Ibn 'AtiyyaAl‑Hajj · 22:73–78

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Hajj 22:73–78

22:73–74Page 341

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٞ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخۡلُقُواْ ذُبَابٗا وَلَوِ ٱجۡتَمَعُواْ لَهُۥۖ وَإِن يَسۡلُبۡهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيۡـٔٗا لَّا يَسۡتَنقِذُوهُ مِنۡهُۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلۡمَطۡلُوبُ ٧٣

O people, an example is presented, so listen to it. Indeed, those you invoke besides Allāh will never create [as much as] a fly, even if they gathered together for it [i.e., that purpose]. And if the fly should steal from them a [tiny] thing, they could not recover it from him. Weak are the pursuer and pursued.1

مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٧٤

They have not appraised Allāh with true appraisal.1 Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.

قوله عزّ وجلّ:

﴿يا أيُّها الناسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ ضَعُفَ الطالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ ﴿ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾

الخِطابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الناسُ﴾ قِيلَ: هو خِطابٌ يَعُمُ العالَمَ، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ حِينَئِذٍ الَّذِينَ أرادَ اللهُ -تَعالى- أنْ يُبَيِّنَ عِنْدَهم خَطَأ الكافِرِينَ، ولا شَكَّ أنَّ المُخاطَبَ هم ولَكِنَّهُ خِطابٌ يَعُمْ جَمِيعَ الناسِ، مَتى نَظَرَهُ أحَدٌ في أمْرِ عِبادَةِ الأوثانِ تَوَجَّهَ لَهُ الخِطابُ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في فاعِلِ "ضُرِبَ"، مَن هُوَ؟ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: ضُرِبَ أهْلُ الكُفْرِ مَثَلًا لِلَّهِ أصْنامَهم وأوثانَهم. فاسْتَمِعُوا أنْتُمْ أيُّها الناسُ لِأمْرِ هَذِهِ الآلِهَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: ضَرَبَ اللهُ تَعالى مَثَلًا لِهَذِهِ الأصْنامِ وهو كَذا وكَذا، فالمِثالُ والمَثَلُ في القَوْلِ الأوَّلِ هي الأصْنامُ، والَّذِي جُعِلَ لَهُ المِثالُ اللهُ -تَعالى- والمِثالُ في التَأْوِيلِ الثانِي هو في الذُبابِ وأمْرُهُ، والَّذِي جُعِلَ لَهُ هي الأصْنامُ، ومَعْنى "ضُرِبَ": أُثْبِتَ وأُلْزِمْ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ﴾ [آل عمران: ١١٢]، وقَوْلُنا: ضُرِبَتِ الجِزْيَةُ وضُرِبَ البَعْثُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "ضُرِبَ المَثَلُ" مِنَ الضَرْبِ الَّذِي هو المَثَلُ، ومِن قَوْلِكَ: "هَذا ضَرْبٌ هَذا"، فَكَأنَّهُ قالَ: مِثْلَ مَثَلٍ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يَدْعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتِ، والضَمِيرُ لِلْكُفّارِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُدْعَوْنَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتَحَ العَيْنَ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ والضَمِيرُ لِلْأصْنامِ.

وبَدَأ -تَعالى- بِنَفْيِ الخَلْقِ والِاخْتِراعِ عنهم مِن حَيْثُ هي صِفَةٌ ثابِتَةٌ لَهُ مُخْتَصَّةٌ بِهِ، (p-٢٧٤)فَكَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ لَهم صِفَتِي، ثُمْ ثَنّى بِالأمْرِ الَّذِي بَلَغَ بِهِمْ غايَةَ التَعْجِيزِ، وذَكَرَ تَعالى أمْرَ سَلْبِ الذُبابِ لِأنَّهُ كانَ كَثِيرًا مَحْسُوسًا عِنْدَ العَرَبِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يُضَمِّخُونَ أوثانَهم بِأنْواعِ الطَيِّبِ فَكانَ الذُبابُ يَذْهَبُ بِذَلِكَ، وكانُوا مُتَألِّمِينَ مِن هَذِهِ الجِهَةِ فَجُعِلَتْ مَثَلًا. و"الذُبابُ" جَمْعُهُ "أذُبَّةٌ" في القَلِيلِ و"ذِبّانٌ" في الكَثِيرِ كَغُرابُ وأغْرِبَةٌ وغِرْبانٌ، ولا يُقالُ ذُباباتٌ إلّا في الذُيُولِ لا في الحَيَوانِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ضَعُفَ الطالِبُ والمَطْلُوبُ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِالطالِبِ الأصْنامَ وبِالمَطْلُوبِ الذُبابَ -أيْ: أنَّهم يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا طالِبِينَ لِما سُلِبَ مِن طِيبِهِمْ عَلى مَعْهُودِ الأنَفَةِ مِنَ الحَيَوانِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ ضَعُفَ الكُفّارُ في طَلَبِهِمُ الصَوابَ والفَضِيلَةَ مِن جِهَةِ الأصْنامِ، وضَعُفَ الأصْنامُ في إعْطاءِ ذَلِكَ وإنالَتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ:

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ ضَعُفَ الطالِبُ وهو الذُبابُ في اسْتِلابِهِ ما عَلى الأصْنامِ، وضَعُفَ الأصْنامُ في ألّا مَنَعَةَ لَهُمْ، وعَلى كُلِّ قَوْلٍ فَدَلَّ ضَعْفُ الذُبابِ الَّذِي هو مَحْسُوسٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وضَعْفُ الأصْنامِ في ألّا مَنَعَةَ لَهم عن هَذا المُجْمَعِ عَلى ضَعْفِهِ عَلى أنَّ الأصْنامَ في أحَطِّ رُتْبَةٍ وأخَسِّ مَنزِلَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ خِطابٌ لِلنّاسِ المَذْكُورِينَ، والضَمِيرُ في "قَدَرُوا" لِلْكُفّارِ، والمَعْنى: ما وفَّوْهُ حَقَّهُ مِنَ التَعْظِيمِ والتَوْحِيدِ، ثُمْ أخْبَرَ بِقُوَّةِ اللهِ -تَعالى- وعِزَّتِهِ، وهُما صِفَتانِ مُناقِضَتانِ لِعَجْزِ الأصْنامِ.

22:75–77Page 341

ٱللَّهُ يَصۡطَفِي مِنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلٗا وَمِنَ ٱلنَّاسِۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٞ ٧٥

Allāh chooses from the angels messengers and from the people. Indeed, Allāh is Hearing and Seeing.

يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٧٦

He knows what is [presently] before them and what will be after them.1 And to Allāh will be returned [all] matters.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرۡكَعُواْ وَٱسۡجُدُواْۤ وَٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمۡ وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ۩ ٧٧

O you who have believed, bow and prostrate and worship your Lord and do good - that you may succeed.

قوله عزّ وجلّ:

﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلا ومِنَ الناسِ إنَّ اللهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم وإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا واعْبُدُوا رَبَّكم وافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾

رَوِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: "الأُمُورُ" نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْلِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةَ: (p-٢٧٥)﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ [ص: ٨] الآيَةُ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ "يَصْطَفِي" أيْ: ﴿مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلا﴾ إلى الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ حَسْبَما ورَدَ في الأحادِيثِ، ﴿وَمِنَ الناسِ﴾ وهُمُ الأنْبِياءُ المَبْعُوثُونَ لِإصْلاحِ الخَلْقِ، الَّذِينَ اجْتَمَعَتْ لَهُمُ النُبُوءَةُ والرِسالَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ عِبارَةٌ عن إحاطَةِ عِلْمِهِ بِهِمْ، وحَقِيقَتُها: ما قَبْلَهم مِنَ الحَوادِثِ وما بَعْدَهُمْ، و"الأُمُورُ" جَمْعُ "أمْرٍ"، لَيْسَ يُرادُ بِهِ المَصْدَرُ.

ثُمْ أمَرَ اللهُ -تَعالى- بِعِبادَتِهِ، وخَصَّ الرُكُوعَ والسُجُودَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لِلصَّلاةِ.

واخْتَلَفَ الناسُ، هَلْ في هَذِهِ الآيَةِ سَجْدَةٌ؟ ومَذْهَبُ مالِكٍ -رَحِمَهُ اللهُ- ألّا يَسْجُدَ هُنا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ نَدْبٌ فِيما عَدا الواجِباتِ الَّتِي صَحَّ وُجُوبُها مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وقَوْلُهُ -تَبارَكَ وتَعالى: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ تَرَجٍّ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أو يَخْشى﴾ [طه: ٤٤]، و "الفَلّاحُ" في هَذِهِ الآيَةِ نَيْلُ البُغْيَةِ وبُلُوغُ الأمَلِ.

22:78Page 341

وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ ٧٨

And strive for Allāh with the striving due to Him. He has chosen you and has not placed upon you in the religion any difficulty. [It is] the religion of your father, Abraham. He [i.e., Allāh] named you "Muslims" before [in former scriptures] and in this [revelation] that the Messenger may be a witness over you and you may be witnesses over the people. So establish prayer and give zakāh and hold fast to Allāh. He is your protector; and excellent is the protector, and excellent is the helper.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَجاهِدُوا في اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هو اجْتَباكم وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِينِ مِن حَرَجٍ مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وفي هَذا لِيَكُونَ الرَسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكم وتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ فَأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ واعْتَصِمُوا بِاللهِ هو مَوْلاكم فَنِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَصِيرُ﴾

قالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ آيَةٌ أمَرَ اللهُ -تَعالى- فِيها بِالجِهادِ في سَبِيلِهِ، وهو قِتالُ الكُفّارِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي أعَمُّ مِن ذَلِكَ، وهو جِهادُ النَفْسِ، وجِهادُ الكافِرِينَ، وجِهادُ الظَلَمَةِ، وغَيْرُ ذَلِكَ، أمَرَ اللهُ عِبادَهُ بِأنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ في ذاتِ اللهِ حَقَّ فِعْلِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-:

والعُمُومُ حَسَنٌ. وبَيَّنَ أنَّ عُرْفَ اللَفْظَةِ يَقْتَضِي الجِهادَ في سَبِيلِ اللهِ، وقالَ هِبَةُ اللهِ (p-٢٧٦)وَغَيْرُهُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ وقَوْلَهُ في الأُخْرى: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] [آل عِمْرانَ: ١٠٢] مَنسُوخٌ بِالتَخْفِيفِ إلى الِاسْتِطاعَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ -رَحِمَهُ اللهُ-:

ومَعْنى الِاسْتِطاعَةُ في هَذِهِ الأوامِرِ هو المُرادُ مِن أوَّلِ الأمْرِ، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ تَكْلِيفُ بُلُوغِ الغايَةِ شَرْعًا ثابِتًا فَيُقالُ: إنَّهُ نُسِخَ بِالتَخْفِيفِ، وإطْلاقُهُمُ النَسْخَ في هَذا غَيْرُ مُحْدِقٍ.و"اجْتَباكُمْ" مَعْناهُ: تَخَيَّرَكم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِينِ مِن حَرَجٍ﴾ مَعْناهُ: مِن تَضْيِيقٍ، يُرِيدُ: في شِرْعَةِ المِلَّةِ، وذَلِكَ أنَّها حَنِيفِيَّةٌ سَمْحَةٌ، لَيْسَتْ كَشَدائِدَ بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ، بَلْ فِيها التَوْبَةُ والكَفّاراتُ والرُخَصُ ونَحْوِ هَذا مِمّا كَثُرَ عَدُّهُ.و"الحَرَجَةُ": الشَجَرُ المُلْتَفُّ المُتَضايِقُ، ورَفْعُ الحَرَجِ صَحَّ لِجُمْهُورِ هَذِهِ الأُمَّةِ ولِمَنِ اسْتَقامَ عَلى مِنهاجِ الشَرْعِ، وأمّا السَلّابَةُ والسُرّاقُ وأصْحابُ الحُدُودِ فَعَلَيْهِمُ الحَرَجُ، وهم جاعِلُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِمُفارَقَتِهِمُ الدِينَ، ولَيْسَ في الشَرْعِ أعْظَمُ حَرَجًا مِن إلْزامِ ثُبُوتِ رَجُلٍ لِاثْنَيْنِ في سَبِيلِ اللهِ -تَعالى- ومَعَ صِحَّةِ اليَقِينِ وجَوْدَةِ العَزْمِ لَيْسَ بِحَرَجٍ.

وقَوْلُهُ: "مِلَّةَ" نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: بَلْ جَعَلَها، أو نَحْوَهُ مِن أفْعالِ الإغْراءِ، وقالَ الفِراءُ: هو نَصْبٌ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ الكافِ كَأنَّهُ قالَ: "كَمِلَّةِ"، وقِيلَ: هو كَما يُنْصَبُ المَصْدَرُ. وقَوْلُهُ: "هُوَ سَمّاكُمْ"، قالَ ابْنُ زَيْدِ: الضَمِيرُ لِإبْراهِيمَ والإشارَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]. وقالَ ابْنُ عَبّاسِ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدُ: الضَمِيرُ لِلَّهِ -تَعالى- و"مِن قَبْلُ" مَعْناهُ: في الكُتُبِ القَدِيمَةِ، "وَفِي هَذا": في القُرْآنِ، وهَذِهِ اللَفْظَةُ تُضَعِّفُ قَوْلَ مَن قالَ: الضَمِيرُ، لِإبْراهِيمَ، ولا يَتَوَجَّهُ إلّا عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ مِنَ الكَلامِ (p-٢٧٧)مُسْتَأْنَفٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَكُونَ الرَسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: بِالتَبْلِيغِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ﴾ أيْ: بِتَبْلِيغِ رُسُلِهِمْ إلَيْهِمْ عَلى ما أخْبَرَكم نَبِيُّكم.

وأسْنَدَ الطَبَرَيُّ إلى قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: أُعْطِيتْ هَذِهِ الأُمَّةُ ما لَمْ يُعْطَهُ إلّا نَبِيٌّ، كانَ يُقالُ لِلنَّبِيِّ: أنْتَ شَهِيدٌ عَلى أُمَّتِكَ، وقِيلَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ﴾، وكانَ يُقالُ لِلنَّبِيِّ: لَيْسَ عَلَيْكَ حَرَجٌ، وقِيلَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِينِ مِن حَرَجٍ﴾، وكانَ يُقالُ لِلنَّبِيِّ: سَلْ تُعْطَ، وقِيلَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].

ثُمْ أمَرَ -تَعالى- بِالصَلاةِ المَفْرُوضَةِ أنْ تُقامَ ويُدامَ عَلَيْها بِجَمِيعِ حُدُودِها، وبِالزَكاةِ أنْ تُؤَدّى، كَما أنْعَمَ عَلَيْكم فافْعَلُوا كَذا، ثُمْ أمَرَ بِالِاعْتِصامِ بِاللهِ -تَعالى- أيْ: بِالتَعَلُّقِ بِهِ والخُلُوصِ لَهُ، وطَلَبِ النَجاةِ مِنهُ ورَفَضِ التَوَكُّلِ عَلى سِواهُ.و"المَوْلى" في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: الَّذِي يَلِيكم نَصْرُهُ وحِفْظُهُ. وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ. كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الحَجِّ بِحَمْدِ اللهِ تَعالى وعَوْنِهِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском