Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
الأنبياء
Al-Anbya
The Prophets · Meccan · 112 ayahs
21:1–2Page 322
ٱقۡتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمۡ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ مُّعۡرِضُونَ ١
[The time of] their account has approached for the people, while they are in heedlessness turning away.
مَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّن رَّبِّهِم مُّحۡدَثٍ إِلَّا ٱسۡتَمَعُوهُ وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ ٢
No mention [i.e., revelation] comes to them anew from their Lord except that they listen to it while they are at play
(p-١٥١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الأنْبِياءِ
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وكانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: (الكَهْفُ ومَرْيَمُ وطَهَ والأنْبِياءُ مِنَ العَتاقِ الأوَّلِ، وهي مِن تِلادِي)، يُرِيدُ: مِن قَدِيمِ ما كَسَبْتُ وحَفِظْتُ مِنَ القُرْآنِ كالمالِ التِلادِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ﴾
رَوِيَ «أنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كانَ يَبْنِي جِدارًا، فَمَرَّ بِهِ آخَرُ في يَوْمِ نُزُولِ هَذِهِ السُورَةِ، فَقالَ الَّذِي كانَ يَبْنِي الجِدارَ: ماذا نَزَلَ اليَوْمَ مِنَ القُرْآنِ؟ فَقالَ لَهُ الآخَرُ: نَزَلَ اليَوْمَ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾، فَنَفَضَ يَدَهُ مِنَ البُنْيانِ وقالَ: واللهِ لا بُنِيَتْ أبَدًا وقَدِ اقْتَرَبَ الحِسابُ.»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ الناسِ وإنْ كانَ المُشارُ إلَيْهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ كَفارَّ قُرَيْشٍ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما بَعْدُ مِنَ الآياتِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ يُرِيدُ الكُفّارَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَتَّجِهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى العُصاةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ قِسْطُهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَأْتِيهِمْ﴾ وما بَعْدَهُ مُخْتَصٌّ بِالكُفّارِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ مِمّا يَنْزِلُ مِنَ القُرْآنِ، وقَوْلُهُ: "مُحْدَثٍ" يُرِيدُ نُزُولَهُ وإتْيانَهُ (p-١٥٢)إيّاهُمْ، لا هو في نَفْسِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِالذِكْرِ أقْوالُ النَبِيِّ ﷺ في أمْرِ الشَرِيعَةِ، ووَعْظُهُ وتَذْكِيرُهُ، فَهو مُحْدَثٌ عَلى الحَقِيقَةِ، وجَعْلِهِ "مِن رَبِّهِمْ" مِن حَيْثُ إنَّ النَبِيَّ ﷺ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى، ولا يَقُولُ إلّا ما هو مِن عِنْدِ اللهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الذِكْرُ" الرَسُولُ نَفْسُهُ، واحْتَجَّتْ بِقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿قَدْ أنْزَلَ اللهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ [الطلاق: ١٠] ﴿رَسُولا يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ﴾ [الطلاق: ١١]، فَهو مُحْدَثٌ عَلى الحَقِيقَةِ، ويَكُونُ مَعْنى "اسْتَمَعُوهُ" بِمَعْنى: اسْتَمَعُوا إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَهم يَلْعَبُونَ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أيِ: اسْتِماعُهم في حالِ لَعِبٍ، فَهو غَيْرُ نافِعٍ ولا واصِلُ النَفْسِ.
21:3–4Page 322
لَاهِيَةٗ قُلُوبُهُمۡۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلۡ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡۖ أَفَتَأۡتُونَ ٱلسِّحۡرَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ ٣
With their hearts distracted. And those who do wrong conceal their private conversation, [saying], "Is this [Prophet] except a human being like you? So would you approach magic while you are aware [of it]?"
قَالَ رَبِّي يَعۡلَمُ ٱلۡقَوۡلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٤
He [the Prophet (ﷺ)] said, "My Lord knows whatever is said throughout the heaven and earth, and He is the Hearing, the Knowing."
قوله عزّ وجلّ:
﴿لاهِيَةً قُلُوبُهم وأسَرُّوا النَجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم أفَتَأْتُونَ السِحْرَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَماءِ والأرْضِ وهو السَمِيعُ العَلِيمُ﴾
قَوْلُهُ: "لاهِيَةً" حالٌ بَعْدَ حالٍ، واخْتَلَفَ النُحاةُ في إعْرابِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَأسَرُّوا النَجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ - فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهَ أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: "أسَرُّوا" فاعِلٌ، وأنَّ "الَّذِينَ" بَدَلٌ مِنهُ، وأنَّ لُغَةَ "أكَلُونِي البَراغِيثُ" لَيْسَتْ في القُرْآنِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: الواوُ والألْفُ عَلامَةٌ أنَّ الفاعِلَ مَجْمُوعٌ، كالتاءِ في قَوْلِكَ: "قامَتْ هِنْدٌ"، و"الَّذِينَ" فاعِلٌ بِـ "أسَرُّوا"، وهَذا عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "أكَلُونِي البَراغِيثُ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ فاعِلٌ، و"الَّذِينَ" مُرْتَفِعٌ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: أسَرَّها الَّذِينَ، أو قالَها الَّذِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والوُقُوفُ عَلى "النَجْوى" في هَذا القَوْلِ وفي القَوْلِ الأوَّلِ أُحْسِنُ، ولا يُحْسَنُ في الثانِي. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الَّذِينَ" مُرْتَفِعٌ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا، والوَقْفُ مَعَ هَذا حَسَنٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الَّذِينَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ تَقْدِيرِهِ: أعْنِي الَّذِينَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الَّذِينَ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلٌ مِنَ "الناسِ" في قَوْلِهِ: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١].
(p-١٥٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ أقْوالٌ ضَعِيفَةٌ.
ومَعْنى: " أسَرُّوا النَجْوى ": تَكَلَّمُوا بَيْنَهم بِالسِرِّ والمُناجاةِ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أسَرُّوا": أظْهَرُوا، وهو مِنَ الأضْدادِ، ثُمْ بَيَّنَ تَعالى الأمْرَ الَّذِي تَناجَوْا بِهِ وهو قَوْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: ﴿هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، ثُمْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ في الجَهالَةِ -: ﴿أفَتَأْتُونَ السِحْرَ﴾، أيْ ما يَقُولُ، شَبَّهُوهُ بِالسِحْرِ، المَعْنى: أفَتَتَّبِعُونَ السِحْرَ؟ ﴿وَأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾، أيْ تُدْرِكُونَ أنَّهُ سِحْرٌ، وتَعْلَمُونَ ذَلِكَ، كَأنَّهم قالُوا: تَضِلُّونَ عَلى بَيِّنَةٍ ومَعْرِفَةٍ، ثُمْ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَقُولَ لَهم ولِلنّاسِ جَمِيعًا: ﴿رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَماءِ والأرْضِ﴾، أيْ: يَعْلَمُ أقْوالَكم هَذِهِ وهو بِالمِرْصادِ في المُجازاةِ عَلَيْها.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "قُلْ رَبِّي"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "قالَ رَبِّي" عَلى مَعْنى الخَبَرِ عن نَبِيِّهِ ﷺ، واخْتُلِفَ عن عاصِمْ، قالَ الطَبَرَيْ رَحِمَهُ اللهُ: وهُما قِراءَتانِ مُسْتَفِيضَتانِ في قِراءَةِ الأمْصارِ.
21:5–8Page 322
بَلۡ قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمِۭ بَلِ ٱفۡتَرَىٰهُ بَلۡ هُوَ شَاعِرٞ فَلۡيَأۡتِنَا بِـَٔايَةٖ كَمَآ أُرۡسِلَ ٱلۡأَوَّلُونَ ٥
But they say, "[The revelation is but] a mixture of false dreams; rather, he has invented it; rather, he is a poet. So let him bring us a sign just as the previous [messengers] were sent [with miracles]."
مَآ ءَامَنَتۡ قَبۡلَهُم مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَآۖ أَفَهُمۡ يُؤۡمِنُونَ ٦
Not a [single] city which We destroyed believed before them,1 so will they believe?
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٧
And We sent not before you, [O Muḥammad], except men to whom We revealed [the message], so ask the people of the message [i.e., former scriptures] if you do not know.
وَمَا جَعَلۡنَٰهُمۡ جَسَدٗا لَّا يَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَٰلِدِينَ ٨
And We did not make them [i.e., the prophets] forms not eating food,1 nor were they immortal [on earth].
قوله عزّ وجلّ:
﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ بَلْ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أفَهم يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَعامَ وما كانُوا خالِدِينَ﴾
لَمّا اقْتَضَتِ الآيَةُ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ أنَّهم قالُوا إنَّ ما عِنْدَهُ سِحْرٌ، عَدَّدَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ جَمِيعَ ما قالَتْهُ طَوائِفُهُمْ، ووَقَعَ الإضْرابُ بِكُلِّ مَقالَةٍ عَنِ المُتَقَدِّمَةِ لَها لِيَتَبَيَّنَ اضْطِرابُ أمْرِهِمْ، فَهو إضْرابٌ عن جَحْدٍ مُتَقَدِّمْ لِأنَّ الثانِي لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ في نَفْسِهِ. و"الأضْغاثُ": الأخْلاطُ، وأصْلُ الضِغْثِ: القَبْضَةُ المُخْتَلِطَةُ مِنَ العُشْبِ والحَشِيشِ، فَشُبِّهَتْ تَخالِيطُ الحُلْمِ بِذَلِكَ، وهو ما لا يَتَفَسَّرُ ولا يَتَحَصَّلُ، ثُمْ حَكى قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ مُفْتَرٍ قاصِدٌ لِلْكَذِبِ،ثُمْ حُكِيَ قَوْلُ مَن قالَ: شاعِرٌ، وهي مَقالَةُ فِرْقَةٍ عامِّيَّةٍ مِنهُمْ، لِأنَّ نُبَلاءَ العَرَبِ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ بِالبَدِيهَةِ أنَّ مَبانِيَ القُرْآنِ لَيْسَتْ مَبانِي شِعْرٍ، ثُمْ حَكى (p-١٥٤)اقْتِراحَهم وتَمَنِّيهِمْ آيَةً تَضْطَرُّهم وتَكُونُ في غايَةِ الوُضُوحِ كَناقَةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَلامُ وغَيْرِها. وقَوْلُهُ: ﴿كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ دالٌّ عَلى مَعْرِفَتِهِمْ بِإتْيانِ الرُسُلِ الأُمَمَ المُتَقَدِّمَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ قَبْلَهُ كَلامٌ مُقَدَّرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: والآيَةُ الَّتِي طَلَبُوها عادَتُنا أنَّ القَوْمَ إنْ كَفَرُوا بِها عاجَلْناهُمْ، وما آمَنَتْ قَرْيَةٌ مِنَ القُرى الَّتِي نَزَلَتْ بِها هَذِهِ النازِلَةُ، أفَهَذِهِ كانَتْ تُؤْمِنُ. وقَوْلُهُ: "أهْلَكْناها" جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِلْقَرْيَةِ، والجُمْلَةُ إذا اتَّبَعَتِ النَكِراتِ فَهي صِفاتٌ لَها، وإذا اتَّبَعَتِ المَعارِفَ فَهي أحْوالٌ مِنها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلا رِجالا﴾ رَدٌّ عَلى فِرْقَةٍ مِنهم كانُوا يَسْتَبْعِدُونَ أنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنَ البَشَرِ رَسُولًا يَشُفُّ عَلى نَوْعِهِ مِنَ البَشَرِ بِهَذا القَدْرِ مِنَ الفَضْلِ، فَمَثَّلَ اللهُ تَعالى في الرَدِّ عَلَيْهِمْ بِمَن سَبَقَ مِنَ الرُسُلِ مِنَ البَشَرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُوحى" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمْ: "نُوحِي" بِالنُونِ، ثُمْ أحالَهم عَلى سُؤالِ أهْلِ الذِكْرِ مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ قُرَيْشٍ كِتابٌ ولا أثارَةٌ مِن عِلْمٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في أهْلِ الذِكْرِ، مَن هُمْ؟ فَرُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ أنَّهُ قالَ: أنا مِن أهْلِ الذِكْرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هم أحْبارُ أهْلِ الكِتابِ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: أنا مِن أهْلِ الذِكْرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مَوْضِعٌ يَنْبَغِي أنْ يُتَأمَّلَ؛ وذَلِكَ أنَّ الذَكَرَ هو كُلُّ ما يَأْتِي مِن تَذْكِيرِ اللهِ عِبادَهُ، فَأهْلُ القُرْآنِ أهْلُ ذِكْرٍ، وهَذا أرادَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأمّا المُحالُ عَلى سُؤالِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونُوا أهْلَ القُرْآنِ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ لِأنَّهم كانُوا خُصُومَهُمْ، وإنَّما أُحِيلُوا عَلى سُؤالِ أحْبارِ أهْلِ الكِتابِ مِن حَيْثُ كانُوا مُوافِقِينَ لَهم عَلى تَرْكِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَتَجِيءُ شَهادَتُهم - بِأنَّ الرُسُلَ قَدِيمًا مِنَ البَشَرِ لا مَطْعَنَ فِيها - لازِمَةٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْناهم جَسَدًا﴾، قِيلَ: الجَسَدُ مِنَ الأشْياءِ يَقَعُ عَلى ما لا (p-١٥٥)يَتَغَذّى، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عِجْلا جَسَدًا﴾ [طه: ٨٨]، فَمَعْنى هَذا: ما جَعَلْناهم أجْسادًا لا تَتَغَذّى، وقِيلَ: الجَسَدُ يَعُمُ المُتَغَذِّي مِنَ الأجْسامِ وغَيْرَ المُتَغَذِّي. فالمَعْنى: ما جَعَلْناهم أجْسادًا وجَعَلْناهم مَعَ ذَلِكَ لا يَأْكُلُونَ الطَعامَ كالجَماداتِ أو كالمَلائِكَةِ، فَـ ﴿جَعَلْناهم جَسَدًا﴾ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ مَنفِيٌّ، وعَلى الثانِي مُوجَبٌ والنَفْيُ واقِعٌ عَلى صِفَتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَأْكُلُونَ الطَعامَ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الحَدَثِ، ثُمْ نَفى عنهُمُ الخُلْدَ لِأنَّهُ مِن صِفاتِ القَدِيمِ، وكُلُّ مُحْدَثٍ فَغَيْرُ خالِدٍ في دارِ الدُنْيا.
21:9–12Page 322
ثُمَّ صَدَقۡنَٰهُمُ ٱلۡوَعۡدَ فَأَنجَيۡنَٰهُمۡ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهۡلَكۡنَا ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٩
Then1 We fulfilled for them the promise, and We saved them and whom We willed and destroyed the transgressors.
لَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ كِتَٰبٗا فِيهِ ذِكۡرُكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٠
We have certainly sent down to you a Book [i.e., the Qur’ān] in which is your mention.1 Then will you not reason?
وَكَمۡ قَصَمۡنَا مِن قَرۡيَةٖ كَانَتۡ ظَالِمَةٗ وَأَنشَأۡنَا بَعۡدَهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ ١١
And how many a city which was unjust1 have We shattered and produced after it another people.
فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأۡسَنَآ إِذَا هُم مِّنۡهَا يَرۡكُضُونَ ١٢
And when they [i.e., its inhabitants] perceived Our punishment, at once they fled from it.
قوله عزّ وجلّ:
﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ فَأنْجَيْناهم ومَن نَشاءُ وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾ ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾
هَذِهِ وعِيدٌ في ضِمْنِ وصْفِهِ تَعالى سِيرَتَهُ في الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مِن أنَّهُ يُصَدِّقُ مَواعِيدَهُمْ، فَكَذَلِكَ يُصَدِّقُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ ولِأصْحابِهِ ما وعَدَهم مِنَ النَصْرِ وظُهُورِ الكَلِمَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن نَشاءُ﴾ يَعْنِي مِنَ المُؤْمِنِينَ. و"المُسْرِفُونَ": الكُفّارُ المُفَرِّطُونَ في غَيِّهِمْ وكُفْرِهِمْ، وكُلُّ مِن تَرَكَ الإيمانَ مُسْرِفٌ.
ثُمْ وبَّخَهم تَبارَكَ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾، والكِتابُ: القُرْآنُ، وقَوْلُهُ: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فِيهِ الذِكْرُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللهُ إلَيْكم بِأمْرِ دِينِكم وآخِرَتِكم ونَجاتِكم مِن عَذابِهِ، فَأضافَ الذِكْرَ إلَيْهِمْ حَيْثُ هو في أمْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فِيهِ شَرَفُكم وذِكْرُكم آخِرَ الدَهْرِ كَما تُذْكَرُ عِظامُ الأُمُورِ، وفي هَذا تَحْرِيضٌ، ثُمْ تَأكَّدَ التَحْرِيضُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾، وحَرَّكَهم ذَلِكَ إلى النَظَرِ.
ثُمْ مَثَّلَ لَهم عَلى جِهَةِ التَوَعُّدِ بِمَن سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ، و"كَمْ" لِلتَّكْثِيرِ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "قَصَمْنا"، و"قَصَمْنا" مَعْناهُ: أهْلَكْنا، وأصْلُ القَصْمِ: الكَسْرُ في الأجْرامِ، فَإذا اسْتُعِيرَ لِلْقَوْمِ أوِ القَرْيَةِ ونَحْوِهِ فَهو ما يُشْبِهُ الكَسْرَ، وهو إهْلاكُهُمْ، فَأوقَعَ هَذِهِ الأُمُورَ عَلى القَرْيَةِ، والمُرادُ أهْلُها، وهَذا مَهِيعٌ كَثِيرٌ، ومِنهُ: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء: ٦]، وقَوْلُهُ: ﴿وَأنْشَأْنا بَعْدَها﴾ مَعْناهُ: خَلَقْنا وأثْبَتْنا أُمَّةً أُخْرى غَيْرَ المُهْلَكَةِ.
(p-١٥٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾ وصْفٌ عن قَرْيَةٍ مِنَ القُرى المُجْمَلَةِ أوَّلًا، قِيلَ: كانَتْ بِاليَمَنِ تُسَمّى حَضُوراءُ بَعَثَ اللهُ تَعالى إلى أهْلِها رَسُولًا فَقَتَلُوهُ، فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ بُخْتَ نَصْرَ صاحِبَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَهَزَمُوا جَيْشَهُ مَرَّتَيْنِ، فَنَهَضَ في الثالِثَةِ إلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ، فَلَمّا هَزَمَهم وأعْمَلَ القَتْلَ فِيهِمْ رَكَضُوا هارِبِينَ، ويُحْتَمَلُ ألّا يُرِيدَ بِالآيَةِ قَرْيَةً بِعَيْنِها، وأنَّهُ واصِفُ كُلِّ قَرْيَةٍ مِنَ القُرى المُعَذَّبَةِ، وأنَّ أهْلَ كُلِّ قَرْيَةٍ كانُوا إذا أحَسُّوا العَذابَ مِن أيِّ نَوْعٍ كانَ أخَذُوا في الفِرارِ، و"أحَسُّوا": باشَرُوهُ بِالحَواسِّ. و"الرَكْضُ": تَحْرِيكُ القَدَمِ عَلى الصِفَةِ المَعْهُودَةِ، والفارُّ والجارِي بِالجُمْلَةِ راكِضٌ، إمّا دابَّةٌ وإمّا الأرْضُ تَشْبِيهًا بِالدابَّةِ.
21:13–16Page 323
لَا تَرۡكُضُواْ وَٱرۡجِعُوٓاْ إِلَىٰ مَآ أُتۡرِفۡتُمۡ فِيهِ وَمَسَٰكِنِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡـَٔلُونَ ١٣
[Some angels said], "Do not flee but return to where you were given luxury and to your homes - perhaps you will be questioned."1
قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ١٤
They said, "O woe to us! Indeed, we were wrongdoers."
فَمَا زَالَت تِّلۡكَ دَعۡوَىٰهُمۡ حَتَّىٰ جَعَلۡنَٰهُمۡ حَصِيدًا خَٰمِدِينَ ١٥
And that declaration of theirs did not cease until We made them [as] a harvest [mowed down], extinguished [like a fire].
وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ ١٦
And We did not create the heaven and earth and that between them in play.
قوله عزّ وجلّ:
﴿لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهم حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ ﴿وَما خَلَقْنا السَماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾
يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَرْكُضُوا﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ رِجالِ بُخْتَ نَصْرَ عَلى الرِوايَةِ المُتَقَدِّمَةِ، فالمَعْنى عَلى هَذا أنَّهم خَدَعُوهم واسْتَهْزَءُوا بِهِمْ بِأنْ قالُوا لِلْهارِبِينَ مِنهُمْ: لا تَفِرُّوا وارْجِعُوا إلى مَواضِعِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ صُلْحًا أو جِزْيَةً أو أمْرًا يُتَّفَقُ عَلَيْهِ، فَلَمّا انْصَرَفُوا أمَرَ بُخْتَ نَصْرَ أنْ يُنادى فِيهِمْ: يا ثارّاتِ النَبِيِّ المَقْتُولِ، فَقُتِلُوا بِالسَيْفِ عن آخِرِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
هَذا كُلُّهُ مَرْوِيٌّ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "لا تَرْكُضُوا" إلى آخَرِ الآيَةِ مِن كَلامِ مَلائِكَةِ العَذابِ عَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ، أنَّ الآياتِ وصْفُ قِصَّةِ كُلِّ قَرْيَةٍ، وأنَّهُ لَمْ يُرِدْ تَعْيِينَ حَضُوراءَ ولا غَيْرِها، فالمَعْنى عَلى هَذا أنَّ أهْلَ هَذِهِ القُرى كانُوا بِاغْتِرارِهِمْ يَرَوْنَ أنَّهم مِنَ اللهِ بِمَكانٍ، وأنَّهُ لَوْ جاءَهم عَذابٌ أو أمْرٌ لَمْ يَنْزِلْ بِهِمْ حَتّى يُخاصَمُوا أو يُسْألُوا عن وجْهِ تَكْذِيبِهِمْ لِنَبِيِّهِمْ، فَيَحْتَجُّونَ هم عِنْدَ ذَلِكَ بِحُجَجٍ تَنْفَعُهم في ظَنِّهِمْ، فَلَمّا نَزَلَ العَذابُ دُونَ هَذا الَّذِي أمَّلُوهُ ورَكَضُوا فارِّينَ نادَتْهُمُ المَلائِكَةُ - عَلى وجْهِ الهَزْءِ بِهِمْ -: لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا لَعَلَّكم تُسْألُونَ كَما كُنْتُمْ تَطْمَعُونَ بِسَفَهِ رَأْيِكُمْ، ثُمْ يَكُونُ قَوْلُهُ: "حَصِيدًا" أيْ بِالعَذابِ تَرْكُضُونَ كالحَصِيدِ، و"الإتْرافُ": التَنْعِيمُ، و"دَعْواهُمْ" مَعْناهُ: (p-١٥٧)دُعاؤُهم وكَلامُهُمْ، أيْ: لَمْ يَنْطِقُوا بِغَيْرِ التَأسُّفِ، و"الحَصِيدُ" يُشَبِّهُ بِحَصِيدِ الزَرْعِ بِالمِنجَلِ، الَّذِي رَدَّهُمُ الهَلاكُ كَذَلِكَ، و"خامِدِينَ" أيْ مَوْتى دُونَ أرْواحٍ، مُشَبَّهِينَ بِالنارِ إذا طُفِيَتْ.
ولِما فَرَغَ وصْفُ هَذا الحالِ وعَظَ اللهُ تَعالى السامِعِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما خَلَقْنا السَماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾، أيْ: كَما ظَنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَزَلَ بِهِمْ ما نَزَلَ، وكَما تَظُنُّونَ أيُّها الكَفَرَةُ الآنَ، فَفي الآيَةِ وعِيدٌ بِهَذا الوَجْهِ، والمَعْنى: إنَّما خَلَقَنا هَذا كُلَّهُ لِيُعْتَبَرَ بِهِ ويُنْظَرَ فِيهِ ويُؤْمَنَ بِاللهِ بِحَسَبِهِ.
قالَ بَعْضُ الناسِ: "تُسْئَلُونَ" مَعْناهُ: تُفَهَّمُونَ وتُفَقَّهُونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا تَفْسِيرٌ لا يُعْطِيهِ اللَفْظُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "تُسْئَلُونَ" مَعْناهُ: شَيْئًا مِن أمْوالِكم وعَرَضِ دُنْياكُمْ، عَلى وجْهِ الهَزْءِ.
21:17–18Page 323
لَوۡ أَرَدۡنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهۡوٗا لَّٱتَّخَذۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَٰعِلِينَ ١٧
Had We intended to take a diversion,1 We could have taken it from [what is] with Us - if [indeed] We were to do so.
بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ وَلَكُمُ ٱلۡوَيۡلُ مِمَّا تَصِفُونَ ١٨
Rather, We dash the truth upon falsehood, and it destroys it,1 and thereupon it departs. And for you is destruction from that which you describe.2
قوله عزّ وجلّ:
﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا إنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ ولَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾
ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الرَدُّ عَلى مَن قالَ مِنَ الكَفّارِ أمْرَ مَرْيَمَ وما ضارَعَهُ مِنَ الكُفْرِ، تَعالى اللهُ عن قَوْلِ المُبْطِلِينَ، و"اللهْوُ" في هَذِهِ الآيَةِ: المَرْأةُ، ورُوِيَ أنَّها في بَعْضِ لُغاتِ العَرَبِ تَقَعُ عَلى الزَوْجَةِ، و"إنْ" في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الشَرْطِيَّةَ، بِمَعْنى: لَوْ كُنّا فاعِلِينَ، ولَسْنا كَذَلِكَ، ولِلْمُتَكَلِّمِينَ هُنا اعْتِراضٌ وانْفِصالٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً، بِمَعْنى "ما"، وكُلُّ هَذا قَدْ قِيلَ.
و"الحَقُّ" عامٌّ في القُرْآنِ والرِسالَةِ والشَرْعِ وكُلِّ ما هو حَقٌّ، و"الباطِلُ" أيْضًا عامٌّ كَذَلِكَ، و"يَدْمَغُهُ" مَعْناهُ: يُصِيبُ دِماغَهُ، وذَلِكَ مَهْلِكٌ في البَشَرِ، فَكَذَلِكَ الحَقُّ يُهْلِكُ الباطِلَ، و"الوَيْلُ": الخِزْيُ والهَمُّ، وقِيلَ: هو اسْمُ وادٍ في جَهَنَّمَ فَهو المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهَذِهِ مُخاطِبَةٌ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ وصَفُوا اللهَ تَبارَكَ وتَعالى بِما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ وما لا يَلِيقُ بِهِ، تَعالى اللهُ وتَبارَكَ وتَقَدَّسَ وتَنَزَّهَ عن قَوْلِهِمْ، بَلْ هو كَما وصَفَ نَفْسَهُ، وفَوْقَ ما نَعَتَهُ بِهِ خَلْقُهُ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.
21:19–20Page 323
وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَنۡ عِندَهُۥ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسۡتَحۡسِرُونَ ١٩
To Him belongs whoever is in the heavens and the earth. And those near Him [i.e., the angels] are not prevented by arrogance from His worship, nor do they tire.
يُسَبِّحُونَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لَا يَفۡتُرُونَ ٢٠
They exalt [Him] night and day [and] do not slacken.
(p-١٥٨)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَهُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عن عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَيْلَ والنَهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "وَلَهُ" يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مُعادِلًا لِقَوْلِهِ: "وَلَكُمُ الوَيْلُ"، كَأنَّهُ تَقْسِيمُ الأمْرِ في نَفْسِهِ، أيْ: لِلْمُخْتَلِقِينَ هَذِهِ المَقالَةَ الوَيْلُ ولَهُ تَعالى مَن في السَماواتِ والأرْضِ، واللامُ في "لَهُ" لامُ المِلْكِ، و﴿مَن في السَماواتِ والأرْضِ﴾ يَعُمُ المَلائِكَةَ والنَبِيِّينَ وغَيْرَهُمْ، ثُمْ خَصَّصَ مِن هَذا العُمُومِ مَن أرادَ تَشْرِيفَهُ مِنَ المَلائِكَةِ بِقَوْلِهِ: "وَمَن عِنْدَهُ"؛ لِأنَّ "عِنْدَ" هُنا لَيْسَتْ في المَسافاتِ، وإنَّما هي تَشْرِيفٌ في المَنزِلَةِ، فَوَصَفَهم تَعالى بِأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ عن عِبادَةِ اللهِ، ولا يَسْأمُونَها ولا يَكِلُّونَ فِيها. و"الحَسِيرُ" مِنَ الإبِلِ: المُعْيِي، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ هُنَّ الوَجى كَمْ كُنَّ عَوْنًا عَلى النَوى ولا زالَ مِنها ضالِعٌ وحَسِيرُ
و"حَسَرَ" و"اسْتَحْسَرَ" بِمَعْنًى واحِدٍ، وهَذا مَوْجُودٌ في كَثِيرٍ مِنَ الأفْعالِ، وإنْ كانَ في اسْتَفْعَلَ لِطَلَبِ الشَيْءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "لا يَفْتُرُونَ"، رُوِيَ عن كَعْبِ الأحْبارِ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ قالَ: جَعَلَ اللهُ لَهُمُ التَسْبِيحَ كالنَفَسِ وطَرْفِ العَيْنِ لِلْبَشَرِ، يَقَعُ مِنهم دائِمًا دُونَ أنْ تَلْحَقُهم فِيهِ سَآمَةٌ، وقالَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَيْنَما هو جالِسٌ مَعَ أصْحابِهِ إذْ قالَ: "تَسْمَعُونَ ما أسْمَعُ؟ " قالُوا: ما نَسْمَعُ مِن شَيْءٍ يا رَسُولَ اللهِ. قالَ: "إنِّي لَأسْمَعُ أطِيطَ السَماءِ، وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، لَيْسَ فِيها مَوْضِعُ راحَةٍ إلّا وفِيها مَلَكٌ ساجِدٌ أو قائِمْ"».
21:21–24Page 323
أَمِ ٱتَّخَذُوٓاْ ءَالِهَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ هُمۡ يُنشِرُونَ ٢١
Or have they [i.e., men] taken for themselves gods from the earth who resurrect [the dead]?
لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٢٢
Had there been within them [i.e., the heavens and earth] gods besides Allāh, they both would have been ruined. So exalted is Allāh, Lord of the Throne, above what they describe.
لَا يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡـَٔلُونَ ٢٣
He is not questioned about what He does, but they will be questioned.
أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡۖ هَٰذَا ذِكۡرُ مَن مَّعِيَ وَذِكۡرُ مَن قَبۡلِيۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡحَقَّۖ فَهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٤
Or have they taken gods besides Him? Say, [O Muḥammad], "Produce your proof. This [Qur’ān] is the message for those with me and the message of those before me."1 But most of them do not know the truth, so they are turning away.
(p-١٥٩)قوله عزّ وجلّ:
﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هم يُنْشِرُونَ﴾ ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللهُ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم هَذا ذِكْرُ مِن مَعِيَ وذِكْرُ مِن قَبْلِي بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ فَهم مُعْرِضُونَ﴾
هَذِهِ "أمُ" الَّتِي هي بِمَنزِلَةِ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، وهي هُنا تَقْرِيرٌ وتَوْقِيفٌ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها بِمَنزِلَةِ "بَلْ" مَعَ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، كَأنَّ في القَوْلِ إضْرابًا عَنِ الأوَّلِ ووَقَفَهُمُ اللهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: هَلِ اتَّخَذُوا آلِهَةً يُحْيُونَ ويَخْتَرِعُونَ؟ أيْ: لَيْسَتْ آلِهَتُكم كَذَلِكَ، فَهي غَيْرُ آلِهَةٍ؛ لِأنَّ مِن صِفَةِ الإلَهِ القُدْرَةَ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُنْشِرُونَ" بِضَمِّ الياءِ، بِمَعْنى: يُحْيُونَ غَيْرَهُمْ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: "يَنْشُرُونَ" بِمَعْنى يَحْيَوْنَ هم وتُدُومُ حَياتُهُمْ، يُقالُ: نَشَرَ المَيِّتُ وأنْشَرَهُ اللهُ.
ثُمْ بَيَّنَ تَبارَكَ وتَعالى أمْرَ التَمانُعِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللهُ لَفَسَدَتا﴾، وذَلِكَ بِأنَّهُ كانَ يَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويَذْهَبُ بِما خَلَقَ، واقْتِضابُ القَوْلِ في هَذا أنَّ إلَهَيْنِ لَوْ فُرِضا فَرَّقَ بَيْنَهُما الِاخْتِلافُ في تَحْرِيكِ جِرْمٍ وتَسْكِينِهِ، فَمُحالٌ أنْ تَتِمُ الإرادَتانِ، ومُحالٌ ألّا تَتِمّا جَمِيعًا، وإذا تَمَّتِ الواحِدَةُ كانَ صاحِبُ الأُخْرى عاجِزًا، وهَذا لَيْسَ بِإلَهٍ، وجَوازُ الِاخْتِلافِ عَلَيْهِما بِمَنزِلَةِ وُقُوعِهِ مِنهُما. ونَظَرٌ آخَرُ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ جُزْءٍ يَخْرُجُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ فَمُحالٌ أنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ قُدْرَتانِ، فِإذا كانَتْ قُدْرَةُ أحَدِهِما تُوجِدُ بَقِيَ الآخَرُ فَضْلًا لا مَعْنًى لَهُ في ذَلِكَ الجُزْءِ، ثُمْ يَتَمادى النَظَرُ هَكَذا جُزْءًا جُزْءًا. ثُمْ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ عَمّا وصَفَهُ أهْلُ الجَهالَةِ والكُفْرِ.
ثُمْ وصَفَ نَفْسَهُ تَعالى بِأنَّهُ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾، وهَذا وصْفٌ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: إمّا أنْ (p-١٦٠)يُرِيدَ أنَّهُ بِحَقِّ مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ لا يُعارَضُ ولا يُسْألُ عن شَيْءٍ يَفْعَلُهُ؛ إذْ لَهُ أنْ يَفْعَلَ في مُلْكِهِ ما يَشاءُ، وإمّا أنْ يُرِيدَ أنَّهُ مُحْكًمُ الأفْعالِ وواضِعُ كُلِّ شَيْءٍ مَوْضِعَهُ، فَلَيْسَ في أفْعالِهِ سُؤالٌ ولا اعْتِراضٌ. وهَؤُلاءِ مِنَ البَشَرِ يُسْألُونَ لِهاتَيْنِ العِلَّتَيْنِ؛ لِأنَّهم لَيْسُوا مالِكِينَ، ولِأنَّهم في أفْعالِهِمْ خَلَلٌ كَثِيرٌ.
ثُمْ قَرَّرَهم تَعالى ثانِيَةً عَلى اتْخِاذِ الآلِهَةِ، وفي تَكْرارِ هَذا التَقْرِيرِ مُبالَغَةٌ في نَكِيرِهِ وبَيانِ فَسادِهِ، وفي هَذا التَقْرِيرِ زِيادَةٌ عَلى الأوَّلِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِهِ﴾، فَكَأنَّهُ قَرَّرَهم هُنا عَلى قَصْدِ الكُفْرِ بِاللهِ عَزَّ وجَلَّ، ثُمْ دَعاهم إلى الحُجَّةِ والإتْيانِ بِالبُرْهانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "هَذا" جَمِيعَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ قَدِيمَها وحَدِيثَها، أيْ: لَيْسَ فِيها بُرْهانٌ عَلى اتِّخاذِ الآلِهَةِ مِن دُونِ اللهِ، بَلْ فِيها ضِدُّ ذَلِكَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: "هَذا" القُرْآنَ، والمَعْنى: فِيهِ ذِكْرُ الأوَّلِينَ وذِكْرُ الآخِرِينَ، فَذِكْرُ الآخِرِينَ بِالدَعْوَةِ وبَيانِ الشَرْعِ لَهم ورَدِّهم عَلى طَرِيقِ النَجاةِ، وذِكْرُ الأوَّلِينَ بَقَصِّ أخْبارِهِمْ وذِكْرِ الغُيُوبِ في أُمُورِهِمْ. ومَعْنى الكَلامِ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - عَرْضُ القُرْآنِ في مَعْرِضِ البُرْهانِ، أيْ: هاتُوا بُرْهانَكم فَهَذا بُرْهانِي أنا ظاهِرٌ في ذِكْرِ مَن مَعِي وذِكْرِ مَن قَبْلِي. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "هَذا ذِكْرُ مَن وذِكْرُ مَن" بِالإضافَةِ فِيهِما، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ" بِالإضافَةِ "وَذِكْرٌ مِن قَبْلِي" بِتَنْوِينِ "ذِكْرٌ" الثانِي وكَسْرِ المِيمِ مِن قَوْلِهِ: "مِن قَبْلِي"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ، وابْنُ مُصَرِّفِ بِالتَنْوِينِ في "ذِكْرٌ" مِنَ المَوْضِعَيْنِ وكَسْرِ المِيمِ في "مِن" في المَوْضِعَيْنِ، وضَعَّفَ أبُو حاتِمْ هَذِهِ القِراءَةَ، كَسْرَ المِيمِ في الأُولى، ولَمْ يَرَ لَها وجْهًا.
(p-١٦١)ثُمْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ تَعالى بَأنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَ لِإعْراضِهِمْ عنهُ، ولَيْسَ المَعْنى: فَهم مُعْرِضُونَ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ، بَلِ المَعْنى: فَهم مُعْرِضُونَ ولِذَلِكَ لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "الحَقُّ" بِالرَفْعِ عَلى مَعْنى: هَذا القَوْلُ هو الحَقُّ، والوَقْفُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ عَلى "لا يَعْلَمُونَ".
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences