Ibn 'AtiyyaAl‑Mu'minun · 23:27–51

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Mu'minun 23:27–51

23:27–30Page 343

فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ أَنِ ٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسۡلُكۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ مِنۡهُمۡۖ وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٢٧

So We inspired to him, "Construct the ship under Our observation and Our inspiration, and when Our command comes and the oven overflows,1 put into it [i.e., the ship] from each [creature] two mates and your family, except him for whom the decree [of destruction] has proceeded. And do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are to be drowned.

فَإِذَا ٱسۡتَوَيۡتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلۡفُلۡكِ فَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٨

And when you have boarded the ship, you and those with you, then say, 'Praise to Allāh who has saved us from the wrongdoing people.'

وَقُل رَّبِّ أَنزِلۡنِي مُنزَلٗا مُّبَارَكٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ ٢٩

And say, 'My Lord, let me land at a blessed landing place, and You are the best to accommodate [us].'"

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ وَإِن كُنَّا لَمُبۡتَلِينَ ٣٠

Indeed in that are signs, and indeed, We are ever testing [Our servants].

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَأوحَيْنا إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَنُّورُ فاسْلُكْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلا مِن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ فَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجّانا مِنَ القَوْمِ الظالِمِينَ﴾ ﴿وَقُلْ رَبِّ أنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبارَكًا وأنْتَ خَيْرُ المُنْزِلِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ وإنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾

قَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في صِفَةِ السَفِينَةِ وقَدْرِها في سُورَةِ هُودٍ، و"الفُلْكُ" هُنا مُفْرَدٌ لا جَمْعَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِأعْيُنِنا" عِبارَةٌ عَنِ الإدْراكِ هَذا مَذْهَبُ الحُذّاقِ، ووَقَفَتِ الشَرِيعَةُ عَلى أعْيُنٍ وعَيْنٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: عَيْنانِ مِن حَيْثُ لَمَّ تُوقَفِ الشَرِيعَةُ عَلى التَثْنِيَةِ، و"وَحْيِنا" مَعْناهُ: في كَيْفِيَّةِ العَمَلِ ووَجْهِ البَيانِ، وذَلِكَ أنَّ جِبْرِيلَ -عَلَيْهِ السَلامُ- نَزَلَ إلى نُوحٍ -عَلَيْهِ السَلامُ- فَقالَ لَهُ: اصْنَعْ كَذا وكَذا لِجَمِيعِ حُكْمِ السَفِينَةِ وما يَحْتاجُ إلَيْهِ. واسْتَجَنَّ الكَفّارُ نُوحًا لِادِّعائِهِ النُبُوَّةَ بِزَعْمِهِمْ أنَّها دَعْوى، وسَخِرُوا مِنهُ لِعَمَلِهِ السَفِينَةِ عَلى غَيْرِ مَجْرى، أو لِكَوْنِها أوَّلُ سَفِينَةٍ إنْ صَحَّ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أمْرُنا" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى أنْ نَأْمُرَ الماءَ بِالفَيْضِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ واحِدَ الأُمُورِ، أيْ إهْلاكِنا لِلْكَفَرَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَفارَ التَنُّورُ﴾. والصَحِيحُ مِنَ الأقْوالِ أنَّهُ تَنُّورُ الخَبْزِ، وأنَّهُ أمارَةٌ كانَتْ بَيْنَ اللهِ -تَبارَكَ وتَعالى- وبَيْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فاسْلُكْ" مَعْناهُ: فَأدْخِلْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٢٩١)

؎ حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مِسْكِ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ

وقَوْلُ الآخَرِ:

؎ وكُنْتُ لِزازٍ خَصْمَكَ لَمْ أُعَرِّدْ ∗∗∗ وقَدْ سَلَكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ

يُقالُ: سَلَكَ وأسْلَكَ بِمَعْنى.

وقَرَأ حَفْصُ عن عاصِمْ: "مِن كَلٍّ" بِتَنْوِينِ "كَلٍّ"، وقَرَأ الباقُونَ وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ بِإضافَةِ "كُلٍّ" دُونَ تَنْوِينٍ، و"الزَوْجانِ" كُلُّ ما شَأْنُهُ الِاصْطِحابُ مِن كُلِّ شَيْءٍ كالذَكَرِ والأُنْثى مِنَ الحَيَوانِ ونَحْوَ النِعالِ وغَيْرِها كُلُّ واحِدٍ زَوْجٌ لِلْآخَرِ، هَذا مَوْقِعُ اللَفْظَةِ في اللُغَةِ، والعَدَدِيُّونَ يُوقِعُونَ الزَوْجَ عَلى الِاثْنَيْنِ، وعَلى هَذا أمَرَ اسْتِعْمالُ العامَّةِ لِلزَّوْجِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأهْلَكَ" يُرِيدُ قَرابَتَهُ، ثُمُ اسْتَثْنى مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ بِأنَّهُ كافِرٌ وهو ابْنُهُ وامْرَأتُهُ، ثُمْ أمْرَ اللهُ نُوحًا -عَلَيْهِ السَلامُ- ألّا يُراجِعَ رَبَّهُ ولا يُخاطِبَهُ شافِعًا في أحَدٍ مِنَ الظالِمِينَ، والإشارَةُ إلى مَنِ اسْتَثْنى إذِ العُرْفُ مِنَ البَشَرِ الحُنُوُّ عَلى الأهْلِ، ثُمْ أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَحْمَدَ رَبَّهُ عَلى النَجاةِ مِنَ الظَلَمَةِ عِنْدَ اسْتِوائِهِ وتَمَكُّنِهِ في الفُلْكِ، ثُمْ أمَرَهُ (p-٢٩٢)بِالدُعاءِ في بَرَكَةِ المَنزِلِ، وقَرَأ عاصِمْ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "مَنزِلًا" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الزايِ، وهو مَوْضِعُ النُزُولِ، وقَرَأ الباقُونَ وحَفَصٌ عن عاصِمْ: "مُنْزَلًا" بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ الزايِ، وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإنْزالِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ مَوْضِعُ النُزُولِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ﴾ خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ -ﷺ- أيْ: إنَّ فِيما جَرى عَلى هَذِهِ الأُمَمِ لَعِبَرًا أو دَلائِلَ لِمَن لَهُ نَظَرٌ وعَقْلٌ، ثُمْ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَبْتَلِي عِبادَهُ الزَمَنَ بَعْدَ الزَمَنِ عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ لِكَفّارِ قُرَيْشٍ بِهَذا الإخْبارِ، و"إنَّ" عِنْدَ سِيبَوَيْهِ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، واللامُ لامُ تَأْكِيدٍ، والفِراءُ يَقُولُ: "إنَّ" نافِيَةٌ واللامُ بِمَعْنى "إلّا"، و"مُبْتَلِينَ" مَعْناهُ مُصِيبِينَ بِبَلاءٍ ومُخْتَبِرِينَ اخْتِبارًا يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ.

23:31–34Page 344

ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ ٣١

Then We produced after them a generation of others.

فَأَرۡسَلۡنَا فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٣٢

And We sent among them a messenger1 from themselves, [saying], "Worship Allāh; you have no deity other than Him; then will you not fear Him?"

وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَتۡرَفۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يَأۡكُلُ مِمَّا تَأۡكُلُونَ مِنۡهُ وَيَشۡرَبُ مِمَّا تَشۡرَبُونَ ٣٣

And the eminent among his people who disbelieved and denied the meeting of the Hereafter while We had given them luxury in the worldly life said, "This is not but a man like yourselves. He eats of that from which you eat and drinks of what you drink.

وَلَئِنۡ أَطَعۡتُم بَشَرٗا مِّثۡلَكُمۡ إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ٣٤

And if you should obey a man like yourselves, indeed, you would then be losers.

قوله عزّ وجلّ:

﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَأرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولا مِنهم أنِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ ﴿وَقالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وأتْرَفْناهم في الحَياةِ الدُنْيا ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ ﴿وَلَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكم إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾

قالَ الطَبَرَيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: إنَّ هَذا القَرْنَ هم ثَمُودُ، ورَسُولُهم صالِحُ -عَلَيْهِ السَلامُ- وفي الرِواياتِ ما يَقْتَضِي أنَّ قَوْمَ عادٍ أقْدَمَ إلّا أنَّهم لَمْ يُهْلَكُوا بِصَيْحَةٍ، وفي هَذا احْتِمالاتٍ كَثِيرَةٍ، واللهُ أعْلَمُ.

و"أتْرَفْناهُمْ" مَعْناهُ: نَعَّمْناهم وبَسَطْنا لَهُمُ الآمالَ والأرْزاقَ، ومَقالَةُ هَؤُلاءِ أيْضًا تَقْتَضِي اسْتِبْعادَ بِعْثَةِ البَشَرِ، وهَذِهِ الطائِفَةُ وقَوْمُ نُوحٍ لَمْ يُذْكَرْ في هَذِهِ الآياتِ أنَّ المُعْجِزَةَ ظَهَرَتْ لَهم وأنَّهم كَذَّبُوا بَعْدَ وُضُوحِها، ولَكِنَّ ذَلِكَ مُقَدَّرٌ مَعْلُومٌ وإنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَنا المُعْجِزَةَ، والعِقابَ لا يَتَعَلَّقُ بِأحَدٍ إلّا بَعْدَ تَرْكِهِ الواجِبَ عَلَيْهِ، ووُجُوبِ الِاتِّباعِ إنَّما هو (p-٢٩٣)قِيامُ الحُجَّةِ عَلى المَرْءِ أو عَلى مَن هو المَقْصِدُ والجُمْهُورُ، كالعَرَبِ في مُعْجِزَةِ القُرْآنِ، والأطِبّاءُ لِعِيسى، والسَحَرَةُ لِمُوسى، فَبِقِيامِ الحُجَّةِ عَلى هَؤُلاءِ قامَتْ عَلى جَمِيعِ مَن ورائِهِمْ.

23:35–39Page 344

أَيَعِدُكُمۡ أَنَّكُمۡ إِذَا مِتُّمۡ وَكُنتُمۡ تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَنَّكُم مُّخۡرَجُونَ ٣٥

Does he promise you that when you have died and become dust and bones that you will be brought forth [once more]?

۞ هَيۡهَاتَ هَيۡهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ٣٦

How far, how far, is that which you are promised.1

إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ ٣٧

It [i.e., life] is not but our worldly life - we die and live, but we will not be resurrected.

إِنۡ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا وَمَا نَحۡنُ لَهُۥ بِمُؤۡمِنِينَ ٣٨

He is not but a man who has invented a lie about Allāh, and we will not believe him."

قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي بِمَا كَذَّبُونِ ٣٩

He said, "My Lord, support me because they have denied me."

قوله عزّ وجلّ:

﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: "أيَعِدُكُمُ" اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَوْقِيفِ، عَلى جِهَةِ الِاسْتِبْعادِ، وبِمَعْنى الهَزْءِ بِهَذا الوَعْدِ، و"أنَّكُمُ" الثانِيَةُ بَدَلٌ مِنَ الأُولى عِنْدَ سِيبَوَيْهَ، وفِيها مَعْنى تَأْكِيدِ الأوَّلِ، وكُرِّرَتْ لِطُولِ الكَلامِ، وإنْ كانَ المُبَرِّدُ أبى عِبارَةَ البَدَلِ لِكَوْنِهِ مِن غَيْرِ مُسْتَقِلٍّ إذْ لَمْ يَذْكُرْ خَبَرَ "أنَّ" الأُولى، والخَبَرُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: "أنَّكم تُبْعَثُونَ إذا مِتُّمْ". وهَذا المُقَدَّرُ هو العامِلُ في "إذا"، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: "أيَعِدُكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ" بِحَذْفِ "أنَّكُمُ" الأُولى، ويَعْنُونَ بِالإخْراجِ النُشُورِ مِنَ القُبُورِ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ اسْتِبْعادٌ، وهَذِهِ كَلِمَةٌ لَها مَعْنى الفِعْلِ، التَقْدِيرُ: بَعْدَ كَذا، فَطَوْرًا يَلِيها الفاعِلُ دُونَ لامٍ، تَقُولُ: هَيْهاتَ مَجِيءَ زَيْدٍ، أيْ: بَعُدَ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:

؎ فَهَيْهاتَ هَيْهاتَ العَقِيقَ ومَن بِهِ وهَيْهاتَ خَلٌّ بِالعَقِيقِ نُواصِلُهُ

وأحْيانًا يَكُونُ الفاعِلُ مَحْذُوفًا، وذَلِكَ عِنْدَ اللامِ كَهَذِهِ الآيَةِ، والتَقْدِيرُ: بَعْدَ الوُجُودِ (p-٢٩٤)لِما تُوعَدُونَ، ومِن حَيْثُ كانَتْ هَذِهِ اللَفْظَةُ بِمَعْنى الفِعْلِ أشْبَهَتِ الحُرُوفَ مِثْلَ "مَهْ" وغَيْرِها، فَلِذَلِكَ بُنِيَتْ عَلى الفَتْحِ، وهَذِهِ قِراءَةُ الجَماعَةِ بِفَتْحِ التاءِ، وهي مُفْرِدٌ سُمِّي بِهِ الفِعْلُ في الخَبَرِ، أيْ: بَعُدَ، كَما أنَّ "شَتّانَ" اسْمٌ "افْتَرَقَ"، وعُرْفُ تَسْمِيَةِ الفِعْلِ أنْ يَكُونَ في الأمْرِ كَصَهٍ وهُسٍّ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "هَيْهاتِ هَيْهاتِ" بِكَسْرِ التاءِ غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ. وقَرَأها عِيسى بْنُ عُمَرَ، وأبُو حَيْوَةَ -بِخِلافٍ عنهُ- "هَيْهاتَ هَيْهاتَ" مُنَوَّنَةٌ، وهي عَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ جَمْعُ "هَيْهاتَ"، وكانَ حَقُّها أنْ تَكُونَ "هَيْهاتَ" إلّا أنَّ ضَعْفَها لَمْ يَقْتَضِ إظْهارَ الياءِ، فَقالَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ: هي مِثْلَ "بَيْضاتٍ"، أرادَ: "فِي أنَّها جَمَعَ"، وظَنَّ بَعْضُ النُحاةِ أنَّهُ أرادَ: "فِي اتِّفاقِ المُفْرَدِ" فَقالَ: واحِدٌ "هَيْهاتَ": "هِيهِهٍ"، ولَيْسَ كَما قالَ، وتَنْوِينُ عِيسى عَلى إرادَةِ التَنْكِيرِ، وتَرَكَ أبُو جَعْفَرٍ التَنْوِينَ عَلى إرادَةِ التَعْرِيفِ. وقَرَأ عِيسى الهَمْدانِيُّ: "هَيْهاتْ هَيْهاتْ" بِتاءٍ ساكِنَةٍ، وهي -عَلى هَذا- جَماعَةٌ لا مُفْرَدٌ، وقَرَأها كَذَلِكَ الأعْرَجُ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "هَيْهاتٌ" بِتاءٍ مَرْفُوعَةٍ مُنَوَّنَةٌ، وهَذا عَلى أنَّهُ اسْمٌ مُعْرَبٌ مُسْتَقِلٌّ وخَبَرُهُ ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾، أيِ: البُعْدُ لِوَعْدِكُمْ، كَما تَقُولُ: النَجْمُ لِسَعْيِكُمْ، ورُوِيَ عن أبِي حَيْوَةَ "هَيْهاتُ" بِالرَفْعِ دُونَ تَنْوِينٍ، وقَرَأ خالِدُ بْنُ إلْياسَ: "هَيْهاتا هَيْهاتا" بِالنَصْبِ والتَنْوِينِ. والوَقْفُ عَلى "هَيْهاتَ" مِن حَيْثُ هي مَبْنِيَّةٌ بِالهاءِ، ومَن قَرَأ بِكَسْرِ التاءِ وقَفَ بِالتاءِ، وفي اللَفْظَةِ لُغاتٍ: هَيْها، وهَيْهاتَ، (p-٢٩٥)وَهَيْهانِ، وأيْهاتِ، وهَيْهاتَ، وهَيْهاتَ، وهَيْهاهُ، "قالَ رُؤْبَةُ:

؎ هَيْهاهُ مِن مُنْخَرِقٍ هَيْهاؤُهُ

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "هَيْهاتَ هَيْهاتَ ما تُوعَدُونَ" بِغَيْرِ لامٍ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿إنْ هي إلا حَياتُنا الدُنْيا﴾ أرادُوا أنَّهُ لا وُجُودَ لَنا غَيْرَ هَذا الوُجُودِ، وإنَّما تَمُوتُ مِنّا طائِفَةٌ فَتَذْهَبُ وتَجِيءُ طائِفَةٌ جَدِيدَةٌ، وهَذا كُفْرُ الدَهْرِيَّةِ. و"بِمُؤْمِنِينَ" مَعْناهُ: بِمُصَدِّقِينَ، ثُمْ دَعا عَلَيْهِمْ نَبِيُّهم وطَلَبَ عُقُوبَتَهم عَلى تَكْذِيبِهِمْ.

23:40–44Page 344

قَالَ عَمَّا قَلِيلٖ لَّيُصۡبِحُنَّ نَٰدِمِينَ ٤٠

[Allāh] said, "After a little, they will surely become regretful."

فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ بِٱلۡحَقِّ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ غُثَآءٗۚ فَبُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤١

So the shriek1 seized them in truth,2 and We made them as [plant] stubble. Then away with the wrongdoing people.

ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قُرُونًا ءَاخَرِينَ ٤٢

Then We produced after them other generations.

مَا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ ٤٣

No nation will precede its time [of termination], nor will they remain [thereafter].

ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا تَتۡرَاۖ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةٗ رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُۖ فَأَتۡبَعۡنَا بَعۡضَهُم بَعۡضٗا وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَۚ فَبُعۡدٗا لِّقَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ ٤٤

Then We sent Our messengers in succession. Every time there came to a nation its messenger, they denied him, so We made them follow one another [to destruction], and We made them narrations.1 So away with a people who do not believe.

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ بِالحَقِّ فَجَعَلْناهم غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظالِمِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا وجَعَلْناهم أحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾

المَعْنى: قالَ اللهُ -تَعالى- لِهَذا النَبِيِّ الداعِي: عَمّا قَلِيلٍ يَنْدَمُ قَوْمُكَ عَلى كُفْرِهِمْ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ النَدَمُ. ومِن ذَكَرِ الصَيْحَةِ ذَهَبَ الطَبَرَيُّ إلى أنَّهم قَوْمُ ثَمُودَ، وقَوْلُهُ: "بِالحَقِّ" مَعْناهُ: بِما اسْتَحَقُّوا مِن أفْعالِهِمْ وبِما حَقَّ مِنّا في عُقُوبَتِهِمْ. و"الغُثاءُ": ما يَحْمِلُهُ (p-٢٩٦)السَيْلُ مِن زُبَدِهِ ومُعْتادِهِ الَّذِي لا يُنْتَفَعُ بِهِ، فَيُشَبِّهُ كُلَّ هامِدٍ وتالِفٍ بِذَلِكَ، و"بُعْدًا" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَتْرُوكٍ إظْهارُهُ.

ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن أنَّهُ أنْشَأ بَعْدَ هَؤُلاءِ أُمَمًا كَثِيرَةً، كُلُّ أُمَّةٍ بِأجَلٍ وفي كِتابٍ لا تَتَعَدّاهُ في وُجُودِها وعِنْدَ مَوْتِها.

و"تَتْرا" مَصْدَرٌ بِمَنزِلَةِ فَعْلى مُثُلِ الدَعْوى والعَدْوى ونَحْوِها، ولَيْسَ "تَتْرا" بِفِعْلٍ، وإنَّما هو مَصْدَرٌ مِن: تَواتَرَ الشَيْءُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَتْرا" كَما تَقَدَّمَ، ووَقْفُهم بِالألْفِ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ يُمِيلانِها، قالَ أبُو حاتِمْ: هي ألْفُ تَأْنِيثٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "تَتْرى" بِالتَنْوِينِ، ووَقَفُهُما بِالألْفِ، وهي ألْفُ إلْحاقٍ، قالَ ابْنُ سِيدَهْ: يُقالُ: جاءُوا تَتْرى وتَتْرى، أيْ: مُتَواتِرِينَ، التاءُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الواوِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ لِأنَّ قِياسَ إبْدالِ الواوِ تاءً إنَّما هو في "افْتَعَلَ" وما تَصَرَّفَ مِنها إذا كانَتْ ياؤُهُ واوًا، فَإنَّ فاءَهُ تَنْقَلِبُ تاءً وتُدْغَمُ في تاءِ "افْتَعَلَ"، وذَلِكَ نَحْوَ "اتَّزَرَ واتَّجَهَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتْبَعْنا بَعْضَهم بَعْضًا﴾ أيْ: في الإهْلاكِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ يُرِيدُ أحادِيثَ مَثَلٍ، وقَلَّما يُسْتَعْمَلُ الجَعْلُ حَدِيثًا إلّا في الشَرِّ.

23:45–48Page 345

ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَٰرُونَ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٤٥

Then We sent Moses and his brother Aaron with Our signs and a clear authority1

إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمًا عَالِينَ ٤٦

To Pharaoh and his establishment, but they were arrogant and were a haughty people.

فَقَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لِبَشَرَيۡنِ مِثۡلِنَا وَقَوۡمُهُمَا لَنَا عَٰبِدُونَ ٤٧

They said, "Should we believe two men like ourselves while their people are for us in servitude?"

فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡلَكِينَ ٤٨

So they denied them and were of those destroyed.

قوله عزّ وجلّ:

﴿ثُمَّ أرْسَلْنا مُوسى وأخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا عالِينَ﴾ ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ المُهْلَكِينَ﴾

"ثُمْ" هُنا عَلى بابِها لِتَرْتِيبِ الأُمُورِ واقْتِضاءِ المُهْلَةِ، و"الآياتُ" الَّتِي جاءَ بِها مُوسى وهارُونُ هي اليَدُ والعَصا اللَتانِ اقْتَرَنَ بِهِما التَحَدِّي، وهُما "السُلْطانُ المُبِينُ"، ويَدْخُلُ في عُمُومِ اللَفْظِ سائِرُ آياتِهِما كالبَحْرِ والمُرْسَلاتِ السِتِّ، وأمّا غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا جَرى بَعْدَ الخُرُوجِ مِنَ البَحْرِ فَلَيْسَتْ تِلْكَ لِفِرْعَوْنَ بَلْ هي خاصَّةٌ بِبَنِي إسْرائِيلَ.

(p-٢٩٧)و"المَلَأُ": هَهُنا: الجَمْعُ، يَعُمُ الأشْرافَ وغَيْرَهُمْ، و"اسْتَكْبَرُوا" مَعْناهُ: عَنِ الإيمانِ لِمُوسى وأخِيهِ -عَلَيْهِما السَلامُ- لِأنَّهم أنِفُوا مِن ذَلِكَ. و"عالِينَ" مَعْناهُ: قاصِدِينَ العُلُوَّ بِالظُلْمِ والكِبْرِياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "عابِدُونَ" مَعْناهُ: خامِدُونَ مُتَذَلِّلُونَ، ومِن هُنا قِيلَ لِعَرَبِ الحَيْرَةِ: العِبادُ؛ لِأنَّهم دَخَلُوا مِن بَيْنِ العَرَبِ في طاعَةِ كِسْرى، هَذا أحَدُ القَوْلَيْنِ في تَسْمِيَتِهِمْ، والطَرِيقُ المُعَبَّدُ: المُذَلَّلُ، وعُلُوُّ هَؤُلاءِ هو الَّذِي ذَكَرَ اللهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الدارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا﴾ [القصص: ٨٣]. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ يُرِيدُ: بِالغَرَقِ.

23:49–51Page 345

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ لَعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٤٩

And We certainly gave Moses the Scripture that perhaps they1 would be guided.

وَجَعَلۡنَا ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةٗ وَءَاوَيۡنَٰهُمَآ إِلَىٰ رَبۡوَةٖ ذَاتِ قَرَارٖ وَمَعِينٖ ٥٠

And We made the son of Mary and his mother a sign and sheltered them within a high ground having level [areas] and flowing water.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٥١

[Allāh said], "O messengers, eat from the good foods and work righteousness. Indeed I, of what you do, am Knowing.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ ﴿وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ ﴿يا أيُّها الرُسُلُ كُلُوا مِنَ الطَيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾

"الكِتابُ" هو التَوْراةُ، و"لَعَلَّهُمْ" يُرِيدُ بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّ التَوْراةَ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ والقَبَطَ، والتَرَجِّي في "لَعَلَّ" في حَيِّزِ البَشَرِ، أيْ: كانَ مِن فِعْلِنا مَعَهم ما يَرْجُو مَعَهُ ابْنُ آدَمَ إيمانَهم وهُداهُمْ، والقَضاءُ قَدْ حَكَمَ بِما حَكَمَ.

و "ابْنُ مَرْيَمَ" عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقِصَّتُهُما كُلُّها آيَةٌ عُظْمى بِمَجْمُوعِها، وهي آياتٌ مَعَ التَفْصِيلِ، وأخَذَها مِن كِلا الوَجْهَيْنِ مُتَمَكِّنٌ، و"آوى" مَعْناهُ: ضَمَّ، واسْتِعْمالُ اللَفْظَةِ في الأماكِنِ، أيْ: أقْرَرْناهُما، و "الرَبْوَةُ": المُرْتَفَعُ مِنَ الأرْضِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "رَبْوَةٍ"، وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِها، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ونَصْرٌ عن عاصِمْ بِكَسْرِها. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقِ: "رُباوَةٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ الشُهُبُ العَقِيلِيِّ بِفَتْحِها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِكَسْرِها، وكُلُّها لُغاتٌ قُرِئَ بِها، و"القَرارُ": التَمَكُّنُ، فَمَعْنى هَذا أنَّها مُسْتَوِيَةٌ بَسِيطَةٌ لِلْحَرْثِ والغِراسَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وقالَ قَتادَةُ: "القَرارُ" هُنا: الحُبُوبُ والثِمارُ.

ومَعْنى الآيَةِ أنَّها مِنَ البِقاعِ الَّتِي كَمُلَتْ خِصالُها فَهي أهْلٌ أنْ يَسْتَقِرَّ فِيها، وقَدْ يُمْكِنُ (p-٢٩٨)أنْ يَسْتَقِرَّ عَلى الكَمالِ في البِقاعِ الَّتِي ماؤُها آبارٌ، فَبَيَّنَ بَعْدُ أنَّ ماءَ هَذِهِ الرَبْوَةِ يُرى مُعَيَّنًا جارِيًا عَلى وجْهِ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وهَذا كَمالُ الكَمالِ.

و"المَعِينُ": الظاهِرُ الجَرْيَ لِلْعَيْنِ، فالمِيمُ زائِدَةٌ، وهو الَّذِي يُعايِنُ جَرْيَهُ، لا كالبِئْرِ ونَحْوِهُ، وكَذَلِكَ أدْخَلَ الخَلِيلُ هَذِهِ اللَفْظَةَ في بابِ (عَ، يَ، نَ)، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: "مَعُنَ الماءُ" إذا كَثُرَ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ: المَعْنُ المَعْرُوفُ والجُودُ، فالمِيمُ فاءُ الفِعْلِ، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ عَلى هَذا قَوْلَ عَبِيدِ بْنِ الأبْرَصِ:

؎ واهِيَةٌ أو مُعِينٌ مُمْعِنٌ وهَضَبَةٌ دُونَها لُهُوبُ

وقَدِ قالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «يَرْحَمُ اللهُ هاجَرَ لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ لَكانَتْ عَيْنًا مُعَيَّنًا». وهَذا يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، وهَذِهِ الرَبْوَةُ هي المَوْضِعُ الَّذِي فَرَّتْ إلَيْهِ مَرْيَمُ حِينَ اسْتَحْيَتْ في قِصَّةِ عِيسى -عَلَيْهِ السَلامُ- وهو الَّذِي قِيلَ لَها فِيهِ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤]، هَذا قَوْلُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَوْضِعِ الرَبْوَةِ -فَقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ سَعِيدُ: هي الغُوطَةُ بِدِمِشْقَ - وهَذا أشْهَرُ الأقْوالِ لِأنَّ صِفَةَ الغُوطَةِ أنَّها ذاتُ قَرارٍ ومَعِينٍ عَلى الكَمالِ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عنهُ-: هي الرَمْلَةُ في فِلَسْطِينَ، وأسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ عن كُرَيْبٍ، عن مُرَّةَ البَهْزِيِّ، (p-٢٩٩)عَنِ النَبِيِّ -ﷺ- ويُعارِضُ هَذا القَوْلَ أنَّ الرَمَلَةَ لَيْسَ يَجْرِي بِها ماءٌ البَتَّةَ، وذَكَرُهُ الطَبَرِيُّ وضَعَّفَ القَوْلَ بِهِ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: الرَبْوَةُ بَيْتُ المَقْدِسِ، وزَعَمَ أنَّ في التَوْراةِ أنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَماءِ، وأنَّهُ يَزِيدُ عَلى أعْلى الأرْضِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ مِيلًا. قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويَتَرَجَّحُ أنَّ الرَبْوَةَ في بَيْتِ لَحْمٍ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ لِأنَّ وِلّادَةَ عِيسى هُنالِكَ كانَتْ، وحِينَئِذٍ كانَ الإيواءُ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: الرَبْوَةُ بِأرْضِ مِصْرَ، وذَلِكَ أنَّها رُبى يَجْرِي فَيْضُ النِيلِ إلَيْها فَيَمْلَأُ الأرْضَ ولا يَنالُ تِلْكَ الرُبى وفِيها القُرى وبِها نَجاتُها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُضَعِّفُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ لَمْ يُرْوَ أنَّ عِيسى -عَلَيْهِ السَلامُ- ومَرْيَمَ كانا بِأرْضِ مِصْرَ ولا حُفِظَتْ لَهُما بِهِما قِصَّةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرُسُلُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: وقُلْنا يا أيُّها الرُسُلُ، فَتَكُونُ هَذِهِ بَعْضُ القَصَصِ الَّتِي ذَكَرَ، وكَيْفَ كانَ قَوْلُ المَعْنى، فَلَمْ يُخاطَبُوا قَطُّ مُجْتَمَعَيْنِ وإنَّما خُوطِبَ كُلُّ واحِدٍ في عَصْرِهِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: الخِطابَ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الرُسُلُ﴾ لِمُحَمَّدٍ -ﷺ- ثُمُ اخْتَلَفَتْ -فَقالَ بَعْضُها: أقامَهُ مَقامَ الرُسُلِ، كَما قالَ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ الناسُ إنَّ الناسُ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا لا يَثْبُتُ مَعَ النَظَرِ. والوَجْهُ في هَذا أنْ يَكُونَ الخُطّابُ لِمُحَمَّدٍ -ﷺ- وخَرَجَ بِهَذِهِ الصِيغَةِ لِيُفْهِمْ وجِيزًا أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ قَدْ خُوطِبَ بِها كُلُّ نَبِيٍّ، أو هي طَرِيقَتُهُمُ الَّتِي يَنْبَغِي لَهُمُ الكَوْنُ عَلَيْها، وهَذا كَما تَقُولُ لِتاجِرٍ: يا تُجّارُ يَنْبَغِي أنَّ تُجانِبُوا الرِبا، فَأنْتَ تُخاطِبُهُ بِالمَعْنى، وقَدِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ أنَّ هَذِهِ (p-٣٠٠)المَقالَةَ تَصْلُحُ لِجَمِيعِ صِنْفِهِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: الخِطابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرُسُلُ﴾ لِعِيسى -عَلَيْهِ السَلامُ- ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَأْكُلُ مِن غَزْلَ أُمِّهِ، والمَشْهُورُ أنَّهُ كانَ يَأْكُلُ مِن بَقْلِ البَرِّيَّةِ، ووَجْهُ خِطابِهِ لِعِيسى -عَلَيْهِ السَلامُ- ما ذَكَرْناهُ مِن تَقْدِيرٍ لِمُحَمَّدٍ -ﷺ-

و"الطَيِّباتُ" هُنا: الحَلالُ بِلَذَّةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ تَنْبِيهٌ ما عَلى التَحَفُّظِ، وضَرْبٍ مِنَ الوَعِيدِ بِالمُباحَثَةِ -صَلّى اللهُ عَلى جَمِيعِ أنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ- وإذا كانَ هَذا مَعَهم فَما ظَنُّ كُلُّ الناسِ بِأنْفُسِهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском