Ibn 'AtiyyaAl‑Hajj · 22:36–48

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:36–48

22:36–37Page 336

وَٱلۡبُدۡنَ جَعَلۡنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمۡ فِيهَا خَيۡرٞۖ فَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا صَوَآفَّۖ فَإِذَا وَجَبَتۡ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡقَانِعَ وَٱلۡمُعۡتَرَّۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرۡنَٰهَا لَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٣٦

And the camels and cattle We have appointed for you as among the symbols [i.e., rites] of Allāh; for you therein is good. So mention the name of Allāh upon them when lined up [for sacrifice]; and when they are [lifeless] on their sides, then eat from them and feed the needy [who does not seek aid] and the beggar. Thus have We subjected them to you that you may be grateful.

لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمۡ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٧

Their meat will not reach Allāh, nor will their blood, but what reaches Him is piety from you. Thus have We subjected them to you that you may glorify Allāh for that [to] which He has guided you; and give good tidings to the doers of good.

قوله عزّ وجلّ:

﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللهِ لَكم فِيها خَيْرٌ فاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَقْوى مِنكم كَذَلِكَ سَخَّرَها لَكم لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكم وبَشِّرِ المُحْسِنِينَ﴾

"البُدْنُ": جَمْعُ بَدَنَةٍ، وهي ما أُشْعِرَ مِن ناقَةٍ أو بَقَرَةٍ، قالَهُ عَطاءٌ وغَيْرُهُ، وسَمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَبْدَنُ، أيْ تَسْمَنُ، وقِيلَ: بَلْ هَذا الِاسْمُ خاصٌّ بِالإبِلِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "البُدْنَ": جَمْعُ بَدَنٍ -بِفَتْحِ الباءِ والدالِ- ثُمُ اخْتَلَفَتْ، فَقالَ بَعْضُها: البُدْنَ مُفْرِدٌ اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ العَظِيمُ السَمِينُ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ، ويُقالُ لِلسَّمِينِ مِنَ الرِجالِ: بَدُنَ، وقالَ بَعْضُها: البُدْنَ جَمْعُ بَدَنَةٍ كَثَمَرَةٍ وثُمْرٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "والبَدَنُ" ساكِنَةُ الدالِّ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةٍ، والحُسْنُ، وابْنُ أبِي إسْحَقٍ: "البُدُنُ" بِضَمِّ الدالِّ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ بَدَنَةٍ كَثُمُرٍ، وعَدَّدَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ نِعَمَهُ عَلى الناسِ في هَذِهِ البُدُنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في "الشَعائِرِ". و"الخَيْرُ" قِيلَ فِيهِ ما قِيلَ في "المَنافِعِ" الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها، والصَوابُ عُمُومُهُ في خَيْرِ الدُنْيا والآخِرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلَيْها" يُرِيدُ: عِنْدَ نَحْرِها.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "صَوافَّ" بِفَتْحِ الفاءِ وشَدِّها، جَمْعُ صافَّةٍ، أيْ: مُطِيعَةٌ في قِيامِها، وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمٍ، وأبُو مُوسى الأشْعَرِيِّ، وشَقِيقٌ، (p-٢٤٩)وَسُلَيْمانَ التَيْمِيِّ، والأعْرَجُ: "صَوافِي" جَمْعُ صافِيَةٍ، أيْ: خالِصَةٌ لِوَجْهِ اللهِ تَعالى، لا شَرِكَةَ فِيها لِشَيْءٍ كَما كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تُشْرِكُ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا: "صَوافٍ" بِكَسْرِ الفاءِ وتَنْوِينِها مُخَفِّفَةً، وهي بِمَعْنى الَّتِي قَبْلَها لَكِنْ حُذِفَتِ الياءُ تَخْفِيفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وفي هَذا نَظَرٌ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: "صَوافِنَ" بِالنُونِ جَمْعُ صافِنَةٍ، وهي الَّتِي قَدْ رَفَعَتْ إحْدى يَدَيْها بِالعَقْلِ لِئَلّا تَضْطَرِبُ، والصافِنُ مِنَ الخَيْلِ: الرافِعُ لِفَراهَتِهِ إحْدى يَدَيْهِ وقِيلَ إحْدى رِجْلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الصافِناتُ الجِيادُ﴾ [ص: ٣١]، وقالَ عَمْرُو بْنِ كُلْثُومٍ:

؎ تَرَكْنا الخَيْلَ عاكِفَةً عَلَيْهِ مُقَلَّدَةٌ أعِنَّتَها صُفُونا

و"وَجَبَتْ" مَعْناهُ: سَقَطَتْ بَعْدَ نَحْرِها، ومِنهُ: وجَبَتِ الشَمْسُ، ومِنهُ قَوْلُ أوسِ بْنِ حَجَرٍ:

؎ ألَمْ تُكْسِفُ الشَمْسُ والبَدْرُ والـ ∗∗∗ ـكَواكِبُ لِلْجَبَلِ الواجِبِ

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَكُلُوا" نَدَبٌ، وكُلُّ العُلَماءِ يَسْتَحِبُّ أنْ يَأْكُلَ الإنْسانُ مِن هَدْيِهِ، وفِيهِ أجْرٌ وامْتِثالٌ إذْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يَأْكُلُونَ مِن هَدْيِهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ، والطَبَرِيُّ: هي إباحَةٌ.

(p-٢٥٠)و"القانِعُ": السائِلُ، يُقالُ: قَنِعَ الرَجُلُ يَقْنَعُ قَنُوعًا إذا سَألَ، بِفَتْحِ النُونِ في الماضِي، وقَنِعَ بِكَسْرِ النُونِ يَقْنَعُ قَناعَةً فَهو قَنِعٌ إذا تَعَفَّفَ واسْتَغْنى بِبُلْغَتِهِ، قالَهُ الخَلِيلُ، ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُ الشَمّاخُ:

؎ لِمالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي ∗∗∗ مَفاقِرَهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ

فَمُحَرِّرُوا القَوْلِ مِن أهْلِ العِلْمِ قالُوا: القانِعُ: السائِلُ.

و"المُعْتَرُّ": المُتْعَرِضُ مِن غَيْرِ سُؤالٍ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، ومُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ، والكَلْبِيُّ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وعَكَسَتْ فِرْقَةٌ هَذا القَوْلَ، حَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: القانِعُ: المُسْتَغْنِي بِما أعْطَيْتُهُ، والمُعْتَرُّ هو المُعْتَرِضُ، وحُكِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: القانِعَ: المُتَعَفِّفُ، والمُعْتَرُّ: السائِلُ، وحُكِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: القانِعُ: الجارُ وإنَّ كانَ غَنِيًّا، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ "القانِعَ"، فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ مَعْنى الآيَةِ: أطْعَمُوا المُتَعَفِّفَ الَّذِي لا يَأْتِي مُعْتَرِضًا، وذَهَبَ أبُو الفَتْحِ بْنُ جِنِّيٍّ إلى أنَّهُ أرادَ "القانِعَ" فَحَذَفَ الألِفَ تَخْفِيفًا.

وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ تَوْجِيهَها عَلى ما ذَكَرْتُهُ آنِفًا أحْسَنُ، وإنَّما يُلْجَأُ إلى هَذا إذا لَمْ تُوجَدُ مَندُوحَةً، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، وعَمْرُو بْنِ عَبِيدٍ: "المُعْتَرِي"، والمَعْنى واحِدٌ، ويُرْوى (p-٢٥١)عن أبِي رَجاءٍ "والمُعْتَرَّ" بِتَخْفِيفِ الراءِ، وقالَ الشاعِرُ:

؎ لَعَمْرُكَ ما المُعْتَرُّ يَغْشى بِلادَنا ∗∗∗ لِنَمْنَعَهُ بِالضائِعِ المُتَهَضِّمْ

وذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ إلى أنَّ الهَدْيَ أثْلاثٌ، وقالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عن أبِيهِ: أُطْعِمُ القانِعُ والمُعْتَرُّ ثُلْثًا، والبائِسُ الفَقِيرُ ثُلْثًا، وأهْلِي ثُلْثًا، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: لَيْسَ لِصاحِبِ الهَدْيِ مِنهُ إلّا الرُبْعَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا كُلُّهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِحْسانِ لا عَلى الفَرْضِ، ثُمْ قالَ تَعالى: "كَذَلِكَ"، أيْ: كَما أمَرْتُكم فِيها بِهَذا كُلِّهِ سَخَّرْناها لَكُمْ، و"لَعَلَّكُمْ" تَرَجٍّ في حَقِّنا وبِالإضافَةِ إلى نَظَرِنا.

وقَوْلُهُ تَعالى: "يَنالَ" عِبارَةُ مُبالَغَةٍ وتَوْكِيدٍ، وهي بِمَعْنى: لَنْ يَرْتَفِعَ عِنْدَهُ ويَتَحَصَّلَ سَبَبُ ثَوابٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنْ أهِلَ الجاهِلِيَّةَ كانُوا يُضَرِّجُونَ البَيْتَ بِالدِماءِ فَأرادَ المُؤْمِنُونَ فِعْلَ ذَلِكَ فَنَهى اللهُ تَعالى عن ذَلِكَ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والمَعْنى: ولَكِنْ يَنالُ الرِفْعَةَ عِنْدَهُ والتَحْصِيلَ حَسَنَةً لَدَيْهِ التَقْوى، أيِ الإخْلاصِ وعَمَلِ الطاعاتِ. وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ، والأعْرَجُ، وابْنُ يَعْمَرِ، والزَهْرِيُّ: "لَنْ تَنالَ"، "وَلَكِنْ تَنالُهُ" بِتاءٍ فِيهِما.

والتَسْمِيَةُ والتَكْبِيرُ عَلى الهَدْيِ والأُضْحِيَّةِ هو أنْ يَقُولَ الذابِحُ: بِاسْمِ اللهِ واللهُ أكْبَرُ، ورُوِيَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ﴾ نَزَلَتْ في الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهم حَسْبَما تَقَدَّمَ في الَّتِي قَبْلَها، فَأمّا ظاهِرُ اللَفْظِ فَيَقْتَضِي العُمُومَ في كُلِّ مُحْسِنٍ.

(p-٢٥٢)

22:38–40Page 336

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ ٣٨

Indeed, Allāh defends those who have believed. Indeed, Allāh does not like everyone treacherous and ungrateful.

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ ٣٩

Permission [to fight] has been given to those who are being fought,1 because they were wronged. And indeed, Allāh is competent to give them victory.

ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٤٠

[They are] those who have been evicted from their homes without right - only because they say, "Our Lord is Allāh." And were it not that Allāh checks the people, some by means of others, there would have been demolished monasteries, churches, synagogues, and mosques in which the name of Allāh is much mentioned [i.e., praised]. And Allāh will surely support those who support Him [i.e., His cause]. Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا وإنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللهُ ولَوْلا دَفْعُ اللهُ الناسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وبِيَعٌ وصَلَواتٌ ومَساجِدُ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللهُ كَثِيرًا ولَيَنْصُرَنَّ اللهُ مِن يَنْصُرُهُ إنَّ اللهُ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾

رُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ المُؤْمِنِينَ، لَمّا كَثُرُوا بِمَكَّةَ وآذاهُمُ الكُفّارُ وهاجَرَ مَن هاجَرَ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ أرادَ بَعْضُ مُؤْمِنِي مَكَّةَ أنْ يَقْتُلَ مَن أمْكَنَهُ مِنَ الكُفّارِ ويَغْتالُ ويَغْدِرُ ويَحْتالُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: "كَفُورٍ"، ووَعَدَ فِيها بِالمُدافِعَةِ، ونَهى أفْصَحَ نَهْيٍ عَنِ الخِيانَةِ والغَدْرِ. وقَرَأ نافِعُ، والحُسْنُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "يُدافِعُ" "وَلَوْلا دِفاعُ"، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وابْنُ كَثِيرٍ: "يَدْفَعُ"، "وَلَوْلا دَفْعُ"، وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُدافِعُ"، "وَلَوْلا دَفْعُ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: أُجْرِيَتْ "دافَعَ" في هَذِهِ القِراءَةِ مَجْرى "دَفَعَ"، كَعاقَبْتُ اللِصَّ وطارَقَتِ النَعْلَ، فَجاءَ المَصْدَرُ دَفْعًا، قالَ أبُو الحَسَنِ والأخْفَشُ: أكْثَرُ الكَلامِ أنَّ اللهَ يَدْفَعُ، ويَقُولُونَ: دافَعَ اللهُ عنكَ إلّا أنْ دَفْعَ أكْثَرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

يَحْسُنُ في الآيَةِ "يُدافِعُ" لِأنَّهُ قَدْ عَنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ مَن يَدْفَعُهم ويُؤْذِيهِمْ فَتَجِيءُ مُعارَضَتُهُ ودَفْعُهُ مُدافِعَةً عنهُمْ، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّ "دِفاعًا" مَصْدَرُ "دَفَعَ"، كَحَسَبْتُ حِسابًا. ثُمْ أذِنَ اللهُ تَعالى في قِتالِ المُؤْمِنِينَ لِمَن قاتَلَهم مِنَ الكَفّارِ بِقَوْلِهِ: "أذِنَ"، وصُورَةُ الإذْنِ مُخْتَلِفَةٌ بِحَسْبَ القِراءاتِ، فَبَعْضُها أقْوى مِن بَعْضٍ، فَقَرَأ نافِعٌ، وحَفَصٌ عن عاصِمْ: "أُذِنَ" بِضَمِّ الألْفِ "يُقاتِلُونَ" بِفَتْحِ التاءِ، أيْ: في أنْ يُقاتِلَهُمْ، فالإذْنُ في هَذِهِ القِراءَةِ ظاهَرٌ أنَّهُ في مُجازاةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ، والحَسَنُ، والزَهْرِيُّ: "أُذِنَ" بِضَمِّ الألْفِ "يُقاتِلُونَ" بِكَسْرِ التاءِ، فالإذْنُ في هَذِهِ القِراءَةِ في ابْتِداءِ القِتالِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أذِنَ" بِفَتْحِ الألِفِ "يُقاتِلُونَ" بِكَسْرِ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الألِفِ والتاءِ جَمِيعًا، وهي في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: (p-٢٥٣)"أُذِنَ لِلَّذِينِ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ" بِكَسْرِ التاءِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ "أُذِنَ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ "لِلَّذِينِ قاتَلُوا"، وذَلِكَ قَرَأ طَلْحَةُ والأعْمَشُ إلّا أنَّهُما فَتَحا هَمْزَةَ "أُذِنَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ مَعْناهُ: كانَ الإذْنُ بِسَبَبِ أنَّهم ظَلَمُوا، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وهَذِهِ الآيَةُ أوَّلُ ما نَقَضَ المُوادَعَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ عِنْدَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ، وقالَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَمّا سَمِعْتُ عَلِمْتُ أنَّهُ سَيَكُونُ قِتالٌ، وقالَ مُجاهِدٌ: الآيَةُ في مُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ أرادُوا الهِجْرَةَ إلى المَدِينَةِ فَمُنِعُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وما بَعْدَ هَذا في الآيَةِ يَرُدُّ هَذا القَوْلَ؛ لِأنَّ هَؤُلاءِ مُنِعُوا الخُرُوجَ لا أُخْرِجُوا. ثُمْ وعَدَ تَعالى بِالنَصْرِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَإنَّ اللهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ يُرِيدُ كُلَّ مِن نَبَتْ بِهِ مَكَّةُ وآذاهُ أهْلُها حَتّى أخْرَجُوهُ بِإذايَتِهِمْ، طائِفَةٌ إلى الحَبَشَةِ وطائِفَةٌ إلى المَدِينَةِ، ونَسَبَ الإخْراجَ إلى الكُفّارِ لِأنَّ الكَلامَ في مَعْرِضِ تَقْرِيرِ الذَنْبِ وإلْزامِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَهُ فِيهِ البَدَلُ، وجَوَّزَهُ أبُو إسْحَقٍ، والأوَّلُ أصْوَبُ.

(p-٢٥٤)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ الناسَ﴾ الآيَةُ تَقْوِيَةٌ لِلْأمْرِ بِالقِتالِ، وذَكَرَ الحُجَّةَ بِالمَصْلَحَةِ فِيهِ، وذَكَرَ أنَّهُ مُتَقَدِّمْ في الأُمَمِ، وبِهِ صَلَحَتِ الشَرائِعُ واجْتَمَعَتِ المُتَعَبِّداتُ، فَكَأنَّهُ قالَ: أُذِنَ في القِتالِ فَلْيُقاتِلِ المُؤْمِنُونَ، ولَوْلا القِتالُ والجِهادُ لَتُغُلِّبَ عَلى الحَقِّ في كُلِّ أُمَّةٍ. هَذا أصْوَبُ تَأْوِيلاتِ الآيَةِ. ثُمْ ما قِيلَ بَعْدُ مِن مَثْلِ الدِفاعِ تَبِعَ لِلْجِهادِ، وقالَ مُجاهِدٌ: ولَوْلا دَفْعُ اللهِ ظُلْمَ قَوْمٍ لِشَهادَةِ العُدُولِ ونَحْوَ هَذا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ولَوْلا دَفْعُ اللهِ ظُلْمَ الظَلَمَةِ بِعَدْلِ الوُلاةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ولَوْلا دَفْعُ اللهِ بِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ الكُفّارَ عَنِ التابِعَيْنِ فَمِن بَعْدَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا كُلُّهُ فِيهِ دَفْعُ قَوْمٍ بِقَوْمٍ إلّا أنَّ مَعْنى القِتالِ ألْيَقُ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الآيَةِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: ولَوْلا دَفْعُ اللهِ العَذابَ بِدُعاءِ الفُضَلاءِ والأخْيارِ ونَحْوَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا وما شاكَلَهُ مُفْسِدٌ لِمَعْنى الآيَةِ، وذَلِكَ أنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي ولا بُدَّ مَدْفُوعًا مِنَ الناسِ ومَدْفُوعًا عنهُ، فَتَأمَّلَهُ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ: "لَهُدِمَتْ" مُخَفَّفَةَ الدالِّ، وقَرَأ الباقُونَ: "لَهُدِّمَتْ" مُشَدَّدَةَ الدالِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذِهِ تَحْسُنُ مِن حَيْثُ هي صَوامِعُ كَثِيرَةٌ فَفي هَدْمِها تَكْرارٌ وكَثْرَةٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] فَثَقَّلَ الياءَ، وقالَ: " قَصْرٍ مَشِيدٍ " فَخَفَّفَ لِكَوْنِهِ فَرْدًا، ومِنهُ ﴿وَغَلَّقَتِ الأبْوابَ﴾ [يوسف: ٢٣]، و﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠].

(p-٢٥٥)وَ "الصَوْمَعَةُ": مَوْضِعُ العِبادَةِ، وزْنُها فَوْعَلَةٌ، وهي بِناءٌ مُرْتَفِعٌ مُنْفَرِدٌ حَدِيدُ الأعْلى، والصَوْمَعُ مِنَ الرِجالِ: الحَدِيدُ القَلْبِ، وكانَتْ قَبْلَ الإسْلامِ مُخْتَصَّةً بِالرُهْبانِ النَصارى وبِعُبّادِ الصابِئِينَ -قالَهُ قَتادَةُ - ثُمُ اُسْتُعْمِلَ في مِئْذَنَةِ المُسْلِمِينَ.

و"البِيَعُ": كَنائِسُ النَصارى، واحِدَتُها بَيْعَةٌ، قالَ الطَبَرِيُّ: وقِيلَ: هي كَنائِسُ اليَهُودِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ثُمْ أدْخَلَ عن مُجاهِدٍ ما لا يَقْتَضِي ذَلِكَ.

و"الصَلَواتُ" مُشْتَرَكَةٌ لِكُلِّ مِلَّةٍ، واسْتُعِيرَ الهَدْمُ لِلصَّلَواتِ مِن حَيْثُ تُعَطَّلَ، أو أرادَ: مَوْضِعَ صَلَواتٍ، وذَهَبَتْ فَرِقَّةٌ إلى أنَّ "الصَلَواتَ" اسْمٌ لِكَنائِسِ اليَهُودِ، وأنَّ اللَفْظَةَ عِبْرانِيَّةٌ عُرِّبَتْ، ولَيْسَتْ بِجَمْعِ صَلاةٍ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: الصَلَواتُ مَساجِدُ الصابِئِينَ. واخْتَلَفَتِ القِراءَةُ فِيها فَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "صَلَواتٌ" بِفَتْحِ الصادِ واللامِ وبِالتاءِ بِنُقْطَتَيْنِ، وذَلِكَ إمّا بِتَقْدِيرِ: مَواضِعُ صَلَواتِ، وإمّا عَلى أنَّ تَعْطِيلَ الصَلاةِ هَدَمُها، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "صَلْواتٌ" بِفَتْحِ الصادِ وسُكُونِ اللامِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "صِلْواتٌ" بِكَسْرِ الصادِ وسُكُونِ اللامِ، حَكاها ابْنُ جِنِّيِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: "وَصُلُواتٌ" بِنُقْطَتَيْنِ مِن فَوْقٍ وبِضَمِّ الصادِ واللامِ، عَلى وزْنِ فُعُولِ، قالَ: وهي مَساجِدُ النَصارى، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ، والحَجّاجُ بْنُ يُوسُفَ: "وَصُلُوبٌ" بِضَمِّ الصادِ واللامِ وبِالباءِ، عَلى أنَّهُ جَمْعُ صَلِيبٍ، وقَرَأ الضَحّاكُ والكَلْبِيُّ: "وَصُلُوثٌ" بِضَمِّ الصادِ واللامِ وبِالثاءِ مَنقُوطَةً ثَلاثًا، قالُوا: وهي مَساجِدُ اليَهُودِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "صَلْوَتٌ" بِفَتْحِ الصادِ وسُكُونِ اللامِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَصُلُواتٌ" بِضَمِّ الصادِ واللامِ، حَكاها ابْنُ جِنِّيِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "صُلُوَتَيِ" بِضَمِّ الصادِ واللامِ وقَصْرِ الألْفِ بَعْدِ التاءِ، وحَكى ابْنُ جِنِّيِ أنَّ خارِجَ بابِ المُوصِلِ بُيُوتٌ تُدْفَنُ فِيها النَصارى يُقالُ لَها: صَلَواتٌ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: "صِلْوِتَيْ" بِكَسْرِ الصادِ وسُكُونِ اللامِ وكَسْرِ الواوِ وقَصْرِ الألْفِ بَعْدِ التاءِ.

(p-٢٥٦)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وذَهَبَ خَصِيفٌ إلى أنَّ هَذِهِ الأسْماءَ قَصْدُها تَقْسِيمُ مُتَعَبِّداتِ الأُمَمِ، فالصَوامِعُ لِلرُّهْبانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقِيلَ: لِلصّابِئِينَ، والبِيَعُ لِلنَّصارى، والصَلَواتُ لِلْيَهُودِ، والمَساجِدُ لِلْمُسْلِمِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والأظْهَرُ أنَّها قُصِدَ بِها المُبالَغَةُ في ذِكْرِ المُتَعَبِّداتِ، وهَذِهِ الأسْماءُ تَشْتَرِكُ الأُمَمُ في مُسَمَّياتِها إلّا البَيْعَةَ فَإنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالنَصارى في عُرْفِ لُغَةِ العَرَبِ، ومَعانِي هَذِهِ الأسْماءِ هي في الأُمَمِ الَّتِي لَها كِتابٌ عَلى قَدِيمِ الدَهْرِ، ولَمْ يَذْكُرْ في هَذِهِ المَجُوسَ ولا أهْلَ الِاشْتِراكِ لِأنَّ هَؤُلاءِ لَيْسَ لَهم ما تَجِبُ حِمايَتُهُ، ولا يُوجَدُ ذِكْرُ اللهِ تَعالى إلّا عِنْدَ أهْلِ الشَرائِعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللهِ كَثِيرًا﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ. ثُمْ وعَدَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِنَصْرِهِ ونَصْرِ دِينِهِ وشَرْعِهِ، وفي ذَلِكَ حَضٌّ عَلى القِتالِ والجِدِّ فِيهِ، ثُمُ الآيَةُ تَعُمْ كُلَّ مَن نُصِرَ حَقًّا إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

22:41–44Page 337

ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ ٤١

[And they are] those who, if We give them authority in the land, establish prayer and give zakāh and enjoin what is right and forbid what is wrong. And to Allāh belongs the outcome of [all] matters.

وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَثَمُودُ ٤٢

And if they deny you, [O Muḥammad] - so, before them, did the people of Noah and ʿAad and Thamūd deny [their prophets],

وَقَوۡمُ إِبۡرَٰهِيمَ وَقَوۡمُ لُوطٖ ٤٣

And the people of Abraham and the people of Lot

وَأَصۡحَٰبُ مَدۡيَنَۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰۖ فَأَمۡلَيۡتُ لِلۡكَٰفِرِينَ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٤٤

And the inhabitants of Madyan. And Moses was denied, so I prolonged enjoyment for the disbelievers; then I seized them, and how [terrible] was My reproach.

قوله عزّ وجلّ:

﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقامُوا الصَلاةَ وآتَوُا الزَكاةَ وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ ولِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ﴿وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وثَمُودُ﴾ ﴿وَقَوْمُ إبْراهِيمَ وقَوْمُ لُوطٍ﴾ ﴿وَأصْحابُ مَدْيَنَ وكُذِّبَ مُوسى فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾

قالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ في الخُلَفاءِ الأرْبَعَةِ رَضِيَ اللهُ عنهم.

(p-٢٥٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ومَعْنى هَذا التَخْصِيصِ أنَّ هَؤُلاءِ خاصَّةً مُكِّنُوا في الأرْضِ مِن جُمْلَةِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ المَذْكُورِينَ في صَدْرِ الآيَةِ، والعُمُومُ في هَذا كُلِّهِ أبْيَنُ، ويَتَّجِهُ الأمْرٌ في جَمِيعِ الناسِ، وإنَّما الآيَةُ آخِذَةٌ عَهْدًا عَلى كُلِّ مَن مَكَّنَهُ اللهُ تَعالى، كُلٌّ عَلى قَدْرِ ما مُكِّنَ، فَأمّا الصَلاةُ والزَكاةُ فَكُلٌّ مَأْخُوذٌ بِإقامَتِها، وأمّا الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَكَلٌّ بِحَسْبَ قُوَّتِهِ، والآيَةُ أمْكَنَ ما هي في المُلُوكِ، والمَعْرُوفُ والمُنْكَرُ يَعُمّانِ الإيمانَ والكُفْرَ فَما دُونَهُما.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ خاصَّةً مِنَ الناسِ، وهَذا عَلى أنَّ "الَّذِينَ" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: "يُقاتَلُونَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

أو عَلى أنَّ "الَّذِينَ" تابِعٌ لِـ "مَن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مَن يَنْصُرُهُ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ تَوَعُّدٌ لِلْمُخالِفِ عن هَذِهِ الأوامِرِ الَّتِي تَقْتَضِيها الآيَةُ لِمَن مُكِّنَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ يَعْنِي قُرَيْشًا، وهَذِهِ آيَةُ تَسْلِيَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ ووَعِيدٍ لِقُرَيْشٍ، وذَلِكَ أنَّهُ مَثَّلَهم بِالأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المُعَذَّبَةِ. وأسْنَدَ فِعْلًا فِيهِ عَلامَةَ التَأْنِيثِ إلى "قَوْمٌ" مِن حَيْثُ أرادَ والقَبِيلَةَ لِيَطَّرِدَ القَوْلَ في عادٍ وثَمُودٍ، وقَوْمُ نُوحٍ هم أوَّلُ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ نَبِيَّها، ثُمْ أسْنَدَ التَكْذِيبَ في مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ إلى مَن لَمْ يُسَمَّ فاعِلَهُ مِن حَيْثُ لَمْ يُكَذِّبُهُ قَوْمُهُ بَلْ كَذَّبَهُ القِبْطُ وقَوْمُهُ مُؤْمِنُونَ بِهِ. و"أمْلَيْتُ" مَعْناهُ: أمْهَلَتْ، وكَأنَّ الإمْهالَ أنَّ تُمْهِلَ مَن تَنْوِي فِيهِ المُعاقَبَةَ وأنْتَ في حَيِّزِ إمْهالِكِ عالِمْ بِفِعْلِهِ. و"النَكِيرُ" مَصْدَرٌ كالغَدِيرِ بِمَعْنى الإنْكارِ والإعْذارِ، وهو في هَذِهِ المَصادِرِ بِناءُ مُبالِغَةٍ، فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: فَكَما فَعَلَتْ بِهَذِهِ الأُمَمِ كَذَلِكَ أفْعَلُ بِقَوْمِكَ.

22:45–48Page 337

فَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئۡرٖ مُّعَطَّلَةٖ وَقَصۡرٖ مَّشِيدٍ ٤٥

And how many a city did We destroy while it was committing wrong - so it is [now] fallen into ruin1 - and [how many] an abandoned well and [how many] a lofty palace.2

أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ أَوۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ ٤٦

So have they not traveled through the earth and have hearts by which to reason and ears by which to hear? For indeed, it is not eyes that are blinded, but blinded are the hearts which are within the breasts.

وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥۚ وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ ٤٧

And they urge you to hasten the punishment. But Allāh will never fail in His promise. And indeed, a day with your Lord is like a thousand years of those which you count.

وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَمۡلَيۡتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ ثُمَّ أَخَذۡتُهَا وَإِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ ٤٨

And for how many a city did I prolong enjoyment while it was committing wrong. Then I seized it, and to Me is the [final] destination.

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهي ظالِمَةٌ فَهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أو آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُدُورِ﴾ ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَنْ يُخْلِفَ اللهُ وعْدَهُ وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ ثُمَّ أخَذْتُها وإلَيَّ المَصِيرُ﴾

"كَأيِّنَ" هي كافُ التَشْبِيهِ دَخَلَتْ عَلى "أيْ": قالَهُ سِيبَوَيْهِ، وقَدْ أوعَبْتُ القَوْلَ في (p-٢٥٨)مَعْنى هَذِهِ اللَفْظَةِ وقِراءَتِها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، وهي لَفْظَةُ إخْبارٍ، وقَدْ تَجِيءُ اسْتِفْهامًا، وحَكى الفِراءُ: كَأيِّنَ ما لَكَ؟ أيْ: كَمْ ما لَكَ؟ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أهْلَكْناها"، وقَرَأْتْ فِرْقَةٌ: "أهْلَكَتْها" بِالإفْرادِ، والمُرادُ أهْلُ القَرْيَةِ، و"ظالِمَةٌ" مَعْناهُ: بِالكُفْرِ، و"خاوِيَةٌ" مَعْناهُ: خالِيَةً، ومِنهُ: خَوى النَجْمُ إذا خَلا مِنَ القُوَّةِ، ونَحْوَهُ "ساقِطَةٌ عَلى عُرُوشِها"، و"العُرُوشُ": السُقُوفُ، فالمَعْنى أنَّ السُقُوفَ سَقَطَتْ ثُمْ وقَعَتِ الحِيطانُ عَلَيْها فَهي عَلى العُرُوشِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾، قِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى "العُرُوشِ"، وقِيلَ: عَلى "القَرْيَةِ"، وهو أصْوَبُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَبِئْرٍ" بِهَمْزَةٍ عَلى الياءِ، وسَهَّلَها الجُمْهُورُ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مُعَطَّلَةٌ" بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ العَيْنِ وفَتْحِ الطاءِ وتَخْفِيفِها، والجُمْهُورُ عَلى "مُعَطَّلَةٍ" بِضَمِّ المِيمِ وفَتَحِ العَيْنِ وشَدِّ الطاءِ. و"المُشَيَّدُ": المَبْنِيِ بِالشِيدِ وهو الجِصُّ، وقِيلَ: المَشِيدُ: المُعَلّى بِالآجُرِّ ونَحْوَهُ فَمِنَ المَشِيدِ قَوْلُ عُدَيِّ بْنِ زَيْدٍ:

؎ شادَهُ مَرْمَرًا وجَلَّلَهُ كِلْـ ـسًا فَلِلطَّيْرِ في ذُراهُ وُكُورُ

(p-٢٥٩)شادَهُ: بَناهُ بِالشِيدِ، والأظْهَرُ في البَيْتِ أنَّهُ أرادَ: عَلاهُ بِالمَرْمَرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ "مَشِيدًا مَعْناهُ: مُعَلّى مُحَصَّنًا، ومَعْنى الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ كَذَلِكَ قَبْلَ خَرابِهِ.

ثُمْ وبَّخَهم عَلى الغَفْلَةِ وتَرَكَ الِاعْتِبارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾، أيْ: في البِلادِ فَيَنْظُرُوا في أحْوالِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المُعَذَّبَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ العَقْلَ في القَلْبِ، وذَلِكَ هو الحَقُّ، ولا يُنْكِرُ أنَّ لِلدِّماغِ اتِّصالًا بِالقَلْبِ يُوجِبُ فَسادَ العَقْلِ مَتى اخْتَلَّ الدِماغُ. قَوْلُهُ تَعالى: "فَتَكُونَ" نُصِبَ بِالفاءِ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، صُرِفَ الفِعْلُ مِنَ الجَزْمِ إلى النَصْبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ لَفْظَةُ مُبالَغَةٍ كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ العَمى عَمى الأبْصارِ وإنَّما العَمى حَقُّ العَمى عَمى القَلْبِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأبْصارَ تَعْمى ولَكِنَّ المَقْصُودَ ما ذَكَرْناهُ، وهَذا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: «لَيْسَ الشَدِيدُ بِالصُرَعَةِ»، و«لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذا الطَوّافِ»، والضَمِيرُ في "فَإنَّها" لِلْقِصَّةِ ونَحْوَها مِنَ التَقْدِيرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي في الصُدُورِ﴾ مُبالَغَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: "بِأفْواهِهِمْ"، وكَما تَقُولُ: نَظَرْتُ إلَيْهِ بِعَيْنِي، ونَحْوَ هَذا.

والضَمِيرُ في "وَيَسْتَعْجِلُونَكَ" لِقُرَيْشٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وعْدَهُ﴾ وعِيدُ وإخْبارٍ بِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ إلى وقْتٍ مَحْدُودٍ، والوَعْدُ هُنا مُقَيَّدٌ بِالعَذابِ فَلِذَلِكَ ورَدَ في مَكْرُوهٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ: وإنَّ يَوْمًا مِن أيّامِ (p-٢٦٠)عَذابِ اللهِ تَعالى كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ مِن هَذِهِ لِطُولِ العَذابِ وبُؤْسِهِ، فَكَأنَّ المَعْنى: فَما أجْهَلَ مَن يَسْتَعْجِلُ هَذا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ اللهِ لِإحاطَتِهِ فِيهِ وعِلْمِهِ وإنْفاذِ قُدْرَتِهِ كَألْفِ سَنَةٍ عِنْدَكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَهَذا التَأْوِيلُ يَقْتَضِي أنَّ عَشَرَةَ آلافِ سَنَةٍ إلى ما لا نِهايَةَ مِنَ العَدَدِ في حُكْمِ الألْفِ، ولَكِنَّهم قالُوا: ذَكَرَ الألْفَ لِأنَّها مُنْتَهى العَدَدِ دُونَ تَكْرارٍ فاقْتَصَرَ عَلَيْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا التَأْوِيلُ لا يُناسِبُ الآيَةَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ المَعْنى أنَّ اليَوْمَ عِنْدَ اللهِ تَعالى ألْفُ سَنَةٍ مِن هَذا العَدَدِ، مِن ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: «إنِّي لِأرْجُوَ أنْ تُؤَخَّرَ أُمَّتِي نِصْفُ يَوْمٍ»، وقَوْلُهُ: «يَدْخُلُ فُقَراءُ المُسْلِمِينَ الجَنَّةَ قَبْلَ الأغْنِياءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ، وذَلِكَ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ»، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مِقْدارُ الحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ ألْفُ سَنَةٍ، فَكَأنَّ المَعْنى: وإنْ طالَ الإمْهالُ فَإنَّهُ في بَعْضِ يَوْمٍ مِن أيّامِ اللهِ.

وكَرَّرَ قَوْلَهُ تَعالى: "وَكَأيِّنْ" لِأنَّهُ جَلَبَ مَعْنًى آخَرَ، ذَكَرَ أوَّلًا القُرى المُهْلَكَةَ دُونَ إمْلاءٍ بَلْ بِعَقِبِ التَكْذِيبِ، ثُمْ ثَنّى بِالمُهْمَلَةِ لِئَلّا يَفْرَحُ هَؤُلاءِ بِتَأْخِيرِ العَذابِ عنهم. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَعُدُّونَ" بِالتاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَعُدُّونَ" بِالياءِ عَلى الغائِبِ.

(p-٢٦١)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском