Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Taha 20:50–71
20:50–52Page 314
قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ ٥٠
He said, "Our Lord is He who gave each thing its form and then guided [it]."
قَالَ فَمَا بَالُ ٱلۡقُرُونِ ٱلۡأُولَىٰ ٥١
[Pharaoh] said, "Then what is the case of the former generations?"
قَالَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى ٥٢
[Moses] said, "The knowledge thereof is with my Lord in a record. My Lord neither errs nor forgets."
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾
اسْتَبَدَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِجَوابِهِ مِن حَيْثُ خَصَّهُ في السُؤالِ، ثُمْ أعْلَمَهُ مِن صِفاتِ اللهِ بِالَّتِي لا تَشْرِيكَ لِفِرْعَوْنَ فِيهِ ولا بِوَجْهِ مَجازٍ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أعْطى اللهُ الذَكْرَ مِن كُلِّ الحَيَوانِ - نَوْعَهُ وخِلْقَتُهُ - أُنْثى، ثُمْ هَدى لِلْإتْيانِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أعْطى اللهُ كُلَّ مَوْجُودٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ خِلْقَتَهُ وصُورَتَهُ، أيْ أكْمَلَ ذَلِكَ لَهُ وأتْقَنَهُ، ثُمْ هَدى أيْ: يَسَّرَّ كُلَّ شَيْءٍ لِمَنافِعِهِ ومَرافِقِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا القَوْلُ أشْرَفُ مَعْنًى وأعَمُّ في المَوْجُوداتِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "خَلَقَهُ" بِفَتْحِ اللامِ، ويَكُونُ المَفْعُولُ الثانِي بِـ "أعْطى" مُقَدَّرًا، تَقْدِيرُهُ: كَمالُهُ أو مَصْلَحَتُهُ.
وقَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مُحاجَّتَهُ بِحَسْبِ ما تُقَدَّمَ مِنَ القَوْلِ ومُناقَضَتَهُ فِيهِ، فَلَيْسَ يَتَّجِهُ عَلى هَذا أنْ يُرِيدَ إلّا: ما بالُ القُرُونِ الأُولى لَمْ تُبْعَثْ ولَمْ يُوجَدْ أمْرُكَ عِنْدَها؟ فَرَدَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عِلْمُ ذَلِكَ إلى اللهِ تَعالى. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ فِرْعَوْنُ قَطْعَ الكَلامِ الأوَّلِ والرُجُوعَ إلى سُؤالِ مُوسى عَمَّنْ سَلَفَ مِنَ الناسِ رَوَغانًا في الحُجَّةِ وحِيدَةً، وقِيلَ: "البالُ": الحالُ، فَكَأنَّهُ سَألَهُ عن حالِهِمْ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «يَهْدِيكُمُ اللهُ ويُصْلِحُ بالَكم». وقالَ النِقاشُ: إنَّما قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ لِما سَمِعَ مُؤْمِنُ آلَهِ يَقُولُ: ﴿يا قَوْمِ إنِّي أخافُ عَلَيْكم مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾ [غافر: ٣٠] (p-١٠٠)﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ﴾ [غافر: ٣١] الآيَةُ، ورَدَّ مُوسى العَلَمَ إلى اللهِ لَأنَّهُ لَمْ تَأْتِهِ التَوْراةُ بَعْدُ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابٍ﴾ يُرِيدُ اللَوْحَ المَحْفُوظَ، أو فِيما كَتَبَهُ المَلائِكَةُ مِن أحْوالِ البَشَرِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لا يَضِلُّ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الضادِ، واخْتُلِفَ في مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْتِداءُ كَلامٍ، تَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى عن هاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ، وقَدْ كانَ الكَلامُ تَمَّ في قَوْلِهِ: "فِي كِتابٍ"، و"يَضِلُّ" مَعْناهُ: يُتْلَفُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ قَوْلُهُ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ مِن صِفَةِ الكِتابِ، أيْ أنَّ الكِتابَ لا يَغِيبُ عَنِ اللهِ تَعالى، تَقُولُ العَرَبُ: "ضَلَّنِي الشَيْءُ" إذا لَمْ أجِدْهُ، و"أضْلَلْتُهُ أنا"، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ حِكايَةً عَنِ الإسْرائِيلِيِّ الَّذِي طَلَبَ أنْ يَحْرُقَ بَعْدَ مَوْتِهِ: لَعَلِّي أضِلُّ اللهَ» الحَدِيثُ، ﴿وَلا يَنْسى﴾ أظْهَرَ ما فِيهِ أنْ يَعُودَ ضَمِيرُهُ إلى اللهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى الكِتابِ في بَعْضِ (p-١٠١)التَأْوِيلاتِ، يَصِفُهُ بِأنَّهُ لا يَنْسى، أيْ: لا يَدَعُ شَيْئًا، فالنِسْيانُ هُنا اسْتِعارَةٌ، كَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿إلا أحْصاها﴾ [الكهف: ٤٩]، فَوَصَفَهُ بِالإحْصاءِ مِن حَيْثُ حُصِرَتْ فِيهِ الحَوادِثُ.
20:53–56Page 315
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَسَلَكَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّن نَّبَاتٖ شَتَّىٰ ٥٣
[It is He] who has made for you the earth as a bed [spread out] and inserted therein for you roadways and sent down from the sky, rain and produced thereby categories of various plants.
كُلُواْ وَٱرۡعَوۡاْ أَنۡعَٰمَكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ٥٤
Eat [therefrom] and pasture your livestock. Indeed in that are signs for those of intelligence.
۞ مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ ٥٥
From it [i.e., the earth] We created you, and into it We will return you, and from it We will extract you another time.
وَلَقَدۡ أَرَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ ٥٦
And We certainly showed him [i.e., Pharaoh] Our signs - all of them - but he denied and refused.
قوله عزّ وجلّ:
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكُمُ فِيها سُبُلا وأنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِنَ نَباتٍ شَتّى﴾ ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لأُولِي النُهى﴾ ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ ﴿وَلَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾
انْظُرْ هَذِهِ الأشْياءَ الَّتِي ذَكَرَها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، هي مِمّا تَقْضِي بِدايَةُ العُقُولِ أنَّ فِرْعَوْنَ وكُلَّ بَشَرٍ بَعِيدٌ مِنها؛ لَأنَّهُ لَوْ قالَ: هو الرازِقُ القادِرُ المُرِيدُ العالِمْ ونَحْوَهُ مِنَ العِباراتِ لَأمْكَنَ فِرْعَوْنَ أنْ يُغالِطَ ويَقُولَ: أنا أفْعَلُ هَذا كُلَّهُ، فَإنَّما أتاهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِصِفاتٍ لا يُمْكِنُ فِرْعَوْنَ أنْ يَقُولَ: إنَّ ذَلِكَ لَهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عَبّاسٍ: "مِهادًا" بِكَسْرِ المِيمِ وبِألْفٍ، و"المِهادُ" هو جَمْعُ مَهْدٍ، وقِيلَ: هو اسْمٌ مُفْرَدٌ كَفَرْشِ وفِراشِ، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "مَهْدًا" بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الهاءِ، وقَوْلُهُ: "سَلَكَ" بِمَعْنى: نَهَجَ ولَحَبَ، و"السُبُلُ": الطُرُقُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، عَلى تَقْدِيرِ: يَقُولُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: "فَأخْرَجْنا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامُ مُوسى تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً﴾ ثُمْ وصَلَ اللهُ تَعالى كَلامَ مُوسى بِإخْبارِهِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، والمُرادُ الخُلُقُ أجْمَعُ بِهَذِهِ الآياتِ المُنَبَّهِ عَلَيْها. و"الأزْواجُ" بِمَعْنى: الأنْواعُ، وقَوْلُهُ: "شَتّى" نَعْتٌ لِلْأزْواجِ، أيْ: مُخْتَلِفاتٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ بِمَعْنى هي صالِحَةٌ أنْ يُؤْكَلَ مِنها وتَرْعى الغَنَمُ فِيها، فَأخْرَجَ العِبارَةَ في صِيغَةِ الأمْرِ؛ لَأنَّهُ أوحى الأفْعالِ وأهْدَأها لِلنُّفُوسِ، و"النُهى" جَمْعُ نُهْيَةٍ، والنُهْيَةُ: العَقْلُ الناهِي عَنِ القَبائِحِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾، أيْ: مِنَ الأرْضِ، وهَذا مِن حَيْثُ خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ مِن تُرابٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وَفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ يُرِيدُ: بِالمَوْتِ والدَفْنِ أوِ الفَناءِ كَيْفَ كانَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَمِنها نُخْرِجُكُمْ﴾ يُرِيدُ: بِالبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ.
(p-١٠٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا﴾ إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ عن فِرْعَوْنَ، وهَذا يُؤَيِّدُ أنَّ الكَلامَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ إنَّما هو خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وقَوْلُهُ: "كُلَّها" عائِدٌ عَلى الآياتِ الَّتِي رَآها، لا أنَّهُ رَأى كُلَّ آيَةٍ لِلَّهِ، وإنَّما المَعْنى أنَّ اللهَ أراهُ آياتٍ ما، وهي العَصا واليَدُ والطَمْسَةُ وغَيْرَ ذَلِكَ، وكانَ رُؤْيَتُهُ لِهَذِهِ الآياتِ مُسْتَوْعِبَةً، يَرى كُلَّها كامِلَةً، كَأنَّهُ قالَ: "لَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا بِكَمالِها"، وأضافَ الآياتِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ تَشْرِيفًا لَها. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأبى" يَقْتَضِي تَكَسُّبَ فِرْعَوْنَ، وهَذا هو الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الثَوابُ والعِقابُ.
20:57–59Page 315
قَالَ أَجِئۡتَنَا لِتُخۡرِجَنَا مِنۡ أَرۡضِنَا بِسِحۡرِكَ يَٰمُوسَىٰ ٥٧
He said, "Have you come to us to drive us out of our land with your magic, O Moses?
فَلَنَأۡتِيَنَّكَ بِسِحۡرٖ مِّثۡلِهِۦ فَٱجۡعَلۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكَ مَوۡعِدٗا لَّا نُخۡلِفُهُۥ نَحۡنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانٗا سُوٗى ٥٨
Then we will surely bring you magic like it, so make between us and you an appointment, which we will not fail to keep and neither will you, in a place assigned."1
قَالَ مَوۡعِدُكُمۡ يَوۡمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحۡشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحٗى ٥٩
[Moses] said, "Your appointment is on the day of the festival when the people assemble at mid-morning."1
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾ ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا سُوًى﴾ ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِينَةِ وأنْ يُحْشَرَ الناسُ ضُحًى﴾
هَذِهِ المُقاوَلَةُ مِن فِرْعَوْنَ تَدُلُّ عَلى أنَّ أمْرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ كانَ قَوِيَ، وكَثُرَ مُتَّبِعُوهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ووَقَعَ أمْرُهُ في نُفُوسِ الناسِ، وذَلِكَ أنَّها مُقاوَلَةُ مَن يَحْتاجُ إلى الحُجَّةِ لا مَن يَصْدَعُ بِأمْرِ نَفْسِهِ. وأرْضُهم هي أرْضُ مِصْرَ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لا نَخْلُفُهُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لا نَخْلُفْهُ" بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، و"نَحْنُ" تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ مِن حَيْثُ احْتاجَ الكَلامُ إلى العَطْفِ عَلَيْهِ أكَّدَ. و"مَوْعِدًا" مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِـ "اجْعَلْ"، و"مَكانًا" مَفْعُولٌ ثانٍ. وهَذا الَّذِي اخْتارَ أبُو عَلِيٍّ، ومَنَعَ أنْ يَكُونَ "مَكانًا" مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: "مَوْعِدًا" لَأنَّهُ قَدْ وصَفَ، وهَذِهِ الأسْماءُ العامِلَةُ عَمَلَ الفِعْلِ إذا نُعِتَتْ أو عُطِفَ عَلَيْها أو أُخْبِرَ عنها أو صُغِّرَتْ أو جُمِعَتْ وتَوَغَّلَتْ في الِاسْمِيَّةِ بِمِثْلِ هَذا لَمْ تَعْمَلْ ولا تَعَلَّقَ بِها شَيْءٌ هو مِنها، وقَدْ يُتَوَسَّعُ في الظُرُوفِ فَتُعَلَّقُ بَعْدَ ما ذَكَرْناهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠]، فَقَوْلُهُ: "إذْ" مُعَلَّقٌ بِقَوْلِهِ: "لَمَقْتُ اللهِ" وهو قَدْ أخْبَرَ عنهُ، وإنَّما جازَ هَذا في الظَرْفِ خاصَّةً، وكَذَلِكَ مَنَعَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَكُونَ "مَكانًا" نُصِبَ عَلى الظَرْفِ السادِّ مَسَدَّ المَفْعُولِ.
(p-١٠٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي هَذا نَظَرٌ، ومَنعَ قَوْمٌ أنْ يَكُونَ "مَكانًا" نَصْبًا عَلى المَفْعُولِ الثانِي بِـ "نُخْلِفُهُ"، وجَوَّزَهُ جَماعَةٌ مِنَ النُحاةِ، ووَجْهُهُ أنْ يَتَّسِعَ في أنْ يُخْلِفَ المَوْعِدَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "سِوًى" بِكَسْرِ السِينِ، وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "سُوًى" بِضَمِّها، والجُمْهُورُ نَوَّنَ النُونَ، وقَرَأ الحَسَنُ: "سِوى" بِكَسْرِ السِينِ غَيْرَ نُونِ الواوِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: تَرْكُ الصَرْفِ هُنا مُشْكِلٌ، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى الوَقْفِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَواءً"، ذَكَرَهُ أبُو عَمْرٍو عَنِ ابْنِ أبِي عَيْلَةَ، ومَعْنى "سِوى" أيْ: عَدْلًا ونَصَفَةً، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَكَأنَّهُ قالَ: مَكانًا قَرِيبًا مِنّا قُرْبَهُ مِنكم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
إنَّما أرادَ: حالُنا فِيهِ مُسْتَوِيَةٌ، فَيَعُمْ ذَلِكَ القُرْبَ، وأنْ تَكُونَ المَنازِلُ فِيهِ واحِدَةً في تَعاطِي الحَقِّ، أيْ: لا يَعْتَرِضُكم فِيهِ الرِياسَةُ، وإنَّما تُقْصَدُ الحُجَّةُ، و"سُوًى" لُغَةً في "سِوى"، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إنَّ أبانا كانَ حَلَّ بِبَلْدَةٍ سُوًى بَيْنَ قَيْسٍ قَيْسِ عَيْلانَ والفِزْرِ
وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مُسْتَوِيًا مِنَ الأرْضِ لا وهْدَ فِيهِ ولا نَجْدَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: سُوًى مَكانًا هَذا.
(p-١٠٤)فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِينَةِ﴾، اتَّسَعَ في الظَرْفِ مَن قَرَأهُ بِرَفْعِ "يَوْمُ" فَجَعَلَهُ خَبَرًا، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ، والثَقَفِيُّ: "يَوْمَ" بِالنَصْبِ عَلى الظَرْفِ، والخَبَرُ مُقَدَّرٌ، ورُوِيَ أنْ يَوْمَ الزِينَةِ كانَ عِيدًا لَهم ويَوْمًا مَشْهُورًا، وصادَفَ يَوْمَ عاشُوراءَ، وكانَ يَوْمَ سَبْتٍ، وقِيلَ: هو يَوْمُ كَسْرِ الخَلِيجِ الباقِي إلى اليَوْمِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَأنْ يُحْشَرَ﴾ عَطْفٌ عَلى "الزِينَةِ" فَهو في مَوْضِعِ خَفْضٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرِ: مَوْعِدُكم أنْ يَحْشُرَ، وتَعَلَّقَ عَطْفُهُ عَلى "يَوْمُ"، وفِيهِ نَظَرٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: يُحْشَرَ" بِرَفْعِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: "يَحْشُرَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الشِينِ ونَصْبِ "الناسَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "نَحْشُرَ" بِالنُونِ، و"الحَشْرُ": الجَمْعُ، ومَعْناهُ: نَحْشُرُ الناسَ لِمُشاهَدَةِ المُعارَضَةِ والتَهَيُّؤِ لِقَبُولِ الحَقِّ حَيْثُ كانَ.
20:60–64Page 315
فَتَوَلَّىٰ فِرۡعَوۡنُ فَجَمَعَ كَيۡدَهُۥ ثُمَّ أَتَىٰ ٦٠
So Pharaoh went away, put together his plan, and then came [to Moses].
قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيۡلَكُمۡ لَا تَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا فَيُسۡحِتَكُم بِعَذَابٖۖ وَقَدۡ خَابَ مَنِ ٱفۡتَرَىٰ ٦١
Moses said to them [i.e., the magicians summoned by Pharaoh], "Woe to you! Do not invent a lie against Allāh or He will exterminate you with a punishment; and he has failed who invents [such falsehood]."
فَتَنَٰزَعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَىٰ ٦٢
So they disputed over their affair among themselves and concealed their private conversation.
قَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَٰنِ لَسَٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخۡرِجَاكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِمَا وَيَذۡهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلۡمُثۡلَىٰ ٦٣
They said, "Indeed, these are two magicians who want to drive you out of your land with their magic and do away with your most exemplary way [i.e., religion or tradition].
فَأَجۡمِعُواْ كَيۡدَكُمۡ ثُمَّ ٱئۡتُواْ صَفّٗاۚ وَقَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡيَوۡمَ مَنِ ٱسۡتَعۡلَىٰ ٦٤
So resolve upon your plan and then come [forward] in line. And he has succeeded today who overcomes."
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ ﴿قالَ لَهم مُوسى ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَجْوى﴾ ﴿قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾
المَعْنى: فَجُمِعَ السَحَرَةُ ووَعَدَهم وأمْرَهم بِالإعْدادِ لِمُوسى، فَهَذا هو كَيْدُهُ، ثُمْ أتى فِرْعَوْنُ بِجَمْعِهِ وأهْلِ دَوْلَتِهِ، والسَحَرَةُ مَعَهُ، وكانَتْ عِصابَةٌ لَمْ يَخْلُقِ اللهُ تَعالى أسْحَرَ مِنها، وجاءَ أيْضًا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِبَنِي إسْرائِيلَ مَعَهُ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِلسَّحَرَةِ: "وَيْلَكُمْ"، وهَذِهِ مُخاطَبَةُ مُحَذِّرٍ، نَدَبَهم في هَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِ الحَقِّ إذا رَأوهُ، وألّا يُباهِتُوا بِكَذِبٍ.
وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ونافِعٌ، وعاصِمْ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "فَيَسْحِتَكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمْ: "فَيُسْحِتَكُمْ" بِضَمِّ الياءِ، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنى واحِدٍ، يُقالُ: سُحِتْ وأُسْحِتَ بِمَعْنى: أهْلَكَ وأذْهَبَ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ:(p-١٠٥)
؎ عَضُّ زَمانٍ يا بْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أو مُجَلَّفُ
فَهَذا مِن أُسْحِتَ.
فَلَمّا سَمِعَ السَحَرَةُ هَذِهِ المَقالَةَ هالَهم هَذا المَنزَعُ، ووَقَعَ في نُفُوسِهِمْ مِن مَهابَتِهِ رُعْبٌ شَدِيدٌ، وتَنازَعُوا أمْرَهُمْ، و"التَنازُعُ" يَقْتَضِي اخْتِلافًا كانَ بَيْنَهم في السِرِّ، أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: هو مُحِقٌّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو مُبْطِلٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللهِ فَسَيَغْلِبُنا، ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ الَّتِي تُعْهَدُ مِنَ الجُمُوعِ الكَثِيرَةِ في وقْتِ الخَوْفِ كالحَرْبِ ونَحْوَ هَذا، ومَعْلُومٌ أنَّ جَمِيعَ تَناجِيهِمْ إنَّما كانَ في أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ تَناجِيهِمْ بِالآيَةِ الَّتِي بَعَدَ هَذا ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأظْهَرُ أنَّ تِلْكَ قِيلَتْ عَلانِيَةً، ولَوْ كانَ تَناجِيهِمْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ثُمْ تَنازَعٌ، و"النَجْوى": السِرُّ والمُسارَّةُ، أيْ: كانَ كُلُّ رَجُلٍ يُناجِي مَن يَلِيهِ، ثُمْ جَعَلُوا ذَلِكَ سِرًّا مَخافَةَ فِرْعَوْنَ أنْ يَتَبَيَّنَ فِيهِمْ ضَعْفًا؛ لَأنَّهم حِينَئِذٍ لَمْ يَكُونُوا مُصَمِّمِينَ عَلى غَلَبَةِ (p-١٠٦)مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، بَلْ كانَ ظَنًّا مِن بَعْضِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ الآيَةُ. قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إنَّ" مُشَدَّدَةَ النُونِ "هَذانَ" بِألِفٍ ونُونٍ مُخَفَّفَةٍ لِلتَّثْنِيَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "إنَّ هَذَيْنِ لَساحِرانِ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "إنْ هَذانِّ لَساحِرانِ" بِتَخْفِيفِ نُونِ "إنْ" وتَشْدِيدِ نُونِ "هَذانِ لَسَحَرانِ"، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمْ: "إنْ" خَفِيفَةً "هَذانِ" خَفِيفَةً أيْضًا "لَساحِرانِ". وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إنْ هَذانَ إلّا ساحِرانِ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إنْ ذانِ لَساحِرانِ"، وقَرَأتْ فَرِقَّةٌ: "ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إنْ هَذانِّ" بِتَشْدِيدِ النُونِ مِن "هَذانِّ".
فَأمّا القِراءَةُ الأُولى، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "إنَّ" بِمَعْنى: نَعَمْ، كَما رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ في خُطْبَتِهِ: إنِ الحَمْدُ لِلَّه بِرَفْعِ "الحَمْدُ"،» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنْ وراكِبُها" حِينَ قالَ لَهُ الرَجُلُ: لَعَنَ اللهُ ناقَةً حَمَلَتْنِي إلَيْكَ، ويُدْخُلُ في هَذا التَأْوِيلِ أنَّ اللامَ لا تَدْخُلُ في خَبَرِ الِابْتِداءِ، وهو مِمّا يَجُوزُ في الشِعْرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ أُمُ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ ∗∗∗ تَرْضى مِنَ اللَحْمِ بِعَظْمِ الرَقَبَهْ
(p-١٠٧)وَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ بِلُغَةِ بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ، وهو إبْقاءُ ألِفِ التَثْنِيَةِ في حالِ النَصْبِ والخَفْضِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ زَوَّدَ مِنها بَيْنَ أُذُناهُ طَعْنَةً ∗∗∗ دَعَتْهُ إلى هابِي التُرابِ عَقِيمُ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ أطْرَقَ إطْراقَ الشُجاعِ ولَوْ يَرى ∗∗∗ مَساغًا لَناباهُ الشُجاعِ لَصَمَّها
(p-١٠٨)وَتُعْزى هَذِهِ اللُغَةُ لِكِنانَةَ، وتُعْزى لَخَثْعَمَ، وقالَ الفِراءُ: الألْفُ في "هَذانِ" دِعامَةٌ ولَيْسَتْ بِمَجْلُوبَةٍ لِلتَّثْنِيَةِ، وإنَّما هي ألِفُ "هَذا" تُرِكَتْ في حالِ التَثْنِيَةِ، كَما نَقُولُ: "الَّذِي" ثُمْ في الجَمْعِ نَزِيدُ نُونًا وتُتْرَكُ الياءُ في حالِ النَصْبِ والرَفْعِ والخَفْضِ، وقالَ الزُجاجَ: في الكَلامِ ضَمِيرٌ تَقْدِيرُهِ: إنَّهُ هَذانِ لَساحِرانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي هَذا التَأْوِيلِ دُخُولُ اللامِ في الخَبَرِ، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: ألِفُ "هَذانِ" مُشَبَّهَةٌ هُنا بِألِفِ تَفْعَلانِ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لِما كانَ "هَذا" بِحالٍ واحِدَةٍ في رَفْعِهِ ونَصْبِهِ وخَفْضِهِ تُرِكَتْ تَثْنِيَتُهُ هُنا كَذَلِكَ. وقالَتْ جَماعَةٌ - مِنهم عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها - وأبُو عَمْرٍو -: هَذا مِمّا لَحَنَ الكاتِبُ فِيهِ وأُقِيمَ بِالصَوابِ وهو تَخْفِيفُ النُونِ مِن "إنْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الأقْوالُ مُعْتَرِضَةٌ، إلّا ما قِيلَ مِن أنَّها لُغَةٌ، و"إنْ" بِمَعْنى: أجَلْ ونَعَمْ، أوَ "إنْ" في الكَلامِ ضَمِيرٌ.
وأمّا مِن قَرَأ: "إنْ" خَفِيفَةً، فَهي عن سِيبَوَيْهٍ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ ويَرْتَفِعُ بَعْدَها الِاسْمُ، ويَقُولُ الفِراءُ: هي بِمَعْنى "ما" واللامُ بِمَعْنى "إلّا" ووَجْهُ سائِرِ القِراءاتِ بَيِّنٌ.
وعَبَّرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَنِ "الطَرِيقَةِ" بِـ "السادَةِ"، وأنَّما يُرادُ أهْلُ العَقْلِ والسِنِّ والحِجى، وحُكِيَ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "فَلانٌ طَرِيقَةُ قَوْمِهِ"، أيْ: سَيِّدُهُمْ، والأظْهَرُ في الطَرِيقَةِ هُنا أنَّها السِيرَةُ والمَمْلَكَةُ والحالُ الَّتِي هي عَلَيْها، و"المُثْلى" تَأْنِيثُ أمْثَلَ، أيِ: الفاضِلَةُ الحَسَنَةُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فَأجْمَعُوا" بِقَطْعِ الألْفِ وكَسْرِ المِيمِ، عَلى مَعْنى: أعَزِمُوا، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: "فَأجْمِعُوا" مِن "جَمَّعَ"، أيْ: ضُمُّوا سِحْرَكم بَعْضَهُ إلى بَعْضٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "ثُمْ" بِفَتْحِ المِيمِ "اِيتُوا" بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ أيْضًا في رِوايَةِ شِبْلٍ عنهُ: "ثُمُ اِيتُوا" بِكَسْرِهِما، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا غَلَطٌ، ولا وجْهَ لِكَسْرِ المِيمِ مِن "ثُمْ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ثُمُ ائْتُوا" بِفَتْحِ المِيمِ وهَمْزَةٍ بَعْدَ الألْفِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿صَفًّا﴾ حالٌ، (p-١٠٩)أيْ: مُصْطَفِّينَ، وتَداعَوْا إلى هَذا لَأنَّهُ أهَيَبُ وأظْهَرُ لَهم. و"أفْلَحَ" مَعْناهُ: ظَفَرَ بِبُغْيَتِهِ، و"اسْتَعْلى": طَلَبَ العُلُوَّ في أمْرِهِ وسَعى سَعْيَهُ.
20:65–69Page 316
قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلۡقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَلۡقَىٰ ٦٥
They said, "O Moses, either you throw or we will be the first to throw."
قَالَ بَلۡ أَلۡقُواْۖ فَإِذَا حِبَالُهُمۡ وَعِصِيُّهُمۡ يُخَيَّلُ إِلَيۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ ٦٦
He said, "Rather, you throw." And suddenly their ropes and staffs seemed to him from their magic that they were moving [like snakes].
فَأَوۡجَسَ فِي نَفۡسِهِۦ خِيفَةٗ مُّوسَىٰ ٦٧
And he sensed within himself apprehension, did Moses.
قُلۡنَا لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٦٨
We [i.e., Allāh] said, "Fear not. Indeed, it is you who are superior.
وَأَلۡقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوٓاْۖ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيۡدُ سَٰحِرٖۖ وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ ٦٩
And throw what is in your right hand; it will swallow up what they have crafted. What they have crafted is but the trick of a magician, and the magician will not succeed wherever he is."
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ ﴿فَأوجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ ﴿وَألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ ولا يُفْلِحُ الساحِرُ حَيْثُ أتى﴾
خَيَّرَ السَحَرَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في أنْ يَبْتَدِئَ بِالإلْقاءِ أو يَتَأخَّرَ بَعْدَهُمْ، ورُوِيَ أنَّهم كانُوا سَبْعِينَ ألْفَ ساحِرٍ، ورُوِيَ أنَّهم كانُوا ثَلاثِينَ ألْفًا، ورُوِيَ أنَّهم كانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا، ورُوِيَ أنَّهم كانُوا تِسْعَمِائَةِ ألْفٍ، ثَلاثَمِائَةٍ مِنَ الفَيُّومِ، وثَلاثَمِائَةٍ مِنَ الفِرْما، وثَلاثَمِائَةٍ مِنَ الإسْكَنْدَرِيَّةِ، وكانَ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنهم حَبْلٌ وعَصى قَدِ اسْتَعْمَلَ فِيها السِحْرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا﴾ هي لِلْمُفاجَأةِ، كَما تَقُولُ: خَرَجْتُ فَإذا زَيْدٌ، وهي الَّتِي تَلِيها الأسْماءُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عِصِيُّهُمْ" بِكَسْرِ العَيْنِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُخَيَّلُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، فَقَوْلُهُ: "أنَّها" في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى ما لَمَّ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقَرَأ الحَسَنُ، والثَقَفِيُّ: "تُخَيَّلُ" بِضَمِّ التاءِ المَنقُوطَةِ مِن فَوْقٍ وكَسْرِ الياءِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى الحِبالِ والعِصِيِّ، فَقَوْلُهُ: "أنَّها" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَخَيَّلُ" بِفَتْحِ التاءِ والياءِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى الجِبالِ والعِصِيِّ، فَقَوْلُهُ: "أنَّها"مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والظاهِرُ مِنَ الآياتِ والقَصَصِ في كُتُبِ المُفَسِّرِينَ أنَّ الحِبالَ والعِصِيَّ كانَتْ تَتَحَرَّكُ وتَنْتَقِلُ بِحِيَلِ السِحْرِ، وبِدَسِّ الأجْسامِ الثَقِيلَةِ المَيّاعَةِ فِيها، وكانَ تَحَرُّكُها يُشْبِهُ تَحَرُّكَ الَّذِي لَهُ إرادَةٌ كالحَيَوانِ، وهو السَعْيُ، فَإنَّهُ لا يُوصَفُ بِالسَعْيِ إلّا مَن يَمْشِي مِنَ الحَيَوانِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّها لَمْ تَكُنْ تَتَحَرَّكُ، ولَكِنَّهم سَحَرُوا أعْيُنَ الناسِ وكانَ الناظِرُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّها تَتَحَرَّكُ وتَنْتَقِلُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
واللهُ أعْلَمُ أيُّ ذَلِكَ كانَ.
(p-١١٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: "فَأوجَسَ" عِبارَةً عَمّا يَعْتَرِي نَفْسَ الإنْسانِ إذا وقَعَ ظَنُّهُ في أمْرٍ عَلى شَيْءٍ يَسُوءُهُ، وظاهِرُ الأمْرِ كُلِّهِ الصَلاحُ، فَهَذا الفِعْلُ مِن أفْعالِ النَفْسِ يُسَمّى الوَجِيسُ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن "أوجَسَ" بِأضْمَرَ، وهَذِهِ العِبارَةُ أعَمُّ مِن بِكَثِيرِ الوَجِيسِ. و"خِيفَةً" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ أصْلُها "خَوْفَةً" فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً لِلتَّناسُبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "خَوْفَةً" بِفَتْحِ الخاءِ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً لِلتَّناسُبِ. وخَوْفُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما كانَ عَلى الناسِ أنْ يَضِلُّوا لِهَوْلِ ما رَأى. والأوَّلُ أصْوَبُ؛ لِأنَّهُ أوجَسَ في نَفْسِهِ عَلى الجُمْلَةِ وبَقِيَ يَنْتَظِرُ الفَرَجَ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْتَ الأعْلى﴾ أيِ: الغالِبُ لِمَن ناوَأكَ في هَذا المَقامِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "تَلَقَّفْ" بِالجَزْمِ وشَدِّ القافِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "تَلَقُّفَ"، وهو في مَوْضِعِ الحالِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنَ المُلْقى عَلى الِاتِّساعِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنَ المُلْقى وهي العَصا، وهَذِهِ حالٌ وإنْ كانَتْ لَمْ تَقَعْ بَعْدُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وهَذا كَثِيرٌ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمْ: "تَلْقُفْ" بِسُكُونِ الفاءِ وتَخْفِيفِ القافِ، وأنَّثَ الفِعْلَ وهو مُسْنَدٌ إلى ما في اليَمِينِ مِن حَيْثُ كانَتِ العَصا مُرادَةً بِذَلِكَ. ورَوى البَزِّيُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ كانَ يُشَدِّدُ الفاءَ مِن "تَلَقَّفَ"، كَأنَّهُ أرادَ: تَتَلَقَّفُ فَأدْغَمَ، وأنْكَرَ أبُو عَلِيٍّ هَذِهِ القِراءَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُشْبِهُ أنَّ قارِئَها إنَّما يَلْتَزِمُها في الوَصْلِ حَيْثُ يُسْتَغْنى عن جَلْبِ ألِفٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "كَيَدُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "كَيْدَ" بِالنَصْبِ، وهَذا عَلى أنَّ "ما" كافَّةٌ و "كَيْدَ" مَنصُوبٌ بِـ "صَنَعُوا"، ورَفْعُ "كَيَدُ" عَلى أنَّ "ما" بِمَعْنى الَّذِي. و "يُفْلِحُ" مَعْناهُ: يَبْقى ويَظْفَرُ بِبُغْيَتِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ أنَّ الساحِرَ يُقْتَلُ حَيْثُ ثُقِفَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا جَزاءُ مَن عَدِمُ الفَلاحَ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أيْنَ أتى"، والمَعْنى بِهِما مُتَقارِبٌ.
ورُوِيَ مِن قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللهُ جَلَسَ في عِلْيَةٍ لَهُ طُولُها ثَمانُونَ ذِراعًا، والناسُ تَحْتَهُ في بَسِيطٍ، وجاءَ سَبْعُونَ ألْفَ ساحِرٍ فَألْقَوْا مِن حِبالِهِمْ وعِصِيِّهِمْ ما فِيهِ (p-١١١)وَقَّرَ ثَلاثُمِائَةِ بَعِيرٍ، فَهالَ الأمْرُ، ثُمْ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ألْقى عَصاهُ مِن يَدِهِ فاسْتَحالَتْ ثُعْبانًا، وجَعَلَتْ تَنْمُو حَتّى رُوِيَ أنَّها عَبَرَتِ النَهْرَ بِذَنَبِها، وقِيلَ: البَحْرَ، وفِرْعَوْنُ في هَذا يَضْحَكُ ويَرى أنَّ الِاسْتِواءَ حاصِلٌ، ثُمْ أقْبَلَتْ تَأْكُلُ الحِبالَ والعِصِيَّ حَتّى أفْنَتْها، فَفَرَّتْ نَحْوَ فِرْعَوْنَ، فَفَزِعَ عِنْدَ ذَلِكَ، وقالَ: يا مُوسى. فَمَدَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ يَدَهُ إلَيْها فَرَجَعَتْ عَصى كَما كانَتْ، فَنَظَرَ السَحَرَةُ وعَلِمُوا الحَقَّ ورَأوا عَدَمَ الحِبالِ والعِصِيِّ فَآمَنُوا رَضِيَ اللهُ عنهم.
20:70–71Page 316
فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدٗا قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ ٧٠
So the magicians fell down in prostration.1 They said, "We have believed in the Lord of Aaron and Moses."
قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخۡلِ وَلَتَعۡلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابٗا وَأَبۡقَىٰ ٧١
[Pharaoh] said, "You believed him [i.e., Moses] before I gave you permission. Indeed, he is your leader who has taught you magic. So I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides, and I will crucify you on the trunks of palm trees, and you will surely know which of us is more severe in [giving] punishment and more enduring."
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَأُلْقِيَ السَحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَخْلِ ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾
فِي خِلالِ هَذِهِ الآيَةِ تَقْدِيرٌ وحَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ القَوْلِ، فالمُقَدَّرُ مِن ذَلِكَ هُنا: "فَألْقى مُوسى عَصاهُ فالتَقَمَتْ كُلَّ ما جاؤُوا بِهِ"، أو نَحْوَ هَذا، ورُوِيَ أنَّ السَحَرَةَ لَمّا رَأتِ العَصا لا أثَرَ فِيها لِلسِّحْرِ ثُمْ رَأتِ انْقِلابَها حَيَّةً، وأكْلَها لِلْحِبالِ والعِصِيِّ ثُمْ رُجُوعَها إلى حالَتِها وعَدَمَ الحِبالِ والعِصِيِّ، أيْقَنُوا بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّ الأمْرَ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، وقَدَّمَ "هارُونَ" قَبْلَ "مُوسى" لِتَسْتَوِيَ رُؤُوسُ الآيِ بِنَقْلِ مَعْنى قَوْلِ السَحَرَةِ، وهَذا مِثْلَ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣]، فَتَأْخِيرُ "شَتّى" إنَّما هو لِتَعْتَدِلَ رُؤُوسُ الآيِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩]، فَتَأْخِيرُ قَوْلِهِ: " وأجَل مُسَمّى " أنَّما هو لِتَسْتَوِيَ رُؤُوسُ الآيِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفَصٌ عن عاصِمْ، ووَرْشٌ عن نافِعٍ: "آمَنتُمْ" عَلى الخَبَرِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، "أأمَنتُمْ" بِهَمْزَتَيْنِ. وقَوْلُهُ: ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ مُقارَبَةٌ مِنهُ وبَعْضُ إذْعانٍ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن خِلافٍ﴾ يُرِيدُ قَطْعَ اليَدِ اليُمْنى مَعَ الرِجْلِ الشِمالِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي جُذُوعِ النَخْلِ﴾ اتِّساعٌ مِن حَيْثُ هو مَرْبُوطٌ في الجِذْعِ، ولَيْسَتْ عَلى حَدِّ قَوْلِكَ: زَيْدٌ في (p-١١٢)الدارِ، ويَصْلُحُ في هَذا المَعْنى "عَلى" مِن حَيْثُ هو مَرْبُوطٌ في أعْلاها، ولَيْسَتْ عَلى حَدِّ قَوْلِكَ: رَكِبْتُ عَلى الفَرَسِ، وقَوْلُهُ: "أيُّنا" يُرِيدُ نَفْسَهُ ورَبَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: يُرِيدُ نَفْسَهُ ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والأوَّلُ أذْهَبُ مَعَ مَخْرَفَةِ فِرْعَوْنَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences