Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:274–279
2:274–275Page 46
ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٧٤
Those who spend their wealth [in Allāh's way] by night and by day, secretly and publicly - they will have their reward with their Lord. And no fear will there be concerning them, nor will they grieve.
ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٧٥
Those who consume interest1 cannot stand [on the Day of Resurrection] except as one stands who is being beaten by Satan into insanity. That is because they say, "Trade is [just] like interest." But Allāh has permitted trade and has forbidden interest. So whoever has received an admonition from his Lord and desists may have what is past, and his affair rests with Allāh. But whoever returns [to dealing in interest or usury] - those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.
قوله عزّ وجلّ:
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَيْلِ والنَهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِبا لا يَقُومُونَ إلا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَيْطانُ مِنَ المَسِّ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِبا وأحَلَّ اللهُ البَيْعُ وحَرَّمَ الرِبا فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنَ رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وأمْرُهُ إلى اللهُ ومَن عادَ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾
(p-٩٤)قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، كانَتْ لَهُ أرْبَعَةُ دَراهِمَ، فَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ لَيْلًا، وبِدِرْهَمٍ نَهارًا، وبِدِرْهَمٍ سِرًّا، وبِدِرْهَمٍ عَلانِيَةً، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ فَعَلَ ذَلِكَ ولَمْ يُسَمِّ عَلِيًّا ولا غَيْرَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلَفِ الخَيْلِ، وقالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ بِشْرٍ الغافِقِيُّ، وأبُو ذَرٍّ وأبُو أُسامَةَ، والأوزاعِيُّ، وأبُو الدَرْداءِ، قالُوا: هي في عَلَفِ الخَيْلِ والمُرْتَبِطَةِ في سَبِيلِ اللهِ، وقالَ قَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ في المُنْفِقِينَ في سَبِيلِ اللهِ مِن غَيْرِ تَبْذِيرٍ ولا تَقْتِيرٍ.
والآيَةُ - وإنْ كانَتْ نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - فَمَعْناها يَتَناوَلُ كُلَّ مَن فَعَلَ فِعْلَهُ وكُلَّ مَشّاءٍ بِصَدَقَتِهِ في الظُلَمِ إلى مَظِنَّةِ ذِي الحاجَةِ. وأمّا عَلَفُ الخَيْلِ والنَفَقَةُ عَلَيْها فَإنَّ ألْفاظَ الآيَةِ. تَتَناوَلُها تَناوُلًا مُحْكَمًا، وكَذَلِكَ المُنْفِقُ في الجِهادِ المُباشِرُ لَهُ إنَّما يَجِيءُ إنْفاقُهُ عَلى رُتَبِ الآيَةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كانَ المُؤْمِنُونَ يَعْمَلُونَ بِهَذِهِ الآياتِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧١] إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾، فَلَمّا نَزَلَتْ بَراءَةٌ بِتَفْصِيلِ الزَكاةِ قَصَرُوا عَلَيْها. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى نَفْيِ الخَوْفِ والحُزْنِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: "فَلَهُمْ" دَخَلَتْ لِما في "الَّذِينَ" مِنَ الإبْهامِ، فَهو يُشْبِهُ بِإبْهامِهِ الإبْهامَ الَّذِي في الشَرْطِ، فَحَسُنَتِ الفاءُ في جَوابِهِ كَما تَحْسُنُ في الشَرْطِ، وإنَّما يُوجَدُ الشَبَهُ إذا كانَ "الَّذِي" مَوْصُولًا بِفِعْلٍ وإذا لَمْ يَدْخُلْ عَلى "الَّذِي" عامِلٌ يُغَيِّرُ مَعْناهُ. فَإنْ قُلْتَ: "الَّذِي أبُوهُ زَيْدٌ هو عَمْرٌو" فَلا تَحْسُنُ الفاءُ في قَوْلِكَ: "فَهُوَ"، بَلْ تُلَبِّسُ المَعْنى، وإذا (p-٩٥)قُلْتَ: "لَيْتَ الَّذِي جاءَنِي جاءَنِي" لَمْ يَكُنْ لِلْفاءِ - مَدْخَلٌ في المَعْنى. وهَذِهِ الفاءُ المَذْكُورَةُ إنَّما تَجِيءُ مُؤَكِّدَةً لِلْمَعْنى، وقَدْ يُسْتَغْنى عنها إذا لَمْ يُقْصَدِ التَأْكِيدُ كَقَوْلِهِ بَعْدُ: "لا يَقُومُونَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِبا﴾ الآيَةُ. الرِبا: هو الزِيادَةُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن: رَبا يَرْبُو إذا نَما وزادَ عَلى ما كانَ. وغالِبُهُ ما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ مِن قَوْلِها لِلْغَرِيمِ: أتَقْضِي أمْ تُرْبِي؟ فَكانَ الغَرِيمُ يَزِيدُ في عَدَدِ المالِ ويَصْبِرُ الطالِبُ عَلَيْهِ، ومِنَ الرِبا البَيِّنِ التَفاضُلُ في النَوْعِ الواحِدِ لِأنَّها زِيادَةٌ، وكَذَلِكَ أكْثَرُ البُيُوعِ المَمْنُوعَةِ إنَّما تَجِدُ مَنعَها لِمَعْنى زِيادَةٍ، إمّا في عَيْنِ مالٍ، وإمّا في مَنفَعَةٍ لِأحَدِهِما مِن تَأْخِيرٍ ونَحْوِهِ.
ومِنَ البُيُوعِ ما لَيْسَ فِيهِ مَعْنى الزِيادَةِ، كَبَيْعِ الثَمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلاحِها، وكالبَيْعِ ساعَةَ النِداءِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَإنْ قِيلَ لِفاعِلِها: آكِلُ رِبًا فَبِتَجَوُّزٍ وتَشْبِيهٍ.
والرِبا مِن ذَواتِ الواوِ، وتَثْنِيَتُهُ: رِبَوانِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، ويُكْتَبُ بِالألِفِ، قالَ الكُوفِيُّونَ: يُكْتَبُ ويُثَنّى بِالياءِ لِأجْلِ الكَسْرَةِ الَّتِي في أوَّلِهِ، وكَذَلِكَ يَقُولُونَ في (p-٩٦)الثُلاثِيِّ مِن ذَواتِ الواوِ إذا انْكَسَرَ الأوَّلُ أوِ انْضَمَّ نَحْوُ "ضُحى"، فَإنْ كانَ مَفْتُوحًا نَحْوَ صَفا فَكَما قالَ البَصْرِيُّ.
ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الرِبا ويَفْعَلُونَهُ، وقَصَدَ إلى لَفْظَةِ الأكْلِ، لِأنَّها أقْوى مَقاصِدِ الإنْسانِ في المالِ، ولِأنَّها دالَّةٌ عَلى الجَشَعِ، فَأُقِيمَ هَذا البَعْضُ مِن تَوابِعِ الكَسْبِ مَقامَ الكَسْبِ كُلِّهِ، فاللِباسُ والسُكْنى والِادِّخارُ والإنْفاقُ عَلى العِيالِ وغَيْرُ ذَلِكَ داخِلٌ كُلُّهُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ﴾.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والرَبِيعُ، والضَحّاكُ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى قَوْلِهِ: "لا يَقُومُونَ" مِن قُبُورِهِمْ في البَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ بَعْضُهُمْ: يُجْعَلُ مَعَهُ شَيْطانٌ يَخْنُقُهُ، وقالُوا كُلُّهُمْ: يُبْعَثُ كالمَجْنُونِ عُقُوبَةً لَهُ وتَمْقِيتًا عِنْدَ جَمْعِ المَحْشَرِ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ المُجْمَعَ عَلَيْهِ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "لا يَقُومُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا كَما يَقُومُ المَجْنُونُ"، وأمّا ألْفاظُ الآيَةِ فَكانَتْ تَحْتَمِلُ تَشْبِيهَ حالِ القائِمِ بِحِرْصٍ وجَشَعٍ إلى تِجارَةِ الرِبا بِقِيامِ المَجْنُونِ، لِأنَّ الطَمَعَ والرَغْبَةَ تَسْتَفِزُّهُ حَتّى تَضْطَرِبَ أعْضاؤُهُ، وهَذا كَما تَقُولُ لِمُسْرِعٍ في مَشْيِهِ، مُخَلِّطٍ في هَيْئَةِ حَرَكاتِهِ إمّا مِن فَزَعٍ أو غَيْرِهِ: قَدْ جُنَّ هَذا. وقَدْ شَبَّهَ الأعْشى ناقَتَهُ في نَشاطِها بِالجُنُونِ في قَوْلِهِ:
؎ وتُصْبِحُ مِن غِبِّ السُرى وكَأنَّما ∗∗∗ ألَمَّ بِها مِن طائِفِ الجِنِّ أولَقُ
لَكِنَّ ما جاءَتْ بِهِ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وتَظاهَرَتْ بِهِ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ يُضْعِفُ هَذا التَأْوِيلَ. (p-٩٧)وَ"يَتَخَبَّطُهُ" يَتَفَعَّلُهُ مِن: خَبَطَ يَخْبِطُ، كَما تَقُولُ: تَمَلَّكَهُ وتَعَبَّدَهُ وتَحَمَّلَهُ. والمَسُّ الجُنُونُ، وكَذَلِكَ الأولَقُ والألْسُ والزُؤْدُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِبا﴾ مَعْناهُ عِنْدَ جَمِيعِ المُتَأوِّلِينَ: في الكُفّارِ، وأنَّهُ قَوْلُ تَكْذِيبٍ لِلشَّرِيعَةِ ورَدٌّ عَلَيْها، والآيَةُ كُلُّها في الكُفّارِ المُرْبِينَ نَزَلَتْ، ولَهم قِيلَ: "فَلَهُ ما سَلَفَ" ولا يُقالُ ذَلِكَ لِمُؤْمِنٍ عاصٍ ولَكِنْ يَأْخُذُ العُصاةُ في الرِبا بِطَرَفٍ مِن وعِيدِ هَذِهِ الآيَةِ.
ثُمَّ جَزَمَ تَعالى الخَبَرَ في قَوْلِهِ: ﴿وَأحَلَّ اللهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِبا﴾، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ في قَوْلِهِ: ﴿وَأحَلَّ اللهُ البَيْعَ﴾، هَذا مِن عُمُومِ القُرْآنِ، لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ، لِأنَّ الأخْذَ والإعْطاءَ عِنْدَها بَيْعٌ، وكُلُّ ما عارَضَ العُمُومَ فَهو تَخْصِيصٌ مِنهُ. وقالَ بَعْضُهُمْ: "هُوَ مِن مُجْمَلِ القُرْآنِ الَّذِي فُسِّرَ بِالمُحَلَّلِ مِنَ البَيْعِ، وبِالمُحَرَّمِ مِنَ الرِبا". والقَوْلُ الأوَّلُ عِنْدِي أصَحُّ، قالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصادِقُ: "حَرَّمَ اللهُ الرِبا لِيَتَقارَضَ (p-٩٨)الناسُ". وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: حَرَّمَهُ اللهُ لِأنَّهُ مَتْلَفَةٌ لِلْأمْوالِ مَهْلَكَةٌ لِلنّاسِ.
وسَقَطَتْ عَلامَةُ التَأْنِيثِ في قَوْلِهِ: "فَمَن جاءَهُ" لِأنَّ تَأْنِيثَ المَوْعِظَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ وهو بِمَعْنى: وعَظَ. وقَرَأ الحَسَنُ: "فَمَن جاءَتْهُ" بِإثْباتِ العَلامَةِ.
وقَوْلُهُ: "فَلَهُ ما سَلَفَ" أيْ مِنَ الرِبا لا تِباعَةَ عَلَيْهِ مِنهُ في الدُنْيا ولا في الآخِرَةِ، قالَهُ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ، وهَذا حُكْمٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِمَن أسْلَمَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وثَقِيفٍ ومَن كانَ يَتَّجِرُ هُناكَ، و"سَلَفَ" مَعْناهُ: تَقَدَّمَ في الزَمَنِ وانْقَضى.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمْرُهُ إلى اللهِ﴾ أرْبَعُ تَأْوِيلاتٍ أحَدُها: أنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى "الرِبا"، بِمَعْنى: وأمْرُ الرِبا إلى اللهِ في إمْرارِ تَحْرِيمِهِ أو غَيْرِ ذَلِكَ. والآخَرُ: أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ عائِدًا عَلى "ما سَلَفَ" أيْ أمْرُهُ إلى اللهِ في العَفْوِ عنهُ وإسْقاطِ التَبِعَةِ فِيهِ، والثالِثُ: أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ عائِدًا عَلى ذِي الرِبا، بِمَعْنى: أمْرُهُ إلى اللهِ في أنْ يُثَبِّتَهُ عَلى الِانْتِهاءِ أو يُعِيدَهُ إلى المَعْصِيَةِ في الرِبا. والرابِعُ: أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى المُنْتَهِي، ولَكِنْ بِمَعْنى التَأْنِيسِ لَهُ، وبَسْطِ أمَلِهِ في الخَيْرِ،كَما تَقُولُ: وأمْرُهُ إلى طاعَةٍ وخَيْرٍ، ومَوْضِعُ رَجاءٍ، وكَما تَقُولُ: وأمْرُهُ في نُمُوٍّ أو إقْبالٍ إلى اللهِ وإلى طاعَتِهِ. ويَجِيءُ الأمْرُ هاهُنا لَيْسَ في الرِبا خاصَّةً، بَلْ وجُمْلَةِ أُمُورِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن عادَ﴾ يَعْنِي إلى فِعْلِ الرِبا، والقَوْلِ إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِبا، وإنْ قَدَّرْنا الآيَةَ في كافِرٍ فالخُلُودُ خُلُودُ تَأْبِيدٍ حَقِيقِيٍّ، وإنْ لَحِظْناها في مُسْلِمٍ عاصٍ، فَهَذا خُلُودٌ مُسْتَعارٌ عَلى مَعْنى المُبالَغَةِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: "مُلْكٌ خالِدٌ": عِبارَةً عن دَوامٍ ما، لا عَلى التَأْبِيدِ الحَقِيقِيِّ.
2:276–277Page 47
يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ٢٧٦
Allāh destroys interest and gives increase for charities. And Allāh does not like every sinning disbeliever.
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٧٧
Indeed, those who believe and do righteous deeds and establish prayer and give zakāh will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِبا ويُرْبِي الصَدَقاتِ واللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ وأقامُوا الصَلاةَ وآتَوُا الزَكاةَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾
(p-٩٩)"يَمْحَقُ" مَعْناهُ: يَنْقُصُ ويُذْهِبُ، ومِنهُ مِحاقُ القَمَرِ وهو انْتِقاصُهُ، "وَيُرْبِي الصَدَقاتِ" مَعْناهُ: يُنَمِّيها ويَزِيدُ ثَوابَها تَضاعُفًا، تَقُولُ: رَبَتِ الصَدَقَةُ، وأرْباها اللهُ تَعالى ورَبّاها، وذَلِكَ هو التَضْعِيفُ لِمَن يَشاءُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ صَدَقَةَ أحَدِكم لَتَقَعُ في يَدِ اللهِ، فَيُرَبِّيها لَهُ كَما يُرَبِّي أحَدُكم فَصِيلَهُ أو فَلُوَّهُ حَتّى يَجِيءَ يَوْمَ القِيامَةِ وإنَّ اللُقْمَةَ لَعَلى قَدْرِ أُحُدٍ"». وقَدْ جَعَلَ اللهُ هَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ بِعَكْسِ ما يَظُنُّهُ الحَرِيصُ الجَشِعُ مِن بَنِي آدَمَ، يَظُنُّ الرِبا يُغْنِيهِ وهو في الحَقِيقَةِ مُمْحَقٌ، ويَظُنُّ الصَدَقَةَ تُفْقِرُهُ وهي نَماءٌ في الدُنْيا والآخِرَةِ. (p-١٠٠)وَقَرَأ ابْنُ الزُبَيْرِ: "يُمَحِّقُ اللهُ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ مُشَدَّدَةً، "وَيُرَبِّي" بِفَتْحِ الراءِ وشَدِّ الباءِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ كَذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ يَقْتَضِي أنَّ الزَجْرَ في هَذِهِ الآياتِ لِلْكُفّارِ المُسْتَحِلِّينَ، القائِلِينَ عَلى جِهَةِ التَكْذِيبِ لِلشَّرْعِ: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِبا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. ووَصْفُ الكَفّارِ بِأثِيمٍ، إمّا مُبالَغَةٌ مِن حَيْثُ اخْتَلَفَ اللَفْظانِ، وإمّا لِيَذْهَبَ الِاشْتِراكُ الَّذِي في "كَفّارٍ" إذْ قَدْ يَقَعُ عَلى الزارِعِ الَّذِي يَسْتُرُ الحَبَّ في الأرْضِ. قالَهُ ابْنُ فُورَكٍ قالَ: (p-١٠١)وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿واللهُ لا يُحِبُّ﴾ أيْ: لا يُحِبُّ الكَفّارَ الأثِيمَ مُحْسِنًا صالِحًا بَلْ يُرِيدُهُ مُسِيئًا فاجِرًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: واللهُ لا يُحِبُّ تَوْفِيقَ الكَفّارِ الأثِيمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ تَأْوِيلاتٌ مُسْتَكْرِهَةٌ - أمّا الأوَّلُ فَأفْرَطَ في تَعْدِيَةِ الفِعْلِ، وحَمَّلَهُ مِنَ المَعْنى ما لا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ، وأمّا الثانِي فَغَيْرُ صَحِيحِ المَعْنى، بَلِ اللهُ تَعالى يُحِبُّ التَوْفِيقَ عَلى العُمُومِ ويُحَبِّبُهُ، والمُحِبُّ في الشاهِدِ يَكُونُ مِنهُ مَيْلٌ إلى المَحْبُوبِ، ولُطْفٌ بِهِ، وحِرْصٌ عَلى حِفْظِهِ، وتَظْهَرُ دَلائِلُ ذَلِكَ. واللهُ تَعالى يُرِيدُ وُجُودَ الكافِرِ عَلى ما هو عَلَيْهِ ولَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ مَزِيَّةُ الحُبِّ بِأفْعالٍ تَظْهَرُ عَلَيْهِ نَحْوَ ما ذَكَرْناهُ في الشاهِدِ وتِلْكَ المَزِيَّةُ مَوْجُودَةٌ لِلْمُؤْمِنِ.
ولَمّا انْقَضى ذِكْرُهم عَقَّبَ بِذِكْرِ ضِدِّهِمْ لِيُبَيِّنَ ما بَيْنَ الحالَيْنِ فَقالَ: "إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا" الآيَةَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ، وخَصَّ الصَلاةَ والزَكاةَ بِالذِكْرِ - وقَدْ تَضَمَّنَهُما عَمَلُ الصالِحاتِ - تَشْرِيفًا لَهُما، وتَنْبِيهًا عَلى قَدْرِهِما إنَّهُما رَأْسُ الأعْمالِ - الصَلاةُ في أعْمالِ البَدَنِ، والزَكاةُ في أعْمالِ المالِ.
2:278–279Page 47
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٧٨
O you who have believed, fear Allāh and give up what remains [due to you] of interest, if you should be believers.
فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٩
And if you do not, then be informed of a war [against you] from Allāh and His Messenger. But if you repent, you may have your principal - [thus] you do no wrong, nor are you wronged.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تَظْلِمُونَ﴾
سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّهُ كانَ الرِبا بَيْنَ الناسِ كَثِيرًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وكانَ بَيْنَ قُرَيْشٍ وثَقِيفٍ رِبًا، فَكانَ لِهَؤُلاءِ عَلى هَؤُلاءِ فَلَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ قالَ في خُطْبَتِهِ في اليَوْمِ الثانِي مِنَ الفَتْحِ: "ألا كُلُّ رِبًا في الجاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وأوَّلُ رِبًا أضَعُهُ رِبا" (p-١٠٢)العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ"» فَبَدَأ ﷺ بِعَمِّهِ وأخَصِّ الناسِ بِهِ، وهَذِهِ مِن سُنَنِ العَدْلِ لِلْإمامِ أنْ يُفِيضَ العَدْلَ عَلى نَفْسِهِ وخاصَّتِهِ، فَيَسْتَفِيضُ حِينَئِذٍ في الناسِ، ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ، واسْتَعْمَلَ عَلى مَكَّةَ عَتّابَ بْنَ أسِيدَ، فَلَمّا اسْتُنْزِلَ أهْلُ الطائِفِ بَعْدَ ذَلِكَ إلى الإسْلامِ اشْتَرَطُوا شُرُوطًا مِنها ما أعْطاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ومِنها ما لَمْ يُعْطِهِ، وكانَ في شُرُوطِهِمْ أنَّ كُلَّ رِبًا لَهم عَلى الناسِ فَإنَّهم يَأْخُذُونَهُ، وكُلَّ رِبًا عَلَيْهِمْ فَهو مَوْضُوعٌ، فَيُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَرَّرَ لَهم هَذِهِ ثُمَّ رَدَّها اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ كَما رَدَّ صُلْحَهُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ في رَدِّ النِساءِ إلَيْهِمْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ.
وذَكَرَ النَقّاشُ رِوايَةَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أمَرَ أنْ يُكْتَبَ في أسْفَلِ الكِتابِ لِثَقِيفٍ: "لَكم ما لِلْمُسْلِمِينَ وعَلَيْكم ما عَلَيْهِمْ"، فَلَمّا جاءَتْ آجالُ رِباهم بَعَثُوا إلى مَكَّةَ لِلِاقْتِضاءِ، وكانَتِ الدُيُونُ لِبَنِي غِيَرَةَ. وهم بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ مِن ثَقِيفٍ، وكانَتْ لَهم عَلى بَنِي المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّينَ، فَقالَ بَنُو المُغِيرَةِ. لا نُعْطِي شَيْئًا. فَإنَّ الرِبا قَدْ وُضِعَ، ورَفَعُوا أمْرَهم إلى عَتّابِ بْنِ أسِيدَ بِمَكَّةَ، فَكَتَبَ بِهِ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنَزَلَتْ، وكَتَبَ بِها رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى عَتّابَ، فَعَلِمَتْ بِها ثَقِيفٌ فَكَفَّتْ.» هَذا سَبَبُ الآيَةِ عَلى اخْتِصارٍ مَجْمُوعٍ مِمّا رَوى ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُدِّيُّ، وغَيْرُهُمْ، فَمَعْنى الآيَةِ: اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ عَذابِ اللهِ وِقايَةً بِتَرْكِكم ما بَقِيَ لَكم مِن رِبًا وصَفْحِكم عنهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ شَرْطٌ مَحْضٌ في ثَقِيفٍ عَلى بابِهِ، لِأنَّهُ كانَ في أوَّلِ دُخُولِهِمْ في الإسْلامِ، وإذا قَدَّرْنا الآيَةَ فِيمَن تَقَرَّرَ إيمانُهُ فَهو شَرْطٌ مَجازِيٌّ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، كَما تَقُولُ لِمَن تُرِيدُ إقامَةَ نَفْسِهِ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا.
وحَكى النَقّاشُ عن مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ أنَّهُ قالَ: "إنْ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى "إذْ" (p-١٠٣).
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَرْدُودٌ لا يُعْرَفُ في اللُغَةِ، وقالَ ابْنُ فُورَكٍ يَحْتَمِلُ أنَّهُ يُرِيدُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِمَن قَبْلَ مُحَمَّدٍ مِنَ الأنْبِياءِ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ إذْ لا يَنْفَعُ الأوَّلُ إلّا بِهَذا. وهَذا مَرْدُودٌ بِما رُوِيَ في سَبَبِ الآيَةِ.
ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَعالى - إنْ لَمْ يَذَرُوا الرِبا - بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ والحَرْبُ داعِيَةُ القَتْلِ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ لِآكِلِ الرِبا: خُذْ سِلاحَكَ لِلْحَرْبِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: مَن كانَ مُقِيمًا عَلى الرِبا لا يَنْزِعُ عنهُ، فَحَقٌّ عَلى إمامِ المُسْلِمِينَ أنْ يَسْتَتِيبَهُ، فَإنْ نَزَعَ وإلّا ضَرَبَ عُنُقَهُ. وقالَ قَتادَةُ: أوعَدَ اللهُ أهْلَ الرِبا بِالقَتْلِ فَجَعَلَهم بَهْرَجًا أيْنَما ثُقِفُوا، ثُمَّ رَدَّهم تَعالى مَعَ التَوْبَةِ إلى رُؤُوسِ أمْوالِهِمْ وقالَ لَهُمْ: "لا تَظْلِمُونَ" في أخْذِ الرِبا "وَلا تُظْلَمُونَ" في أنْ يَتَمَسَّكَ بِشَيْءٍ مِن رُؤُوسِ أمْوالِكم فَتَذْهَبَ أمْوالُكم. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "لا تَظْلِمُونَ" في مَطْلٍ، لِأنَّ « "مَطْلَ الغَنِيِّ ظُلْمٌ"» كَما قالَ ﷺ، فالمَعْنى أنْ يَكُونَ القَضاءُ مَعَ وضْعِ الرِبا، وهَكَذا سُنَّةُ الصُلْحِ، وهَذا أشْبَهُ شَيْءٍ بِالصُلْحِ، ألا تَرى «أنَّ النَبِيَّ ﷺ لَمّا أشارَ عَلى كَعْبِ بْنِ مالِكٍ في دَيْنِ ابْنِ أبِي حَدْرَدٍ بِوَضْعِ الشَطْرِ فَقالَ كَعْبٌ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللهِ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، لِلْآخَرِ: قُمْ فاقْضِهِ،» فَتَلَقّى العُلَماءُ أمْرَهُ بِالقَضاءِ سُنَّةً في المُصالَحاتِ. وقَرَأ الحَسَنُ: "ما بَقِيْ" بِكَسْرِ القافِ وإسْكانِ الياءِ وهَذا كَما قالَ جَرِيرٌ:
؎ هو الخَلِيفَةُ فارْضَوْا ما رَضِيْ لَكُمُ ∗∗∗ ماضِي العَزِيمَةِ ما في حُكْمِهِ جَنَفُ
ووَجْهُها أنَّهُ شَبَّهَ الياءَ بِالألِفِ، فَكَما لا تَصِلُ الحَرَكَةُ إلى الألِفِ فَكَذَلِكَ لَمْ تَصِلْ هُنا إلى الياءِ، وفي هَذا نَظَرٌ. (p-١٠٤)وَقَرَأ أبُو السَمّالِ: "مِنَ الرِبُوْ" بِكَسْرِ الراءِ المُشَدَّدَةِ وضَمِّ الباءِ وسُكُونِ الواوِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: شَذَّ هَذا الحَرْفُ في أمْرَيْنِ أحَدُهُما: الخُرُوجُ مِنَ الكَسْرِ إلى الضَمِّ بِناءً لازِمًا، والآخَرُ: وُقُوعُ الواوِ بَعْدَ الضَمَّةِ في آخِرِ الِاسْمِ، وهَذا شَيْءٌ لَمْ يَأْتِ إلّا في الفِعْلِ، نَحْوُ: يَغْزُو ويَدْعُو - أمّا "ذُو" الطائِيَّةُ بِمَعْنى الَّذِي فَشاذَّةٌ جِدًّا، ومِنهم مَن يُغَيِّرُ واوَها إذا فارَقَ الرَفْعَ فَيَقُولُ: رَأيْتُ ذا قامَ. ووَجْهُ القِراءَةِ أنَّهُ فَخَّمَ الألِفَ فانْتَحى بِها الواوَ الَّتِي الألِفُ بَدَلٌ مِنها، عَلى حَدِّ قَوْلِهِمُ: الصَلاةُ والزَكاةُ، وهي بِالجُمْلَةِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ "فَأْذَنُوا" مَقْصُورَةً مَفْتُوحَةَ الذالِ. وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "فَآذِنُوا" مَمْدُودَةً مَكْسُورَةَ الذالِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: آذَنْتَ: أعْلَمْتَ، وأذَّنْتَ: نادَيْتَ وصَوَّتَّ بِالإعْلامِ، قالَ: وبَعْضٌ يُجْرِي آذَنْتَ مَجْرى أذَّنْتَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قالَ: فَأْذَنُوا فَقَصَرَ مَعْناهُ: فاعْلَمُوا الحَرْبَ مِنَ اللهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: فاسْتَيْقِنُوا الحَرْبَ مِنَ اللهِ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي مِنَ الإذْنِ، وإذا أذِنَ المَرْءُ في شَيْءٍ فَقَدْ قَرَّرَهُ وبَنى مَعَ نَفْسِهِ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ قالَ لَهُمْ: فَقَرِّرُوا الحَرْبَ بَيْنَكم وبَيْنَ اللهِ ورَسُولِهِ، ويَلْزَمُهم - مِن لَفْظِ الآيَةِ - أنَّهم مُسْتَدْعُو الحَرْبِ والباغُونَ لَها إذْ هُمُ الآذِنُونَ بِها وفِيها، ويَنْدَرِجُ في هَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرْتُهُ عِلْمُهم بِأنَّهم حَرْبٌ، وتَيَقُّنُهم لِذَلِكَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ فَآذِنُوا، فَمَدَّ فَتَقْدِيرُهُ: فَأعْلِمُوا مَن لَمْ يَنْتَهِ عن ذَلِكَ بِحَرْبٍ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، وقَدْ ثَبَتَ هَذا المَفْعُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْ آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩]، وإذا أُمِرُوا بِإعْلامِ غَيْرِهِمْ عَلِمُوا هم لا مَحالَةَ، قالَ: فَفي إعْلامِهِمْ عِلْمُهُمْ، ولَيْسَ في عِلْمِهِمْ إعْلامُهم غَيْرَهُمْ، فَقِراءَةُ المَدِّ أرْجَحُ لِأنَّها أبْلَغُ وآكَدُ، قالَ الطَبَرِيُّ: قِراءَةُ القَصْرِ أرْجَحُ لِأنَّها تَخْتَصُّ بِهِمْ، وإنَّما أُمِرُوا عَلى قِراءَةِ المَدِّ بِإعْلامِ غَيْرِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقِراءَتانِ عِنْدِي سَواءٌ لِأنَّ المُخاطَبَ في الآيَةِ مَحْصُورٌ بِأنَّهُ كُلُّ مَن لَمْ يَذَرْ ما بَقِيَ (p-١٠٥)مِنَ الرِبا، فَإنْ قِيلَ لَهُمْ: "فَأْذَنُوا" فَقَدْ عَمَّهُمُ الأمْرُ، وإنْ قِيلَ لَهُمْ: "فَآذِنُوا" بِالمَدِّ فالمَعْنى أنْفُسَكم وبَعْضَكم بَعْضًا، وكَأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ تَقْتَضِي فَسْحًا لَهم في الِارْتِياءِ والتَثَبُّتِ، أيْ فَأعْلِمُوا نُفُوسَكم هَذا، ثُمَّ انْظُرُوا في الأرْجَحِ لَكُمْ: تَرْكِ الرِبا أوِ الحَرْبِ.
وقَرَأ جَمِيعُ القُرّاءِ: "لا تَظْلِمُونَ" بِفَتْحِ التاءِ، و"لا تُظْلَمُونَ" بِضَمِّها، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ،
ورَوى المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: لا "تُظْلَمُونَ" بِضَمِّ التاءِ في الأُولى وفَتْحِها في الثانِيَةِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَتَرَجَّحُ قِراءَةُ الجَماعَةِ بِأنَّها تُناسِبُ قَوْلَهُ: "فَإنْ تُبْتُمْ" في إسْنادِ الفِعْلَيْنِ إلى الفاعِلِ، فَيَجِيءُ "تَظْلِمُونَ" بِفَتْحِ التاءِ أشْكَلَ بِما قَبْلَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences