Ibn 'AtiyyaAl‑Baqarah · 2:258–259

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:258–259

2:258Page 43

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٥٨

Have you not considered the one who argued with Abraham about his Lord [merely] because Allāh had given him kingship? When Abraham said, "My Lord is the one who gives life and causes death," he said, "I give life and cause death." Abraham said, "Indeed, Allāh brings up the sun from the east, so bring it up from the west." So the disbeliever was overwhelmed [by astonishment], and Allāh does not guide the wrongdoing people.

قوله عزّ وجلّ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ أنْ آتاهُ اللهُ المُلْكَ إذْ قالَ إبْراهِيمَ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ قالَ أنا أُحْيِي وأُمِيتُ قالَ إبْراهِيمَ فَإنَّ اللهُ يَأْتِي بِالشَمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾

"ألَمْ تَرَ" تَنْبِيهٌ، وهي رُؤْيَةُ القَلْبِ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: "ألَمْ تَرْ" بِجَزْمِ الراءِ، والَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ هو نُمْرُودُ بْنُ كَنْعانَ بْنِ كُوشَ بْنِ حامَ بْنِ نُوحٍ مَلِكُ زَمانِهِ وصاحِبُ النارِ والبَعُوضَةِ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والرَبِيعِ والسُدِّيِّ، وابْنِ إسْحاقَ، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وغَيْرِهِمْ - وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هو أوَّلُ مَلِكٍ في الأرْضِ، وهَذا (p-٣٥)مَرْدُودٌ. وقالَ قَتادَةُ: هو أوَّلُ مَن تَجَبَّرَ، وهو صاحِبُ الصَرْحِ بِبابِلَ، وقِيلَ: إنَّهُ مَلَكُ الدُنْيا بِأجْمَعِها ونَفَذَتْ فِيها طِينَتُهُ، وهو أحَدُ الكافِرَيْنِ، والآخَرُ بُخْتُ نَصَّرْ، وقِيلَ: إنَّ الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ نُمْرُوذُ بْنُ فالِخَ بْنِ عامِرِ بْنِ شالِخَ بْنِ أرْفَخْشَدَ بْنِ سامَ بْنِ نُوحٍ.

وفِي قِصَصِ هَذِهِ المُحاجَّةِ رِوايَتانِ: إحْداهُما: ذَكَرَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ أنَّ النُمْرُودَ هَذا قَعَدَ يَأْمُرُ لِلنّاسِ بِالمِيرَةِ فَكُلَّما جاءَ قَوْمٌ قالَ: مَن رَبُّكم وإلَهُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أنْتَ. فَيَقُولُ: مِيرُوهُمْ، وجاءَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ يَمْتارُ، فَقالَ لَهُ: مَن رَبُّكَ وإلَهُكَ؟ قالَ إبْراهِيمُ: "رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ"، فَلَمّا سَمِعَها نُمْرُودُ قالَ: "أنا أُحْيِي وأُمِيتُ"، فَعارَضَهُ إبْراهِيمُ بِأمْرِ الشَمْسِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ، وقالَ: لا تُمِيرُوهُ، فَرَجَعَ إبْراهِيمُ إلى أهْلِهِ دُونَ شَيْءٍ، فَمَرَّ عَلى كَثِيبٍ مِن رَمْلٍ كالدَقِيقِ فَقالَ لَوْ مَلَأْتُ غِرارَتِي مِن هَذا فَإذا دَخَلْتُ بِهِ فَرِحَ الصَبِيّانِ حَتّى أنْظُرَ لَهُما، فَذَهَبَ بِذَلِكَ فَلَمّا بَلَغَ مَنزِلَهُ فَرِحَ الصَبِيّانِ وجَعَلا يَلْعَبانِ فَوْقَ الغِرارَتَيْنِ، ونامَ هو مِنَ الإعْياءِ، فَقالَتِ امْرَأتُهُ: لَوْ صَنَعْتُ لَهُ طَعامًا يَجِدُهُ حاضِرًا إذا انْتَبَهَ، فَفَتَحَتْ إحْدى الغِرارَتَيْنِ فَوَجَدَتْ أحْسَنَ ما يَكُونُ مِنَ الحُوّارى فَخَبَزَتْهُ، فَلَمّا قامَ وضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ: مِن أيْنَ هَذا؟ فَقالَتْ: مِنَ الدَقِيقِ الَّذِي سُقْتَ، فَعَلِمَ إبْراهِيمُ أنَّ اللهَ تَعالى يَسَّرَ لَهم ذَلِكَ.

وقالَ الرَبِيعُ، وغَيْرُهُ في هَذِهِ القِصَصِ: إنَّ النُمْرُودَ لَمّا قالَ: "أنا أُحْيِي وأُمِيتُ" أحْضَرَ رَجُلَيْنِ فَقَتَلَ أحَدَهُما، وأرْسَلَ الآخَرَ، وقالَ: قَدْ أحْيَيْتُ هَذا، وأمَتُّ هَذا، فَلَمّا رَدَّ عَلَيْهِ بِأمْرِ الشَمْسِ بُهِتَ.

والرِوايَةُ الأُخْرى: ذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّهُ لَمّا خَرَجَ إبْراهِيمُ مِنَ النارِ أدْخَلُوهُ عَلى المَلِكِ، ولَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْهِ، فَكَلَّمَهُ، وقالَ لَهُ: مَن رَبُّكَ؟ قالَ: "رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ"، قالَ نُمْرُوذُ: "أنا أُحْيِي وأُمِيتُ" أنا آخُذُ أرْبَعَةَ نَفَرٍ فَأُدْخِلُهم بَيْتًا، ولا (p-٣٦)يُطْعَمُونَ شَيْئًا، ولا يُسْقَوْنَ حَتّى إذا جاعُوا أخْرَجْتُهم فَأطْعَمْتُ اثْنَيْنِ فَحَيِيا، وتَرَكْتُ اثْنَيْنِ فَماتا، فَعارَضَهُ إبْراهِيمُ بِالشَمْسِ فَبُهِتَ.

وذَكَرَ الأُصُولِيُّونَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ وصَفَ رَبَّهُ تَعالى بِما هو صِفَةٌ لَهُ مِنَ الإحْياءِ والإماتَةِ، لَكِنَّهُ أمْرٌ لَهُ حَقِيقَةٌ ومَجازٌ، قَصَدَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ الحَقِيقَةَ، فَفَزِعَ نُمْرُوذٌ إلى المَجازِ، ومَوَّهَ بِهِ عَلى قَوْمِهِ، فَسَلَّمَ لَهُ إبْراهِيمُ تَسْلِيمَ الجَدَلِ، وانْتَقَلَ مَعَهُ مِنَ المِثالِ وجاءَهُ بِأمْرٍ لا مَجازَ فِيهِ، فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ولَمْ يُمْكِنْهُ أنْ يَقُولَ: أنا الآتِي بِها مِنَ المَشْرِقِ، لِأنَّ ذَوِي الأسْنانِ يُكَذِّبُونَهُ.

وقَوْلُهُ "حاجَّ" وزْنُهُ فاعَلَ، مِنَ الحُجَّةِ، أيْ جاذَبَهُ إيّاها، والضَمِيرُ في "رَبِّهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الَّذِي حاجَّ، و"أنْ" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، والضَمِيرُ في " آتاهُ" لِلنُّمْرُوذِ، وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى إبْراهِيمَ "أنْ آتاهُ" مُلْكَ النُبُوَّةِ، وهَذا تَحامُلٌ مِنَ التَأْوِيلِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "أنَ أُحْيِي" بِطَرْحِ الألِفِ الَّتِي بَعْدَ النُونِ مِن "أنا" إذا وصَلُوا في (p-٣٧)كُلِّ القُرْآنِ غَيْرُ نافِعٍ، فَإنَّ ورْشًا، وابْنَ أبِي أُوَيْسٍ، وقالُونَ رَأوا إثْباتَها في الوَصْلِ إذا لَقِيَتْها هَمْزَةٌ في كُلِّ القُرْآنِ مِثْلِ: "أنا أُحْيِي" "أنا أخُوكَ" إلّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ أنا إلا نَذِيرٌ﴾ [الشعراء: ١١٥] فَإنَّهُ يَطْرَحُها في هَذا المَوْضِعِ مِثْلَ سائِرِ القُرّاءِ، وتابَعَ أصْحابَهُ في حَذْفِها عِنْدَ غَيْرِ هَمْزَةٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ الِاسْمُ فِيهِ الهَمْزَةُ والنُونُ، ثُمَّ إنَّ الألِفَ تُلْحَقُ في الوَقْفِ كَما تُلْحَقُ الهاءُ أحْيانًا في الوَقْفِ، فَإذا اتَّصَلَتِ الكَلِمَةُ الَّتِي هي فِيها بِشَيْءٍ سَقَطَتِ الهاءُ، فَكَذَلِكَ الألِفُ، وهي مِثْلُ ألِفِ حَيْهَلا وهَذا مِثْلُ الألِفِ الَّتِي تُلْحَقُ في القَوافِي، فَتَأمَّلَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَإذا اتَّصَلَتِ الكَلِمَةُ بِشَيْءٍ سَقَطَتِ الألِفُ لِأنَّ الشَيْءَ الَّذِي تَتَّصِلُ بِهِ الكَلِمَةُ يَقُومُ مَقامَ الألِفِ، وقَدْ جاءَتِ الألِفُ مُثْبَتَةً في الوَصْلِ في الشِعْرِ - مِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ أنا شَيْخُ العَشِيرَةِ فاعْرِفُونِي ∗∗∗ حَمِيدًا قَدْ تَذَرَّيْتُ السَناما

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَبُهِتَ الَّذِي" بِضَمِّ الباءِ وكَسْرِ الهاءِ، يُقالُ: بُهِتَ الرَجُلُ إذا انْقَطَعَ وقامَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ، قالَ ابْنُ سِيدَهْ: ويُقالُ في هَذا المَعْنى: بَهِتَ بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الهاءِ، وبَهُتَ بِفَتْحِ الباءِ وضَمِّ الهاءِ. قالَ الطَبَرِيُّ: وحُكِيَ عن بَعْضِ العَرَبِ في هَذا المَعْنى: بَهَتَ بِفَتْحِ الباءِ والهاءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَكَذا ضُبِطَتِ اللَفْظَةُ في نُسْخَةِ ابْنِ مَلُولٍ دُونَ تَقْيِيدٍ بِفَتْحِ الباءِ والهاءِ. قالَ ابْنُ (p-٣٨)جِنِّيٍّ: قَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فَبَهُتَ" بِفَتْحِ الباءِ وضَمِّ الهاءِ، وهي لُغَةٌ في بُهِتَ بِكَسْرِ الهاءِ. قالَ: وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ: "فَبَهَتَ" بِفَتْحِ الباءِ والهاءِ عَلى مَعْنى فَبَهَتَ إبْراهِيمُ الَّذِي كَفَرَ، فالَّذِي في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَ: وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَهَتَ بِفَتْحِهِما لُغَةً في بُهِتَ قالَ: وحَكى أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ قِراءَةَ "فَبُهِتَ" بِكَسْرِ الهاءِ كَخُرِقَ ودُهِشَ قالَ: والأكْثَرُ بِالضَمِّ في الهاءِ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: يَعْنِي أنَّ الضَمَّ يَكُونُ لِلْمُبالَغَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ تَأوَّلَ قَوْمٌ في قِراءَةِ مَن قَرَأ "فَبَهَتَ" بِفَتْحِهِما أنَّهُ بِمَعْنى سَبَّ وقَذَفَ، وأنَّ نُمْرُوذًا هو الَّذِي سَبَّ إبْراهِيمَ حِينَ انْقَطَعَ ولَمْ تَكُنْ لَهُ حِيلَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ﴾ إخْبارٌ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ وأُمَّتِهِ،

والمَعْنى لا يُرْشِدُهم في حُجَجِهِمْ عَلى ظُلْمِهِمْ، لِأنَّهُ لا هُدى في الظُلْمِ. فَظاهِرُهُ العُمُومُ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ، كَما ذَكَرْنا لِأنَّ اللهَ قَدْ يَهْدِي الظالِمِينَ بِالتَوْبَةِ والرُجُوعِ إلى الإيمانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الخُصُوصُ فِيمَن يُوافِي ظالِمًا.

2:259Page 43

أَوۡ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٖ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحۡيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٖ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِاْئَةَ عَامٖ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمٗاۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٥٩

Or [consider such an example] as the one who passed by a township which had fallen into ruin. He said, "How will Allāh bring this to life after its death?" So Allāh caused him to die for a hundred years; then He revived him. He said, "How long have you remained?" He [the man] said, "I have remained a day or part of a day." He said, "Rather, you have remained one hundred years. Look at your food and your drink; it has not changed with time. And look at your donkey; and We will make you a sign for the people. And look at the bones [of this donkey] - how We raise them and then We cover them with flesh." And when it became clear to him, he said, "I know that Allāh is over all things competent."

قوله عزّ وجلّ:

﴿أو كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتَ يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾

عُطِفَتْ "أو" في هَذِهِ الآيَةِ عَلى المَعْنى، لِأنَّ مَقْصِدَ التَعْجِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ (p-٣٩)إلى الَّذِي حاجَّ﴾ [البقرة: ٢٥٨] يَقْتَضِي المَعْنى: أرَأيْتَ كالَّذِي حاجَّ؟ ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿أو كالَّذِي﴾ عَطْفًا عَلى ذَلِكَ المَعْنى.

وقَرَأ أبُو سُفْيانَ بْنُ حُسَيْنٍ: "أوَ كالَّذِي مَرَّ" بِفَتْحِ الواوِ وهي واوُ عَطْفٍ دَخَلَ عَلَيْها ألِفُ التَقْرِيرِ. قالَ سُلَيْمانُ بْنُ بُرَيْدَةَ، وناجِيَةُ بْنُ كَعْبٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والرَبِيعُ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: الَّذِي مَرَّ عَلى القَرْيَةِ هو عُزَيْرٌ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وبَكْرُ بْنُ مُضَرٍ: هو أرْمِياءُ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: أرْمِياءُ هو الخَضِرُ، وحَكاهُ النَقّاشُ عن وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، وهَذا كَما تَراهُ، إلّا أنْ يَكُونَ اسْمًا وافَقَ اسْمًا، لِأنَّ الخَضِرَ مُعاصِرٌ لِمُوسى، وهَذا الَّذِي مَرَّ عَلى القَرْيَةِ هو بَعْدَهُ بِزَمانٍ مِن سِبْطِ هارُونَ فِيما رَوى وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ. وحَكى مَكِّيٌّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ غَيْرُ مُسَمّىً، قالَ النَقّاشُ: ويُقالُ: هو غُلامُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ، واخْتُلِفَ في القَرْيَةِ أيَّما هِيَ؟ فَحَكى النَقّاشُ أنَّ قَوْمًا قالُوا: هي المُؤْتَفِكَةُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ القَوْمَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا مَرَّ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ وهم عِظامٌ تَلُوحُ فَوَقَفَ يَنْظُرُ فَقالَ: أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها؟ فَأماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ وتَرْجَمَ الطَبَرِيُّ عَلى هَذا القَصَصِ بِأنَّهُ قَوْلٌ بِأنَّ القَرْيَةَ الَّتِي مَرَّ عَلَيْها هي الَّتِي أهْلَكَ اللهُ فِيها الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ لا يُلائِمُ التَرْجَمَةَ لِأنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ عَلى مُقْتَضى التَرْجَمَةِ هي إلى (p-٤٠)المَكانِ، وعَلى نَفْسِ القَوْلِ هي إلى العِظامِ والأجْسادِ، وهَذا القَوْلُ مِنَ ابْنِ زَيْدٍ مُناقِضٌ لِألْفاظِ الآيَةِ، إذِ الآيَةُ إنَّما تَضَمَّنَتْ قَرْيَةً خاوِيَةً لا أنِيسَ فِيها، والإشارَةُ بِهَذِهِ إنَّما هي إلى القَرْيَةِ، وإحْياؤُها إنَّما هو بِالعِمارَةِ ووُجُودِ البِناءِ والسُكّانِ. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وقَتادَةُ، والضَحّاكُ، وعِكْرِمَةُ، والرَبِيعُ: القَرْيَةُ بَيْتُ المَقْدِسِ لَمّا خَرَّبَها بُخْتَ نَصَّرُ البابِلِيُّ، وفي الحَدِيثِ الطَوِيلِ حِينَ أحْدَثَتْ بَنُو إسْرائِيلَ الأحْداثَ وقَفَ أرْمِياءُ أو عُزَيْرٌ عَلى القَرْيَةِ وهي كالتَلِّ العَظِيمِ وسَطَ بَيْتِ المَقْدِسِ، لِأنَّ بُخْتَ نَصَّرْ أمَرَ جُنْدَهُ بِنَقْلِ التُرابِ إلَيْهِ حَتّى جَعَلَهُ كالجَبَلِ، ورَأى أرْمِياءُ البُيُوتَ قَدْ سَقَطَتْ حِيطانُها عَلى سُقُفِها، والعَرِيشُ سَقْفُ البَيْتِ، وكُلُّ ما يُهَيَّأُ لِيُظِلَّ أو يُكِنَّ فَهو عَرِيشٌ، ومِنهُ عَرِيشُ الدالِيَةِ والثِمارِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِمّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨].

قالَ السُدِّيُّ: يَقُولُ هي ساقِطَةٌ عَلى سُقُفِها، أيْ سَقَطَتِ السُقُفُ ثُمَّ سَقَطَتِ الحِيطانُ عَلَيْها. قالَ غَيْرُ السُدِّيِّ: مَعْناهُ خاوِيَةٌ مِنَ الناسِ عَلى العُرُوشِ، أيْ عَلى البُيُوتِ، وسُقُفُها عَلَيْها لَكِنَّها خَوَتْ مِنَ الناسِ، والبُيُوتُ قائِمَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وانْظُرِ اسْتِعْمالَ العَرِيشِ مَعَ عَلى في الحَدِيثِ في قَوْلِهِ: « "وَكانَ المَسْجِدُ يَوْمَئِذٍ عَلى عَرِيشٍ في أمْرِ لَيْلَةِ القَدْرِ".»

(p-٤١)وَ"خاوِيَةٌ" مَعْناهُ: خالِيَةٌ، يُقالُ: خَوَتِ الدارُ تَخْوى خَواءً، ويُقالُ خَوِيَتْ، قالَ الطَبَرِيُّ: والأوَّلُ أفْصَحُ. وقَوْلُهُ: ﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾ مَعْناهُ: مِن أيِّ طَرِيقٍ؟ وبِأيِّ سَبَبٍ؟ وظاهِرُ اللَفْظِ السُؤالُ عن إحْياءِ القَرْيَةِ بِعِمارَةٍ وسُكّانٍ كَما يُقالُ الآنَ في المُدُنِ الخَرِبَةِ الَّتِي يَبْعُدُ أنْ تُعْمَرَ وتُسْكَنَ، فَكَأنَّ هَذِهِ تَلَهُّفٌ مِنَ الواقِفِ المُعْتَبِرِ عَلى مَدِينَتِهِ الَّتِي عَهِدَ فِيها أهْلَهُ وأحِبَّتَهُ، وضُرِبَ لَهُ المَثَلُ في نَفْسِهِ بِما هو أعْظَمُ مِمّا سَألَ عنهُ، والمَثَلُ الَّذِي ضُرِبَ لَهُ في نَفْسِهِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى أنَّ سُؤالَهُ إنَّما كانَ عن إحْياءِ المَوْتى مِن بَنِي آدَمَ، أيْ: أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ مَوْتاها.

وقَدْ حَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: كانَ هَذا القَوْلُ شَكًّا في قُدْرَةِ اللهِ عَلى الإحْياءِ فَلِذَلِكَ ضَرَبَ لَهُ المَثَلَ في نَفْسِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ يَدْخُلُ شَكٌّ في قُدْرَةِ اللهِ عَلى إحْياءِ قَرْيَةٍ بِجَلْبِ العُمْرَةِ إلَيْها، وإنَّما يُتَصَوَّرُ الشَكُّ مِن جاهِلٍ في الوَجْهِ الآخَرِ والصَوابُ أنْ لا يُتَأوَّلَ في الآيَةِ شَكٌّ.

ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا أحْدَثُوا الأحْداثَ بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَ نَصَّرَ البابِلِيَّ فَقَتَلَهم وجَلاهم مِن بَيْتِ المَقْدِسِ فَخَرَّبَهُ، فَلَمّا ذَهَبَ عنهُ جاءَ أرْمِياءُ فَوَقَفَ عَلى المَدِينَةِ مُعْتَبِرًا فَقالَ: "أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها"، قالَ: فَأماتَهُ اللهُ تَعالى، وكانَ مَعَهُ حِمارٌ قَدْ رَبَطَهُ بِحَبْلٍ جَدِيدٍ، وكانَ مَعَهُ سَلَّةٌ فِيها تِينٌ وهو طَعامُهُ، وقِيلَ: تِينٌ وعِنَبٌ، وكانَ مَعَهُ رَكْوَةٌ مِن خَمْرٍ، وقِيلَ: مِن عَصِيرٍ، وقِيلَ: قُلَّةُ ماءٍ هي شَرابُهُ، وبَقِيَ مَيِّتًا مِائَةَ عامٍ فَرُوِيَ أنَّهُ بَلِيَ وتَفَرَّقَتْ عِظامُهُ هو وحِمارُهُ، ورُوِيَ أنَّهُ بَلِيَ دُونَ الحِمارِ، وأنَّ الحِمارَ بَقِيَ حَيًّا مَرْبُوطًا لَمْ يَمُتْ ولا أكَلَ شَيْئًا ولا بَلِيَتْ رِمَّتُهُ، ورُوِيَ أنَّ الحِمارَ بَلِيَ وتَفَرَّقَتْ أوصالُهُ دُونَ عُزَيْرٍ، ورُوِيَ أنَّ اللهَ بَعَثَ إلى تِلْكَ القَرْيَةِ مَن عَمَرَها ورَدَّ إلَيْها جَماعَةَ بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ كَمُلَتْ عَلى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ، وحِينَئِذٍ حَيِيَ (p-٤٢)عُزَيْرٌ، ورُوِيَ أنَّ اللهَ رَدَّ عَلَيْهِ عَيْنَيْهِ وخَلَقَ لَهُ حَياةً يَرى بِها كَيْفَ تُعْمَرُ القَرْيَةُ وتُحْيا مِن ثَلاثِينَ سَنَةً تَكْمِلَةِ المِائَةِ، لِأنَّهُ بَقِيَ سَبْعِينَ مَيِّتًا كُلُّهُ، وهَذا ضَعِيفٌ تَرُدُّ عَلَيْهِ ألْفاظُ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾، مَعْناهُ: أحْياهُ، وجَعَلَ لَهُ الحَرَكَةَ والِانْتِقالَ فَسَألَهُ اللهُ تَعالى بِواسِطَةِ المَلَكِ: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ ؟ عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، و"كَمْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الظَرْفِ فَقالَ: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ﴾، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وقَتادَةُ، والرَبِيعُ:

أماتَهُ اللهُ غُدْوَةَ يَوْمٍ، ثُمَّ بُعِثَ قَبْلَ الغُرُوبِ فَظَنَّ هَذا اليَوْمَ واحِدًا فَقالَ: لَبِثْتُ يَوْمًا، ثُمَّ رَأى بَقِيَّةً مِنَ الشَمْسِ فَخَشِيَ أنْ يَكُونَ كاذِبًا فَقالَ: "أو بَعْضَ يَوْمٍ" فَقِيلَ لَهُ: "بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ" - ورَأى مِن عِمارَةِ القَرْيَةِ وأشْجارِها ومَبانِيها ما دَلَّهُ عَلى ذَلِكَ. قالَ النَقّاشُ: العامُ مَصْدَرٌ كالعَوْمِ، سُمِّيَ بِهِ هَذا القَدْرُ مِنَ الزَمانِ، لِأنَّها عَوْمَةٌ مِنَ الشَمْسِ في الفَلَكِ، والعَوْمُ كالسَبْحِ وقالَ تَعالى: ﴿وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠].

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا مَعْنى كَلامِ النَقّاشِ، والعامُ عَلى هَذا كالقَوْلِ، والقالِ، وظاهِرُ هَذِهِ الإماتَةِ أنَّها بِإخْراجِ الرُوحِ مِنَ الجَسَدِ. ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ بَعَثَ لَها مَلِكًا مِنَ المُلُوكِ يَعْمُرُها ويَجِدُّ في ذَلِكَ حَتّى كانَ كَمالُ عِمارَتِها عِنْدَ بَعْثِ القائِلِ: ﴿أنّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها﴾.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، ونافِعٌ: "لَبِثْتَ" في كُلِّ القُرْآنِ بِإظْهارِ الثاءِ، وذَلِكَ لِتَبايُنِ مَخْرَجِ الثاءِ مِن مَخْرَجِ التاءِ، وذَلِكَ أنَّ الطاءَ والتاءَ والدالَ مِن حَيِّزٍ، والظاءَ والذالَ والثاءَ مِن حَيِّزٍ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، بِالإدْغامِ في كُلِّ القُرْآنِ، أجْرَوْهُما مَجْرى المُثْلى مِن حَيْثُ اتَّفَقَ الحَرْفانِ في أنَّهُما مِن طَرَفِ اللِسانِ وأُصُولِ الثَنايا، وفي أنَّهُما مَهْمُوسَتانِ قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويُقَوِّي ذَلِكَ وُقُوعُ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ في رَوِيِّ قَصِيدَةٍ واحِدَةٍ. / ٥٠

**

(p-٤٣)قوله عزّ وجلّ:

﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وانْظُرْ إلى حِمارِكَ ولِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ وانْظُرْ إلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أعْلَمُ أنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.﴾

وقَفَ في هَذِهِ الألْفاظِ عَلى بَقاءِ طَعامِهِ وشَرابِهِ عَلى حالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وعَلى بَقاءِ حِمارِهِ حَيًّا عَلى مَرْبَطِهِ هَذا عَلى أحَدِ التَأْوِيلَيْنِ، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي وقَفَ عَلى الحِمارِ كَيْفَ يَحْيا وتَجْتَمِعُ عِظامُهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَهَذا طَعامُكَ وشَرابُكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وغَيْرُهُ: "وانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ لِمِائَةِ سَنَةٍ".

قالَ أبُو عَلِيٍّ: واخْتَلَفُوا في إثْباتِ الهاءِ في الفِعْلِ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: "لَمْ يَتَسَنَّهْ" و"اقْتَدِهْ"، و"ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ" و"سُلْطانِيَهْ"، "وَما أدْراكَ ما هِيَهْ" وإسْقاطِها في الوَصْلِ - لَمْ يَخْتَلِفُوا في إثْباتِها في الوَقْفِ - فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عُمَرَ: هَذِهِ الحُرُوفَ كُلَّها بِإثْباتِ الهاءِ في الوَصْلِ، وكانَ حَمْزَةُ يَحْذِفُهُنَّ في الوَصْلِ، وكانَ الكِسائِيُّ يَحْذِفُها في "يَتَسَنَّهْ" و"اقْتَدِهْ" ويُثْبِتُها في الباقِي، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في "حِسابِيَهْ" و"كِتابِيَهْ" أنَّهُما بِالهاءِ في الوَقْفِ والوَصْلِ.

و"يَتَسَنَّهْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَسَنّى الشَيْءُ إذا تَغَيَّرَ وفَسَدَ، ومِنهُ "الحَمَأُ" (p-٤٤)المَسْنُونُ: المَصْبُوبُ عَلى سُنَنِ الأرْضِ، فَإذا كانَ مِن "تَسَنَّنَ" فَهُوَ: "لَمْ يَتَسَنَّنْ، قُلِبَتِ النُونُ ياءً كَما فُعِلَ في "تَظَنَّنْتُ" حَتّى قُلْتَ: "لَمْ أتَظَنَّ" فَيَجِيءُ تَسَنَّنَ: تَسَنّى، ثُمَّ تُحْذَفُ الياءُ لِلْجَزْمِ فَيَجِيءُ المُضارِعُ: "لَمْ يَتَسَنَّ". ومَن قَرَأها بِالهاءِ عَلى هَذا القَوْلِ فَهي هاءُ السَكْتِ، وعَلى هَذا يَحْسُنُ حَذْفُها في الوَصْلِ.

ويَحْتَمِلُ "يَتَسَنَّهْ" أنْ يَكُونَ مِنَ السَنَةِ وهو الجَدْبُ والقَحْطُ وما أشْبَهَهُ، يُسَمُّونَهُ بِذَلِكَ، وقَدِ اشْتُقَّ مِنهُ فِعْلٌ فَقِيلَ: "اسْتَنُّوا"، وإذا كانَ هَذا أو مِنَ السَنَةِ الَّتِي هي العامُ عَلى قَوْلِ مَن يَجْمَعُها سَنَواتٍ فَعَلى هَذا أيْضًا الهاءُ هاءُ السَكْتِ، والمَعْنى: لَمْ تُغَيِّرْ طَعامَكَ القُحُوطُ والجُدُوبُ ونَحْوُهُ، أو لَمْ تُغَيِّرْهُ السُنُونَ والأعْوامُ.

وأمّا مَن قالَ في تَصْغِيرِ السَنَةِ: سُنَيْهَةً، وفي الجَمْعِ: سَنَهاتٍ، وقالَ: أسْنَهْتُ عِنْدَ بَنِي فُلانٍ - وهي لُغَةُ الحِجازِ ومِنها قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ ولَيْسَتْ بِسَنْهاءَ ولا رُجَبِيَّةً ∗∗∗ ولَكِنْ عَرايا في السِنِينَ الجَوائِحِ

فَإنَّ القِراءَةَ عَلى هَذِهِ اللُغَةِ هي بِإثْباتِ الهاءِ ولا بُدَّ، وهي لامُ الفِعْلِ، وفِيها ظَهَرَ الجَزْمُ بِلَمْ، وعَلى هَذا هي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، ونافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو، وقَدْ ذُكِرَ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "لَمْ يَسَّنَّهْ" عَلى الإدْغامِ.

وقالَ النَقّاشُ: "لَمْ يَتَسَنَّهْ" مَعْناهُ: لَمْ يَتَغَيَّرْ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥]، (p-٤٥)وَرَدَّ النُحاةُ عَلى هَذا القَوْلِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِن: أسِنَ الماءُ لَجاءَ "لَمْ يَتَأسَّنْ".

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وانْظُرْ إلى حِمارِكَ﴾ فَقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وغَيْرُهُ: المَعْنى: وانْظُرْ إلى اتِّصالِ عِظامِهِ وإحْيائِهِ جُزْءًا جُزْءًا، ويُرْوى أنَّهُ أحْياهُ اللهُ كَذَلِكَ حَتّى صارَ عِظامًا مُلْتَئِمَةً، ثُمَّ كَساهُ لَحْمًا حَتّى كَمُلَ حِمارًا، ثُمَّ جاءَ مَلَكٌ فَنَفَخَ في أنْفِهِ الرُوحَ فَقامَ الحِمارُ يَنْهَقُ، ورُوِيَ عَنِ الضَحّاكِ، ووَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أيْضًا أنَّهُما قالا: بَلْ قِيلَ لَهُ: وانْظُرْ إلى حِمارِكَ قائِمًا في مَرْبَطِهِ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ مِائَةَ سَنَةٍ. قالا: وإنَّما العِظامُ الَّتِي نَظَرَ إلَيْها عِظامُ نَفْسِهِ، قالا:

وأعْمى اللهُ العُيُونَ عن أرْمِياءَ وحِمارِهِ هَذِهِ المُدَّةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَثَّرَ أهْلُ القِصَصِ في صُورَةِ هَذِهِ النازِلَةِ تَكْثِيرًا اخْتَصَرْتُهُ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنّاسِ﴾ مَعْناهُ: لِهَذا المَقْصِدِ مِن أنْ تَكُونَ آيَةً فَعَلْنا بِكَ هَذا، وقالَ الأعْمَشُ: مَوْضِعُ كَوْنِهِ آيَةً هو أنَّهُ جاءَ شابًّا عَلى حالِهِ يَوْمَ ماتَ فَوَجَدَ الأبْناءَ والحَفَدَةَ شُيُوخًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: جاءَ وهو ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً كَما كانَ يَوْمَ ماتَ ووَجَدَ بَنِيهِ قَدْ نَيَّفُوا عَلى مِائَةِ سَنَةٍ، وقالَ غَيْرُ الأعْمَشِ: بَلْ مَوْضِعُ كَوْنِهِ آيَةً أنَّهُ جاءَ وقَدْ هَلَكَ كُلُّ مَن يَعْرِفُ، فَكانَ آيَةً لِمَن كانَ حَيًّا مِن قَوْمِهِ إذْ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِحالِهِ سَماعًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفي إماتَتِهِ هَذِهِ المُدَّةَ ثُمَّ إحْيائِهِ أعْظَمُ آيَةٍ، وأمْرُهُ كُلُّهُ آيَةٌ لِلنّاسِ غابِرَ الدَهْرِ لا يُحْتاجُ إلى تَخْصِيصِ بَعْضِ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ.

وأمّا العِظامُ الَّتِي أُمِرَ بِالنَظَرِ إلَيْها فَقَدْ ذَكَرْنا مَن قالَ: هي عِظامُ نَفْسِهِ، ومَن قالَ: هي عِظامُ الحِمارِ - وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "نَنْشُرُها" بِفَتْحِ النُونِ الأُولى، وضَمِّ الشِينِ، وبِالراءِ، وقَرَأها كَذَلِكَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو حَيْوَةَ، فَمَن قَرَأ "نُنْشِرُها" (p-٤٦)بِضَمِّ النُونِ الأُولى وبِالراءِ فَمَعْناهُ: نُحْيِيها يُقالُ: أنْشَرَ اللهُ المَوْتى، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢]، وقالَ الأعْشى:

؎ ................ ∗∗∗ يا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ الناشِرِ

وقِراءَةُ عاصِمٍ "نَنْشُرُها" بِفَتْحِ النُونِ الأُولى وضَمِّ الشِينِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لُغَةً في الإحْياءِ، يُقالُ: نَشَرْتُ المَيِّتَ وأنْشَرْتُهُ فَيَجِيءُ: نَشَرَ المَيِّتُ ونَشَرْتُهُ، كَما يُقالُ: حَسِرَتِ الدابَّةُ وحَسَرْتُها، وغاضَ الماءُ وغِضْتُهُ، ورَجَعَ زَيْدٌ ورَجَعْتُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها ضِدُّ الطَيِّ كَأنَّ المَوْتَ طَيٌّ لِلْعِظامِ والأعْضاءِ، وكَأنَّ الإحْياءَ وجَمْعَ بَعْضِها إلى بَعْضٍ نَشْرٌ - وأمّا مَن قَرَأ: "نُنْشِزُها" بِالزايِ فَمَعْناهُ: نَرْفَعُها، والنَشَزُ المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ تَرى الثَعْلَبَ الحَوْلِيَّ فِيها كَأنَّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا ما عَلا نِشْزًا حِصانٌ مُجَلَّلُ

قالَ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ: فَتَقْدِيرُهُ: نُنْشِزُها بِرَفْعِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ لِلْإحْياءِ، ومِنهُ نُشُوزُ المَرْأةِ، وقالَ الأعْشى:

؎ .......... ∗∗∗ قُضاعِيَّةً تَأْتِي الكَواهِنَ ناشِزًا

يُقالُ: نَشَزَ وأنْشَزْتُهُ.

(p-٤٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقْلِقُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ مَعْنى النُشُوزِ رَفْعَ العِظامِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، وإنَّما النُشُوزُ الِارْتِفاعُ قَلِيلًا قَلِيلًا، فَكَأنَّهُ وقَفَ عَلى نَباتِ العِظامِ الرُفاتِ وخُرُوجِ ما يُوجَدُ مِنها عِنْدَ الِاخْتِراعِ. وقالَ النَقّاشُ: نُنْشِزُها مَعْناهُ: نُنْبِتُها، وانْظُرِ اسْتِعْمالَ العَرَبِ تَجِدْهُ عَلى ما ذَكَرْتُ لَكَ، مِن ذَلِكَ: نَشَزَ نابُ البَعِيرِ، والنَشَزُ مِنَ الأرْضِ عَلى التَشْبِيهِ بِذَلِكَ.

ونَشَزَتِ المَرْأةُ كَأنَّها فارَقَتِ الحالَ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ عَلَيْها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا﴾ [المجادلة: ١١] أيِ ارْتَفِعُوا شَيْئًا فَشَيْئًا كَنُشُوزِ النابِ، فَبِذَلِكَ تَكُونُ التَوْسِعَةُ، فَكَأنَّ النُشُوزَ ضَرْبٌ مِنَ الِارْتِفاعِ، ويَبْعُدُ في الِاسْتِعْمالِ أنْ يُقالَ لِمَنِ ارْتَفَعَ في حائِطٍ أو غُرْفَةٍ:

نَشَزَ. وقَرَأ النَخْعِيُّ "نَنْشُزُها" بِفَتْحِ النُونِ وضَمِّ الشِينِ والزايِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "كَيْفَ نُنْشِيها" بِالياءِ.

والكُسْوَةُ: ما وارى مِنَ الثِيابِ، وشُبِّهَ اللَحْمُ بِها، وقَدِ اسْتَعارَهُ النابِغَةُ لِلْإسْلامِ فَقالَ:

؎ الحَمْدُ لِلَّهِ إذْ لَمْ يَأْتِنِي أجَلِي ∗∗∗ ∗∗∗ حَتّى اكْتَسَيْتُ مِنَ الإسْلامِ سِرْبالا

ويُرْوى أنَّهُ كانَ يَرى اللَحْمَ والعَصَبَ والعُرُوقَ كَيْفَ تَلْتَئِمُ وتَتَواصَلُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى في قَوْلِهِ:

"فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ" أيْ: لَمّا اتَّضَحَ لَهُ عِيانًا ما كانَ مُسْتَنْكِرًا في قُدْرَةِ اللهِ عِنْدَهُ قَبْلَ عِيانِهِ "قالَ: أعْلَمُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا خَطَأٌ لِأنَّهُ ألْزَمَ ما لا يَقْتَضِيهِ اللَفْظُ، وفَسَّرَ عَلى القَوْلِ الشاذِّ والِاحْتِمالِ الضَعِيفِ. (p-٤٨)وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "أعْلَمُ" مَقْطُوعَةَ الألِفِ مَضْمُومَةَ المِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "قالَ اعْلَمْ أنَّ اللهَ" مَوْصُولَةَ الألِفِ ساكِنَةَ المِيمِ، وقَرَأها أبُو رَجاءٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ: "قِيلَ أعْلَمُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَأمّا هَذِهِ فَبَيِّنَةُ المَعْنى، أيْ قالَ المَلَكُ لَهُ - والأُولى بَيِّنَةُ المَعْنى، أيْ قالَ هُوَ: أنا "أعْلَمُ أنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"، وهَذا عِنْدِي لَيْسَ بِإقْرارٍ بِما كانَ قَبْلُ يُنْكِرُهُ كَما زَعَمَ الطَبَرِيُّ، بَلْ هو قَوْلٌ بَعَثَهُ الِاعْتِبارُ، كَما يَقُولُ الإنْسانُ المُؤْمِنُ إذا رَأى شَيْئًا غَرِيبًا مِن قُدْرَةِ اللهِ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ" ونَحْوَ هَذا. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مَعْناهُ: أعْلَمُ هَذا الضَرْبَ مِنَ العِلْمِ الَّذِي لَمْ أكُنْ عَلِمْتُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَعْنِي عِلْمَ المُعايَنَةِ. وأمّا قِراءَةُ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ فَتَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ أحَدُهُما: قالَ المَلَكُ لَهُ: اعْلَمْ، والآخَرُ أنْ يُنْزِلَ نَفْسَهُ مَنزِلَةَ المُخاطَبِ الأجْنَبِيِّ المُنْفَصِلِ، فالمَعْنى: فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ لِنَفْسِهِ: اعْلَمْ، وأنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ - في مِثْلِ هَذا - قَوْلَ الأعْشى:

؎ ودِّعْ هُرَيْرَةَ إنَّ الرَكْبَ مُرْتَحِلُ... ∗∗∗.............

وقَوْلَهُ:

؎ ألَمْ تَغْتَمِضْ عَيْناكَ لَيْلَةَ أرْمَدا؟... ∗∗∗.............

(p-٤٩)وَأمْثِلَةُ هَذا كَثِيرَةٌ. وتَأنَّسَ أبُو عَلِيٍّ في هَذا المَعْنى بِقَوْلِ الشاعِرِ:

؎ تَذَكَّرَ مِن أنّى ومِن أيْنَ شُرْبُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ يُؤامِرُ نَفْسَيْهِ كَذِي الهَجْمَةِ الأبِلُ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском