Ibn 'AtiyyaAl‑Mu'minun · 23:109–118

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Mu'minun 23:109–118

23:109–111Page 349

إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١٠٩

Indeed, there was a party of My servants who said, 'Our Lord, we have believed, so forgive us and have mercy upon us, and You are the best of the merciful.'

فَٱتَّخَذۡتُمُوهُمۡ سِخۡرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوۡكُمۡ ذِكۡرِي وَكُنتُم مِّنۡهُمۡ تَضۡحَكُونَ ١١٠

But you took them in mockery to the point that they made you forget My remembrance, and you used to laugh at them.

إِنِّي جَزَيۡتُهُمُ ٱلۡيَوۡمَ بِمَا صَبَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ١١١

Indeed, I have rewarded them this Day for their patient endurance - that they are the attainers [of success]."

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الراحِمِينَ﴾ ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾

قَرَأ هارُونُ: "أنَّهُ كانَ" بِفَتْحِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ أبِيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ورُوِيَ أنَّ في مُصْحَفِ أبِيِّ بْنِ كَعْبٍ "أنْ كانَ"، وهَذا كُلُّهُ مُتَعاضِدٌ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَلا تُكَلِّمُونِ كانَ فَرِيقٌ" بِغَيْرِ "إنَّهُ"، وهَذِهِ تُعَضِّدُ كَسْرَ الألِفِ مِن "إنَّهُ" لَأنَّها اسْتِئْنافٌ، وهَذِهِ الهاءُ مُبْهَمَةٌ ضَمِيرُ الأمْرِ، والكُوفِيُّونَ يُسَمُّونَها المَجْهُولَةَ، وهي عِبارَةٌ فاسِدَةٌ. وهَذِهِ الآيَةُ كُلُّها مِمّا يُقالُ لِلْكَفَرَةِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ.

والفَرِيقُ المُشارُ إلَيْهِ كُلُّ مُسْتَضْعَفٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَتَّفِقُ أنْ يَكُونَ حالُهُ مَعَ كُفّارٍ في مِثْلِ هَذِهِ الحالِ، ونَزَلَتِ الآيَةُ في كُفّارِ قُرَيْشٍ مَعَ صُهَيْبٍ وعَمّارٍ وبِلالٍ رَضِيَ اللهُ عنهم ونُظَرائِهِمْ، ثُمْ هي عامَّةٌ فِيمَن جَرى مَجْراهم قَدِيمًا وبَقِيَّةَ الدَهْرِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "سُخْرِيًّا" بِضَمِّ السِينِ، وقَرَأ الباقُونَ: "سِخْرِيًّا" بِكَسْرِها، فَقالَتْ طائِفَةٌ هُما بِمَعْنى واحِدٍ، وذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ، وقالَ أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ: إنَّهُما بِمَعْنى الهُزْءِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: إنَّ ضَمَّ السِينِ مِنَ السُخْرَةِ والتَخْدِيمِ، وكَسْرَ السِينِ مِنَ السُخْرِ وهو الِاسْتِهْزاءُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:

؎ إنِّي أتانِي حَدِيثٌ لا أُسِرُّ بِهِ مِن عَلْوَ لا كَذِبٌ فِيهِ ولا سُخْرُ

(p-٣٢٥)قالَ أبُو عَلِيٍّ: قِراءَةُ كَسْرِ السِينِ أوجَهُ لَأنَّهُ بِمَعْنى الِاسْتِهْزاءِ والكَسْرُ فِيهِ أكْثَرُ، وهو ألْيَقُ بِالآيَةِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ألّا تَرى إلى إجْماعِ القُرّاءِ عَلى ضَمِّ السِينِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢] لَمّا تَخَلَّصَ الأمْرُ لِلتَّخْدِيمِ، قالَ يُونُسُ: إذا أُرِيدَ التَخْدِيمُ فَهو بِضَمِّ السِينِ لا غَيْرَ، وإذا أُرِيدَ الهَزْءُ فَهو بِالضَمِّ والكَسْرِ. وقَرَأ أصْحابُ عَبْدِ اللهِ، والأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ كُلَّ ما في القُرْآنِ بِضَمِّ السِينِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو عَمْرٍو كُلَّ ما في القُرْآنِ بِالكَسْرِ إلّا الَّتِي في الزُخْرُفِ فَإنَّهُما ضَمّا السِينَ كَما فَعَلَ الناسُ لَأنَّها مِنَ التَخْدِيمِ، وأضافَ الإنْسانَ إلى الفَرِيقِ مِن حَيْثُ كانَ بِسَبَبِهِمْ، والمَعْنى أنَّ اشْتِغالَهم بِالهُزْءِ بِهَؤُلاءِ أنْساهم ما يَنْفَعُهم.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ: "أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ" بِفَتْحِ الألِفِ، فَـ "جَزَيْتُهُمْ" عامِلٌ في "أنَّ"، ويَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ في مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ، ويَكُونُ التَقْدِيرُ: لَأنَّهم. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخارِجَةُ عن نافِعٍ: "إنَّهم هُمُ الفائِزُونَ" بِكَسْرِ الألِفِ، فالمَفْعُولُ الثانِي لِـ "جَزَيْتُ" مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: الجَنَّةُ أوِ الرِضْوانُ. و"الفائِزُونَ": المُنْتَهُونَ إلى غايَتِهِمُ الَّتِي كانَتْ أمَلَهم. ومَعْنى الفَوْزِ: النَجاةُ مِن هَلَكَةٍ إلى نِعْمَةٍ.

23:112–115Page 349

قَٰلَ كَمۡ لَبِثۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ عَدَدَ سِنِينَ ١١٢

[Allāh] will say, "How long did you remain on earth in number of years?"

قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖ فَسۡـَٔلِ ٱلۡعَآدِّينَ ١١٣

They will say, "We remained a day or part of a day; ask those who enumerate."

قَٰلَ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ لَّوۡ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١١٤

He will say, "You stayed not but a little - if only you had known.

أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ ١١٥

Then did you think that We created you uselessly and that to Us you would not be returned?"

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾ ﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾

قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ"، و"قُلْ إنْ لَبِثْتُمْ"، ورَوى البِزِّيُّ عَنِ ابْنُ كَثِيرٍ "قالَ إنْ لَبِثْتُمْ" عَلى الخَبَرِ، وأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، (p-٣٢٦)والكِسائِيُّ التاءَ، والباقُونَ لا يُدْغِمُونَها، فَمَعْنى الأوَّلِ: إخْبارٌ بِأنَّ اللهَ يُوَفِّقُهم لِلسُّؤالِ عَنِ المُدَّةِ ثُمْ يَعْلَمُهم آخِرًا بِلَبْثِهِمْ قَلِيلًا، ومَعْنى الثانِيَةِ: الأمْرُ لِواحِدٍ مِنهم مُشارٌ إلَيْهِ، بِمَعْنى: يُقالُ لِأحَدِهِمْ قُلْ كَذا، فَإذا قالَ غَيْرَ القَوِيمِ قِيلَ لَهُ: قُلْ: إنْ لَبِثْتُمْ، ومَعْنى رِوايَةِ البِزِّيِّ: التَوْقِيفُ ثُمُ الإخْبارُ، وفي المَصاحِفِ "قالَ" فِيهِما، إلّا في مُصْحَفِ الكُوفَةِ فَإنَّ فِيهِ "قُلْ" بِغَيْرِ الألْفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي الأرْضِ"، قالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: في الدُنْيا أحْياءً، وعن هَذا وقَعَ السُؤالُ، ونَسُوا لِفَرْطِ هَوْلِ العَذابِ حَتّى قالُوا: ﴿يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ﴾.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والغَرَضُ مِن هَذا تَوْقِيفُهم عَلى أنَّ أعْمارَهم قَصِيرَةٌ، أدّاهُمُ الكُفْرُ فِيها إلى عَذابٍ طَوِيلٍ.

وقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: في جَوْفِ التُرابِ أمْواتًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا هو الأصْوَبُ مِن حَيْثُ أنْكَرُوا البَعْثَ وكانَ قَوْلُهُمْ: إنَّهم لا يَقُومُونَ مِنَ التُرابِ، قِيلَ لَهم لَمّا قامُوا: كَمْ لَبِثْتُمْ؟ وقَوْلُهُ آخِرًا: ﴿وَأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ يَقْتَضِي ما قُلْناهُ.

و"عَدَدَ" نُصِبَ بِـ "كَمْ" عَلى التَمْيِيزِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: "عَدَدًا سِنِينَ" بِتَنْوِينِ "عَدَدًا".

وقالَ مُجاهِدٌ: أرادُوا بِـ "العادِّينَ" المَلائِكَةَ، وقالَ قَتادَةُ: أرادُوا أهْلَ الحِسابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وظاهِرُ اللَفْظِ أنَّهم أرادُوا مَن يَتَّصِفُ بِهَذِهِ الصِفَةِ ولَمْ يُعِينُوا مَلائِكَةً ولا غَيْرَها؛ لَأنَّ النائِمْ والمَيِّتَ لا يَعُدُّ الحَرَكَةَ فَيُقَدِّرُ لَهُ الزَمانَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا﴾ مَقْصِدُهُ -عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُكْثَ في الدُنْيا- أيْ قَلِيلُ القَدْرِ في جَنْبِ ما تُعَذِّبُونَ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّ المُكْثَ في القُبُورِ مَعْناهُ أنَّهُ قَلِيلٌ، (p-٣٢٧)إذْ كُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، ولَكِنَّكم كَذَّبْتُمْ بِهِ إذْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ؛ إذْ لَمْ تَرْغَبُوا في العِلْمِ والهُدى.

و"عَبَثًا" مَعْناهُ: باطِلًا لِغَيْرِ غايَةٍ مُرادَةٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَرْجِعُونَ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "تَرْجِعُونَ" بِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، والمَعْنى فِيها بَيِّنٌ.

23:116–118Page 349

فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡكَرِيمِ ١١٦

So exalted is Allāh, the Sovereign,1 the Truth;2 there is no deity except Him, Lord of the Noble Throne.

وَمَن يَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرۡهَٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ١١٧

And whoever invokes besides Allāh another deity for which he has no proof - then his account is only with his Lord. Indeed, the disbelievers will not succeed.

وَقُل رَّبِّ ٱغۡفِرۡ وَٱرۡحَمۡ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١١٨

And, [O Muḥammad], say, "My Lord, forgive and have mercy, and You are the best of the merciful."

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَتَعالى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾ ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ وأنْتَ خَيْرُ الراحِمِينَ﴾

المَعْنى: فَتَعالى اللهُ عن مَقالَتِهِمْ في جِهَتِهِ مِنَ الصاحِبَةِ والوَلَدِ، ومِن حِسابِهِمْ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ، أيْ: تَنَزَّهَ اللهُ عن تِلْكَ الأُمُورِ وتَعالى عنها. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "الكَرِيمُ" بِالرَفْعِ صِفَةً لِلرَّبِّ.

ثُمْ تَوَعَّدَ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ عَبَدَةَ الأصْنامِ بِقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةُ، والوَعِيدُ قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾.

و"البُرْهانُ": الحُجَّةُ، وظاهِرُ الكَلامِ أنَّ "مَن" شَرْطٌ، وجَوابُهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ﴾ في مَوْضِعِ الصِفَةِ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الجَوابَ في قَوْلِهِ: "لا بُرْهانَ"، وهَذا هُرُوبٌ مِن دَلِيلِ الخِطّابِ مِن أنْ يَكُونَ ثُمْ داعٍ لَهُ بُرْهانٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا تَحْفَظُ مِمّا لا يَلْزَمُ، ويَلْحَقُهُ حَذْفُ الفاءِ مِن جَوابِ الشَرْطِ وهو غَيْرُ فَصِيحٍ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ. وفي حَرْفِ عَبْدِ اللهِ: "عِنْدَ رَبِّكَ"، وفي حِرَفِ أبِيٍّ: "عِنْدَ اللهِ"، ورُوِيَ أنَّ فِيهِ "عَلى اللهِ". ثُمْ حَتَّمَ وأكَّدَ أنَّ الكافِرَ لا يَبْلُغُ أُمْنِيَّتَهُ ولا يَنْجَحُ سَعْيُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إنَّهُ لا يُفْلِحُ" بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ: "أنَّهُ" بِفَتْحِها، والمَعْنى أنَّهُ إذْ لا يُذْكَرُ ولا يُفْلِحُ يُؤَخِّرُ حِسابَهُ وعَذابَهُ حَتّى يَلْقى رَبَّهُ. وقَرَأ الحَسَنُ: "يَفْلَحُ" بِفَتْحِ الياءِ واللامِ.

(p-٣٢٨)ثُمْ أمَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِالدُعاءِ في المَغْفِرَةِ والرَحْمَةِ والذِكْرِ لَهُ تَعالى بِأنَّهُ خَيْرُ الراحِمِينَ؛ لَأنَّ كُلَّ راحِمْ فَمُتَصَرِّفٌ عَلى إرادَةِ اللهِ تَعالى، وتَوْفِيقِهِ وتَقْدِيرِهِ لِمِقْدارِ هَذِهِ الرَحْمَةِ. ورَحِمَتُهُ تَعالى لا مُشارَكَةَ لِأحَدٍ فِيها، وأيْضًا فَرَحْمَةُ كُلِّ راحِمْ في أشْياءَ وبِأشْياءَ حَقِيراتٍ بِالإضافَةِ إلى المَعانِي الَّتِي تَقَعُ فِيها رَحْمَةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى مِنَ الِاسْتِنْقاذِ مِنَ النارِ، وهَيْئَةِ نَعِيمِ الجَنَّةِ، وعَلى ما في الحَدِيثِ فَرَحْمَةُ كُلِّ راحِمْ مَجْمُوعُها كُلُّها جُزْءٌ مِن مِائَةٍ مِن رَحْمَةِ اللهِ تَعالى جَلَتْ قُدْرَتُهُ؛ إذْ بَثَّ في العالَمِ واحِدَةً وأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وتِسْعِينَ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَقُلْ رَبُّ اغْفِرْ" بِضَمِّ الباءِ مِن "رَبِّ".

تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةٍ المُؤْمِنُونَ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском