Ibn 'AtiyyaAl‑Baqarah · 2:265–269

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:265–269

2:265Page 45

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثۡبِيتٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ كَمَثَلِ جَنَّةِۭ بِرَبۡوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٞ فَـَٔاتَتۡ أُكُلَهَا ضِعۡفَيۡنِ فَإِن لَّمۡ يُصِبۡهَا وَابِلٞ فَطَلّٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢٦٥

And the example of those who spend their wealth seeking means to the approval of Allāh and assuring [reward for] themselves is like a garden on high ground which is hit by a downpour - so it yields its fruits in double. And [even] if it is not hit by a downpour, then a drizzle [is sufficient]. And Allāh, of what you do, is Seeing.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

مِن أسالِيبِ فَصاحَةِ القُرْآنِ أنَّهُ يَأْتِي فِيهِ ذِكْرُ نَقِيضِ ما يَتَقَدَّمُ ذِكْرُهُ، لِتَسْتَبِينَ حالُ التَضادِّ بِعَرْضِها عَلى الذِهْنِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللهُ صَدَقاتِ القَوْمِ الَّذِينَ لا خَلاقَ لِصَدَقاتِهِمْ، ونَهى المُؤْمِنِينَ عن مُواقَعَةِ ما يُشْبِهُ ذَلِكَ بِوَجْهٍ ما، عَقَّبَ في هَذِهِ الآيَةِ بِذِكْرِ نَفَقاتِ القَوْمِ الَّذِينَ تَرَكُوا صَدَقاتِهِمْ وهي عَلى وجْهِها في الشَرْعِ، فَضَرَبَ لَها مَثَلًا.

وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ومَثَلُ نَفَقَةِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ كَمَثَلِ غِراسِ جَنَّةٍ، لِأنَّ المُرادَ بِذِكْرِ الجَنَّةِ غِراسُها. أو تُقَدِّرُ الإضْمارَ في آخِرِ الكَلامِ، دُونَ إضْمارِ نَفَقَةٍ في أوَّلِهِ، كَأنَّهُ قالَ: كَمَثَلِ غارِسٍ جَنَّةً.

و"ابْتِغاءَ" مَعْناهُ: طَلَبُ، وإعْرابُهُ النَصْبُ عَلى المَصْدَرِ في مَوْضِعِ الحالِ، وكانَ يَتَوَجَّهُ فِيهِ النَصْبُ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، لَكِنَّ النَصْبَ عَلى المَصْدَرِ هو الصَوابُ مِن جِهَةِ عَطْفِ المَصْدَرِ الَّذِي هو و"تَثْبِيتًا" عَلَيْهِ، ولا يَصِحُّ في "تَثْبِيتًا" أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، لِأنَّ الإنْفاقَ مِن أجْلِ التَثْبِيتِ.

وقالَ مَكِّيٌّ في "المُشْكِلِ": كِلاهُما مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ وهو مَرْدُودٌ بِما بَيَّنّاهُ. (p-٦٦)وَ"مَرْضاتِ" مَصْدَرٌ مِن رَضِيَ يَرْضى. وقالَ الشَعْبِيُّ، والسُدِّيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو صالِحٍ: و"تَثْبِيتًا" مَعْناهُ: وتَيَقُّنًا، أيْ أنَّ نُفُوسَهم لَها بَصائِرُ مُتَأكِّدَةٌ، فَهي تُثَبِّتُهم عَلى الإنْفاقِ في طاعَةِ اللهِ تَثْبِيتًا، وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ: مَعْنى قَوْلِهِ: "وَتَثْبِيتًا" أيْ أنَّهم يَتَثَبَّتُونَ أيْنَ يَضَعُونَ صَدَقاتِهِمْ، وقالَ الحَسَنُ: كانَ الرَجُلُ إذا هَمَّ بِصَدَقَةٍ تَثَبَّتَ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ لِلَّهِ أمْضاهُ، وإنْ خالَطَهُ شَكٌّ أمْسَكَ، والقَوْلُ الأوَّلُ أصْوَبُ لِأنَّ هَذا المَعْنى الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مُجاهِدٌ والحَسَنُ إنَّما عِبارَتُهُ "وَتَثَبُّتًا" فَإنْ قالَ مُحْتَجٌّ: إنَّ هَذا مِنَ المَصادِرِ الَّتِي خَرَجَتْ عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ [المزمل: ٨] وكَقَوْلِهِ: ﴿أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧]، فالجَوابُ أنَّ هَذا لا يَسُوغُ إلّا مَعَ ذِكْرِ المَصْدَرِ، والإفْصاحِ بِالفِعْلِ المُتَقَدِّمِ لِلْمَصْدَرِ، وأمّا إذا لَمْ يَقَعْ إفْصاحٌ بِفِعْلٍ فَلَيْسَ لَكَ أنْ تَأْتِيَ بِمَصْدَرٍ في غَيْرِ مَعْناهُ، ثُمَّ تَقُولَ: أحْمِلُهُ عَلى فِعْلِ كَذا وكَذا لِفِعْلٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، هَذا مَهْيَعُ كَلامِ العَرَبِ فِيما عَلِمْتُ. وقالَ قَتادَةُ: "وَتَثْبِيتًا" مَعْناهُ: وإحْسانًا مِن أنْفُسِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا نَحْوُ القَوْلِ الأوَّلِ. والجَنَّةُ: البُسْتانُ، وهي قِطْعَةُ أرْضٍ نَبَتَتْ فِيها الأشْجارُ حَتّى سَتَرَتِ الأرْضَ، فَهي مِن لَفْظِ الجَنِينِ والجَنَنِ والجَنَّةِ وجَنَّ اللَيْلُ.

والرَبْوَةُ: ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ ارْتِفاعًا يَسِيرًا مَعَهُ في الأغْلَبِ كَثافَةُ التُرابِ وطِيبُهُ وتَعَمُّقُهُ، وما كانَ كَذَلِكَ فَنَباتُهُ أحْسَنُ.

ورِياضُ الحَزْنِ لَيْسَ مِن هَذا كَما زَعَمَ الطَبَرِيُّ، بَلْ تِلْكَ هي الرِياضُ المَنسُوبَةُ إلى نَجْدٍ لِأنَّها خَيْرٌ مِن رِياضِ تِهامَةَ، ونَباتُ نَجْدٍ أعْطَرُ، ونَسِيمُهُ أبْرَدُ وأرَقُّ، ونَجْدٌ يُقالُ لَهُ: الحَزْنُ، وقَلَّما يَصْلُحُ هَواءُ تِهامَةَ إلّا بِاللَيْلِ، ولِذَلِكَ قالَتِ الأعْرابِيَّةُ:

زَوْجِي كَلِيلُ (p-٦٧)تِهامَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الرَبْوَةُ المَكانُ المُرْتَفِعُ الَّذِي لا تَجْرِي فِيهِ الأنْهارُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا إنَّما أرادَ بِهِ هَذِهِ الرَبْوَةَ المَذْكُورَةَ في كِتابِ اللهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أصابَها وابِلٌ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَ فِيها ماءٌ جارٍ، ولَمْ يُرِدِ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ جِنْسَ الرُبا لا يَجْرِي فِيها ماءٌ، لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ ذَكَرَ رَبْوَةً ذاتَ قَرارٍ ومَعِينٍ.

والمَعْرُوفُ في كَلامِ العَرَبِ أنَّ الرَبْوَةَ ما ارْتَفَعَ عَمّا جاوَرَهُ سَواءٌ جَرى فِيها ماءٌ أو لَمْ يَجْرِ، وقالَ الحَسَنُ: الرَبْوَةُ الأرْضُ المُسْتَوِيَةُ الَّتِي لا تَعْلُو فَوْقَ الماءِ، وهَذا أيْضًا أرادَ أنَّها لَيْسَتْ كالجَبَلِ والظَرِبِ ونَحْوِهِ.

وقالَ الخَلِيلُ: الرَبْوَةُ أرْضٌ مُرْتَفِعَةٌ طَيِّبَةٌ. وخَصَّ اللهُ بِالذِكْرِ الَّتِي لا يَجْرِي فِيها ماءٌ مِن حَيْثُ هي العُرْفُ في بِلادِ العَرَبِ فَمَثَّلَ لَهم بِما يُحِسُّونَهُ كَثِيرًا.

وقالَ السُدِّيُّ "بِرَبْوَةٍ" أيْ بِرُباوَةٍ، وهو ما انْخَفَضَ مِنَ الأرْضِ، وهَذِهِ عِبارَةٌ قَلِقَةٌ. ولَفْظُ الرَبْوَةِ هو مَأْخُوذٌ مِن رَبا يَرْبُو إذا زادَ، يُقالُ "رُبْوَةٌ" بِضَمِّ الراءِ، وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، ويُقالُ: "رَبْوَةٌ" بِفَتْحِ الراءِ، وبِها قَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ، وكَذَلِكَ خِلافُهم في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ. ويُقالُ: "رِبْوَةٌ" بِكَسْرِ الراءِ، وبِها قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما حُكِيَ عنهُ، ويُقالُ: رَباوَةٌ بِفَتْحِ الراءِ والباءِ وألِفٍ بَعْدَها، وبِها قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، ويُقالُ: رِباوَةٌ بِكَسْرِ الراءِ وبِها قَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ. (p-٦٨)وَ"آتَتْ" مَعْناهُ: أعْطَتْ، والأُكْلُ: بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكافِ الثَمَرُ الَّذِي يُؤْكَلُ، والشَيْءُ المَأْكُولُ مِن كُلِّ شَيْءٍ يُقالُ لَهُ: أُكْلٌ، وإضافَتُهُ إلى الجَنَّةِ إضافَةُ اخْتِصاصٍ، كَسَرْجِ الدابَّةِ، وبابِ الدارِ، وإلّا فَلَيْسَ الثَمَرُ مِمّا تَأْكُلُهُ الجَنَّةُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو. "أُكْلَها" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكافِ، وكَذَلِكَ كُلَّ مُضافٍ إلى مُؤَنَّثٍ، وفارَقَهُما أبُو عَمْرٍو فِيما أُضِيفَ إلى مُذَكَّرٍ مِثْلِ "أُكُلِهِ" أو كانَ مُضافًا إلى حِكْنِيٍّ مِثْلِ "أُكُلٍ خَمْطٍ" فَثَقَّلَ أبُو عَمْرٍو ذَلِكَ وخَفَّفاهُ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ في جَمِيعِ ما ذَكَرْناهُ بِالتَثْقِيلِ. ويُقالُ: أُكُلٌ وأُكْلٌ بِمَعْنىً، وهو مِن أكَلَ بِمَنزِلَةِ الطُعْمَةِ مِن طَعِمَ، أيِ الشَيْءُ الَّذِي يُطْعَمُ ويُؤْكَلُ، "وَضِعْفَيْنِ" مَعْناهُ: اثْنَيْنِ، مِمّا يُظَنُّ بِها ويُحْزَرُ مِن مِثْلِها، ثُمَّ أكَّدَ تَعالى مَدْحَ هَذِهِ الرَبْوَةِ بِأنَّها إنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَإنَّ الطَلَّ يَكْفِيها، ويَنُوبُ مَنابَ الوابِلِ، وذَلِكَ لِكَرَمِ الأرْضِ.

والطَلُّ: المُسْتَدِقُّ مِنَ القَطْرِ الخَفِيفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وهو مَشْهُورُ اللُغَةِ، وقالَ قَوْمٌ: الطَلُّ: النَدى، وهَذا تَجَوُّزٌ وتَشْبِيهٌ، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ المُبَرِّدُ: تَقْدِيرُهُ: فَطَلٌّ يَكْفِيها، وقالَ غَيْرُهُ: التَقْدِيرُ: فالَّذِي أصابَها طَلٌّ، فَشَبَّهَ نُمُوَّ نَفَقاتِ هَؤُلاءِ المُخْلِصِينَ الَّذِينَ يُرْبِي اللهُ صَدَقاتِهِمْ كَتَرْبِيَةِ الفَلُوِّ والفَصِيلِ حَسَبَ الحَدِيثِ بِنُمُوِّ نَباتِ هَذِهِ الجَنَّةِ بِالرَبْوَةِ المَوْصُوفَةِ، وذَلِكَ كُلُّهُ بِخِلافِ الصَفْوانِ الَّذِي انْكَشَفَ عنهُ تُرابُهُ فَبَقِيَ صَلْدًا.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ، كَأنَّهُ يُرِيدُ بِهِ الناسَ أجْمَعْ، أو يُرِيدُ المُنافِقِينَ فَقَطْ، فَهو وعْدٌ مَحْضٌ.

2:266Page 45

أَيَوَدُّ أَحَدُكُمۡ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَابٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٞ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعۡصَارٞ فِيهِ نَارٞ فَٱحۡتَرَقَتۡۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ ٢٦٦

Would one of you like to have a garden of palm trees and grapevines underneath which rivers flow in which he has from every fruit? But he is afflicted with old age and has weak [i.e., immature] offspring, and it is hit by a whirlwind containing fire and is burned. Thus does Allāh make clear to you [His] verses that you might give thought.

(p-٦٩)قوله عزّ وجلّ:

﴿أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَمَراتِ وأصابَهُ الكِبَرُ ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأصابَها إعْصارٌ فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾

حَكى الطَبَرِيُّ عَنِ السُدِّيِّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَثَلٌ آخَرُ لِنَفَقَةِ الرِياءِ، ورَجَّحَ هو هَذا القَوْلَ، وحَكى عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قَرَأ قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] الآيَةَ. قالَ: ثُمَّ ضَرَبَ في ذَلِكَ مَثَلًا فَقالَ: ﴿أيَوَدُّ أحَدُكُمْ﴾ الآيَةَ، وهَذا أبْيَنُ مِنَ الَّذِي رَجَّحَ الطَبَرِيُّ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِمَثَلٍ آخَرَ لِنَفَقَةِ الرِياءِ، هَذا هو مُقْتَضى سِياقِ الكَلامِ.

وأمّا بِالمَعْنى في غَيْرِ هَذا السِياقِ فَتُشْبِهُ حالَ كُلِّ مُنافِقٍ أو كافِرٍ عَمِلَ وهو يَحْسَبُ أنَّهُ يُحْسِنُ صُنْعًا، فَلَمّا جاءَ إلى وقْتِ الحاجَةِ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا، وقَدْ سَألَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أصْحابَ النَبِيِّ ﷺ عن هَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: اللهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَقالَ وهو غاضِبٌ: قُولُوا: نَعْلَمُ أو لا نَعْلَمُ، فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ كَأنَّهُ قالَ: أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ يَعْمَلَ عُمْرَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الخَيْرِ فَإذا فَنِيَ عُمْرُهُ واقْتَرَبَ أجَلُهُ خَتَمَ ذَلِكَ بِعَمَلٍ مِن عَمَلِ أهْلِ الشَقاءِ، فَرَضِيَ ذَلِكَ عُمَرُ.

ورَوى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّ عُمَرَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: "أيَوَدُّ أحَدُكُمْ"، وقالَ: هَذا مَثَلٌ ضُرِبَ لِلْإنْسانِ يَعْمَلُ عَمَلًا صالِحًا حَتّى إذا كانَ عِنْدَ آخِرِ عُمْرِهِ أحْوَجَ ما يَكُونُ إلَيْهِ عَمِلَ عَمَلَ السُوءِ. فَهَذا نَظَرٌ يَحْمِلُ الآيَةَ عَلى كُلِّ ما يَدْخُلُ تَحْتَ ألْفاظِها، وقالَ (p-٧٠)بِنَحْوِ هَذا مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والرَبِيعُ، وغَيْرُهم.

وخَصَّ النَخِيلَ والأعْنابَ بِالذِكْرِ لِشَرَفِها وفَضْلِها عَلى سائِرِ الشَجَرِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "جَنّاتٌ" بِالجَمْعِ.

وقَوْلُهُ "مِن تَحْتِها"، هو تَحْتُ بِالنِسْبَةِ إلى الشَجَرِ، والواوُ في قَوْلِهِ "وَأصابَهُ" واوُ الحالِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: و"لَهُ"، و"ضُعَفاءُ" جَمْعُ ضَعِيفٍ، وكَذَلِكَ: ضِعافٌ.

والإعْصارُ: الرِيحُ الشَدِيدَةُ العاصِفُ الَّتِي فِيها إحْراقٌ لِكُلِّ ما مَرَّتْ عَلَيْهِ، يَكُونُ ذَلِكَ في شِدَّةِ الحَرِّ، ويَكُونُ في شِدَّةِ البَرْدِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ ونَفَسِها كَما تَضَمَّنَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "إذا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأبْرِدُوا عَنِ الصَلاةِ، فَإنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ، وإنَّ النارَ اشْتَكَتْ إلى رَبِّها"» الحَدِيثُ بِكَمالِهِ، فَإمّا أنَّهُ نارٌ عَلى حَقِيقَةٍ وإلّا فَهو نَفَسُها يُوجَدُ عنها كَأثَرِها.

قالَ السُدِّيُّ: الإعْصارُ: الرِيحُ والنارُ السَمُومُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رِيحٌ فِيها سَمُومٌ شَدِيدَةٌ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ السَمُومَ الَّتِي خَلَقَ اللهُ مِنها الجانَّ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النارِ، يُرِيدُ مِن نارِ الآخِرَةِ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إعْصارٌ فِيهِ نارٌ: رِيحٌ فِيها صِرٌّ وبَرْدٌ، وقالَهُ الضَحّاكُ.

(p-٧١)وَفِي المَثَلِ "إنْ كُنْتَ رِيحًا فَقَدْ لاقَيْتَ إعْصارًا" - والرِيحُ إعْصارٌ لِأنَّها تَعْصِرُ السَحابَ، والسَحابُ مُعْصِراتٌ إمّا أنَّها حَوامِلُ فَهي كالمُعْصِرِ مِنَ النِساءِ وهي الَّتِي تَكُونُ عُرْضَةً لِلْحَمْلِ، وإمّا لِأنَّها تَنْعَصِرُ بِالرِياحِ، وبِهَذا فَسَّرَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الحَسَنِ العنبَرِيُّ القاضِي.

وحَكى ابْنُ سِيدَهْ أنَّ المُعْصِراتِ فَسَّرَها قَوْمٌ بِالرِياحِ لا بِالسَحابِ. وقالَ الزَجّاجُ: الإعْصارُ: الرِيحُ الشَدِيدَةُ تَصْعَدُ مِنَ الأرْضِ إلى السَماءِ وهي الَّتِي يُقالُ لَها الزَوْبَعَةُ.

قالَ المَهْدَوِيُّ: قِيلَ لَها إعْصارٌ لِأنَّها تَلْتَفُّ كالثَوْبِ إذا عُصِرَ، وهَذا ضَعِيفٌ. والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى هَذِهِ الأمْثالِ المُبَيِّنَةِ، و"لَعَلَّكُمْ" تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ، أيْ إذا تَأمَّلَ مَن يُبَيَّنُ لَهُ هَذا البَيانُ رُجِيَ لَهُ التَفَكُّرُ، وكانَ أهْلًا لَهُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "تَتَفَكَّرُونَ" في زَوالِ الدُنْيا وفَنائِها، وإقْبالِ الآخِرَةِ وبَقائِها.

2:267Page 45

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ٢٦٧

O you who have believed, spend from the good things which you have earned and from that which We have produced for you from the earth. And do not aim toward the defective therefrom, spending [from that] while you would not take it [yourself] except with closed eyes. And know that Allāh is Free of need and Praiseworthy.

قوله عزّ وجلّ:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِن الأرْضِ ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ واعْلَمُوا أنْ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾

هَذا الخِطابُ هو لِجَمِيعِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذِهِ صِيغَةُ أمْرٍ مِنَ الإنْفاقِ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ - هَلِ المُرادُ بِهَذا الإنْفاقِ الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ أوِ التَطَوُّعُ؟ فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: هي في الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ - نَهى الناسَ عن إنْفاقِ الرَدِيءِ فِيها بَدَلَ الجَيِّدِ، وأمّا التَطَوُّعُ فَكَما لِلْمَرْءِ أنْ يَتَطَوَّعَ بِقَلِيلٍ فَكَذَلِكَ لَهُ أنْ يَتَطَوَّعَ بِنازِلٍ في القَدْرِ، ودِرْهَمٌ زائِفٌ خَيْرٌ مِن تَمْرَةٍ، فالأمْرُ عَلى هَذا القَوْلِ لِلْوُجُوبِ.

(p-٧٢)والظاهِرُ مِن قَوْلِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ، والحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةَ أنَّ الآيَةَ في التَطَوُّعِ. ورَوى البَراءُ بْنُ عازِبٍ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ ما مَعْناهُ «أنَّ الأنْصارَ كانُوا أيّامَ الجِدادِ يُعَلِّقُونَ أقْناءَ التَمْرِ في حَبْلٍ بَيْنَ أُسْطُوانَتَيْنِ في المَسْجِدِ، فَيَأْكُلُ مِن ذَلِكَ فُقَراءُ المُهاجِرِينَ، فَعَلَّقَ رَجُلٌ حَشَفًا فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقالَ: "بِئْسَ ما عَلَّقَ هَذا"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ،» والأمْرُ عَلى هَذا القَوْلِ لِلنَّدْبِ، وكَذَلِكَ نُدِبُوا إلى ألّا يَتَطَوَّعُوا إلّا بِجَيِّدٍ مُخْتارٍ.

والآيَةُ تَعُمُّ الوَجْهَيْنِ لَكِنَّ صاحِبَ الزَكاةِ يَتَلَقّاها عَلى الوُجُوبِ، وصاحِبَ التَطَوُّعِ يَتَلَقّاها عَلى النَدْبِ.

وهَؤُلاءِ كُلُّهم وجُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ قالُوا: مَعْنى "مِن طَيِّباتِ": مِن جَيِّدِ ومُخْتارِ ما كَسَبْتُمْ، وجَعَلُوا الخَبِيثَ بِمَعْنى الرَدِيءِ والرَذالَةِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: مِن حَلالِ ما كَسَبْتُمْ قالَ: وقَوْلُهُ: "وَلا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ" أيِ الحَرامَ، وقَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ: لَيْسَ بِالقَوِيِّ مِن جِهَةِ نَسَقِ الآيَةِ، لا مِن مَعْناهُ في نَفْسِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾، يُحْتَمَلُ أنْ لا يَقْصِدَ بِهِ لا الجَيِّدَ ولا الحَلالَ، لَكِنْ يَكُونُ المَعْنى كَأنَّهُ قالَ: أنْفِقُوا مِمّا كَسَبْتُمْ، فَهو حَضٌّ عَلى الإنْفاقِ فَقَطْ، ثُمَّ دَخَلَ ذِكْرُ الطَيِّبِ تَبْيِينًا لِصِفَةٍ حَسَنَةٍ في المَكْسُوبِ عامًّا، وتَقْرِيرًا لِلنِّعْمَةِ، كَما تَقُولُ: أطْعَمْتُ فُلانًا مِن مُشْبَعِ الخُبْزِ، وسَقَيْتُهُ مِن مَرْوِيِّ الماءِ، والطَيِّبُ عَلى هَذا الوَجْهِ يَعُمُّ الجَوْدَةَ والحِلَّ، (p-٧٣)وَيُؤَيِّدُ هَذا الِاحْتِمالَ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُغَفَّلٍ قالَ: "لَيْسَ في مالِ المُؤْمِنِ خَبِيثٌ".

و"كَسَبْتُمْ" مَعْناهُ: كانَتْ لَكم فِيهِ سِعايَةٌ، إمّا بِتَعَبِ بَدَنٍ أو مُقاوَلَةٍ في تِجارَةٍ. والمَوْرُوثُ داخِلٌ في هَذا، لِأنَّ غَيْرَ الوارِثِ قَدْ كَسَبَهُ إذِ الضَمِيرُ في "كَسَبْتُمْ" إنَّما هو لِنَوْعِ الإنْسانِ أوِ المُؤْمِنِينَ.

﴿وَمِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ النَباتاتُ والمَعادِنُ والرِكازُ وما ضارَعَ ذَلِكَ. و"تَيَمَّمُوا" تَعْمِدُوا وتَقْصِدُوا، يُقالُ: تَيَمَّمَ الرَجُلُ كَذا وكَذا إذا قَصَدَهُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎ تَيَمَّمَتِ العَيْنَ الَّتِي عِنْدَ ضارِجٍ ∗∗∗ يَفِيءُ عَلَيْها الظِلُّ عَرْمَضَها طامِي

ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:

؎ تَيَمَّمْتَ قَيْسًا وكَمْ دُونَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ مِنَ الأرْضِ مِن مَهْمَهٍ ذِي شَزَنْ

(p-٧٤)وَمِنهُ التَيَمُّمُ الَّذِي هو البَدَلُ مِنَ الوُضُوءِ عِنْدَ عَدَمِ الماءِ، وهَكَذا قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ. ورَوى البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ تَشْدِيدَ التاءِ في أحَدٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا أوَّلُها هَذا الحَرْفُ.

وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَلا تَأْمَمُوا الخَبِيثَ" مِن أمَمْتُ إذا قَصَدْتُ، ومِنهُ إمامُ البِناءِ، والمَعْنى في القِراءَتَيْنِ واحِدٌ. وقَرَأ الزُهْرِيُّ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ: "وَلا تُيَمِّمُوا" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ المِيمِ، وهَذا عَلى لُغَةِ مَن قالَ: يَمَّمْتُ الشَيْءَ، بِمَعْنى قَصَدْتُهُ.

وفِي اللَفْظِ لُغاتٌ مِنها: أمَمْتُ الشَيْءَ خَفِيفَةُ المِيمِ الأُولى، وأمَّمْتُ بِشَدِّها، ويَمَّمْتُهُ وتَيَمَّمْتُهُ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ "وَلا تُؤَمِّمُوا" بِهَمْزَةٍ بَعْدَ التاءِ، وهَذِهِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: أمَّمْتُ مُثْقَلَةَ المِيمِ، وقَدْ مَضى القَوْلُ في مَعْنى الخَبِيثِ.

وقالَ الجُرْجانِيُّ ( في كِتابِ نَظْمِ القُرْآنِ ): قالَ فَرِيقٌ مِنَ الناسِ: إنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: "الخَبِيثَ". ثُمَّ ابْتَدَأ خَبَرًا آخَرَ في وصْفِ الخَبِيثِ فَقالَ: "مِنهُ تُنْفِقُونَ" وأنْتُمْ لا تَأْخُذُونَهُ إلّا إذا أغْمَضْتُمْ، أيْ ساهَلْتُمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّ هَذا المَعْنى عِتابٌ لِلنّاسِ وتَقْرِيعٌ. والضَمِيرُ في "مِنهُ" عائِدٌ عَلى "الخَبِيثَ". قالَ الجُرْجانِيُّ: وقالَ فَرِيقٌ آخَرُ: بَلِ الكَلامُ مُتَّصِلٌ إلى قَوْلِهِ: "فِيهِ" فالضَمِيرُ في "مِنهُ" عائِدٌ عَلى "ما كَسَبْتُمْ" ويَجِيءُ "تُنْفِقُونَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ وهو كَقَوْلِهِ: أنا أخْرُجُ أُجاهِدُ في سَبِيلِ اللهِ.

(p-٧٥)واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ فَقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُمْ: مَعْناهُ: ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ في دُيُونِكم وحُقُوقِكم عِنْدَ الناسِ إلّا بِأنْ تَساهَلُوا في ذَلِكَ، وتَتْرُكُوا مِن حُقُوقِكُمْ، وتَكْرَهُونَهُ ولا تَرْضَوْنَهُ، أيْ فَلا تَفْعَلُوا مَعَ اللهِ ما لا تَرْضَوْنَهُ لِأنْفُسِكُمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْنى الآيَةِ: "وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ لَوْ وجَدْتُمُوهُ في السُوقِ يُباعُ إلّا أنْ يُهْضَمَ لَكم مِن ثَمَنِهِ".

ورُوِيَ نَحْوُهُ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: وهَذانِ القَوْلانِ يُشْبِهانِ كَوْنَ الآيَةِ في الزَكاةِ الواجِبَةِ، وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ أيْضًا: مَعْناهُ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ لَوْ أُهْدِيَ لَكم إلّا أنْ تُغْمِضُوا، أيْ تَسْتَحْيُوا مِنَ المُهْدِي فَتَقْبَلُوا مِنهُ ما لا حاجَةَ لَكم فِيهِ، ولا قَدْرَ لَهُ في نَفْسِهِ، وهَذا يُشْبِهُ كَوْنَ الآيَةِ في التَطَوُّعِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ: ولَسْتُمْ بِآخِذِي الحَرامِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا في مَكْرُوهِهِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "إلّا أنْ تُغْمِضُوا" بِضَمِّ التاءِ، وسُكُونِ الغَيْنِ، وكَسْرِ المِيمِ. وقَرَأ الزُهْرِيُّ بِفَتْحِ التاءِ، وكَسْرِ المِيمِ مُخَفَّفًا، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا "تُغَمِّضُوا" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الغَيْنِ وكَسْرِ المِيمِ مُشَدَّدَةً.

وحَكى مَكِّيٌّ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ: "تُغَمَّضُوا" مُشَدَّدَةَ المِيمِ مَفْتُوحَةً، وقَرَأ قَتادَةُ بِضَمِّ التاءِ وسُكُونِ الغَيْنِ وفَتْحِ المِيمِ مُخَفَّفًا، قالَ أبُو عَمْرٍو: مَعْناهُ: إلّا أنْ يُغْمَضَ لَكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذِهِ اللَفْظَةُ تُنْتَزَعُ إمّا مِن قَوْلِ العَرَبِ: أغْمَضَ الرَجُلُ في أمْرِ كَذا إذا تَساهَلَ فِيهِ، ورَضِيَ بِبَعْضِ حَقِّهِ وتَجاوَزَ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الطِرِمّاحِ بْنِ حَكِيمٍ:

؎ لَمْ يَفُتْنا بِالوَتْرِ قَوْمٌ ولِلضَّـ ∗∗∗ ـيْـمِ أُناسٌ يَرْضَوْنَ بِالإغْماضِ

(p-٧٦)وَإمّا أنْ تُنْتَزَعَ مِن تَغْمِيضِ العَيْنِ، لِأنَّ الَّذِي يُرِيدُ الصَبْرَ عَلى مَكْرُوهٍ يُغْمِضُ عنهُ عَيْنَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ إلى كَمْ وكَمْ أشْياءَ مِنكم تُرِيبُنِي ∗∗∗ ∗∗∗ أُغَمِّضُ عنها لَسْتُ عنها بِذِي عَمى؟

وهَذا كالإغْضاءِ عِنْدَ المَكْرُوهِ، وقَدْ ذَكَرَ النَقّاشُ هَذا المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ، وأشارَ إلَيْهِ مَكِّيٌّ - وإمّا مِن قَوْلِ العَرَبِ: أغْمَضَ الرَجُلُ إذا أتى غامِضًا مِنَ الأمْرِ، كَما تَقُولُ: أعْمَنَ إذا أتى عَمّانَ، وأعْرَقَ إذا أتى العِراقَ، وأنْجَدَ وأغْوَرَ إذا أتى نَجْدًا، والغَوْرَ الَّذِي هو تِهامَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الجارِيَةِ: "وَإنْ دَسَرَ أغْمَضَ".

فَقِراءَةُ الجُمْهُورِ تُخَرَّجُ: عَلى التَجاوُزِ، وعَلى تَغْمِيضِ العَيْنِ، لِأنَّ أغْمَضَ بِمَنزِلَةِ غَمُضَ، وعَلى أنَّها بِمَعْنى حَتّى تَأْتُوا غامِضًا مِنَ التَأْوِيلِ والنَظَرِ في أخْذِ ذَلِكَ، إمّا لِكَوْنِهِ حَرامًا عَلى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ، وإمّا لِكَوْنِهِ مُهْدىً أو مَأْخُوذًا في دَيْنٍ عَلى قَوْلِ غَيْرِهِ.

وأمّا قِراءَةُ الزُهْرِيِّ الأُولى فَمَعْناها: تَهْضِمُوا سَوْمَها مِنَ البائِعِ مِنكم فَيُحِطْكُمْ، قالَ أبُو عَمْرٍو مَعْنى قِراءَتَيِ الزُهْرِيِّ: حَتّى تَأْخُذُوا بِنُقْصانٍ، وأمّا قِراءَتُهُ الثانِيَةُ فَهَذا مَذْهَبُ أبِي عَمْرٍو الدانِي فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَغْمِيضِ العَيْنِ.

وأمّا قِراءَةُ قَتادَةَ فَقَدْ ذَكَرْتُ تَفْسِيرَ أبِي عَمْرٍو لَها، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: مَعْناها: تُوجَدُوا قَدْ غُمِّضْتُمْ في الأمْرِ بِتَأوُّلِكُمْ، أو بِتَساهُلِكُمْ، وجَرَيْتُمْ عَلى غَيْرِ السابِقِ إلى النُفُوسِ، وهَذا كَما تَقُولُ: أحْمَدْتُ الرَجُلَ، وجَدْتُهُ مَحْمُودًا، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ.

ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى عَلى صِفَةِ الغِنى، أيْ لا حاجَةَ بِهِ إلى صَدَقاتِكُمْ، فَمَن تَقَرَّبَ وطَلَبَ مَثُوبَةً فَلْيَفْعَلْ ذَلِكَ بِمالِهِ قَدْرٌ، و"حَمِيدٌ" مَعْناهُ: مَحْمُودٌ في كُلِّ حالٍ، وهي صِفَةُ ذاتٍ.

2:268–269Page 45

ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٢٦٨

Satan threatens you with poverty and orders you to immorality, while Allāh promises you forgiveness from Him and bounty. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.

يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢٦٩

He gives wisdom1 to whom He wills, and whoever has been given wisdom has certainly been given much good. And none will remember except those of understanding.

(p-٧٧)قوله عزّ وجلّ:

﴿الشَيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ واللهُ يَعِدُكُمُ مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلا واللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ﴾

هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها وإنْ لَمْ تَكُنْ أمْرًا بِالصَدَقَةِ فَهي جالِبَةٌ لِلنُّفُوسِ إلى الصَدَقَةِ - بَيَّنَ عَزَّ وجَلَّ فِيها نَزَغاتِ الشَيْطانِ ووَسْوَسَتَهُ وعَداوَتَهُ. وذَكَّرَ بِثَوابِهِ هو لا رَبَّ غَيْرُهُ، وذَكَّرَ بِتَفَضُّلِهِ بِالحِكْمَةِ، وأثْنى عَلَيْها، ونَبَّهَ أنَّ أهْلَ العُقُولِ هُمُ المُتَذَكِّرُونَ الَّذِينَ يُقَيِّمُونَ بِالحِكْمَةِ قَدْرَ الإنْفاقِ في طاعَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وغَيْرَ ذَلِكَ.

ثُمَّ ذَكَرَ عِلْمَهُ بِكُلِّ نَفَقَةٍ ونَذْرٍ، وفي ذَلِكَ وعْدٌ ووَعِيدٌ، ثُمَّ بَيَّنَ الحُكْمَ في الإعْلانِ والإخْفاءِ وكَذَلِكَ إلى آخِرِ المَعْنى.

والوَعْدُ في كَلامِ العَرَبِ - إذا أُطْلِقَ - فَهو في الخَيْرِ، وإذا قُيِّدَ بِالمَوْعُودِ ما هُوَ، فَقَدْ يُقَيَّدُ بِالخَيْرِ، وقَدْ يُقَيَّدُ بِالشَرِّ، كالبِشارَةِ - فَهَذِهِ الآيَةُ مِمّا قُيِّدَ الوَعْدُ فِيها بِمَكْرُوهٍ وهو الفَقْرُ.

والفَحْشاءُ: كُلُّ ما فَحُشَ، وفَحُشَ ذِكْرُهُ ومَعاصِي اللهِ كُلُّها فَحْشاءُ، ورَوى حَيْوَةُ (p-٧٨)عن رَجُلٍ مِن أهْلِ الرِباطِ أنَّهُ قَرَأ "الفُقْرَ" بِضَمِّ الفاءِ، وهي لُغَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الآيَةِ اثْنَتانِ مِنَ الشَيْطانِ، واثْنَتانِ مِنَ اللهِ تَعالى.

ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً مِنَ ابْنِ آدَمَ، ولِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأمّا لَمَّةُ الشَيْطانِ فَإيعادٌ بِالشَرِّ، وتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلْيَتَعَوَّذْ، وأمّا لَمَّةُ المَلَكِ فَوَعْدٌ بِالخَيْرِ، وتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ، فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلْيَحْمَدِ اللهَ، ثُمَّ قَرَأ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿الشَيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ويَأْمُرُكُمْ﴾ الآيَةَ.»

والمَغْفِرَةُ: هي السَتْرُ عَلى عِبادِهِ في الدُنْيا والآخِرَةِ، والفَضْلُ: هو الرِزْقُ في الدُنْيا والتَوْسِعَةُ فِيهِ، والنَعِيمُ في الآخِرَةِ وبِكُلٍّ قَدْ وعَدَ اللهُ تَعالى.

وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ بَعْضَ الناسِ تَأْنَسُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ الفَقْرَ أفْضَلُ مِنَ الغِنى، لِأنَّ الشَيْطانَ إنَّما يُبْعِدُ العَبْدَ مِنَ الخَيْرِ وهو بِتَخْوِيفِهِ الفَقْرَ يَبْعُدُ مِنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ في الآيَةِ حُجَّةٌ قاطِعَةٌ إلّا أنَّ المُعارَضَةَ بِها قَوِيَّةٌ - ورُوِيَ أنَّ في التَوْراةِ: "عَبْدِي، أنْفِقْ مِن رِزْقِي أبْسُطْ عَلَيْكَ فَضْلِي، فَإنَّ يَدِي مَبْسُوطَةٌ عَلى كُلِّ يَدٍ مَبْسُوطَةٍ". وفي القُرْآنِ مِصْداقُهُ وهُوَ: ﴿وَما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ وهو خَيْرُ الرازِقِينَ﴾ [سبإ: ٣٩] و"واسِعٌ" لِأنَّهُ وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن نَفْسِهِ أنَّهُ: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ﴾ أيْ يُعْطِيها لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، (p-٧٩)واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الحِكْمَةِ في هَذا المَوْضِعِ - فَقالَ السُدِّيُّ: الحِكْمَةُ: النُبُوَّةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي المَعْرِفَةُ بِالقُرْآنِ فِقْهِهِ ونَسْخِهِ ومُحْكَمِهِ ومُتَشابِهِهِ وعَرَبِيَّتِهِ، وقالَ قَتادَةُ: الحِكْمَةُ: الفِقْهُ في القُرْآنِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الحِكْمَةُ: الإصابَةُ في القَوْلِ والفِعْلِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وأبُوهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الحِكْمَةُ: العَقْلُ في الدِينِ، وقالَ مالِكٌ: الحِكْمَةُ: المَعْرِفَةُ في الدِينِ، والفِقْهُ فِيهِ، والِاتِّباعُ لَهُ، ورَوى عنهُ ابْنُ القاسِمِ أنَّهُ قالَ: الحِكْمَةُ: التَفَكُّرُ في أمْرِ اللهِ، والِاتِّباعُ لَهُ، وقالَ أيْضًا: الحِكْمَةُ: طاعَةُ اللهِ، والفِقْهُ في الدِينِ والعَمَلُ بِهِ، وقالَ الرَبِيعُ: الحِكْمَةُ: الخَشْيَةُ. ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "رَأْسُ كُلِّ شَيْءٍ خَشْيَةُ اللهِ تَعالى"». وقالَ إبْراهِيمُ: الحِكْمَةُ: الفَهْمُ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وقالَ الحَسَنُ: الحِكْمَةُ: الوَرَعُ.

وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها ما عَدا قَوْلِ السُدِّيِّ قَرِيبٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، لِأنَّ الحِكْمَةَ مَصْدَرٌ مِنَ الإحْكامِ وهو الإتْقانُ في عَمَلٍ أو قَوْلٍ - وكِتابُ اللهِ: حِكْمَةٌ - وسُنَّةُ نَبِيِّهِ: حِكْمَةٌ، وكُلُّ ما ذُكِرَ فَهو جُزْءٌ مِنَ الحِكْمَةِ الَّتِي هي الجِنْسُ - وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ ويَعْقُوبُ: "وَمَن يُؤْتِ" بِكَسْرِ التاءِ عَلى مَعْنى: ومَن يُؤْتِ اللهُ الحِكْمَةَ، فَـ "مَن" مَفْعُولٌ أوَّلٌ مُقَدَّمٌ، و"الحِكْمَةَ" مَفْعُولٌ ثانٍ، وقَرَأ الأخْفَشُ: "وَمَن يُؤْتِهِ الحِكْمَةَ"،، وقَرَأ الرَبِيعُ بْنُ خَثِيمٍ "تُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن تَشاءُ" بِالتاءِ في "تُؤْتِي"، وفي "تَشاءُ" مَنقُوطَةً مِن فَوْقٍ، "وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ" بِالياءِ.

وباقِي الآيَةِ تَذَكُّرُ بَيِّنَةٍ وإقامَةٌ لِهِمَمِ الغَفْلَةِ. والألْبابُ: العُقُولُ، واحِدُها: لُبٌّ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском