Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:27–32
2:27–29Page 5
ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٢٧
Who break the covenant of Allāh after contracting it and sever that which Allāh has ordered to be joined and cause corruption on earth. It is those who are the losers.
كَيۡفَ تَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمۡ أَمۡوَٰتٗا فَأَحۡيَٰكُمۡۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٨
How can you disbelieve in Allāh when you were lifeless and He brought you to life; then He will cause you to die, then He will bring you [back] to life, and then to Him you will be returned.
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٩
It is He who created for you all of that which is on the earth. Then He directed Himself1 to the heaven, [His being above all creation], and made them seven heavens, and He is Knowing of all things.
قوله عزّ وجلّ:
﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللهِ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
النَقْضُ: رَدُّ ما أُبْرِمَ عَلى أوَّلِهِ غَيْرُ مُبْرَمٍ. والعَهْدُ في هَذِهِ الآيَةِ: التَقَدُّمُ في الشَيْءِ والوِصايَةُ بِهِ.
واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ هَذا العَهْدِ، فَقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو الَّذِي أخَذَهُ اللهُ عَلى بَنِي (p-١٥٩)آدَمَ حِينَ اسْتَخْرَجَهم مِن ظَهْرِ أبِيهِمْ آدَمَ كالذَرِّ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ: نَصَبَ الأدِلَّةَ عَلى وحْدانِيَّةِ اللهِ بِالسَماواتِ والأرْضِ وسائِرِ الصَنْعَةِ هو بِمَنزِلَةِ العَهْدِ. وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هَذا العَهْدُ هو الَّذِي أخَذَهُ اللهُ عَلى عِبادِهِ بِواسِطَةِ رُسُلِهِ: أنْ يُوَحِّدُوهُ، وألّا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ. وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هَذا العَهْدُ هو الَّذِي أخَذَهُ اللهُ عَلى اتِّباعِ الرُسُلِ والكُتُبُ المُنَزَّلَةُ: أنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وأنْ لا يَكْتُمُوا أمْرَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فالآيَةُ عَلى هَذا في أهْلِ الكِتابِ، وظاهِرُ ما قَبْلُ وبَعْدُ أنَّهُ في جَمِيعِ الكُفّارِ. وقالَ قَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ هي فِيمَن كانَ آمَنَ بِالنَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ ثُمَّ كَفَرَ بِهِ فَنَقَضَ العَهْدَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَمْ يَنْسِبِ الطَبَرِيُّ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأقْوالِ.
وكُلُّ عَهْدٍ جائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ فَنَقْضُهُ لا يَحِلُّ بِهَذِهِ الآيَةِ. والضَمِيرُ في "مِيثاقِهِ" يَحْتَمِلُ العَوْدَةَ عَلى "العَهْدِ"، أو عَلى (اسْمِ اللهِ تَعالى)، و"مِيثاقُ" مِفْعالُ مِنَ الوَثاقَةِ، وهي الشَدُّ في العَقْدِ والرَبْطِ ونَحْوِهِ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ اسْمٌ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ، كَما قالَ عَمْرُو بْنُ شَبِيمٍ:
؎ أكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي وبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرِتاعا؟
أرادَ بَعْدَ إعْطائِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أمَرَ اللهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾. "ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ "يَقْطَعُونَ"، واخْتَلَفَ ما الشَيْءُ الَّذِي أمَرَ بِوَصْلِهِ، فَقالَ قَتادَةُ: الأرْحامُ عامَّةً في الناسِ، وقالَ غَيْرُهُ: خاصَّةً فِيمَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ، كَأنَّ الكُفّارَ يُقَطِّعُونَ أرْحامَهم. وقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: الإشارَةُ في (p-١٦٠)هَذِهِ الآيَةِ إلى دِينِ اللهِ وعِبادَتِهِ في الأرْضِ، وإقامَةِ شَرائِعِهِ، وحِفْظِ حُدُودِهِ. وهَذا هو الحَقُّ، والرَحِمُ جُزْءٌ مِن هَذا، و"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلٌ مِن "ما"، أو مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وقِيلَ: "أنْ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ في "بِهِ"، وهَذا مُتَّجَهٌ.
﴿وَيُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللهِ، ويَجُورُونَ في الأفْعالِ إذْ هي بِحَسَبَ شَهَواتِهِمْ، و"الخاسِرُ": الَّذِي نَقَصَ نَفْسَهُ حَظَّها مِنَ الفَلاحِ والفَوْزِ. والخُسْرانُ: النَقْصُ كانَ في مِيزانٍ أو غَيْرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ لَفْظُهُ الِاسْتِفْهامُ، ولَيْسَ بِهِ، بَلْ هو تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ. أيْ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ ونِعَمِهِ عَلَيْكم وقُدْرَتِهِ هَذِهِ؟ و"كَيْفَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها "تَكْفُرُونَ"، وتَقْدِيرُها: أجاحِدِينَ تَكْفُرُونَ؟ أمُنْكِرِينَ تَكْفُرُونَ؟ و"كَيْفَ" مَبْنِيَّةٌ، وخُصَّتْ بِالفَتْحِ لِخِفَّتِهِ. ومَن قالَ: إنَّ "كَيْفَ" تَقْرِيرٌ وتَعَجُّبٌ، فَمَعْناهُ: إنَّ هَذا الأمْرَ إنْ عَنَّ فَحَقُّهُ أنْ يَتَعَجَّبَ مِنهُ لِغَرابَتِهِ وبُعْدِهِ عَنِ المَأْلُوفِ مِن شُكْرِ المُنْعِمِ، و"الواوُ" في قَوْلِهِ: "وَكُنْتُمْ" واوُ الحالِ.
واخْتَلَفَ في تَرْتِيبِ هاتَيْنِ المَوْتَتَيْنِ والحَياتَيْنِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٌ: فالمَعْنى كُنْتُمْ أمْواتًا مَعْدُومِينَ قَبْلَ أنْ تُخْلَقُوا دارِسِينَ، كَما يُقالُ لِلشَّيْءِ الدارِسِ: مَيِّتٌ. ثُمَّ خُلِقْتُمْ وأُخْرِجْتُمْ إلى الدُنْيا فَأحْياكُمْ، ثُمَّ أماتَكُمُ المَوْتُ المَعْهُودُ، ثُمَّ يُحْيِيكم لِلْبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وقالَ آخَرُونَ: "كُنْتُمْ أمْواتًا" بِكَوْنِ آدَمَ مِن طِينٍ مَيِّتًا قَبْلَ أنْ يَحْيا، ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ الرُوحَ فَأحْياكم بِحَياةِ آدَمَ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ، ثُمَّ يُحْيِيكم عَلى ما تَقَدَّمَ. وقالَ قَتادَةُ: "كُنْتُمْ أمْواتًا" في أصْلابِ آبائِكُمْ، فَأُخْرِجْتُمْ إلى الدُنْيا، فَأحْياكُمْ، ثُمَّ كَما تَقَدَّمَ. وقالَ غَيْرُهُ: "كُنْتُمْ أمْواتًا" (p-١٦١)فِي الأرْحامِ قَبْلَ نَفْخِ الرُوحِ، ثُمَّ أحْياكم بِالخُرُوجِ إلى الدُنْيا، ثُمَّ كَما تَقَدَّمَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ اللهَ تَعالى أخْرَجَ نِسَمَ بَنِي آدَمَ أمْثالَ الذَرِّ، ثُمَّ أماتَهم بَعْدَ ذَلِكَ فَهو قَوْلُهُ: ﴿وَكُنْتُمْ أمْواتًا﴾، ثُمَّ أحْياهم بِالإخْراجِ إلى الدُنْيا، ثُمَّ كَما تَقَدَّمَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو صالِحٍ: "كُنْتُمْ أمْواتًا" بِالمَوْتِ المَعْهُودِ، ثُمَّ أحْياكم لِلسُّؤالِ في القُبُورِ، ثُمَّ أماتَكم فِيها، ثُمَّ أحْياكم لِلْبَعْثِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ قالَ: وكُنْتُمْ أمْواتًا بِالخُمُولِ، فَأحْياكم بِأنْ ذُكِرْتُمْ وشُرِّفْتُمْ بِهَذا الدِينِ والنَبِيِّ الَّذِي جاءَكم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والقَوْلُ الأوَّلُ هو أولى هَذِهِ الأقْوالِ، لِأنَّهُ الَّذِي لا مَحِيدَ لِلْكَفّارِ عَنِ الإقْرارِ بِهِ في أوَّلِ تَرْتِيبِهِ. ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ أوَّلًا: ( كُنْتُمْ أمْواتًا ) وإسْنادُهُ آخِرًا الإماتَةُ إلَيْهِ تَبارَكَ وتَعالى مِمّا يُقَوِّي ذَلِكَ القَوْلَ، وإذا أذْعَنَتْ نُفُوسُ الكُفّارِ لِكَوْنِهِمْ أمْواتًا مَعْدُومِينَ، ثُمَّ لِلْإحْياءِ في الدُنْيا، ثُمَّ لِلْإماتَةِ فِيها قَوِيَ عَلَيْهِمْ لُزُومُ الإحْياءِ الآخَرِ، وجاءَ جَحْدُهم لَهُ دَعْوى لا حُجَّةَ عَلَيْها.
والضَمِيرُ في "إلَيْهِ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، أيْ إلى ثَوابِهِ أو عِقابِهِ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الأحْياءِ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَرْجِعُونَ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ يَعْمُرَ، وسَلامٌ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ، ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ: "يَرْجِعُونَ، وتَرْجِعُونَ" بِفَتْحِ الياءِ والتاءِ حَيْثُ وقَعَ.
و"خَلَقَ" مَعْناهُ: اخْتَرَعَ وأوجَدَ بَعْدَ العَدَمِ، وقَدْ يُقالُ في الإنْسانِ خَلَقَ بَعْدَ إنْشائِهِ شَيْئًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ∗∗∗ ـضُ القَوْمِ يُخْلَقُ ثُمَّ لا يَفْرِي
(p-١٦٢)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ مَن كانَ يَخْلُقُ ما يَقْوَ ∗∗∗ لُ فَحِيلَتِي فِيهِ قَلِيلَةٌ
و"لَكُمْ" مَعْناهُ: لِلِاعْتِبارِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما قَبْلُهُ وما بَعْدَهُ مِن نَصْبٍ. العِبَرُ: الإحْياءُ، والإماتَةُ والخَلْقُ، والِاسْتِواءُ إلى السَماءِ، وتَسْوِيَتُها. وقالَ قَوْمٌ: بَلْ مَعْنى "لَكُمْ" إباحَةُ الأشْياءِ وتَمْلِيكُها، وهَذا قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّ الأشْياءَ قَبْلَ وُرُودِ السَمْعِ عَلى الإباحَةِ بَيَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ، وخالَفَهم في هَذا التَأْوِيلِ القائِلُونَ بِالحَظْرِ، والقائِلُونَ بِالوَقْفِ. وأكْثَرُ القائِلِينَ بِالحَظْرِ اسْتَثْنَوْا أشْياءَ اقْتَضَتْ حالَها مَعَ وُجُودِ الإنْسانِ الإباحَةَ كالتَنَفُّسِ، والحَرَكَةِ، ويَرُدُّ عَلى القائِلِينَ بِالحَظْرِ: كُلُّ حَظْرٍ في القُرْآنِ، وعَلى القائِلِينَ بِالإباحَةِ: كُلُّ تَحْلِيلٍ في القُرْآنِ وإباحَةٍ. ويَتَرَجَّحُ الوَقْفُ إذا قَدَّرْنا نازِلَةً لا يُوجَدُ فِيها سَمْعٌ ولا تَتَعَلَّقُ بِهِ، ومَعْنى الوَقْفِ: أنَّهُ اسْتِنْفادُ جُهْدِ الناظِرِ فِيما يَحْزُبُ مِنَ النَوازِلِ. وحَكى ابْنُ فَوْرِكٍ عَنِ ابْنِ الصائِغِ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَخْلُ العَقْلُ قَطُّ مِنَ السَمْعِ، ولا نازِلَةٍ إلّا وفِيها سَمْعٌ، أوَّلُها بِهِ تَعَلُّقٌ، أوَّلُها حالٌ تُسْتَصْحَبُ، قالَ: فَيَنْبَغِي أنْ يَعْتَمِدَ عَلى هَذا، ويُغْنِيَ عَنِ النَظَرِ في حَظْرٍ وإباحَةٍ ووَقْفٍ. و"جَمِيعًا" نُصِبَ عَلى الحالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى﴾، ثُمَّ هُنا: هي لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ، لا لِتَرْتِيبِ الأمْرِ في نَفْسِهِ، (p-١٦٣)وَ"اسْتَوى": قالَ قَوْمٌ مَعْناهُ: عَلا دُونَ تَكْيِيفٍ ولا تَحْدِيدٍ، هَذا اخْتِيارُ الطَبَرِيِّ، والتَقْدِيرُ: عَلا أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ وسُلْطانُهُ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: مَعْناهُ قُصِدَ إلى السَماءِ، أيْ بِخَلْقِهِ واخْتِراعِهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ كَمُلَ صُنْعُهُ فِيها، كَما تَقُولُ اسْتَوى الأمْرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَلَقٌ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَوْمٍ أنَّ المَعْنى أقْبَلَ، وضَعَّفَهُ.
وحُكِيَ عن قَوْمٍ أنَّ المُسْتَوِيَ هو الدُخّانُ، وهَذا أيْضًا يَأْباهُ رَصْفُ الكَلامِ. وقِيلَ المَعْنى: اسْتَوْلى، كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ ∗∗∗ مِن غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مِهْراقِ
وهَذا إنَّما يَجِيءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] والقاعِدَةُ في هَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها مَنعُ النَقْلَةِ وحُلُولُ الحَوادِثِ، ويَبْقى اسْتِواءُ القُدْرَةِ والسُلْطانِ.
و"سَوّاهُنَّ"، قِيلَ: المَعْنى جَعَلَهُنَّ سَواءً، وقِيلَ: سَوّى سُطُوحَها بِالإمْلاسِ و"سَبْعَ" نُصِبَ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ، أو عَلى المَفْعُولِ بـ "سَوّى"، بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الجارِّ مِنَ الضَمِيرِ، كَأنَّهُ قالَ: فَسَوّى مِنهُنَّ سَبْعًا. وقِيلَ: نُصِبَ عَلى الحالِ، وقالَ: "سَوّاهُنَّ" إمّا عَلى أنَّ السَماءَ جَمْعٌ، وإمّا عَلى أنَّهُ مُفْرَدُ اسْمِ جِنْسٍ، فَهو دالٌّ عَلى الجَمْعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ مَعْناهُ: بِالمَوْجُوداتِ، وتَحَقَّقَ عِلْمُهُ بِالمَعْدُوماتِ مِن آياتٍ أُخَرَ.
(p-١٦٤)وَهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ الأرْضَ وما فِيها خُلِقَ قَبْلَ السَماءِ، وذَلِكَ صَحِيحٌ، ثُمَّ دُحِيَتِ الأرْضُ بَعْدَ خَلْقِ السَماءِ، وبِهَذا تَتَّفِقُ مَعانِي الآياتِ هَذِهِ والَّتِي في سُورَةِ (المُؤْمِنِ) وفي (النازِعاتِ).
2:30–32Page 6
وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٣٠
And [mention, O Muḥammad], when your Lord said to the angels, "Indeed, I will make upon the earth a successive authority."1 They said, "Will You place upon it one who causes corruption therein and sheds blood, while we exalt You with praise and declare Your perfection?"2 He [Allāh] said, "Indeed, I know that which you do not know."
وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣١
And He taught Adam the names - all of them. Then He showed them to the angels and said, "Inform Me of the names of these, if you are truthful."
قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٣٢
They said, "Exalted are You; we have no knowledge except what You have taught us. Indeed, it is You who is the Knowing,1 the Wise."2
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾
قالَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى: "إذْ" زائِدَةٌ، والتَقْدِيرُ: وقالَ رَبُّكَ. قالَ أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ: هَذا اجْتِراءٌ مِن أبِي عُبَيْدَةَ، وكَذَلِكَ رَدَّ عَلَيْهِ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الجُمْهُورُ: لَيْسَتْ زائِدَةً وإنَّما هي مُعَلَّقَةٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ قالَ. وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] الآيَةُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: وابْتِداءَ خَلَقَكم إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ، وإضافَةُ "رَبُّ" إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، ومُخاطَبَتُهُ بِالكافِ تَشْرِيفٌ مِنهُ لَهُ، وإظْهارٌ لِاخْتِصاصِهِ بِهِ. والمَلائِكَةُ واحِدُها مَلَكٌ، أصْلُهُ: مَلْأكٌ عَلى وزْنٍ مَفْعَلٌ، مِن لَأكَ إذا أرْسَلَ، وجَمْعُهُ مَلائِكَةٌ عَلى وزْنِ مُفاعَلَةٌ. وقالَ قَوْمٌ: أصْلُ مَلَكٍ مَأْلَكٌ مَن ألَكَ إذا أرْسَلَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
؎ أبْلِغِ النُعْمانَ عَنِّي مَأْلُكًا أنَّهُ قَدْ طالَ حَبْسِي وانْتِظارِي
واللُغَتانِ مَسْمُوعَتانِ، لَأكَ، وألَكَ، قُلِبَتْ فِيهِ الهَمْزَةُ بَعْدَ اللامِ فَجاءَ وزْنُهُ مَعْفَلٌ، وجَمْعُهُ مَلائِكَةٌ، وزْنُهُ مُعافَلَةٌ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ هو مِن مَلَكَ يَمْلِكُ والهَمْزَةُ فِيهِ زائِدَةٌ (p-١٦٥)كَما زِيدَتْ في شَمْألَ مَن شَمِلَ فَوَزْنُهُ فَعْألَ، ووَزْنُ جَمْعِهِ فَعائِلَةٌ، وقَدْ يَأْتِي في الشِعْرِ عَلى أصْلِهِ كَما قالَ:
؎ فَلَسْتُ لِإنْسِيٍّ ولَكِنْ لَمَلْأكٍ ∗∗∗ تَنَزَّلَ مِن جَوِّ السَماءِ يُصَوِّبُ
وأمّا في الكَلامِ فَسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى اللامِ أو عَلى العَيْنِ -فِي قَوْلِ ابْنِ كَيْسانَ - فَقِيلَ: مَلَكٌ، والهاءُ في "مَلائِكَةٍ" لِتَأْنِيثِ الجُمُوعِ غَيْرِ حَقِيقِيٍّ، وقِيلَ: هي لِلْمُبالَغَةِ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، والأوَّلُ أبْيَنُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الهَمْزَةُ في "مَلائِكَةٍ" مُجْتَلَبَةٌ لِأنَّ واحِدَها مَلَكٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا الَّذِي نَحا إلَيْهِ ابْنُ كَيْسانَ.
و"جاعِلٌ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى خالِقٌ، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عن أبِي رَوْقٍ، ويَقْضِي بِذَلِكَ تَعَدِّيها إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: "جاعِلٌ" بِمَعْنى فاعِلٍ. وقالَ ابْنُ سابِطٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: إنَّ "الأرْضَ" هُنا يَعْنِي بِها مَكَّةَ، لِأنَّ الأرْضَ دُحِيَتْ مِن تَحْتِها، ولِأنَّها مَقَرُّ مَن هَلَكَ قَوْمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، وإنَّ قَبْرَ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ بَيْنَ المَقامِ والرُكْنِ.
و"خَلِيفَةً" مَعْناهُ: مَن يَخْلُفُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتِ الجِنُّ قَبْلَ بَنِي آدَمَ في الأرْضِ فَأفْسَدُوا، وسَفَكُوا الدِماءَ، فَبَعَثَ اللهُ إلَيْهِمْ قَبِيلًا مِنَ المَلائِكَةِ قَتَلَهُمْ، وألْحَقَ فَلَّهم بِجَزائِرِ البِحارِ، ورُؤُوسِ الجِبالِ، وجَعَلَ آدَمَ وذُرِّيَّتَهُ خَلِيفَةً. وقالَ الحَسَنُ: إنَّما سَمّى اللهَ بَنِي آدَمَ خَلِيفَةً، لِأنَّ كُلَّ قَرْنٍ مِنهم يَخْلُفُ الَّذِي قَبْلَهُ، الجِيلُ بَعْدَ الجِيلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَفي هَذا القَوْلِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى خالِفَةٍ (p-١٦٦)وَبِمَعْنى مَخْلُوفَةً، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّما مَعْناهُ: خَلِيفَةٌ مِنِّي في الحُكْمِ بَيْنَ عِبادِي بِالحَقِّ وبِأوامِرِي، يَعْنِي بِذَلِكَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَن قامَ مَقامَهُ بَعْدَهُ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ "خَلِيقَةً" بِالقافِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها﴾ الآيَةُ، وقَدْ عَلِمْنا قَطْعًا أنَّ المَلائِكَةَ لا تَعْلَمُ الغَيْبَ، ولا تَسْبِقُ بِالقَوْلِ، وذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ المَلائِكَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ [الأنبياء: ٢٧] خَرَجَ عَلى جِهَةِ المَدْحِ لَهم. قالَ القاضِي أبُو بَكْرٍ بْنُ الطَيِّبِ: "فَهَذِهِ قَرِينَةُ العُمُومِ، فَلا (p-١٦٧)يَصِحُّ مَعَ هَذَيْنَ الشَرْطَيْنِ إلّا أنْ يَكُونَ عِنْدَهم مِن إفْسادِ الخَلِيقَةِ في الأرْضِ نَبَأٌ ومُقْدِمَةٌ"، قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: "إنَّ اللهَ تَعالى أعْلَمَهم أنَّ الخَلِيفَةَ سَيَكُونُ مِن ذُرِّيَّتِهِ قَوْمٌ يُفْسِدُونَ ويَسْفِكُونَ الدِماءَ، فَقالُوا لِذَلِكَ هَذِهِ المَقالَةَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا إمّا عَلى طَرِيقِ التَعَجُّبِ مِنَ اسْتِخْلافِ اللهِ مَن يَعْصِيهِ، أو مِن عِصْيانِ مَن يَسْتَخْلِفُهُ اللهُ في أرْضِهِ ويُنْعِمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وإمّا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعْظامِ والإكْبارِ لِلْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا: الِاسْتِخْلافُ والعِصْيانُ وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ثَعْلَبٌ وغَيْرُهُ: إنَّما كانَتِ المَلائِكَةُ قَدْ رَأتْ وعَلِمَتْ ما كانَ مِن إفْسادِ الجِنِّ وسَفْكِهِمُ الدِماءَ في الأرْضِ، فَجاءَ قَوْلُهم ﴿أتَجْعَلُ فِيها﴾ الآيَةُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ، هَلْ هَذا الخَلِيفَةُ عَلى طَرِيقَةِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الجِنِّ أمْ لا؟ وقالَ آخَرُونَ: كانَ اللهُ تَعالى قَدْ أعْلَمَ المَلائِكَةَ أنَّهُ يَخْلُقُ في الأرْضِ خَلْقًا يُفْسِدُونَ، ويَسْفِكُونَ الدِماءَ، فَلَمّا قالَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إنِّي جاعِلٌ﴾ ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها﴾ الآيَةُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِرْشادِ والِاسْتِعْلامِ. هَلْ هَذا الخَلِيفَةُ هو الَّذِي كانَ أعْلَمَهم بِهِ قَبْلُ أو غَيْرُهُ؟
و"السَفْكُ" صَبُّ الدَمِ، هَذا عُرْفُهُ، وقَدْ يُقالُ: سَفَكَ كَلامَهُ في كَذا إذا سَرَدَهُ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِكَسْرِ الفاءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ و"يَسْفِكُ" بِضَمِّ الفاءِ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ "وَيَسْفِكُ" بِالنَصْبِ بِواوِ الصَرْفِ، كَأنَّهُ قالَ: مَن يَجْمَعُ أنْ يُفْسِدَ وأنْ يَسْفِكَ. وقالَ المَهْدَوِيُّ: هو نَصْبٌ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ. والأوَّلُ أحْسَنُ.
(p-١٦٨)وَقَوْلُهُمْ: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ، كَأنَّهم أرادُوا: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ الآيَةُ أمْ نَتَغَيَّرُ عن هَذِهِ الحالِ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا يُحْسِنُ مَعَ القَوْلِ بِالِاسْتِفْهامِ المَحْضِ في قَوْلِهِمْ: "أتَجْعَلُ".
وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ التَمَدُّحُ ووَصْفُ حالِهِمْ، وذَلِكَ جائِزٌ لَهُمْ، كَما قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]، وهَذا يَحْسُنُ مَعَ التَعَجُّبِ والِاسْتِعْظامِ لِأنْ يَسْتَخْلِفَ اللهُ مَن يَعْصِيهِ في قَوْلِهِمْ: "أتَجْعَلُ"؟
وعَلى هَذا أدَّبَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾.
وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى الآيَةِ: ونَحْنُ لَوْ جَعَلْتَنا في الأرْضِ واسْتَخْلَفْتَنا نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ، وهَذا أيْضًا حَسَنٌ مَعَ التَعَجُّبِ والِاسْتِعْظامِ في قَوْلِهِمْ: "أتَجْعَلُ"؟ ومَعْنى ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾: نُنَزِّهُكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِكَ وبِصِفاتِكَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: تَسْبِيحُ المَلائِكَةِ: صَلاتُهم لِلَّهِ، وقالَ قَتادَةُ: تَسْبِيحُ المَلائِكَةِ: قَوْلُهم سُبْحانَ اللهِ، عَلى عُرْفِهِ في اللُغَةِ.
و"بِحَمْدِكَ" مَعْناهُ: نَخْلِطُ التَسْبِيحَ بِالحَمْدِ، ونَصِلُهُ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ بِحَمْدِكَ" اعْتِراضًا بَيْنَ الكَلامَيْنِ، كَأنَّهم قالُوا: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ ونُقَدِّسُ)، ثُمَّ اعْتَرَضُوا عَلى جِهَةِ التَسْلِيمِ، أيْ: وأنْتَ المَحْمُودُ في الهِدايَةِ إلى ذَلِكَ.
﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قالَ الضَحّاكُ، وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: نُطَهِّرُ أنْفُسَنا لَكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِكَ، والتَقْدِيسُ التَطْهِيرُ بِلا خِلافٍ، ومِنهُ الأرْضُ المُقَدَّسَةُ أيِ: المُطَهَّرَةُ، ومِنهُ بَيْتُ المَقْدِسِ، ومِنهُ القُدْسُ الَّذِي يَتَطَهَّرُ بِهِ. وقالَ آخَرُونَ: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ مَعْناهُ: ونُقَدِّسُكَ أيْ: نُعَظِّمُكَ، ونُطَهِّرُ ذِكْرَكَ عَمًّا لا يَلِيقُ بِهِ. قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو صالِحٍ، وغَيْرُهُما، وقالَ قَوْمٌ: ( نُقَدِّسُ لَك ) مَعْناهُ: نُصَلِّي لَكَ، وهَذا ضَعِيفٌ.
(p-١٦٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، الأظْهَرُ أنَّ "أعْلَمُ" فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ، و"ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِهِ، وقِيلَ: "أعْلَمُ" اسْمٌ، و"ما في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِالإضافَةِ، ولا يَصِحُّ الصَرْفُ فِيهِ بِإجْماعٍ مِنَ النُحاةِ، وإنَّما الخِلافُ في أفْعَلَ إذا سُمِّيَ بِهِ وكانَ نَكِرَةً، فَسِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ لا يَصْرِفانِهِ، والأخْفَشُ يَصْرِفُهُ.
واخْتَلَفَ أهْلُ التَأْوِيلِ في المُرادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ إبْلِيسُ- لَعَنَهُ اللهُ- قَدْ أُعْجِبَ، ودَخَلَهُ الكِبْرُ لَمّا جَعَلَهُ اللهُ خازِنَ السَماءِ الدُنْيا، وشَرَّفَهُ وقِيلَ: بَلْ لَمّا بَعَثَهُ اللهُ إلى قَتْلِ الجِنِّ الَّذِينَ كانُوا أفْسَدُوا في الأرْضِ فَهَزَمَهم وقَتَلَهم بِجُنْدِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: واعْتَقَدَ أنَّ ذَلِكَ لِمَزِيَّةٍ لَهُ، واسْتَخَفَّ الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ في جانِبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ: فَلَمّا قالَتِ المَلائِكَةُ ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾، وهي لا تَعْلَمُ أنَّ في نَفْسِ إبْلِيسَ خِلافَ ذَلِكَ، قالَ اللهُ لَهُمْ: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، يَعْنِي ما في نَفْسِ إبْلِيسَ، وقالَ قَتادَةُ: لَمّا قالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾، وقَدْ عَلِمَ اللهُ تَعالى أنَّ فِيمَن يَسْتَخْلِفُ في الأرْضِ أنْبِياءَ وفُضَلاءَ وأهْلَ طاعَةٍ قالَ لَهُمْ: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾، يَعْنِي: أفْعالَ الفُضَلاءِ مِن بَنِي آدَمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَعَلَّمَ" مَعْناهُ: عَرَّفَ. وتَعْلِيمُ آدَمَ هُنا عِنْدَ قَوْمٍ إلْهامُ عِلْمِهِ ضَرُورَةٌ، وقالَ قَوْمٌ: بَلْ تَعْلِيمٌ بِقَوْلٍ، فَإمّا بِواسِطَةِ مَلَكٍ، أو بِتَكْلِيمٍ قَبْلَ هُبُوطِهِ الأرْضَ، فَلا يُشارِكُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في خاصَّتِهِ، وقَرَأ اليَمانِيُّ "وَعَلَّمَ" بِضَمِّ العَيْنِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ "آدَمُ" مَرْفُوعًا. قالَ أبُو الفَتْحِ: وهي قِراءَةُ يَزِيدِ البَرْبَرِيِّ، و"آدَمَ" أفْعَلُ مُشْتَقٌّ مِنَ الأُدْمَةِ وهي حُمْرَةٌ تَمِيلُ إلى السَوادِ، وجَمْعُهُ أُدْمُ، وأوادِمُ، كَحُمْرُ وأحامِرُ، ولا (p-١٧٠)يَنْصَرِفُ بِوَجْهٍ، وقِيلَ: آدَمُ وزْنُهُ فاعِلٌ مُشْتَقٌّ مِن أدِيمِ الأرْضِ كَأنَّ المَلَكَ آدَمَها وجَمْعُهُ آدَمُونَ وأوادِمُ، ويَلْزَمُ قائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ صَرْفَهُ. وقالَ الطَبَرِيُّ: "آدَمُ" فِعْلٌ رُباعِيٌّ سُمِّيَ بِهِ.
ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «خَلَقَ اللهُ آدَمَ مِن أدِيمِ الأرْضِ كُلِّها، فَخَرَجَتْ ذُرِّيَّتُهُ عَلى نَحْوِها، مِنهُمُ الأبْيَضُ والأسْوَدُ والأسْمَرُ، والسَهْلُ والحَزَنُ، والطَيِّبُ والخَبِيثُ».
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: "الأسْماءَ"، فَقالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: عَلَّمَهُ التَسْمِياتِ، وقالَ قَوْمٌ: عَرَضَ عَلَيْهِ الأشْخاصَ. والأوَّلُ أبْيَنُ، ولَفْظَةُ "عَلَّمَ" تُعْطِي ذَلِكَ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ الجُمْهُورُ في أيِّ الأسْماءِ عَلَّمَهُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: عَلَّمَهُ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ مِن جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، دَقِيقُها وجَلِيلُها، وقالَ حَمِيدُ الشامِيُّ: عَلَّمَهُ أسْماءَ النُجُومِ فَقَطْ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَثِيمَ: عَلَّمَهُ أسْماءَ المَلائِكَةِ فَقَطْ، وقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: عَلَّمَهُ أسْماءَ ذُرِّيَّتِهِ فَقَطْ، وقالَ الطَبَرِيُّ: عَلَّمَهُ أسْماءَ ذُرِّيَّتِهِ والمَلائِكَةَ، واخْتارَ هَذا ورَجَّحَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ﴾ وحَكى النَقّاشُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ تَعالى عَلَّمَهُ كَلِمَةً واحِدَةً عَرَفَ مِنها جَمِيعَ الأسْماءِ، وقالَ آخَرُونَ: عَلَّمَهُ أسْماءَ الأجْناسِ كالجِبالِ، والخَيْلِ، والأودِيَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، دُونَ أنْ يُعَيِّنَ ما سَمَّتْهُ ذُرِّيَّتُهُ مِنها. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: عَلَّمَهُ أسْماءَ ما خَلَقَ في الأرْضِ، وقالَ قَوْمٌ: (p-١٧١)عَلَّمَهُ الأسْماءَ بِلُغَةٍ واحِدَةٍ، ثُمَّ وقَعَ الِاصْطِلاحُ مِن ذُرِّيَّتِهِ فِيما سِواها، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ عَلَّمَهُ الأسْماءَ بِكُلِّ لُغَةٍ تَكَلَّمَتْ بِها ذُرِّيَّتُهُ. وقَدْ غَلا قَوْمٌ في هَذا المَعْنى حَتّى حَكى ابْنُ جِنِّيٍّ عن أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّهُ قالَ: عَلَّمَ اللهُ تَعالى آدَمَ كُلَّ شَيْءٍ حَتّى إنَّهُ كانَ يُحْسِنُ مِنَ النَحْوِ مِثْلَ ما أحْسَنَ سِيبَوَيْهِ، ونَحْوُ هَذا مِنَ القَوْلِ الَّذِي هو بَيِّنُ الخَطَأِ مِن جِهاتٍ.
وقالَ أكْثَرُ العُلَماءِ: عَلَّمَهُ تَعالى مَنافِعَ كُلِّ شَيْءٍ ولِما يَصْلُحُ. وقالَ قَوْمٌ: عَرَضَ عَلَيْهِ الأشْخاصَ عِنْدَ التَعْلِيمِ، وقالَ قَوْمٌ: بَلْ وصَفَها لَهُ دُونَ عَرْضِ أشْخاصٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ كُلُّها احْتِمالاتٌ. قالَ الناسُ بِها.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "ثُمَّ عَرَضَها"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ "ثُمَّ عَرَضَهُنَّ".
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ: هَلْ عَرَضَ عَلى المَلائِكَةِ أشْخاصَ الأسْماءِ أوِ الأسْماءَ دُونَ الأشْخاصِ؟ فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وغَيْرُهُ: عَرَضَ الأشْخاصَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: عَرَضَ الأسْماءَ، فَمَن قالَ في الأسْماءِ بِعُمُومِ كُلِّ شَيْءٍ قالَ: عَرَضَهم أُمَّةً أُمَّةً، ونَوْعًا نَوْعًا، ومَن قالَ في الأسْماءِ إنَّها التَسْمِياتُ اسْتَقامَ عَلى قِراءَةِ أُبَيٍّ: "عَرَضَها"، ونَقُولُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ "عَرَضَهُمْ" إنَّ لَفْظَ الأسْماءِ يَدُلُّ عَلى الأشْخاصِ، فَلِذَلِكَ ساغَ أنْ يَقُولَ لِلْأسْماءِ "عَرَضَهُمْ".
و"أنْبِئُونِي" مَعْناهُ: أخْبِرُونِي، والنَبَأُ: الخَبَرُ، ومِنهُ النَبِيءُ، وقالَ قَوْمٌ: يَخْرُجُ مِن هَذا الأمْرِ بِالإنْباءِ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ، ويَتَقَرَّرُ جَوازُهُ، لِأنَّهُ تَعالى عَلِمَ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ، وقالَ المُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ: لَيْسَ هَذا عَلى جِهَةِ التَكْلِيفِ، وإنَّما هو عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَوْقِيفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَؤُلاءِ" ظاهِرُهُ حُضُورُ أشْخاصٍ، وذَلِكَ عِنْدَ العَرْضِ عَلى المَلائِكَةِ، ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يُوجِبُ أنَّ الِاسْمَ أُرِيدَ بِهِ المُسَمّى، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ مَكِّيٌّ (p-١٧٢)والمَهْدَوِيُّ، فَمَن قالَ إنَّهُ تَعالى عَرَضَ عَلى المَلائِكَةِ أشْخاصًا اسْتَقامَ لَهُ مَعَ لَفْظِ "هَؤُلاءِ"، ومَن قالَ إنَّهُ إنَّما عَرَضَ أسْماءً فَقَطْ جَعَلَ الإشارَةَ بـِ "هَؤُلاءِ" إلى أشْخاصِ الأسْماءِ وهي غائِبَةٌ، إذْ قَدْ حَضَرَ ما هو مِنها بِسَبَبٍ، وذَلِكَ أسْماؤُها، وكَأنَّهُ قالَ لَهم في كُلِّ اسْمٍ لِأيِّ شَخْصٍ هَذا؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ اللهَ تَعالى عَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ، وعَرَضَ مَعَ ذَلِكَ عَلَيْهِ الأجْناسَ أشْخاصًا، ثُمَّ عَرَضَ تِلْكَ عَلى المَلائِكَةِ، وسَألَهم عن تَسْمِياتِها الَّتِي قَدْ تَعَلَّمَها آدَمُ. ثُمَّ إنَّ آدَمَ قالَ لَهُمْ: هَذا اسْمُهُ كَذا، وهَذا اسْمُهُ كَذا، و"هَؤُلاءِ" لَفْظٌ مَبْنِيٌّ عَلى الكَسْرِ، والقَصْرُ فِيهِ لُغَةُ تَمِيمٍ وبَعْضُ قَيْسٍ وأسَدٍ، قالَ الأعْشى:
؎ هَؤُلا ثُمَّ هَؤُلا كُلًّا أُعْطِيـَ ∗∗∗ ـتْ نِعالًا مَحْذُوَّةً بِنِعالِ
و"كُنْتُمْ" في مَوْضِعِ الجَزْمِ بِالشَرْطِ، والجَوابُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ فِيما قَبْلَهُ، وعِنْدَ المُبَرِّدِ مَحْذُوفٌ، والتَقْدِيرُ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَأنْبِئُونِي. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وناسٌ مِن أصْحابِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: مَعْنى الآيَةِ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّ الخَلِيفَةَ يُفْسِدُ ويَسْفِكُ. وقالَ آخَرُونَ: صادِقِينَ في أنِّي إنِ اسْتَخْلَفْتُكم سَبَّحْتُمْ بِحَمْدِي، وقَدَّسْتُمْ لِي، وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: رُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ قالَتْ حِينَ خَلْقَ اللهُ آدَمَ: لِيَخْلُقْ رَبُّنا ما شاءَ، فَلَنْ يَخْلُقَ خَلْقًا أعْلَمَ مِنّا، ولا أكْرَمَ عَلَيْهِ، فَأرادَ اللهُ تَعالى أنْ يُرِيَهم مِن عَلْمِ آدَمَ وكَرامَتِهِ خِلافَ ما ظَنُّوا. فالمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دَعْواكُمُ العِلْمَ، وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى الآيَةِ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في جَوابِ السُؤالِ، عالِمِينَ بِالأسْماءِ. قالُوا: (p-١٧٣)وَلِذَلِكَ لَمْ يَسُغْ لِلْمَلائِكَةِ الِاجْتِهادُ، وقالُوا: سُبْحانَكَ. حَكاهُ النَقّاشُ، قالَ: ولَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِمُ الصِدْقَ في الإنْباءِ لَجازَ لَهُمُ الِاجْتِهادُ، كَما جازَ لِلَّذِي أماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ، حِينَ قالَ لَهُ: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، ولَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ الإصابَةَ، فَقالَ ولَمْ يُصِبْ، فَلَمْ يُعَنِّفْ، وهَذا كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ، وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ قالَ: مَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾: "إذْ كُنْتُمْ"، قالَ الطَبَرِيُّ: وهَذا خَطَأٌ.
وإنْ قالَ قائِلٌ: ما الحِكْمَةُ في قَوْلِ اللهِ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ: ﴿إنِّي جاعِلٌ﴾ الآيَةُ؟ قِيلَ: هَذا امْتِحانٌ لَهم واخْتِبارٌ، لِيَقَعَ مِنهم ما وقَعَ، ويُؤَدِّبَهم تَعالى مِن تَعْلِيمِ آدَمَ وتَكْرِيمِهِ بِما أدَّبَ. و"سُبْحانَكَ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقالَ الكِسائِيُّ: نَصَبَهُ عَلى أنَّهُ مُنادى مُضافٌ.
قالَ الزَهْراوِيُّ: مَوْضِعَ "ما" مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ما عَلَّمْتَنا﴾ نُصِبَ بـِ "عَلَّمْتَنا"، وخَبَرُ التَبْرِئَةِ في "لَنا". ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ "ما" رَفْعًا عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن خَبَرِ التَبْرِئَةِ، كَما تَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، أيْ: لا إلَهَ في الوُجُودِ إلّا اللهُ. و"أنْتَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ في "إنَّكَ"، أو في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، و"العَلِيمُ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ "إنَّ"، أو فاصِلَةٌ، لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، و"العَلِيمُ" مَعْناهُ العالِمُ، ويَزِيدُ عَلَيْهِ مَعْنًى مِنَ المُبالَغَةِ والتَكْثِيرِ مِنَ المَعْلُوماتِ في حَقِّ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، و"الحَكِيمُ" مَعْناهُ: الحاكِمُ وبَيْنَهُما مَزِيَّةُ المُبالَغَةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ المُحْكَمُ، كَما قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ:
؎ أمِن رَيْحانَةَ الداعِي السَمِيعُ
أيِ: المُسْمِعُ، ويَجِيءُ الكَلامُ عَلى هَذا مِن صِفاتِ الفِعْلِ، وقالَ قَوْمٌ: الحَكِيمُ المانِعُ مِنَ الفَسادِ، ومِنهُ: حَكَمَةُ الفَرَسِ مانِعَتُهُ:
(p-١٧٤)وَمِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
أبْنِي حَنِيفَةَ أحْكِمُوا سُفَهاءَكم إنِّي أخافُ عَلَيْكم أنْ أغْضَبا
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences