هي عَصا مُوسى، وعَصا هارُونَ وثِيابُهُما ورُضاضُ الألْواحِ.

وقالَ الثَوْرِيُّ: مِنَ الناسِ مَن يَقُولُ: البَقِيَّةُ قَفِيزُ مَنٍّ، ورُضاضُ الألْواحِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: العَصا والنَعْلانِ. وقالَ الضَحّاكُ: البَقِيَّةُ: الجِهادُ وقِتالُ الأعْداءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

أيِ الأمْرُ بِذَلِكَ في التابُوتِ، إمّا أنَّهُ مَكْتُوبٌ فِيهِ، وإمّا أنَّ نَفْسَ الإتْيانِ بِهِ هو كالأمْرِ بِذَلِكَ، وأُسْنِدَ التَرْكُ إلى آلِ مُوسى وهارُونَ مِن حَيْثُ كانَ الأمْرُ مُنْدَرِجًا مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ، وكُلُّهم آلٌ لِمُوسى وهارُونَ. وآلُ الرَجُلِ قَرابَتُهُ وأتْباعُهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: حَمْلُ المَلائِكَةِ هو سَوْقُها التابُوتَ دُونَ شَيْءٍ يَحْمِلُهُ سِواها حَتّى وضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَيْ بَنِي إسْرائِيلَ وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ- وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ والثَوْرِيُّ- عن بَعْضِ أشْياخِهِمْ-: حَمْلُها إيّاهُ هو سَوْقُها الثَوْرَيْنِ أوِ البَقَرَتَيْنِ اللَتَيْنِ جَرَّتا العَجَلَةَ، ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى أنَّ مَجِيءَ التابُوتِ آيَةٌ لَهم إنْ كانُوا مِمَّنْ يُؤْمِنُ ويُبْصِرُ بِعَيْنِ حَقِيقَةٍ.

2:249Page 41

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلۡجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبۡتَلِيكُم بِنَهَرٖ فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ فَلَيۡسَ مِنِّي وَمَن لَّمۡ يَطۡعَمۡهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّيٓ إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِيَدِهِۦۚ فَشَرِبُواْ مِنۡهُ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡيَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٢٤٩

And when Saul went forth with the soldiers, he said, "Indeed, Allāh will be testing you with a river. So whoever drinks from it is not of me, and whoever does not taste it is indeed of me, excepting one who takes [from it] in the hollow of his hand." But they drank from it, except a [very] few of them. Then when he had crossed it along with those who believed with him, they said, "There is no power for us today against Goliath and his soldiers." But those who were certain that they would meet Allāh said, "How many a small company has overcome a large company by permission of Allāh. And Allāh is with the patient."

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ قالَ إنَّ اللهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنهُ إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾.

قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ مَتْرُوكٌ مِنَ اللَفْظِ يَدُلُّ مَعْنى ما ذُكِرَ عَلَيْهِ، وهُوَ: "فاتَّفَقَ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى طالُوتَ مَلِكًا وأذْعَنُوا وتَهَيَّئُوا لِغَزْوِهِمْ عَدُوَّهم "فَلَمّا فَصَلَ" و"فَصَلَ" مَعْناهُ: خَرَجَ (p-١١)بِهِمْ مِنَ القُطْرِ وفَصَلَ حالَ السَفَرِ مِن حالِ الإقامَةِ. قالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: كانُوا ثَمانِينَ ألْفًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا مَحالَةَ أنَّهم كانَ فِيهِمُ المُؤْمِنُ والمُنافِقُ والمُجِدُّ والكَسْلانُ. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: لَمْ يَتَخَلَّفْ عنهُ إلّا ذُو عُذْرٍ مِن صِغَرٍ أو كِبَرٍ أو مَرَضٍ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في النَهْرِ- فَقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: لَمّا فَصَلَ طالُوتُ قالُوا لَهُ: إنَّ المِياهَ لا تَحْمِلُنا فادْعُ اللهَ يُجْرِ لَنا نَهْرًا، فَقالَ لَهم طالُوتُ: ﴿إنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ﴾ الآيَةَ. وقالَ قَتادَةُ: النَهْرُ الَّذِي ابْتَلاهُمُ اللهُ بِهِ هو نَهْرٌ بَيْنَ الأُرْدُنِّ وفِلَسْطِينَ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ- وقالَ أيْضًا هو والسُدِّيُّ: النَهْرُ نَهْرُ فِلَسْطِينَ- وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "بِنَهَرٍ" بِفَتْحِ الهاءِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ الأعْرَجُ، وأبُو السَمّالِ، وغَيْرُهُمْ: "بِنَهْرٍ" بِإسْكانِ الهاءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.

ومَعْنى هَذا الِابْتِلاءِ أنَّهُ اخْتِبارٌ لَهُمْ، فَمَن ظَهَرَتْ طاعَتُهُ في تَرْكِ الماءِ عُلِمَ أنَّهُ يُطِيعُ فِيما عَدا ذَلِكَ، ومَن غَلَبَ شَهْوَتَهُ في الماءِ وعَصى الأمْرَ فَهو بِالعِصْيانِ في الشَدائِدِ أحْرى. ورُوِيَ أنَّهم أتَوُا النَهْرَ وهم قَدْ نالَهم عَطَشٌ وهو في غايَةِ العُذُوبَةِ والحُسْنِ، ولِذَلِكَ رُخِّصَ لِلْمُطِيعِينَ في الغُرْفَةِ لِيَرْتَفِعَ عنهم أذى العَطَشِ بَعْضَ الِارْتِفاعِ، ولِيَكْسِرُوا نِزاعَ النَفْسِ في هَذِهِ الحالِ إلى الِاغْتِرافِ بِالأيْدِي لِنَظافَتِهِ وسُهُولَتِهِ، وقَدْ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "الأكُفُّ أنْظَفُ الآنِيَةِ" ومِنهُ قَوْلُ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللهُ:

؎ لا يَدْلِفُونَ إلى ماءٍ بِآنِيَةٍ ∗∗∗ إلّا اغْتِرافًا مِنَ الغُدْرانِ بِالراحِ

(p-١٢)وَظاهِرُ قَوْلِ طالُوتَ: ﴿إنَّ اللهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ هو أنَّ ذَلِكَ بِوَحْيٍ إلى النَبِيِّ، وإخْبارٍ مِنَ النَبِيِّ لِطالُوتَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِمّا ألْهَمَ اللهُ طالُوتَ إلَيْهِ فَجَرَّبَ بِهِ جُنْدَهُ، وجُعِلَ الإلْهامُ ابْتِلاءً مِنَ اللهِ لَهُمْ، وهَذِهِ النَزْعَةُ واجِبٌ أنْ تَقَعَ مِن كُلِّ مُتَوَلِّي حَرْبٍ، فَلَيْسَ يُحارِبُ إلّا بِالجُنْدِ المُطِيعِ- ومِنهُ قَوْلُ مُعاوِيَةَ: "عَلِيٌّ في أخْبَثِ جُنْدٍ وأعْصاهُ، وأنا في أصَحِّ جُنْدٍ وأطْوَعِهِ"، ومِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالعِصْيانِ".

وبَيِّنٌ أنَّ الغُرْفَةَ كافَّةٌ ضَرَرَ العَطَشِ عِنْدَ الحُزْمَةِ الصابِرِينَ عَلى شَظَفِ العَيْشِ الَّذِينَ هِمَمُهم في غَيْرِ الرَفاهِيَةِ، كَما قالَ عُرْوَةٌ:

؎ ................. ∗∗∗ ∗∗∗ وأحْسُو قَراحَ الماءِ والماءُ بارِدُ

فَيُشْبِهُ أنَّ طالُوتَ أرادَ تَجْرِبَةَ القَوْمِ.

وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ حُذافَةَ السَهْمِيَّ إنَّما أمَرَ أصْحابَهُ بِإيقادِ النارِ والدُخُولِ فِيها تَجْرِبَةً لِطاعَتِهِمْ لَكِنَّهُ حَمَلَهُ مِزاحُهُ عَلى تَخْشِينِ الأمْرِ الَّذِي كَلَّفَهم.

وقَوْلُهُ: "فَلَيْسَ مِنِّي" أيْ لَيْسَ مِن أصْحابِي في هَذِهِ الحَرْبِ، ولَمْ يُخْرِجْهم بِذَلِكَ عَنِ الإيمانِ. ومِثْلُ هَذا قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن غَشَّنا فَلَيْسَ مِنّا، ومَن رَمانا بِالنَبْلِ فَلَيْسَ مِنّا، ولَيْسَ (p-١٣)مِنّا مَن شَقَّ الجُيُوبَ ولَطَمَ الخُدُودَ"»، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَمَن لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ سَدٌّ لِلذَّرائِعِ، لِأنَّ أدْنى الذَوْقِ يَدْخُلُ في لَفْظِ الطُعْمِ، فَإذا وقَعَ النَهْيُ عَنِ الطُعْمِ فَلا سَبِيلَ إلى وُقُوعِ الشُرْبِ مِمَّنْ يَتَجَنَّبُ الطُعْمَ، ولِهَذِهِ المُبالَغاتِ لَمْ يَأْتِ الكَلامُ: "وَمَن لَمْ يَشْرَبْ مِنهُ".

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ: "غَرْفَةً" بِفَتْحِ الغَيْنِ، وهَذا عَلى تَعْدِيَةِ الفِعْلِ إلى المَصْدَرِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: إلّا مَنِ اغْتَرَفَ ماءَ غُرْفَةٍ. وقَرَأ الباقُونَ: "غُرْفَةً" بِضَمِّ الغَيْنِ، وهَذا عَلى تَعْدِيَةِ الفِعْلِ إلى المَفْعُولِ بِهِ، لِأنَّ الغُرْفَةَ هي العَيْنُ المُغْتَرِفَةُ، فَهَذا بِمَنزِلَةِ: إلّا مَنِ اغْتَرَفَ ماءً، وكانَ أبُو عَلِيٍّ يُرَجِّحُ ضَمَّ الغَيْنِ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ أيْضًا مِن جِهَةِ أنَّ "غَرْفَةً" بِالفَتْحِ إنَّما هو مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ اغْتِرافٍ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّ الأكْثَرَ شَرِبَ وخالَفَ ما أُرِيدَ مِنهُ- ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وغَيْرِهِما أنَّ القَوْمَ شَرِبُوا عَلى قَدْرِ يَقِينِهِمْ- فَشَرِبَ الكُفّارُ شُرْبَ الهِيمِ، وشَرِبَ العاصُونَ دُونَ ذَلِكَ، وانْصَرَفَ مِنَ القَوْمِ سِتَّةٌ وسَبْعُونَ ألْفًا، وبَقِيَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَشْرَبْ شَيْئًا، وأخَذَ بَعْضُهُمُ الغُرْفَةَ. فَأمّا مَن شَرِبَ فَلَمْ يُرْوَ بَلْ بَرَّحَ بِهِ العَطَشُ، وأمّا مَن تَرَكَ الماءَ فَحَسُنَتْ حالُهُ، وكانَ أجْلَدَ مِمَّنْ أخَذَ الغُرْفَةَ.

**

(p-١٤)قوله عزّ وجلّ:

﴿فَلَمّا جاوَزَهُ هو والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللهِ كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإذْنِ اللهِ واللهُ مَعَ الصابِرِينَ.﴾

جاوَزَ: فاعَلَ مِن جازَ يَجُوزُ، وهي مُفاعَلَةٌ مِنَ اثْنَيْنِ في كُلِّ مَوْضِعٍ. لِأنَّ النَهْرَ وما أشْبَهَهُ كَأنَّهُ يُجاوِزُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ كَمْ كانُوا- فَقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّ عِدَّةَ أهْلِ بَدْرٍ كَعِدَّةِ أصْحابِ طالُوتَ الَّذِينَ جاوَزُوا مَعَهُ النَهْرَ- ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وفي رِوايَةٍ: وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وما جازَ مَعَهُ إلّا مُؤْمِنٌ.

وقالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ: أنْتُمْ كَعِدَّةِ أصْحابِ طالُوتَ:» وقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ: "بَلْ جازَ مَعَهُ أرْبَعَةُ آلافِ رَجُلٍ". قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "فِيهِمْ مَن شَرِبَ" قالا: فَلَمّا نَظَرُوا إلى جالُوتَ وجُنُودِهِ: "قالُوا: لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ"، ورَجَعَ مِنهم ثَلاثَةُ آلافٍ وسِتُّمِائَةٍ وبِضْعَةٌ وثَمانُونَ، هَذا نَصُّ قَوْلِ السُدِّيِّ، ومَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ قالَتِ الجَهَلَةُ: لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ عَلى جِهَةِ اسْتِكْثارِ العَدُوِّ، فَقالَ أهْلُ الصَلابَةِ مِنهم والتَصْمِيمِ والِاسْتِماتَةِ: ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ الآيَةَ. وظَنُّ لِقاءِ اللهِ -عَلى هَذا القَوْلِ- يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ ظَنًّا عَلى بابِهِ، أيْ: يَظُنُّونَ أنَّهم يُسْتَشْهَدُونَ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِعَزْمِهِمْ عَلى صِدْقِ القِتالِ، كَما جَرى لِعَبْدِ اللهِ بْنِ حَرامٍ في أُحُدٍ، ولِغَيْرِهِ.

وعَلى القَوْلِ الثانِي، قالَ كَثِيرٌ مِنَ الأرْبَعَةِ الآلافِ: لا طاقَةَ لَنا عَلى جِهَةِ الفَشَلِ والفَزَعِ مِنَ المَوْتِ، وانْصَرَفُوا عن طالُوتَ، فَقالَ المُؤْمِنُونَ المُوقِنُونَ بِالبَعْثِ والرُجُوعِ إلى اللهِ وهم عِدَّةُ أهْلِ بَدْرٍ ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ﴾، والظَنُّ -عَلى هَذا- بِمَعْنى اليَقِينِ، وهو فِيما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ ولا خَرَجَ إلى الحِسِّ.

(p-١٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ في الأرْبَعَةِ الآلافِ مَن شَرِبَ يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾.

وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ إنَّما جاوَزَ النَهْرَ مَن لَمْ يَشْرَبْ إلّا غُرْفَةً، ومَن لَمْ يَشْرَبْ جُمْلَةً، ثُمَّ كانَتْ بَصائِرُ هَؤُلاءِ مُخْتَلِفَةً، فَبَعْضٌ كَعَّ، وقَلِيلٌ صَمَّمَ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "كَأيِّنْ مِن فِئَةٍ"، والفِئَةُ: الجَماعَةُ الَّتِي يُرْجَعُ إلَيْها في الشَدائِدِ. مِن قَوْلِهِمْ: فاءَ يَفِيءُ إذا رَجَعَ، وقَدْ يَكُونُ الرَجُلُ الواحِدُ فِئَةً تَشْبِيهًا والمَلِكُ فِئَةَ الناسِ، والجَبَلُ فِئَةً، والحِصْنُ- كُلُّ ذَلِكَ تَشْبِيهٌ.

وفِي قَوْلِهِمْ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: كَمْ مِن فِئَةٍ الآيَةِ، تَحْرِيضٌ بِالمِثالِ، وحَضٌّ واسْتِشْعارٌ لِلصَّبْرِ واقْتِداءٌ بِمَن صَدَقَ رَبَّهُ - وإذْنُ اللهِ هُنا: تَمْكِينُهُ، وعِلْمُهُ- مَجْمُوعُ ذَلِكَ هو الإذْنُ ﴿واللهُ مَعَ الصابِرِينَ﴾ بِنَصْرِهِ وتَأْيِيدِهِ.

2:250–251Page 41

وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٥٠

And when they went forth to [face] Goliath and his soldiers, they said, "Our Lord, pour upon us patience and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."

فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٥١

So they defeated them by permission of Allāh, and David killed Goliath, and Allāh gave him the kingship and wisdom [i.e., prophethood] and taught him from that which He willed. And if it were not for Allāh checking [some] people by means of others, the earth would have been corrupted, but Allāh is the possessor of bounty for the worlds.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ ﴿فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللهِ وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وآتاهُ اللهِ المُلْكَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾

بَرَزُوا مَعْناهُ: صارُوا في البَرازِ وهو الأفْيَحُ مِنَ الأرْضِ، المُتَّسِعُ، وجالُوتُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ - والإفْراغُ أعْظَمُ الصَبِّ، كَأنَّهُ يَتَضَمَّنُ عُمُومَ المُفْرَغِ عَلَيْهِ - والهَزْمُ أصْلُهُ أنْ يُضْرَبَ الشَيْءُ فَيَدْخُلَ بَعْضُهُ في بَعْضٍ، وكَذَلِكَ الجَيْشُ الَّذِي يُرَدُّ يَرْكَبُ رَدْعَهُ، ثُمَّ قِيلَ في مَعْنى الغَلَبَةِ: هَزَمَ- وكانَ جالُوتُ أمِيرَ العَمالِقَةِ ومَلِكَهُمْ، وكانَ فِيما رُوِيَ في ثَلاثِمِائَةِ ألْفِ فارِسٍ.

(p-١٦)وَرُوِيَ في قِصَّةِ داوُدَ وقَتْلِهِ جالُوتَ أنَّ أصْحابَ طالُوتَ كانَ فِيهِمْ إخْوَةُ داوُدَ وهم بَنُو إيشِي، وكانَ داوُدُ صَغِيرًا يَرْعى غَنَمًا لِأبِيهِ، فَلَمّا حَضَرَتِ الحَرْبُ قالَ في نَفْسِهِ: لَأذْهَبَنَّ لِرُؤْيَةِ هَذِهِ الحَرْبِ، فَلَمّا نَهِضَ مَرَّ في طَرِيقِهِ بِحَجَرٍ فَناداهُ: يا داوُدُ خُذْنِي فَبِي تَقْتُلُ جالُوتَ، ثُمَّ ناداهُ حَجَرٌ آخَرُ، ثُمَّ آخَرُ، ثُمَّ آخَرُ، فَأخَذَها، وجَعَلَها في مِخْلاتِهِ. وسارَ، فَلَمّا حَضَرَ الناسُ خَرَجَ جالُوتُ يَطْلُبُ مُبارِزًا، فَكَعَّ الناسُ عنهُ حَتّى قالَ طالُوتُ:

مَن يَبْرُزْ لَهُ ويَقْتُلْهُ فَأنا أُزَوِّجْهُ بِنْتِي وأُحَكِّمْهُ في مالِي، فَجاءَ داوُدُ، فَقالَ: أنا أبْرُزُ لَهُ وأقْتُلُهُ، فَقالَ لَهُ طالُوتُ: فارْكَبْ فَرَسِي، وخُذْ سِلاحِي، فَفَعَلَ، وخَرَجَ في أحْسَنِ شِكَّةٍ، فَلَمّا مَشى قَلِيلًا رَجَعَ، فَقالَ الناسُ: جَبُنَ الفَتى، فَقالَ داوُدُ: إنْ كانَ اللهُ لَمْ يَقْتُلْهُ لِي ويُعِنِّي عَلَيْهِ لَمْ يَنْفَعْنِي هَذا الفَرَسُ، ولا هَذا السِلاحُ، ولَكِنِّي أُحِبُّ أنْ أُقاتِلَهُ عَلى عادَتِي قالَ: وكانَ داوُدُ مِن أرْمى الناسِ بِالمِقْلاعِ، فَنَزَلَ وأخَذَ مِخْلاتَهُ فَتَقَلَّدَها، وأخَذَ مِقْلاعَهُ وخَرَجَ إلى جالُوتَ وهو شاكٍ في سِلاحِهِ، فَقالَ لَهُ جالُوتُ: أنْتَ يا فَتى تَخْرُجُ إلَيَّ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: هَكَذا كَما يُخْرَجُ إلى الكَلْبِ؟ قالَ: نَعَمْ، وأنْتَ أهْوَنُ، قالَ: لَأُطْعِمَنَّ اليَوْمَ لَحْمَكَ الطَيْرَ والسِباعَ، ثُمَّ تَدانَيا فَأدارَ داوُدُ مِقْلاعَهُ، وأدْخَلَ يَدَهُ إلى الحِجارَةِ فَرُوِيَ أنَّها التَأمَتْ فَصارَتْ حَجَرًا واحِدًا، فَأخَذَهُ فَوَضَعَهُ في المِقْلاعِ، وسَمّى اللهَ وأدارَهُ ورَماهُ، فَأصابَ بِهِ رَأْسَ جالُوتَ فَقَتَلَهُ، وحَزَّ رَأْسَهُ وجَعَلَهُ في مِخْلاتِهِ واخْتَلَطَ الناسُ، وحَمَلَ أصْحابُ طالُوتَ، وكانَتِ الهَزِيمَةُ - ثُمَّ إنَّ داوُدَ جاءَ يَطْلُبُ شَرْطَهُ مِن طالُوتَ فَقالَ لَهُ: إنَّ بَناتِ المُلُوكِ لَهُنَّ غَرائِبُ مِنَ المَهْرِ ولا بُدَّ لَكَ مِن قَتْلِ مِائَتَيْنِ مِن هَؤُلاءِ الجَراجِمَةِ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الناسَ، وتَجِيئُنِي بِغُلُفِهِمْ، وطَمِعَ طالُوتُ أنْ يُعَرِّضَ داوُدَ لِلْقَتْلِ بِهَذِهِ الفَزْعَةِ، فَقَتَلَ داوُدُ مِنهم مِائَتَيْنِ، وجاءَ بِذَلِكَ وطَلَبَ امْرَأتَهُ فَدَفَعَها إلَيْهِ طالُوتُ، وعَظُمَ أمْرُ داوُدَ، فَيُرْوى أنَّ طالُوتَ تَخَلّى لَهُ عَنِ المُلْكِ وصارَ هو المَلِكَ، ويُرْوى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ غَلَبَتْ طالُوتَ عَلى ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ داوُدَ قَتَلَ جالُوتَ، وكانَ سَبَبَ الفَتْحِ، ورُوِيَ أنَّ طالُوتَ أخافَ داوُدَ حَتّى هَرَبَ مِنهُ فَكانَ في جَبَلٍ إلى أنْ ماتَ طالُوتُ، فَذَهَبَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إلى داوُدَ فَمَلَّكَتْهُ أمْرَها- ورُوِيَ أنَّ نَبِيَّ اللهِ شَمْوِيلَ أوحى اللهُ إلَيْهِ أنْ يَذْهَبَ إلى إيشِي ويَسْألَهُ أنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ بَنِيهِ، فَيَدْهُنَ الَّذِي يُشارُ إلَيْهِ بِدُهْنِ القُدْسِ، ويَجْعَلَهُ مَلِكَ (p-١٧)بَنِي إسْرائِيلَ، واللهُ أعْلَمُ- أيَّ ذَلِكَ كانَ- غَيْرَ أنَّهُ يُقْطَعُ مِن ألْفاظِ الآيَةِ عَلى أنَّ داوُدَ صارَ مَلِكَ بَنِي إسْرائِيلَ.

وقَدْ رُوِيَ في صَدْرِ هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ داوُدَ كانَ يَسِيرُ في مُطَّبَخَةِ طالُوتَ ثُمَّ كَلَّمَهُ حَجَرٌ فَأخَذَهُ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبَ قَتْلِهِ جالُوتَ ومَمْلَكَتِهِ وقَدْ أكْثَرَ الناسُ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ كُلُّهُ لَيِّنُ الأسانِيدِ فَلِذَلِكَ انْتَقَيْتُ مِنهُ ما تَنْفَكُّ بِهِ الآيَةُ، وتُعْلَمُ بِهِ مَناقِلُ النازِلَةِ، واخْتَصَرْتُ سائِرَ ذَلِكَ.

وأمّا الحِكْمَةُ الَّتِي آتاهُ اللهُ فَهي النُبُوَّةُ والزَبُورُ، وقالَ السُدِّيُّ: آتاهُ اللهُ مُلْكَ طالُوتَ ونُبُوَّةَ شَمْعُونَ، والَّذِي عَلَّمَهُ: هي صَنْعَةُ الدُرُوعِ، ومَنطِقُ الطَيْرِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أنْواعِ عِلْمِهِ ﷺ.

2:252Page 41

تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٥٢

These are the verses of Allāh which We recite to you, [O Muḥammad], in truth. And indeed, you are from among the messengers.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ الناسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ ولَكِنَّ اللهِ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥١] ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وإنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ.﴾

أخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَوْلا دَفْعُهُ بِالمُؤْمِنِينَ في صُدُورِ الكَفَرَةِ عَلى مَرِّ الدَهْرِ لَفَسَدَتِ الأرْضُ، لِأنَّ الكُفْرَ كانَ يُطَبِّقُها ويَتَمادى في جَمِيعِ أقْطارِها ولَكِنَّهُ تَعالى لا يُخْلِي الزَمانَ مِن قائِمٍ بِحَقٍّ، وداعٍ إلى اللهِ، ومُقاتِلٍ عَلَيْهِ، إلى أنْ جَعَلَ ذَلِكَ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى قِيامِ الساعَةِ- لَهُ الحَمْدُ كَثِيرًا.

قالَ مَكِّيٌّ: وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المَعْنى: لَوْلا أنَّ اللهَ يَدْفَعُ بِمَن يُصَلِّي عَمَّنْ لا يُصَلِّي وبِمَن يَتَّقِي عَمَّنْ لا يَتَّقِي لَأهْلَكَ الناسَ بِذُنُوبِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ولَيْسَ هَذا مَعْنى الآيَةِ ولا هي مِنهُ في وِرْدٍ ولا صَدْرٍ- والحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ ابْنُ (p-١٨)عُمَرَ صَحِيحٌ وما ذَكَرَ مَكِّيٌّ مِنَ احْتِجاجِ ابْنِ عُمَرَ عَلَيْهِ بِالآيَةِ لا يَصِحُّ عِنْدِي، لِأنَّ ابْنَ عُمَرَ مِنَ الفُصَحاءِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ: "وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ"، وفي الحَجِّ: "إنَّ اللهَ يَدْفَعُ". وقَرَأ نافِعٌ: "وَلَوْلا دِفاعُ اللهِ"، "وَإنَّ اللهَ يُدافِعُ". وقَرَأ الباقُونَ: "وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ"، "وَإنَّ اللهَ يُدافِعُ"، فَفَرَّقُوا بَيْنَهُما، والدِفاعُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ دَفَعَ كَكَتَبَ كِتابًا ولَقِيَ لِقاءً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ دافَعَ كَقاتَلَ قِتالًا.

والإشارَةُ بِتِلْكَ إلى ما سَلَفَ مِنَ القِصَصِ والأنْباءِ. وفي هَذِهِ القِصَّةِ بِجُمْلَتِها مِثالٌ عَظِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ومُعْتَبَرٌ، وقَدْ كانَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ مُعَدِّينَ لِحَرْبِ الكُفّارِ، فَلَهم في هَذِهِ النازِلَةِ مُعْتَبَرٌ يَقْتَضِي تَقْوِيَةَ النُفُوسِ، والثِقَةَ بِاللهِ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ العِبْرَةِ.

2:253Page 42

۞ تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ ٢٥٣

Those messengers - some of them We caused to exceed others. Among them were those to whom Allāh spoke, and He raised some of them in degree. And We gave Jesus, the son of Mary, clear proofs, and We supported him with the Pure Spirit [i.e., Gabriel]. If Allāh had willed, those [generations] succeeding them would not have fought each other after the clear proofs had come to them. But they differed, and some of them believed and some of them disbelieved. And if Allāh had willed, they would not have fought each other, but Allāh does what He intends.

قوله عزّ وجلّ:

﴿تِلْكَ الرُسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ مِنهم مَن كَلَّمَ اللهُ ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾

"تِلْكَ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ "والرُسُلُ" خَبَرُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "الرُسُلُ" عَطْفَ بَيانٍ و"فَضَّلْنا" الخَبَرَ، و"تِلْكَ" إشارَةٌ إلى جَماعَةٍ مُؤَنَّثَةِ اللَفْظِ.

ونَصَّ اللهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَفْضِيلِ بَعْضِ الأنْبِياءِ عَلى بَعْضٍ، وذَلِكَ في الجُمْلَةِ دُونَ تَعْيِينِ مَفْضُولٍ، وهَكَذا هي الأحادِيثُ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، فَإنَّهُ قالَ: « "أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ"،» وقالَ: "لا تُفَضِّلُونِي عَلى مُوسى". وقالَ: « "لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: (p-١٩)أنا خَيْرٌ مِن يُونُسَ بْنِ مَتّى"»، وفي هَذا نَهْيٌ شَدِيدٌ عن تَعْيِينِ المَفْضُولِ- لِأنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ شابًّا، وتَفَسَّخَ تَحْتَ أعْباءِ النُبُوَّةِ، فَإذا كانَ هَذا التَوْقِيفُ فِيهِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَغَيْرُهُ أحْرى، فَرَبْطُ البابِ أنَّ التَفْضِيلَ فِيهِمْ عَلى غَيْرِ تَعْيِينِ المَفْضُولِ- وقَدْ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: خَيْرُ ولَدِ آدَمَ نُوحٌ وإبْراهِيمُ ومُوسى وعِيسى ومُحَمَّدٌ وهم أُولُو العَزْمِ - والمُكَلَّمُ مُوسى ﷺ، وقَدْ «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عن آدَمَ - أنَبِيٌّ مُرْسَلٌ هُوَ؟ فَقالَ: "نَعَمْ نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ"»، وقَدْ تَأوَّلَ بَعْضُ الناسِ أنَّ تَكْلِيمَ آدَمَ كانَ في الجَنَّةِ، فَعَلى هَذا تَبْقى خاصَّةَ مُوسى.

(p-٢٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ﴾ قالَ مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ: هي إشارَةٌ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، لِأنَّهُ بُعِثَ إلى الناسِ كافَّةً، وأُعْطِيَ الخَمْسَ الَّتِي لَمْ يُعْطَها أحَدٌ قَبْلَهُ، وهو أعْظَمُ الناسِ أُمَّةً، وخَتَمَ اللهُ بِهِ النُبُوّاتِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الخُلُقِ العَظِيمِ الَّذِي أعْطاهُ اللهُ، ومِن مُعْجِزاتِهِ، وباهِرِ آياتهِ، ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ أنْ يُرادَ بِهِ مُحَمَّدٌ وغَيْرُهُ مِمَّنْ عَظُمَتْ آياتهُ، ويَكُونَ الكَلامُ تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ رَفْعَ إدْرِيسَ المَكانَ العَلِيَّ، ومَراتِبَ الأنْبِياءِ في السَماءِ فَتَكُونَ الدَرَجاتُ في المَسافَةِ، ويَبْقى التَفْضِيلُ مَذْكُورًا في صَدْرِ الآيَةِ فَقَطْ.

وبَيِّناتُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: هي إحْياءُ المَوْتى، وإبْراءُ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، وخَلْقُ الطَيْرِ مِنَ الطِينِ.

ورُوحُ القُدُسِ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما قالَ العُلَماءُ فِيهِ.

**

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ ولَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مِن آمَنَ ومِنهم مِن كَفَرَ ولَوْ شاءَ اللهُ ما اقْتَتَلُوا ولَكِنِ اللهُ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ.﴾

ظاهِرُ اللَفْظِ في قَوْلِهِ: "مِن بَعْدِهِمْ"، يُعْطِي أنَّهُ أرادَ القَوْمَ الَّذِينَ جاؤُوا مِن بَعْدِ جَمِيعِ الرُسُلِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ المَعْنى بَلِ المُرادُ ما اقْتَتَلَ الناسُ بَعْدَ كُلِّ نَبِيٍّ، فَلَفَّ الكَلامَ لَفًّا، يَفْهَمُهُ السامِعُ وهَذا كَما تَقُولُ:

اشْتَرَيْتُ خَيْلًا ثُمَّ بِعْتُها، فَجائِزَةٌ لَكَ هَذِهِ العِبارَةُ، وأنْتَ إنَّما اشْتَرَيْتَ فَرَسًا ثُمَّ بِعْتَهُ، ثُمَّ آخَرَ وبِعْتَهُ، ثُمَّ آخَرَ وبِعْتَهُ، وكَذَلِكَ هَذِهِ النَوازِلُ إنَّما اخْتَلَفَ الناسُ بَعْدَ كُلِّ نَبِيٍّ. فَمِنهم مَن آمَنَ، ومِنهم مَن كَفَرَ بَغْيًا وحَسَدًا عَلى حُطامِ الدُنْيا، وذَلِكَ كُلُّهُ بِقَضاءٍ وقَدَرٍ، وإرادَةٍ مِنَ اللهِ تَعالى. ولَوْ شاءَ خِلافَ ذَلِكَ لَكانَ ولَكِنَّهُ (p-٢١)المُسْتَأْثِرُ بِسِرِّ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ، الفَعّالُ لِما يُرِيدُ، فاقْتَتَلُوا بِأنْ قاتَلَ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ عَلى مَرِّ الدَهْرِ، وذَلِكَ هو دَفْعُ اللهِ الناسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском