Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:26–35
22:26–28Page 335
وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ٢٦
And [mention, O Muḥammad], when We designated for Abraham the site of the House, [saying], "Do not associate anything with Me and purify My House for those who perform ṭawāf1 and those who stand [in prayer] and those who bow and prostrate.
وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ ٢٧
And proclaim to the people the ḥajj [pilgrimage]; they will come to you on foot and on every lean camel; they will come from every distant pass -
لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ ٢٨
That they may witness [i.e., attend] benefits for themselves and mention the name of Allāh on known [i.e., specific] days over what He has provided for them of [sacrificial] animals.1 So eat of them and feed the miserable and poor.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذْ بَوَّأْنا لإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ والرُكَّعِ السُجُودِ﴾ ﴿وَأذِّنْ في الناسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهم ويَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ﴾
المَعْنى: واذْكُرْ إذْ بَوَّأْنا، و "بَوَّأ" هي تَعْدِيَةٌ بِالتَضْعِيفِ، و"باءَ" مَعْناهُ: رَجَعَ، فَكَأنَّ المُبَوِّئَ يَرُدُّ المُبَوَّأ إلى المَكانِ، واسْتُعْمِلَتِ اللَفْظَةُ بِمَعْنى "سَكَنَ"، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ﴾ [الزمر: ٧٤]، وقالَ الشاعِرُ:
؎ كَمْ صاحِبٍ لِيَ صالِحٌ بَوَّأتْهُ بِيَدَيَّ لَحْدًا
واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "إبْراهِيمَ" قالَتْ فِرْقَةٌ: هي زائِدَةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "بَوَّأْنا" (p-٢٣٦)نازِلَةٌ مَنزِلَةُ فِعْلٍ يَتَعَدّى بِاللامِ كَنَحْوِ جَعَلْنا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ بِـ "بَوَّأْنا" مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: الناسُ أوِ العالَمُ، ثُمْ قالَ: "لِإبْراهِيمَ"، بِمَعْنى: لَهُ كانَتْ هَذِهِ الكَرامَةُ وعَلى يَدَيْهِ بُوِّئُوا.
و"البَيْتُ" هو الكَعْبَةُ، وكانَ -فِيما رُوِيَ- قَدْ جَعَلَهُ اللهُ تَعالى مُتَعَبَّدًا لِآدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمْ دُرِسَ بِالطُوفانِ وغَيْرِهِ، فَلِما جاءَتْ مُدَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ أمْرَهُ اللهُ تَعالى بِبِنائِهِ، فَجاءَ إلى مَوْضِعِهِ وجَعَلَ يَطْلُبُ أثَرًا، فَبَعَثَ اللهُ رِيحًا فَكَشَفَ لَهُ عن أساسِ آدَمَ فَرَتَّبَ قَواعِدَهُ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ هي مُخاطَبَةٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ حُكِيَتْ لَنا، بِمَعْنى قِيلَ لَهُ: " ألّا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا "، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "أنْ لا يُشْرِكُ بِي" بِالياءِ عَلى مَعْنى نُقِلَ مَعْنى القَوْلِ الَّذِي قِيلَ لَهُ، قالَ أبُو حاتِمْ: ولا بُدَّ مِن نَصْبِ الكافِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، بِمَعْنى: لِئَلّا يُشْرِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنْ" في قِراءَةِ الجُمْهُورِ مُفَسِّرَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَقِيلَةِ.
وفِي الآيَةِ طَعْنٌ عَلى مَن أشْرَكَ مِن قُطّانِ البَيْتِ، أيْ: هَذا كانَ الشَرْطُ عَلى أبِيكم فَمِن بَعْدُ وأنْتُمْ، فَلَمْ تَفُوا بَلْ أشْرَكْتُمْ، وقالَتْ فَرِقَّةٌ: الخِطابُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْ لا تُشْرِكْ﴾ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وأمَرَ بِتَطْهِيرِ البَيْتِ والأذانِ بِالحَجِّ.
(p-٢٣٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ذَلِكَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وهو الأصَحُّ.
و"تَطْهِيرُ البَيْتِ" عامٌّ في الكَفْرِ والبِدَعِ وجَمِيعِ الأنْجاسِ والدِماءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، و"القائِمُونَ" هُمُ المُصَلُّونَ، وذَكَرَ اللهُ تَعالى مِن أرْكانِ الصَلاةِ أعْظَمَها وهِيَ: القِيامُ والرُكُوعُ والسُجُودُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَأذِّنْ" بِشَدِّ الذالِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَآذِنْ" بِمَدَّةٍ وتَخْفِيفِ الذالِ، وتَصَحَّفَ هَذا عَلى ابْنِ جِنِّيِّ ؛ فَإنَّهُ حَكى عنهُما "وَأذِنَ" عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ وأعْرَبَ عن ذَلِكَ بِأنْ جَعَلَهُ عَطْفًا عَلى "بَوَّأْنا". ورُوِيَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا أُمِرَ بِالأذانِ بِالحَجِّ قالَ: يا رَبِّ وإذا نادَيْتُ فَمَن يَسْمَعُنِي؟ فَقِيلَ لَهُ: نادِ يا إبْراهِيمُ، فَعَلَيْكَ النِداءُ وعَلَيْنا البَلاغُ، فَصَعِدَ عَلى أبِي قُبَيْسٍ -وَقِيلَ: عَلى حَجَرِ المَقامِ - ونادى: أيُّها الناسُ، إنَّ اللهَ قَدْ أمَرَكم بِحَجِّ هَذا البَيْتِ فَحُجُّوا، واخْتَلَفَتِ الرِواياتُ في ألْفاظِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، واللازِمْ أنْ يَكُونَ فِيها ذِكْرُ البَيْتِ والحَجِّ، ورُوِيَ أنَّهُ يَوْمَ نادى أسْمَعَ كُلَّ مَن يَحُجُّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ في أصْلابِ الرِجالِ، وأجابَهُ كُلُّ شَيْءٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن جَمادٍ وغَيْرِهِ: لَبَّيْكَ اللهم لَبَّيْكَ، فَجَرَتِ التَلْبِيَةُ عَلى ذَلِكَ، قالَهُابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "بِالحَجِّ" بِفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقٍ في كُلِّ القُرْآنِ بِكَسْرِها، و "رِجالًا" جَمْعُ راجِلٍ كَتاجِرٍ وتُجّارٍ، [وَصاحِبٍ وصِحابٍ]، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مُجَلَّزٍ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "رُجّالًا" بِضَمِّ الراءِ وشَدِّ الجِيمِ، كَكاتِبٍ وكُتّابٍ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ أيْضًا، وابْنُ أبِي إسْحَقٍ: "رُجالًا" بِضَمِّ الراءِ وتَخْفِيفِ (p-٢٣٨)الجِيمِ، وهو قَلِيلٌ في أبْنِيَةِ الجَمْعِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مُجاهِدٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "رُجالى" عَلى وزْنِ فُعالى، فَهو مِثْلُ كُسالى.
و "الضامِرُ"، قالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِها الناقَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وذَلِكَ أنَّهُ يُقالُ: ناقَةٌ ضامِرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ عَهْدِي بِها في الحَيِّ قَدْ دُرِّعَتْ ∗∗∗ هَيْفاءُ مِثْلَ المُهْرَةِ الضامِرِ
فَيَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: "يَأْتِينَ" مُسْتَقِيمًا عَلى هَذا التَأْوِيلِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الضامِرُ" كُلُّ ما اتَّصَفَ بِذَلِكَ مِن جَمَلٍ أو ناقَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا هو الأظْهَرُ، لَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الجَماعاتِ أوِ الرِفاقِ، فَيَحْسُنُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ: "يَأْتِينَ". وقَرَأ أصْحابُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "يَأْتُونَ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ، والضِحاكِ.
وفِي تَقْدِيمِ "رِجالًا" تَفْضِيلٌ لِلْمُشاةِ في الحَجِّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ما آسى عَلى شَيْءٍ فاتَنِي إلّا أنْ أكُونَ حَجَجْتُ ماشِيًا، فَإنِّي سَمِعْتُ اللهَ تَعالى يَقُولُ: "يَأْتُونَكَ رِجالًا"، وقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ: حَجَّ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِما السَلامُ ماشِيَيْنِ، واسْتَدَلَّ بَعْضُ العُلَماءِ بِسُقُوطِ ذِكْرِ البَحْرِ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ فَرْضَ الحَجِّ بِالبَحْرِ ساقِطٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
قالَ مالِكٌ في المَوّازِيَّةِ: لا أسْمَعُ لِلْبَحْرِ ذِكْرًا.
(p-٢٣٩)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا تَأنُّسٌ، لا أنَّهُ يَلْزَمُ مِن سُقُوطِ ذِكْرِ البَحْرِ سُقُوطَ الفَرْضِ، وذَلِكَ أنَّ مَكَّةَ لَيْسَتْ في ضَفَّةِ بَحْرِ فَيَأْتِيها الناسُ بِالسُفُنِ، ولا بُدَّ لِمَن رَكِبَ البَحْرَ أنْ يَصِيرَ في إتْيانِ مَكَّةَ إمّا راجِلًا وإمّا عَلى ضامِرٍ، فَإنَّما ذُكِرَتْ حالَتا الوُصُولِ، وإسْقاطُ فَرْضِ الحَجِّ بِمُجَرَّدِ[عَدَمِ الذِكْرِ] البَحْرُ لَيْسَ بِالكَثِيرِ ولا بِالقَوِيِّ، فَأمّا إذا اقْتَرَنَ بِهِ عَدُوُّ أو خَوْفٌ أو هَوْلٌ شَدِيدٌ أو مُرْضٌ يُلْحِقُ شَخْصًا ما فَمالِكٌ والشافِعِيٌّ وجُمْهُورُ الناسِ عَلى سُقُوطِ الوُجُوبِ في ذَلِكَ، وأنَّهُ لَيْسَ بِسَبِيلٍ يُسْتَطاعُ، وذَكَرَ صاحِبُ كِتابِ (الاسْتِظْهارِ) في هَذا المَعْنى كَلامًا ظاهِرُهُ أنَّ الوُجُوبَ لا يُسْقِطُهُ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الأعْذارِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا ضَعِيفٌ.
و "الفَجُّ": الطَرِيقُ الواسِعَةُ، و"العَمِيقُ" مَعْناهُ: البَعِيدُ، وقالَ الشاعِرُ
؎ إذا الخَيْلُ جاءَتْ مِن فِجاجٍ عَمِيقَةٍ ∗∗∗ يَمُدُّ بِها في السَيْرِ أشْعَثُ شاحِبُ
و"المَنافِعُ" في هَذِهِ الآيَةِ: التِجارَةُ في قَوْلِ أكْثَرِ المُتَأوِّلِينَ، ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرِهِ، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: أرادَ الأجْرَ ومَنافِعَ الآخِرَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ بِعُمُومِ الوَجْهَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "اسْمَ اللهِ"، يَصِحُّ أنْ يُرِيدَ بِالِاسْمِ هاهُنا المُسَمّى، بِمَعْنى: ويَذْكُرُوا اللهَ، عَلى تَجَوُّزٍ في هَذِهِ العِبارَةِ، إلّا أنْ يُقْصَدَ ذِكْرُ القُلُوبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالِاسْمِ التَسْمِياتِ، وذِكْرُ اللهِ تَعالى إنَّما هو بِذِكْرِ أسْمائِهِ، ثُمْ يَذْكُرُ القَلْبُ السُلْطانَ والصِفاتِ، وهَذا كُلُّهُ عَلى أنْ يَكُونَ الذِكْرُ بِمَعْنى حَمْدِهِ وتَقْدِيسِهِ شُكْرًا عَلى نِعْمَتِهِ في (p-٢٤٠)الرِزْقِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَلامُ: «إنَّها أيّامُ أكْلٍ وشُرْبٍ وذِكْرِ اللهِ»، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المُرادَ ذِكْرُ اسْمِ اللهِ تَعالى عَلى النَحْرِ والذَبْحِ، وقالُوا: إنَّ في ذِكْرِ الأيّامِ دَلِيلًا عَلى أنَّ الذَبْحَ في اللَيْلِ لا يَجُوزُ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ وأصْحابِ الرَأْيِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الأيّامُ المَعْلُوماتِ" هي أيّامُ العَشْرِ ويَوْمُ النَحْرِ وأيّامُ التَشْرِيقِ، وقالَ ابْنُ سِيرِينِ: هي أيّامُ العَشْرِ فَقَطْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أيّامُ التَشْرِيقِ، ذَكَرَهُ القُتَيْبِيُّ، وقالَتْ فَرِقَّةٌ فِيها مالِكٌ وأصْحابُهُ: بَلِ الأيّامُ المَعْلُوماتُ يَوْمُ النَحْرِ، ويَوْمانِ بَعْدَهُ، وأيّامُ التَشْرِيقِ الثَلاثَةُ هي المَعْدُوداتُ، فَيَكُونُ يَوْمُ النَحْرِ مَعْلُومًا لا مَعْدُودًا، واليَوْمانِ بَعْدَهُ مَعْلُومانِ ومَعْدُوداتٌ والرابِعُ مَعْدُودٌ لا مَعْلُومٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وحَمَلَ هَؤُلاءِ عَلى هَذا التَفْصِيلِ أنَّهم أخَذُوا "ذِكْرَ اسْمِ اللهِ" هُنا عَلى الذَبْحِ لِلْأضاحِيِّ والهَدْيِ وغَيْرِهِ، فاليَوْمُ الرابِعُ لا يُضَحّى فِيهِ عِنْدَ مالِكٍ وجَماعَةٍ، وأخَذُوا التَعَجُّلَ والتَأخُّرَ بِالنَفَرِ في الأيّامِ المَعْدُوداتِ، فَتَأمَّلْ هَذا يَبِنْ لَكَ قَصْدُهُمْ، ويَظْهَرُ أنْ تَكُونَ المَعْلُوماتُ والمَعْدُوداتُ بِمَعْنًى، أيْ تِلْكَ الأيّامُ الفاضِلَةُ كُلُّها، ويَبْقى أمْرُ الذَبْحِ وأمْرُ الِاسْتِعْجالِ لا يَتَعَلَّقُ بِمَعْدُودٍ ولا بِمَعْلُومٍ، وتَكُونُ فائِدَةُ قَوْلِهِ: "مَعْلُوماتٍ" و"مَعْدُوداتٍ" التَحْرِيضَ عَلى هَذِهِ الأيّامِ وعَلى اغْتِنامِ فَضْلِها؛ إذْ لَيْسَتْ كَغَيْرِها، فَكَأنَّهُ قالَ: هي مَخْصُوصاتٌ فَلْتُغْتَنَمْ.
وقَوْلُهُ، تَعالى: "فَكُلُوا" نَدَبَ، واسْتَحَبَّ أهْلُ العِلْمِ لِلرَّجُلِ أنْ يَأْكُلَ مِن هَدْيِهِ أو ضَحِيَّتِهِ مَعَ التَصَدُّقِ بِأكْثَرِها، مَعَ تَجْوِيزِهِمُ الصَدَقَةَ بِالكُلِّ وأكْلَ الكُلِّ، و"البائِسُ": الَّذِي قَدْ مَسَّهُ ضُرُّ الفاقَةِ وبُؤْسُها، يُقالُ: بَأسَ الرَجُلُ يَبْؤُسُ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيمَن نَزَلَتْ بِهِ نازِلَةُ دَهْرٍ وإنْ لَمْ تَكُنْ فَقْرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَلامُ: «لَكِنَّ البائِسَ (p-٢٤١)سَعْدُ بْنُ خَوْلَةٍ»، والمُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ أهْلُ الحاجَةِ.
22:29–31Page 335
ثُمَّ لۡيَقۡضُواْ تَفَثَهُمۡ وَلۡيُوفُواْ نُذُورَهُمۡ وَلۡيَطَّوَّفُواْ بِٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ ٢٩
Then let them end their untidiness and fulfill their vows and perform ṭawāf around the ancient House."
ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦۗ وَأُحِلَّتۡ لَكُمُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱجۡتَنِبُواْ ٱلرِّجۡسَ مِنَ ٱلۡأَوۡثَٰنِ وَٱجۡتَنِبُواْ قَوۡلَ ٱلزُّورِ ٣٠
That [has been commanded], and whoever honors the sacred ordinances of Allāh - it is best for him in the sight of his Lord. And permitted to you are the grazing livestock, except what is recited to you.1 So avoid the uncleanliness of idols and avoid false statement,
حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيۡرَ مُشۡرِكِينَ بِهِۦۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخۡطَفُهُ ٱلطَّيۡرُ أَوۡ تَهۡوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٖ سَحِيقٖ ٣١
Inclining [only] to Allāh, not associating [anything] with Him. And he who associates with Allāh - it is as though he had fallen from the sky and was snatched by the birds or the wind carried him down into a remote place.
قوله عزّ وجلّ:
﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهم ولْيُوفُوا نُذُورَهم ولْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهو خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ إلا ما يُتْلى عَلَيْكم فاجْتَنِبُوا الرِجْسَ مِنَ الأوثانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُورِ﴾ ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ومَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَيْرُ أو تَهْوِي بِهِ الرِيحُ في مَكانٍ سَحِيقٍ﴾
اخْتَلَفَتِ القِراءَةُ في سُكُونِ اللامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهم ولْيُوفُوا نُذُورَهم ولْيَطَّوَّفُوا﴾ وفي تَحْرِيكِ جَمِيعِ ذَلِكَ بِالكَسْرِ، وفي تَحْرِيكِ "لِيَقْضُوا" وتَسْكِينِ الِاثْنَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَماءِ﴾ [الحج: ١٥] تَوْجِيهُ جَمِيعِ ذَلِكَ.
و"التَفَثُ" ما يَفْعَلُهُ المُحْرِمْ عِنْدَ حَلِّهِ مِن تَقْصِيرِ شَعْرٍ وحَلْقِهِ وإزالَةِ شَعَثِ ونَحْوِهُ مِن إقامَةِ الخَمْسِ مِنَ الفِطْرَةِ حَسَبَ الحَدِيثِ وفي ضِمْنِ ذَلِكَ قَضاءُ جَمِيعِ مَناسِكِهِ إذْ لا يُقْضى التَفَثُ إلّا بَعْدَ ذَلِكَ. وقَرَأ عاصِمْ وحْدَهُ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ -: "وَلِيُوَفُّوا" بِفَتْحِ الواوِ وشَدِّ الفاءِ، و"وَفى" و"أوفى" لُغَتانِ مُسْتَعْمَلَتانِ في كِتابِ اللهِ تَعالى و"أوفى" أكْثَرُ. و"النُذُورُ" (p-٢٤٢)ما مَعَهم مِن هَدْيٍ وغَيْرِهِ، و"الطَوافُ" المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ هو طَوافُ الإفاضَةِ الَّذِي هو مِن واجِباتِ الحَجِّ، قالَ الطَبَرِيُّ: لا خِلافَ بَيْنِ المُتَأوِّلِينَ في ذَلِكَ. قالَ مالِكٌ: هو واجِبٌ يَرْجِعُ تارِكَهُ مِن وطَنِهِ إلّا أنْ يَطُوفَ طَوّافَ وداعٍ فَإنَّهُ يَجْزِيهِ مِنهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَحْتَمِلُ بِحَسْبَ التَرْتِيبِ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى طَوافِ الوَداعِ إذِ المُسْتَحْسَنُ أنْ يَكُونَ ولا بُدَّ، وقَدْ أسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن عَمْرُو بْنِ أبِي سَلَمَةَ قالَ: سَألَتُ زُهَيْرًا عن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ فَقالَ: هو طَوافُ الوَداعِ. وقالَ مالِكٌ في المُوَطَّأِ: واخْتَلَفَ المُتَألُّونَ في وجْهِ صِفَةِ البَيْتِ بِالعَتِيقِ، فَقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ: العَتِيقُ: القَدِيمُ، يُقالُ: سَيْفٌ عَتِيقٌ، وقَدْ عَتَقَ الشَيْءَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ يُعَضِّدُهُ النَظَرُ؛ إذْ هو أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، إلّا أنَّ ابْنَ الزُبَيْرِ قالَ: سُمِّي عَتِيقًا لِأنَّ اللهَ تَعالى أعْتَقَهُ مِنَ الجَبابِرَةِ بِمَنعِهِ إيّاهُ مِنهُمْ، ورَوَيَ في هَذا حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ ﷺ، ولا نَظَرَ مَعَ الحَدِيثِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: سُمِّيَ عَتِيقًا لِأنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ مَوْضِعَهُ قَطُّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَمِّي عَتِيقًا لِأنَّ اللهَ تَعالى يُعْتِقُ فِيهِ رِقابَ المُذْنِبِينَ مِنَ العَذابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا يَرُدُّهُ التَصْرِيفُ. وقِيلَ: سُمِّيَ عَتِيقًا لِأنَّهُ أُعْتِقَ مَن غَرَقِ الطُوفانُ، قالَهُ ابْنُ (p-٢٤٣)جُبَيْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "العَتِيقِ" صِفَةُ مَدْحٍ تَقْتَضِي جَوْدَةَ الشَيْءِ، كَما قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «حَمَلْتُ عَلى فَرَسٍ عَتِيقٍ» الحَدِيثُ، ونَحْوَهُ قَوْلُهُمْ: كَلامٌ حُرٌّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِتَقْدِيرِ: فَرْضُكم ذَلِكَ، أوِ الواجِبُ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: امْتَثَلُوا ذَلِكَ ونَحْوَ هَذا الإضْمارِ، وأحْسَنُ الأشْياءِ مُضْمَرًا أحْسَنُها مَظْهَرًا، ونَحْوَ هَذِهِ الإشارَةِ البَلِيغَةِ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ هَذا ولَيْسَ كَمَن يَعْيا بِخُطَّتِهِ وسَطَ النَدِيِّ إذا ما ناطِقٌ نَطَقا
و"الحُرُماتُ" المَقْصُودَةُ هاهُنا هي أفْعالُ الحَجِّ المُشارُ إلَيْها في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهم ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ تَعْظِيمُ المَواضِعِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ، ووَعَدَ عَلى تَعْظِيمِها بَعْدَ ذَلِكَ تَحْرِيضًا وتَحْرِيصًا، ثُمْ لَفْظُ الآيَةِ -بَعْدَ ذَلِكَ- يَتَناوَلُ كُلَّ حُرْمَةٍ لِلَّهِ تَعالى في جَمِيعِ الشَرْعِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَهُوَ خَيْرٌ" ظاهِرُهُ أنَّها لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ، وإنَّما هي عِدَةٌ بِخَيْرٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَ "خَيْرٌ" لِلتَّفْضِيلِ عَلى تَجَوُّزٍ في هَذا المَوْضِعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ﴾ إشارَةٌ إلى ما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ مِن تَحْرِيمِ أشْياءَ بِرَأْيِها كالبُحَيْرَةِ والسائِبَةِ، فَأذْهَبَ اللهُ تَعالى جَمِيعَ ذَلِكَ وأحَلَّ لَهم جَمِيعَ الأنْعامِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْهِمْ في كِتابِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في غَيْرِ مَوْضِعٍ، ثُمْ أمَرَهم بِاجْتِنابِ الرِجْسَ مِنَ الأوثانِ، والكَلامُ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ تَكُونَ "مَن" لِبَيانِ الجِنْسِ فَيَقَعُ (p-٢٤٤)نَهْيُهُ عن رِجْسِ الأوثانِ فَقَطْ، وتَبْقى سائِرُ الأرْجاسِ نَهْيِها في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، والمَعْنى الثانِي أنْ تَكُونَ "مَن" لِابْتِداءِ الغايَةِ، فَكَأنَّهُ نَهاهم عَنِ الرِجْسِ عامًّا ثُمْ عَيَّنَ لَهم مَبْدَأهُ الَّذِي مِنهُ يَلْحَقُهُمْ؛ إذْ عِبادَةُ الوَثَنِ جامِعَةٌ لِكُلِّ فَسادٍ ورِجْسٍ، ويُظْهِرُ أنَّ الإشارَةَ إلى الذَبائِحِ الَّتِي كانَتْ لِلْأوثانِ، فَيَكُونُ هَذا مِمّا يُتْلى عَلَيْهِمْ، ومَن قالَ: إنَّ "مَن" لِلْتَبْعِيضِ قَلَبَ مَعْنى الآيَةِ وأفْسَدَهُ، والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ الآيَةَ نَهْيٌ عن عِبادَةِ الأوثانِ.
و"الزُورُ" عامٌّ في الكَذِبِ والكُفْرِ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما عَدا الحَقَّ فَهو كَذِبٌ وباطِلٌ وزُورٌ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأيْمَنُ بْنُ خُرَيْمٍ: «إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: عَدَلَتْ شَهادَةُ الزُورِ بِالشِرْكِ»، وتَلا هَذِهِ الآيَةُ، و"الزُورُ" مُشْتَقٌّ مِنَ الزَوَرِ وهو المَيْلُ، ومِنهُ في جانِبِ فُلانٍ زَوَرٌ، ويُظْهِرُ أنَّ الإشارَةَ في زُورِ أقْوالِهِمْ في تَحْرِيمِ وتَحْلِيلِ ما كانُوا قَدْ شَرَّعُوهُ في الأنْعامِ.
و"حُنَفاءَ" مَعْناهُ: مُسْتَقِيمِينَ أو مائِلِينَ إلى الحَقِّ بِحَسْبَ أنَّ لَفْظَةَ "الحَنَفِ" مِنَ الأضْدادِ، تَقَعُ عَلى الِاسْتِقامَةِ وتَقَعُ عَلى المَيْلِ. و"حُنَفاءَ" نَصْبٌ عَلى الحالِ. وقالَ قَوْمٌ: "حُنَفاءَ" مَعْناهُ: حُجّاجًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا تَخْصِيصٌ لا حُجَّةَ مَعَهُ.
(p-٢٤٥)وَ "غَيْرَ مُشْرِكِينَ" يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا أُخْرى، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِقَوْلِهِ: "حُنَفاءَ".
ثُمْ ضَرَبَ اللهُ تَعالى مَثَلًا لِلْمُشْرِكِ بِاللهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أظْهَرُهُ في غايَةِ السُقُوطِ ويُحْتَمَلُ الهَوْلُ والِانْبِتاتُ مِنَ النَجاةِ، بِخِلافِ ما ضَرَبَ لِلْمُؤْمِنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطاغُوتِ ويُؤْمِن بِاللهِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، ومِثْلُهُ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ: إذا حَدَّثْتُكم عن رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَئِنْ أخِرَّ مِنَ السَماءِ إلى الأرْضِ أهْوَنُ عَلَيَّ مِن أنَّ أكْذَبَ عَلَيْهِ، الحَدِيثُ.
وقَرَأ نافِعُ وحْدَهُ: "فَتَخَطَّفَهُ الطَيْرُ" بِفَتْحِ الخاءِ وشَدِّ الطاءِ عَلى حَذْفِ تاءِ التَفَعُّلِ، وقَرَأ الباقُونَ: "فَتَخْطِفُهُ الطَيْرُ" بِسُكُونِ الخاءِ وتَخْفِيفِ الطاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "فَتِخِطَّفَهُ" بِكَسْرِ التاءِ والخاءِ وفَتْحِ الطاءِ مُشَدَّدَةً، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا وأبُو رَجاءٍ بِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ الخاءِ، والطاءِ وشَدِّها، وقَرَأ الأعْمَشُ: "مِنَ السَماءِ تَخْطِفُهُ" بِغَيْرِ فاءٍ وعَلى نَحْوِ قِراءَةِ الجَماعَةِ. وعَطَفَ المُسْتَقْبَلَ عَلى الماضِي لِأنَّهُ بِتَقْدِيرٍ: فَهو نَخْطَفُهُ الطَيْرُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "الرِياحُ".
و"السَحِيقُ": البَعِيدُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: أسْحَقُهُ اللهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «فَأقُولُ سُحْقًا سُحْقا»، ومِنهُ "نَخْلَةٌ سُحُوقٌ" لِلْبَعِيدَةِ في السَماءِ.
(p-٢٤٦)
22:32–35Page 336
ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ ٣٢
That [is so]. And whoever honors the symbols [i.e., rites] of Allāh - indeed, it is from the piety of hearts.
لَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ ٣٣
For you therein [i.e., the animals marked for sacrifice] are benefits for a specified term;1 then their place of sacrifice is at the ancient House.2
وَلِكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكٗا لِّيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۗ فَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَلَهُۥٓ أَسۡلِمُواْۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُخۡبِتِينَ ٣٤
And for every [religious] community We have appointed a rite [of sacrifice]1 that they may mention the name of Allāh over what He has provided for them of [sacrificial] animals. For your god is one God, so to Him submit. And, [O Muḥammad], give good tidings to the humble [before their Lord]
ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمۡ وَٱلۡمُقِيمِي ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣٥
Who, when Allāh is mentioned, their hearts are fearful, and [to] the patient over what has afflicted them, and the establishers of prayer and those who spend from what We have provided them.
قوله عزّ وجلّ:
﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَلَهُ أسْلِمُوا وبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم والصابِرِينَ عَلى ما أصابَهم والمُقِيمِي الصَلاةِ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾
التَقْدِيرُ في هَذا المَوْضِعِ: الأمْرُ ذَلِكَ. و"الشَعائِرُ" جَمْعُ شَعِيرَةٍ، وهي كُلُّ شَيْءٍ لِلَّهِ تَعالى فِيهِ أمْرٌ أشْعَرَ بِهِ وأعْلَمَ، قالَتْ فِرْقَةٌ: قَصَدَ بِالشَعائِرِ في هَذِهِ الآيَةِ الهَدْيِ والأنْعامَ المُشْعِرَةَ، ومَعْنى "تَعْظِيمِها" التَسْمِينِ والِاهْتِبالَ بِأمْرِها والمُغالاةِ بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةُ. وعَوْدُ الضَمِيرِ في "فَإنَّها" عَلى التَعْظِمَةِ والفَعْلَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها الكَلامُ، وقُرِئَ "القُلُوبُ" بِالرَفْعِ عَلى أنَّها فاعِلَةٌ بِالمَصْدَرِ الَّذِي هو "تَقْوى"، ثُمُ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ﴾ الآيَةُ، فَقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: أرادَ أنَّ لِلنّاسِ في أنْعامِهِمْ مَنافِعَ مِنَ الصُوفِ واللَبَنِ وغَيْرِ ذَلِكَ ما لَمْ يَبْعَثْها رَبُّها هَدْيًا، فَإذا بَعَثَها فَهو "الأجَلُ المُسَمّى"، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: أرادَ: لَكم في الهَدْيِ المَبْعُوثِ مَنافِعُ مِنَ الرُكُوبِ والِاحْتِلابِ لِمَنِ اضْطُرَّ، و"الأجَلُ المُسَمّى": نَحْرُها، وتَكُونُ "ثُمْ" لِتَرْتِيبِ الجُمَلِ، لِأنَّ "المَحَلَّ" قَبْلَ "الأجَلِ"، ومَعْنى الكَلامِ عِنْدَ هاتَيْنِ الفِرْقَتَيْنِ: ثُمْ مَحِلُّها إلى مَوْضِعِ النَحْرِ، فَذِكْرُ البَيْتِ لِأنَّهُ أشْرَفُ الحُرُمْ وهو المَقْصُودُ بِالهَدْيِ وغَيْرِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ عُمَرَ، والحُسْنُ: تِلْكَ الشَعائِرُ في هَذِهِ الآيَةِ مَواضِعُ الحَجِّ كُلُّها ومَعالِمُهُ بِمِنى وعَرَفَةَ والمُزْدَلِفَةَ والصَفا والمَرْوَةَ والبَيْتِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفي الآيَةِ الَّتِي تَأْتِي أنَّ البَدَنَ مِنَ الشَعائِرِ، و"المَنافِعُ": التِجارَةُ وطَلَبُ الرِزْقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ كَسْبَ الأجْرِ والمَغْفِرَةَ، وبِكُلِّ احْتِمالٍ قالَتْ فِرْقَةٌ، و"الأجَلُ": الرُجُوعُ إلى مَكَّةَ وطَوافُ الإفاضَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمْ مَحِلُّها" مَأْخُوذٌ مِن إحْلالِ المُحَرَّمِ مَعْناهُ، ثُمْ أخَّرَ هَذا كُلَّهُ إلى طَوافِ الإفاضَةِ بِالبَيْتِ العَتِيقِ، فالبَيْتُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مُرادٌ بِنَفْسِهِ، قالَهُ مالِكٌ في (المُوَطَّأِ).
ثُمْ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ مَنسَكًا، أيْ مَوْضِعَ نُسُكٍ وعِبادَةٍ، ثُمْ أنَّ المَنسَكَ ظَرْفٌ كالمَذْبَحِ ونَحْوَ هَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ المَصْدَرَ، كَأنَّهُ قالَ: عِبادَةٌ (p-٢٤٧)وَنَحْوَها، والناسِكُ: العابِدُ، وقالَ مُجاهِدٌ: سُنَّةٌ في إراقَةِ دِماءِ الذَبائِحِ، وقَرَأ مُعْظَمُ القُرّاءِ: "مَنسَكًا" بِفَتْحِ السِينِ، وهو مِن: نَسَكَ يَنْسُكُ بِضَمِّ السِينِ في المُسْتَقْبَلِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "مَنسِكًا" بِكَسْرِ السِينِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: الفَتْحُ أُولى؛ لِأنَّهُ إمّا المَصْدَرُ وإمّا المَكانُ وكُلاهُما مَفْتُوحٌ، والكَسْرُ في هَذا مِنَ الشاذِّ في اسْمِ المَكانِ أنْ يَكُونَ (مَفْعِلْ) مِن: فَعَلَ يَفْعَلُ، مِثْلَ مَسْجِدٌ، مِن: سَجَدَ يَسْجُدُ، ولا يَسُوغُ فِيهِ القِياسُ، ويُشْبِهُ أنَّ الكِسائِيَّ سَمِعَهُ مِنَ العَرَبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ﴾ مَعْناهُ: أمَرْناهم عِنْدَ ذَبائِحِهِمْ بِذِكْرِ اللهِ، وأنْ يَكُونَ الذَبْحُ لَهُ لِأنَّهُ رازِقُ ذَلِكَ، ثُمْ رَجَعَ اللَفْظُ مِنَ الخَبَرِ عَنِ الأُمَمِ إلى إخْبارِ الحاضِرِينَ بِما مَعْناهُ: فالإلَهُ واحِدٌ لِجَمِيعِكُمْ، فَكَذَلِكَ الأمْرُ في الذَبِيحَةِ إنَّما يَنْبَغِي أنْ تُخْلِصَ لَهُ، و"أسْلَمُوا" مَعْناهُ: لِحَقِّهِ ولِوَجْهِهِ ولِإنْعامِهِ آمَنُوا وأسْلَمُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الِاسْتِسْلامَ.
ثُمْ أمَرَ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُبَشِّرَ بِشارَةً عَلى الإطْلاقِ، وهي أبْلَغُ مِنَ المُفَسِّرَةِ لِأنَّها مُرْسَلَةٌ مَعَ نِهايَةِ التَخَيُّلِ، و "المُخْبِتِينَ": المُتَواضِعِينَ الخاشِعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، و"الخَبْتُ": ما انْخَفَضَ مِنَ الأرْضِ، والمُخْبِتُ: المُتَواضِعُ الَّذِي مَشْيُهُ مَتَطامِنٌ كَأنَّهُ في حُدُورٍ مِنَ الأرْضِ، وقالَ عَمْرُو بْنِ أوسِ: المُخْبِتُونَ: الَّذِينَ لا يَظْلِمُونَ وإذا ظَلَمُوا لَمْ يَنْتَصِرُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا مِثالٌ شَرِيفٌ مَن خُلُقِ المُؤْمِنِ الهَيِّنِ اللَيِّنِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ المُطَمْئِنُونَ بِأمْرِ اللهِ تَعالى، ووَصَفَهم تَعالى بِالخَوْفِ والوَجِلِ عِنْدَ ذِكْرِ اللهِ، وتِلْكَ لِقُوَّةِ يَقِينِهِمْ ومُراعاتِهِمْ لِرَبِّهِمْ وكَأنَّهم بَيْنَ يَدَيْهِ، ووَصْفَهم تَبارَكَ وتَعالى بِالصَبْرِ والصَلاةِ وإقامَةِ الصَلاةِ وإدامَتِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الصَلاةُ" بِالخَفْضِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحَقٍ، والحُسْنِ: "الصَلاةُ" بِالنَصْبِ عَلى تَوَهُّمُ النُونِ وأنَّ حَذْفَها لِلتَّخْفِيفِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرُو، (p-٢٤٨)وَقَرَأ الأعْمَشُ: "والمُقِيمِينَ الصَلاةَ" بِالنُونِ والنُصْبِ في "الصَلاةِ"، وقَرَأ الضِحاكُ: "والمُقِيمُ الصَلاةَ"، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ -قَوْلُهُ تَعالى: "وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ"- نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences