Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Taha 20:72–86
20:72–73Page 316
قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ ٧٢
They said, "Never will we prefer you over what has come to us of clear proofs and [over] He who created us.1 So decree whatever you are to decree. You can only decree for this worldly life.
إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغۡفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَيۡهِ مِنَ ٱلسِّحۡرِۗ وَٱللَّهُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ ٧٣
Indeed, we have believed in our Lord that He may forgive us our sins and what you compelled us [to do] of magic. And Allāh is better and more enduring."1
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ والَّذِي فَطَرَنا فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُنْيا﴾ ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِحْرِ واللهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾
قالَ السَحَرَةُ لِفِرْعَوْنَ لِما تَدْعُوهُمْ: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾، أيْ: لَنْ نُفَضِّلَكَ ونُفَضِّلَ السَلامَةَ مِنكَ عَلى ما رَأيْنا مِن حُجَّةِ اللهِ تَعالى وآياتِهِ المُبَيِّناتِ وعَلى الَّذِي فَطَرَنا، هَذا عَلى قَوْلِ جَماعَةٍ إنَّ الواوَ في قَوْلِهِ: "والَّذِي" عاطِفَةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي واوُ القَسَمِ، و "فَطَرَنا" مَعْناهُ: خَلَقْنا واخْتَرَعْنا، فافْعَلْ يا فِرْعَوْنُ ما شِئْتَ، وإنَّما قَضاؤُكَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُنْيا، والآخِرَةُ مِن وراءِ ذَلِكَ لَنا بِالنَعِيمِ ولَكَ بِالعَذابِ.
وهَؤُلاءِ السَحَرَةُ اخْتَلَفَ الناسُ هَلْ نَفَذَ فِيهِمْ وعِيدُ فِرْعَوْنَ ؟ فَقالَتْ طائِفَةٌ: صَلَبَهم عَلى الجُذُوعِ كَما قالَ، فَأصْبَحَ القَوْمُ سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ بِلُطْفِ اللهِ وبِرَحْمَتِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وقَدْ كانَ اللهُ تَعالى وعَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ ومَن مَعَهُ الغالِبُونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ، وصَلْبُ السَحَرَةِ وقَطْعُ أيْدِيهِمْ لا يَدْفَعُ في أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ومَن مَعَهُ غَلَبَ إلّا بِظاهِرِ العُمُومِ، والِانْفِصالِ عن ذَلِكَ بَيِّنٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِحْرِ﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ: أرادُوا ما ضَمَّهم إلَيْهِ مِن مُعارَضَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وحَمْلِهِمْ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَ فِرْعَوْنُ قَدِيمًا يَأْخُذُ ولِدانَ الناسِ بِتَعْلِيمِ السِحْرِ ويُجْبِرُهم عَلى ذَلِكَ، فَأشارَ السَحَرَةُ إلى ذَلِكَ. وقَوْلُهُمْ: ﴿واللهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ رَدٌّ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ [طه: ٧١].
(p-١١٣)
20:74–76Page 316
إِنَّهُۥ مَن يَأۡتِ رَبَّهُۥ مُجۡرِمٗا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ ٧٤
Indeed, whoever comes to his Lord as a criminal - indeed, for him is Hell; he will neither die therein nor live.
وَمَن يَأۡتِهِۦ مُؤۡمِنٗا قَدۡ عَمِلَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَٰتُ ٱلۡعُلَىٰ ٧٥
But whoever comes to Him as a believer having done righteous deeds - for those will be the highest degrees [in position]:
جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ ٧٦
Gardens of perpetual residence beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. And that is the reward of one who purifies himself.1
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَرَجاتُ العُلا﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ مِن تَزَكّى﴾
قالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ بِجُمْلَتِها مِن كَلامِ السَحَرَةِ لِفِرْعَوْنَ عَلى جِهَةِ المَوْعِظَةِ لَهُ والبَيانِ فِيما فَعَلُوهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هي مِن كَلامِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ تَنْبِيهًا عَلى قُبْحِ ما فَعَلَ فِرْعَوْنُ، وحُسْنِ ما فَعَلَ السَحَرَةُ، ومَوْعِظَةً وتَحْذِيرًا. قَدْ تَضَمَّنَتِ القِصَّةُ المَذْكُورَةُ مِثالَهُ. و المُجْرِمُ الَّذِي اكْتَسَبَ الجَرائِمْ والخَطايا. وقَوْلُهُ: ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ مُخْتَصٌّ بِالكافِرِ، فَإنَّهُ مُعَذَّبٌ عَذابًا يَنْتَهِي بِهِ إلى المَوْتِ، ثُمْ لا يُجْهِزُ عَلَيْهِ فَيَسْتَرِيحَ، بَلْ يُعادُ جِلْدُهُ ويُجَدَّدُ عَذابُهُ، فَهو لا يَحْيى حَياةً هَنِيَّةً. وأمّا مَن يَدْخُلُ النارَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِالمَعاصِي فَهم قَبْلَ أنْ تُخْرِجَهُمُ الشَفاعَةُ في غَمْرَةٍ قَدْ قارَبُوا المَوْتَ، إلّا أنَّهم لا يُجْهَزُ عَلَيْهِمْ ولا يُجَدَّدُ عَذابُهُمْ، فَهَذا فَرْقُ ما بَيْنَهم وبَيْنَ الكُفّارِ، وفي الحَدِيثِ الصَحِيحِ «أنَّهم يُماتُونَ إماتَةً»، وهَذا هو مَعْناهُ، لِأنَّهُ لا يَمُوتُ في الآخِرَةِ.
و "الدَرَجاتُ العُلى" هي القِرَبُ مِنَ اللهِ تَعالى، و "تَزَكّى" مَعْناهُ: أطاعَ اللهَ وأخَذَ بِأزْكى الأُمُورِ. وتَأمَّلِ التَكَسُّبَ في لَفْظَةِ "تَزَكّى" فَإنَّهُ بَيِّنٌ.
20:77–79Page 317
وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ ٧٧
And We had inspired to Moses, "Travel by night with My servants and strike for them a dry path through the sea; you will not fear being overtaken [by Pharaoh] nor be afraid [of drowning]."
فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلۡيَمِّ مَا غَشِيَهُمۡ ٧٨
So Pharaoh pursued them with his soldiers, and there covered them from the sea that which covered them,1
وَأَضَلَّ فِرۡعَوۡنُ قَوۡمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ ٧٩
And Pharaoh led his people astray and did not guide [them].
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ أوحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ ﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ ﴿وَأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾
هَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عن أمْرِ مُوسى، وبَيْنَهُ وبَيْنَ مَقالِ السَحَرَةِ المُتَقَدِّمْ مُدَّةٌ مِنَ الزَمانِ حَدَثَ فِيها لِمُوسى وفِرْعَوْنَ حَوادِثُ، وذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا انْقَضى أمْرُ السَحَرَةِ وغَلَبَ مُوسى وقَوِيَ أمْرُهُ، وعَدَهُ فِرْعَوْنُ أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأقامَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عَلى وعْدِهِ حَتّى غَدَرَهُ فِرْعَوْنُ ونَكَثَ وأعْلَمَهُ أنَّهُ لا يُرْسِلُهم مَعَهُ، فَبَعَثَ اللهُ تَعالى حِينَئِذٍ الآياتِ المَذْكُورَةَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ: الجَرادُ والقَمْلُ إلى آخِرِها، وكُلَّما جاءَتْ آيَةٌ وعَدَ فِرْعَوْنُ أنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدَ انْكِشافِ العَذابِ، فَإذا انْكَشَفَ نَكَثَ حَتّى تَأْتِيَ أُخْرى، فَلَمّا كانَتِ الآياتُ أوحى اللهُ تَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ في اللَيْلِ سارِيًا، و "السُرى": سَيْرُ اللَيْلِ، و"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: (p-١١٤)﴿أنْ أسْرِ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهم أنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦]، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الناصِبَةَ لِلْأفْعالِ، وتَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "أوحَيْنا". وقَوْلُهُ: "بِعِبادِي" إضافَةُ تَشْرِيفٍ لِبَنِي إسْرائِيلَ، وكُلُّ الخَلْقِ عِبادُ اللهِ، ولَكِنَّ هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩].
ورُوِيَ مِن قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لِما أشْعَرَهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِلَيْلَةِ الخُرُوجِ اسْتَعارُوا مِن مَعارِفِهِمْ مِنَ القِبْطِ حُلِيًّا وثِيابًا. ويُرْوى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أذِنَ لَهم في ذَلِكَ وقالَ لَهُمْ: إنَّ اللهَ سَيُنَفِّلُكُمُوها، ويُرْوى أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ دُونَ رَأْيِهِ، وهو الأشْبَهُ بِهِ ﷺ، وسَيَأْتِي في جَمْعِ الحُلِيِّ ما يُؤَيَّدُ ذَلِكَ، ويُرْوى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ عَجَنُوا زادَهم لَيْلَةَ سُراهم ووَضَعُوهُ لِيَخْتَمِرَ، فَأعْجَلَهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في الخُرُوجِ، فَطَبَخُوهُ فَطَيْرًا، فَهي سُنَّتُهم في ذَلِكَ الوَقْتِ مِنَ العامِ إلى هَلُمْ، ويُرْوى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ نَهَضَ بِبَنِي إسْرائِيلَ وهم سِتُّمِائَةِ ألْفِ إنْسانٍ، فَسارَ بِهِمْ مِن مِصْرَ يُرِيدُ بِحْرَ القَلْزَمِ، فاتَّصَلَ الخَبَرُ بِفِرْعَوْنَ، فَجَمْعَ جُنُودَهُ وحَشَرَهم ونَهَضَ وراءَهُ، فَأوحى اللهُ إلى مُوسى أنْ يَقْصِدَ البَحْرَ، فَجَزِعَ بَنُو إسْرائِيلَ، رَأوا أنَّ العَدُوَّ مِن ورائِهِمْ والبَحْرَ أمامَهُمْ، ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ يَثِقُ بِصُنْعِ اللهِ تَعالى. فَلَمّا رَآهم فِرْعَوْنُ قَدْ نَهَضُوا نَحْوَ البَحْرِ طَمِعَ فِيهِمْ، وكانَ مَقْصِدُهم إلى مَوْضِعٍ تَنْقَطِعُ فِيهِ الفُحُوصُ والطُرُقُ الواسِعَةُ. واخْتَلَفَ الناسُ في عَدَدِ جُنْدِ فِرْعَوْنَ فَقِيلَ: كانَ في خَيْلِهِ سَبْعُونَ ألْفَ أدْهَمَ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ مِن سائِرِ الألْوانِ، وقِيلَ أكْثَرُ مِن هَذا مِمّا اخْتَصَرْتُهُ لِقِلَّةِ صِحَّتِهِ، فَلَمّا وصَلَ مُوسى البَحْرَ وقارَبَ فِرْعَوْنُ لَحاقَهُ وقَوِيَ فَزَعُ بَنِي إسْرائِيلَ، أوحى اللهُ تَبارَكَ وتَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ. ويُرْوى أنَّ الوَحْيَ إلَيْهِ بِذَلِكَ كانَ مُتَقَدِّمًا بِمِصْرَ، وهو ظاهِرُ الآيَةِ، ويُرْوى أنَّهُ إنَّما أوحى إلَيْهِ بِذَلِكَ في مَوْطِنِ وُقُوعِهِ. واتَّصَلَ الكَلامُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى جِهَةِ وصْفِ الحالِ وضَمِّ بَعْضِ الأُمُورِ إلى بَعْضٍ، فَضَرَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ البَحْرَ فانْفَلَقَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً، طُرُقًا واسِعَةً بَيْنَها حِيطانُ ماءٍ واقِفٍ، فَدَخْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بَعْدَ أنْ بَعَثَ اللهُ تَعالى رِيحَ الصِبا فَجَفَّفَتْ تِلْكَ الطُرُقَ حَتّى يَبِسَتْ، ودَخَلَ بَنُو (p-١١٥)إسْرائِيلَ، ووَصَلَ فِرْعَوْنُ إلى المَدْخَلِ وبَنُو إسْرائِيلَ كُلُّهم في البَحْرِ، فَرَأى الماءَ عَلى تِلْكَ الحالِ، فَجَزِعَ قَوْمُهُ واسْتَعْظَمُوا الأمْرَ، فَقالَ لَهم لَعَنَهُ اللهُ: إنَّما انْفَلَقَ لِي مِن هَيْبَتِي، وها هُنا كَمالُ إضْلالِهِ لَهُمْ، وحَمَلَهُ اللهُ عَلى الدُخُولِ، وجاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ راكِبًا عَلى فَرَسٍ أُنْثى فَأتْبَعَها فَرَسَ فِرْعَوْنَ، وتابَعَهُ الناسُ حَتّى تَكامَلُوا في البَحْرِ فانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ، وسَمِعَ بَنُو إسْرائِيلَ انْطِباقَ الماءِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِأجْمَعِهِمْ مِنَ البَحْرِ فَعَجِبُوا، فَأخْبَرَهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ قَدْ هَلَكُوا فِيهِ، فَطَلَبُوا مِصْداقَ ذَلِكَ فَلَفَظَ البَحْرُ الناسَ، وألْقى اللهُ تَعالى فِرْعَوْنَ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ بِدِرْعِهِ المَعْرُوفَةِ لَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهَذا اخْتِصارُ قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ بِحَسْبَ ألْفاظِها، وقَدْ مَضى أمْرُ فِرْعَوْنَ بِأوعَبَ مِن هَذا في مَوْضِعٍ اقْتَضاهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "يَبَسًا" مَصْدَرٌ وصَفَ بِهِ، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "يابِسًا"، وأشارَ إلى ذِكْرِهِ الزَجّاجُ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "لا تَخْفَ" إمّا عَلى جَوابِ الأمْرِ، وإمّا عَلى نَهْيٍ مُسْتَأْنَفٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لا تَخافُ" وذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ حالًا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةَ الطَرِيقِ بِتَقْدِيرِ: لا تَخافُ فِيهِ، أيْ يَكُونُ بِهَذِهِ الصِفَةِ، ومَعْنى هَذا القَوْلِ: لا تَخافُ دَرْكًا مِن فِرْعَوْنَ وجُنُودِهِ، ولا تَخْشى غَرَقًا مِنَ البَحْرِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو - فِيما رُوِيَ عنهُ -: "فاتَّبَعَهُمْ" بِتَشْدِيدِ التاءِ، وتَبِعَ واتَّبَعَ إنَّما يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، كَقَوْلِكَ: شَوَيْتُ واشْتَوَيْتُ، وفَدَيْتُ وافْتَدَيْتُ، وحَفَرْتُ واحْتَفَرْتُ. وقَوْلُهُ: "بِجُنُودِهِ"، إمّا أنْ تَكُونَ الباءُ مَعَ ما جُرَّ بِها في مَوْضِعِ الحالِ، كَما تَقُولُ: خَرَجَ زَيْدٌ بِسِلاحِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ لِتَعَدِّي الفِعْلِ إلى مَفْعُولٍ ثانٍ إذْ لا يَتَعَدّى دُونَ حَرْفِ جَرٍّ إلّا إلى واحِدٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَأتْبَعَهُمْ" بِسُكُونِ التاءِ، وهَذا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، فالباءُ - عَلى هَذا - إمّا زائِدَةٌ، والتَقْدِيرُ: فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ جُنْدَهُ، وإمّا أنْ تَكُونَ باءَ الحالِ، ويَكُونُ المَفْعُولُ الثانِي مُقَدَّرًا، كَأنَّكَ قُلْتَ: رُؤَساءَهُ أو عَزْمَهُ، ونَحْوَ هَذا، والأوَّلُ أظْهَرُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَغَشِيَهُمْ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَغَشّاهُمُ اللهُ". وقَوْلُهُ: ﴿ما (p-١١٦)غَشِيَهُمْ﴾ إيهامٌ أهْوَلَ مِنَ النَصِّ عَلى قَدْرٍ ما، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ يَغْشى السِدْرَةَ ما يَغْشى﴾ [النجم: ١٦].
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ يُرِيدُ: مِن أوَّلِ أمْرِهِ إلى هَذِهِ النِهايَةِ، ثُمْ أكَّدَ تَعالى بِقَوْلِهِ: "وَما هَدى" مُقابَلَةً لِقَوْلِ فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللهُ: ﴿وَما أهْدِيكم إلا سَبِيلَ الرَشادِ﴾ [غافر: ٢٩].
20:80–82Page 317
يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ قَدۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ عَدُوِّكُمۡ وَوَٰعَدۡنَٰكُمۡ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنَ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰ ٨٠
O Children of Israel, We delivered you from your enemy, and We made an appointment with you1 at the right side of the mount, and We sent down to you manna and quails,
كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَلَا تَطۡغَوۡاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبِيۖ وَمَن يَحۡلِلۡ عَلَيۡهِ غَضَبِي فَقَدۡ هَوَىٰ ٨١
[Saying], "Eat from the good things with which We have provided you and do not transgress [or oppress others] therein, lest My anger should descend upon you. And he upon whom My anger descends has certainly fallen [i.e., perished]."
وَإِنِّي لَغَفَّارٞ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا ثُمَّ ٱهۡتَدَىٰ ٨٢
But indeed, I am the Perpetual Forgiver of whoever repents and believes and does righteousness and then continues in guidance.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكم وواعَدْناكم جانِبَ الطُورِ الأيْمَنَ ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَلْوى﴾ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾
ظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ أنَّ هَذا القَوْلَ قِيلَ لِبَنِي إسْرائِيلَ حِينَئِذٍ عِنْدَ حُلُولِ هَذِهِ النِعَمِ الَّتِي عَدَّدَها اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، وبَيْنَ خُرُوجِهِمْ مِنَ البَحْرِ وبَيْنَ هَذِهِ المَقالَةِ مُدَّةٌ وحَوادِثُ، ولَكِنْ يَخُصُّ اللهُ تَعالى بِالذِكْرِ ما يَشاءُ مِن ذَلِكَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ المَقالَةُ خُوطِبَ بِها مُعاصِرُو رَسُولِ اللهِ ﷺ، المَعْنى: هَذا فِعْلُنا بِأسْلافِكُمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ "كُلُوا" بِتَقْدِيرِ: قِيلَ لَهُمْ: كُلُوا، وتَكُونُ الآيَةُ - عَلى هَذا - اعْتِراضًا في أثْناءِ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ القَصْدُ بِهِ تَوْبِيخُ هَؤُلاءِ الحُضُورِ إذْ لَمْ يَصْبِرْ سَلَفُهم عَلى أداءِ شُكْرِ نِعَمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، والمَعْنى الأوَّلُ أظْهَرُ وأبْيَنُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو: [أنْجَيْنا - وواعَدْنا - ونَزَّلْنا عَلَيْكم ورَزَقْناكُمْ]، إلّا أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأ: "وَعَدْناكُمْ" بِغَيْرِ ألْفٍ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: [أنْجَيْتُ - وواعَدْتُ ونَزَّلْتُ ورَزَقْناكُمْ]. وقَوْلُهُ: "وَواعَدْناكُمْ" قِيلَ: هي لُغَةٌ في "وَعَدَ" لا تَقْتَضِي فِعْلَ اثْنَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنْ حُمِلَتْ عَلى المَعْهُودِ؛ فَلِأنَّ التَلَقِّيَ والعَهْدَ والعَزْمَ عَلى ذَلِكَ يَقُومُ مَقامَ المُواعَدَةِ.
(p-١١٧)وَقَصَصُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى لِما أنْجى بَنِي إسْرائِيلَ، وغَرِقَ فِرْعَوْنُ، وعَدَ سُبْحانَهُ وتَعالى بَنِي إسْرائِيلَ ومُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَسِيرُوا إلى جانِبِ طُورِ سَيْناءَ لِيُكَلِّمْ فِيهِ مُوسى ويُناجِيَهُ بِما فِيهِ صَلاحُهم بِأوامِرِهِمْ ونَواهِيهِمْ، فَلَمّا أخَذُوا في السَيْرِ تَعَجَّلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِلِقاءِ رَبِّهِ حَسْبَما يَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا الطُورِ هو الَّذِي كَلَّمَ اللهُ تَعالى فِيهِ مُوسى أوَّلًا حَيْثُ رَأى النارَ وكانَ في طَرِيقِهِ مِنَ الشامِ إلى مِصْرَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَيْسَ بِهِ، و "الطُورُ": الجَبَلُ الَّذِي لا شُعَراءَ فِيهِ، وقَوْلُهُ: "الأيْمَنُ" إمّا أنْ يُرِيدَ اليَمَنَ، وإمّا أنْ يُرِيدَ اليَمِينَ بِالإضافَةِ إلى "ذِي يَمِينٍ"، إنْسانٍ أو غَيْرِهِ. و "المَنَّ والسَلْوى" طَعامُهُمْ، وقَدْ مَضى في البَقَرَةِ اسْتِيعابُ تَفْسِيرِهِما.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ يُرِيدُ الحَلالَ المُلِذَّ؛ لِأنَّ المَعْنى في هَذا المَوْضِعِ قَدْ جَمَعَهُما. واخْتَلَفَ الناسُ ما المَقْصُودُ الأوَّلُ بِلَفْظَةِ "الطَيِّبِ" في القُرْآنِ، فَقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: الحَلالُ، وقالَ الشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ما يَطِيبُ لِلنُّفُوسِ، وساقَ إلى هَذا الخِلافِ تَفَقُّهُهم في الخِشاشِ والمُسْتَقْذَرِ مِنَ الحَيَوانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ مَعْناهُ: تَتَعَدَّوْنَ الحَدَّ وتَتَعَسَّفُونَ كالَّذِي فَعَلُوا. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَيَحِلُّ" بِكَسْرِ الحاءِ، و "يُحَلِّلُ" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "فَيَحُلُّ" بِضَمِّ الحاءِ، و"يَحْلُلُ" بِضَمِّ اللامِ، ومَعْنى الأوَّلِ: فَيَجِبُ ويَحِقُّ، ومَعْنى الثانِي: فَيَقَعُ ويَنْزِلُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ هَوى﴾ مَعْناهُ: سَقَطَ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ خَنافِرَ:
؎ فَهَوى هَوْيَ العِقابِ
(p-١١٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنْ لَمْ يَكُنْ سُقُوطًا فَهو تَشْبِيهٌ بِالساقِطِ، والسُقُوطُ حَقِيقَةٌ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ ....................... ∗∗∗ هُوِيَّ الدَلْوِ أرْسَلَهُ الرِشاءُ
وشَبَّهَ الَّذِي وقَعَ في طامَّةٍ أو ورْطَةٍ بَعْدَ أنْ كانَ بِنَجْوَةٍ مِنها بِالساقِطِ، فالآيَةُ مِن هَذا، أيْ: هَوِيَ في جَهَنَّمَ وفي سُخْطِ اللهِ، وقِيلَ: أُخِذَ الفِعْلُ مِنَ الهاوِيَةِ وهو قَعْرُ جَهَنَّمَ.
ولِما حَذَّرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى غَضَبَهُ والطُغْيانَ في نِعَمِهِ فَتَحَ بابَ الرَجاءِ لِلتّائِبِينَ، والتَوْبَةُ فَرْضٌ عَلى جَمِيعِ الناسِ لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النُورِ: ﴿وَتُوبُوا إلى اللهِ جَمِيعًا أيُّهَ المُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١] [النُورُ: ٣١]، والناسُ فِيهِ عَلى مَراتِبَ: إمّا مُواقِعُ الذَنَبِ وقُدْرَتُهُ عَلى ذَلِكَ باقِيَةٌ فَتَوْبَتُهُ النَدَمُ عَلى ما مَضى والإقْلاعُ التامُّ عن مِثْلِهِ في المُسْتَقْبَلِ، وإمّا الَّذِي واقَعَ الذَنْبَ ثُمْ زالَتْ قُدْرَتُهُ عَلى ذَلِكَ مِن شَيْخٍ أو بِآفَةٍ فَتَوْبَتُهُ النَدَمُ واعْتِقادُ التَرْكِ إنْ لَوْ كانَتْ قُدْرَةٌ، وأمّا مَن لَمْ يُواقِعْ ذَنْبًا فَتَوْبَتُهُ العَزْمُ عَلى تَرْكِ كُلِّ ذَنْبٍ، والتَوْبَةُ مِن ذَنْبٍ تَصِحُّ مَعَ الإقامَةِ عَلى غَيْرِهِ، وهي تَوْبَةٌ مُقَيَّدَةٌ، وإذا تابَ العَبْدُ ثُمْ عاوَدَ الذَنْبَ بِعَيْنِهِ بَعْدَ مُدَّةٍ فَيَحْتَمِلُ حُذّاقُ أهْلِ السُنَّةِ ألّا يُعِيدَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ الذَنْبَ الأوَّلَ؛ لِأنَّ التَوْبَةَ كانَتْ مَحْضَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يُعِيدَهُ لِأنَّها تَوْبَةٌ لَمْ يُوفِ بِها.
واضْطَرَبَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ مِن حَيْثُ وجَدُوا الهُدى ضِمْنَ الإيمانِ والعَمَلِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: ثُمْ لَزِمُ الإسْلامَ حَتّى يَمُوتَ عَلَيْهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: لَمْ يَشُكَّ في إيمانِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: ثُمُ اسْتَقامَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ثُمْ أخَذَ بِسُنَّةِ (p-١١٩)نَبِيِّهِ ﷺ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: ثُمْ أصابَ العَمَلَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: ثُمْ عَرَفَ أمْرَ مَشِيبِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: والى أهْلَ البَيْتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ كُلُّها تَخْصِيصُ واحِدٍ مِنها دُونَ ما هو مِن نَوْعِهِ بَعِيدٌ لَيْسَ بِالقَوِيِّ، والَّذِي يَقْوى في مَعْنى "ثُمُ اهْتَدى" أنْ يَكُونَ: ثُمْ حَفِطَ مُعْتَقَداتِهِ مِن أنْ يُخالِفَ الحَقَّ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، فَإنَّ الِاهْتِداءَ - عَلى هَذا الوَجْهِ - غَيْرُ الإيمانِ وغَيْرُ العَمَلِ، ورُبَّ مُؤْمِنٍ عَمِلَ صالِحًا قَدْ أوبَقَهُ عَدَمُ الِاهْتِداءِ كالقَدَرِيَّةِ والمُرْجِئَةِ وسائِرِ أهْلِ البِدَعِ والخَوارِجِ، فَمَعْنى "ثُمُ اهْتَدى": ثُمْ مَشى في عَقائِدِ الشَرْعِ عَلى طَرِيقٍ قَوِيمٍ، جَعَلَنا اللهُ تَعالى مِنهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي حِفْظِ المُعْتَقَداتِ يَنْحَصِرُ عِظَمُ أمْرِ الشَرْعِ.
20:83–86Page 317
۞ وَمَآ أَعۡجَلَكَ عَن قَوۡمِكَ يَٰمُوسَىٰ ٨٣
[Allāh said], "And what made you hasten from your people, O Moses?"
قَالَ هُمۡ أُوْلَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِي وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ ٨٤
He said, "They are close upon my tracks, and I hastened to You, my Lord, that You be pleased."
قَالَ فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ مِنۢ بَعۡدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ ٨٥
[Allāh] said, "But indeed, We have tried your people after you [departed], and the Sāmirī1 has led them astray."
فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَمۡ يَعِدۡكُمۡ رَبُّكُمۡ وَعۡدًا حَسَنًاۚ أَفَطَالَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡعَهۡدُ أَمۡ أَرَدتُّمۡ أَن يَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُم مَّوۡعِدِي ٨٦
So Moses returned to his people, angry and grieved.1 He said, "O my people, did your Lord not make you a good promise?2 Then, was the time [of its fulfillment] too long for you, or did you wish that wrath from your Lord descend upon you, so you broke your promise [of obedience] to me?"
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما أعْجَلَكَ عن قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السامِرِيُّ﴾ ﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾
قِصَصُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا شَرَعَ في النُهُوضِ بِبَنِي إسْرائِيلَ إلى جانِبِ الطُورِ الأيْمَنِ حَيْثُ كانَ المَوْعِدُ أنْ يُكَلِّمُ اللهُ مُوسى بِما فِيهِ شَرَّفَ العاجِلَ والآجِلَ، رَأى - عَلى جِهَةِ الِاجْتِهادِ - أنْ يَتَقَدَّمَ وحْدَهُ مُبادِرًا إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وحِرْصًا عَلى القُرْبِ، وشَوْقًا إلى مُناجاتِهِ، واسْتَخْلَفَ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ لَهم مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: تَسِيرُونَ إلى جانِبِ الطُورِ، فَلَمّا انْتَهى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وناجى رَبَّهُ، زادَهُ في الأجَلِ عَشْرًا، وحِينَئِذٍ وقَفَهُ عَلى مَعْنى اسْتِعْجالِهِ دُونَ القِيامِ لِيُخْبِرَهُ مُوسى أنَّهم عَلى الأثَرِ فَيَقَعُ الإعْلامُ لَهُ بِما صَنَعُوا.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أُولاءِ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: "أولايَ" بِفَتْحِ الياءِ. وقَوْلُهُ: "عَلى (p-١٢٠)أثَرِي" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عَلى أثَرِي" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والثاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عَلى إثْرِي" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثاءِ.
وأعْلَمَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ إنَّما اسْتَعْجَلَ طَلَبَ الرِضا، فَأعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ قَدْ فَتَنَ بَنِي إسْرائِيلَ، أيِ اخْتَبَرَهم بِما صَنَعَهُ السامِرِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ألْقَيْناهم في فِتْنَةٍ، أيْ في مَيْلٍ مَعَ الشَهَواتِ، ووُقُوعٍ في اخْتِلافِ كَلِمَةٍ، وقَوْلُهُ: "مِن بَعْدِكَ" أيْ مِن بَعْدِ فِراقِكَ لَهم. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَأضَلَّهُمُ السامِرِيُّ " عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى السامِرِيِّ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَأضَلُّهُمُ السامِرِيُّ " بِضَمِّ اللامِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ عَنِ السامِرِيِّ أنَّهُ أضَلُّ القَوْمِ.
و" السامِرِيُّ " رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ويُقالُ: إنَّهُ كانَ ابْنُ خالِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَمْ يَكُنْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، بَلْ كانَ أصْلُهُ مِنَ العَجَمِ مَن أهْلِ كَرْمانَ، والأوَّلُ أصَحُّ، وكانَ قَصَصُ السامِرِيِّ أنَّهُ كانَ مُنافِقًا عِنْدَهُ حِيَلٌ وسِحْرٌ، وقَبَضَ القَبْضَةَ مِن أثَرِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وعَلِمْ بِما أقْدَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ لِفِتْنَةِ القَوْمِ أنَّهُ يَتَهَيَّأُ لَهُ بِتِلْكَ القَبْضَةِ ما يُرِيدُ مِمّا يَجُوزُ عَلى اللهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ لَوِ ادَّعى النُبُوءَةَ مَعَ ذَلِكَ العَجَلِ لَما صَحَّ ولا جازَ أنْ يَخُورَ ولا أنْ تَتِمُ الحِيلَةُ فِيهِ، لَكِنَّهُ لَمّا ادَّعى لَهُ الرُبُوبِيَّةَ، وعَلاماتُ كَذِبِهِ قائِمَةٌ لائِحَةٌ صَحَّتِ الفِتْنَةُ بِهِ وجازَ ذَلِكَ عَلى اللهِ تَعالى، كَقِصَّةِ الدَجّالِ الَّذِي تُخْرَقُ لَهُ العاداتُ لِأنَّهُ مُدَّعِي الرُبُوبِيَّةِ، ولَوْ كانَ مُدَّعِيَ نُبُوءَةٍ لَما صَحَّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. فَلَمّا رَأى السامِرِيُّ مُوسى قَدْ غابَ، ورَأى بَقِيَّةَ بَنِي إسْرائِيلَ في طَلَبِهِمْ مِن مُوسى آلِهَةً حِينَ مَرُّوا عَلى قَوْمٍ يَعْبُدُونَ أصْنامًا عَلى صِفَةِ البَقَرِ. وقِيلَ: كانَتْ بَقَرًا حَقِيقَةً - عَلِمْ أنَّهُ سَيَفْتِنُهم مِن هَذِهِ الطَرِيقِ. فَيُرْوى أنَّهُ قالَ لَهُمْ: إنَّ الحُلِيَّ الَّذِي عِنْدَكم مِن مالِ القِبْطِ قَبِيحٌ بِكم حَبْسُهُ، ولَكِنِ اجْمَعُوهُ عِنْدِي حَتّى يَحْكُمُ اللهُ لَكم فِيهِ، وقِيلَ إنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ أمَرَهم بِجَمْعِهِ ووَضْعِهِ في حُفْرَةٍ حَتّى يَجِيءَ مُوسى ويَسْتَأْذِنَ فِيهِ رَبَّهُ، وقِيلَ: بَلْ كانَ المالُ الَّذِي جَمَعُوهُ لِلسّامِرِيِّ مِمّا لَفَظَ البَحْرُ مِن أمْوالِ القِبْطِ الغارِقِينَ مَعَ فِرْعَوْنَ، فَرُوِيَ - مَعَ هَذا الِاخْتِلافِ - أنَّ الحُلِيَّ اجْتَمَعَ عِنْدَ السامِرِيِّ، وأنَّهُ صاغَ العِجْلَ وألْقى القَبْضَةَ فِيهِ فَخارَ. ورُوِيَ - وهو الأصَحُّ والأكْثَرُ - أنَّهُ ألْقى الناسُ الحُلِيَّ في حُفْرَةٍ أو نَحْوِها، وألْقى هو (p-١٢١)عَلَيْها القَبْضَةَ، فَتَجَسَّدَ العِجْلُ، وهَذا وجْهُ فِتْنَةِ اللهِ تَعالى لَهُمْ، وعَلى هَذا نَقُولُ: انْخَرَقَتْ لِلسّامِرِيِّ عادَةٌ، وأمّا عَلى أنْ يَصُوغَهُ فَلَمْ تَتَخَرَّقْ لَهُ عادَةٌ، وإنَّما فُتِنُوا حِينَئِذٍ بِخُوارِهِ فَقَطْ، وذَلِكَ الصَوْتُ قَدْ يُولَدُ في الأجْرامِ بِالصَنْعَةِ، فَلَمّا أخْبَرَ اللهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِما وقَعَ رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا عَلَيْهِمْ مِن حَيْثُ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى تَغْيِيرِ مُنْكَرِهِمْ.
وقَوْلُهُ: "أسِفًا" أيْ: حَزِينًا، مِن حَيْثُ عَلِمْ أنَّهُ مَوْضِعُ عُقُوبَةٍ لا بُدَّ لَهُ بِدَفْعِها، ولا بُدَّ مِنها، و"الأسَفُ" في كَلامِ العَرَبِ مَتى كانَ مِن ذِي قُدْرَةٍ عَلى مَن دُونَهُ فَهو غَضَبٌ، ومَتى كانَ مِنَ الأقَلِّ عَلى الأقْوى فَهو حُزْنٌ. وتَأمَّلْ ذَلِكَ فَهو مُطَّرِدٌ إنْ شاءَ اللهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences