Ibn 'AtiyyaAn‑Nur · 24:6–18

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:6–18

24:6–10Page 350

وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ أَزۡوَٰجَهُمۡ وَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمۡ فَشَهَٰدَةُ أَحَدِهِمۡ أَرۡبَعُ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٦

And those who accuse their wives [of adultery] and have no witnesses except themselves - then the witness of one of them1 [shall be] four testimonies [swearing] by Allāh that indeed, he is of the truthful.

وَٱلۡخَٰمِسَةُ أَنَّ لَعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٧

And the fifth [oath will be] that the curse of Allāh be upon him if he should be of the liars.

وَيَدۡرَؤُاْ عَنۡهَا ٱلۡعَذَابَ أَن تَشۡهَدَ أَرۡبَعَ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٨

But it will prevent punishment from her if she gives four testimonies [swearing] by Allāh that indeed, he is of the liars.

وَٱلۡخَٰمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٩

And the fifth [oath will be] that the wrath of Allāh be upon her if he was of the truthful.

وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ١٠

And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy...1 and because Allāh is Accepting of Repentance and Wise.

قوله عزّ وجلّ:

﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ إنَّهُ لَمِنَ الصادِقِينَ﴾ ﴿والخامِسَةُ أنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وَيَدْرَأُ عنها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصادِقِينَ﴾ ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللهِ تَوّابٌ حَكِيمٌ﴾

لِما نَزَلَتِ الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ في الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ تَناوَلَ ظاهِرُها الأزْواجَ وغَيْرَها، فَقالَ سَعْدُ بْنُ عِبادَةَ: يا رَسُولَ اللهِ إنْ وجَدْتُ مَعَ امْرَأتِي رَجُلًا أُمْهِلُهُ حَتّى آتِيَ بِأرْبَعَةٍ؟ واللهِ لَأضْرِبَنَّهُ بِالسَيْفِ غَيْرَ مُصَفَّحٍ عنهُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أتَعْجَبُونَ مِن غَيْرَةِ سَعْدٍ ؟ لَأنا أغْيَرُ مِنهُ واللهُ أُغْيَرُ مِنِّي»، وفي ألْفاظِ سَعْدٍ رِواياتٌ مُخْتَلِفَةٌ، هَذا (p-٣٤٤)نَحْوَ مَعْناها، ثُمْ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ فَرَمى زَوْجَتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ السَحْماءِ البَلَوِيِّ، فَعَزَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى ضَرْبِهِ حَدَّ القَذْفِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، عِنْدَ ذَلِكَ فَجَمَعَهُما رَسُولُ اللهِ ﷺ في المَسْجِدِ، وتَلاعَنا فَتَلَكَّأتِ المَرْأةُ عِنْدَ الخامِسَةِ لَمّا وُعِظَتْ وقِيلَ: إنَّها مُوجِبَةٌ، فَقالَتْ: لا أفْضَحُ قَوْمِي سائِرَ اليَوْمِ ولَجَّتْ، وفَرَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُما، ووَلَدَتْ غُلامًا كَأنَّهُ جَمَلٌ أورَقُ، ثُمْ كانَ -بَعْدَ ذَلِكَ- الغُلامُ أمِيرًا بِمِصْرَ وهو لا يَعْرِفُ لِنَفْسِهِ أبًا. وجاءَ أيْضًا عُوَيْمِرٌ العَجْلانِيُّ فَرَمى امْرَأتَهُ ولاعَنَ، والمَشْهُورُ أنَّ نازِلَةَ هِلالٍ قَبْلُ وأنَّها سَبَبُ الآيَةِ، وقِيلَ: نازِلَةُ عُوَيْمِرٍ قَبْلُ، وهو الَّذِي وسَّطَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ عاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ.

و"الأزْواجُ" في هَذا الحَكَمِ يَعُمُ المُسْلِماتِ والكافِراتِ والإماءَ، فَكُلَّهُنَّ يُلاعِنُهُنَّ الزَوْجُ لِلِانْتِفاءِ مِنَ الحَمْلِ، وتَخْتَصُّ الحُرَّةُ بِدَفْعِ حَدِّ القَذْفِ عن نَفْسِها.

(p-٣٤٥)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "أرْبَعَ شَهاداتٍ" بِالنَصْبِ، وهو كانْتِصابِ المَصْدَرِ، والعامِلُ في ذَلِكَ قَوْلُهُ: "فَشَهادَةُ"، ورَفْعُ "الشَهادَةِ" عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: فالحَكَمُ أو فالواجِبُ، أو عَلى الِابْتِداءِ بِتَقْدِيرِ: فَعَلَيْهِمْ أنْ يَشْهَدُوا، أو بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الخَبَرِ وتَقْدِيرِهِ في آخِرِ الآيَةِ: كافِيَةٌ أو واجِبَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِاللهِ" مِن صِلَةِ "شَهاداتٍ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن صِلَةِ "فَشَهادَةُ".

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمْ: "أرْبَعُ شَهاداتٍ" بِالرَفْعِ، وذَلِكَ عَلى خَبَرِ قَوْلِهِ تَعالى: "فَشَهادَةُ"، قالَ أبُو حاتِمْ: لا وجْهَ لِلرَّفْعِ لَأنَّ الشَهادَةَ لَيْسَتْ بِأرْبَعِ شَهاداتٍ، و"بِاللهِ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- مِن صِلَةِ "شَهاداتٍ"، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن صِلَةِ "فَشَهادَةُ" لَأنَّكَ كُنْتَ تَفْصِلُ بَيْنَ الصِلَةِ والمَوْصُولِ بِالخَبَرِ الَّذِي هو " أرْبَعَ شَهاداتٍ ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَمِنَ الصادِقِينَ﴾ في قَوْلِ مَن نَصَبَ ﴿أرْبَعُ شَهاداتٍ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن صِلَةِ "شَهادَةُ"، وهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لَأنَّ "الشَهادَةَ" أوقَعَتْها مَوْقِعَ المَفْعُولِ بِهِ، ومِن رَفَعَ ﴿أرْبَعُ شَهاداتٍ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَمِنَ الصادِقِينَ﴾ مِن صِلَةِ "شَهاداتٍ" لِعِلَّةِ الفَصْلِ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ: "بِاللهِ".

وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمْ: "والخامِسَةَ" بِالنَصْبِ في الثانِيَةِ، وقَرَأها بِالنَصْبِ فِيهِما طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ فِيهِما: "والخامِسَةُ" بِالرَفْعِ، فَأمّا مَن نَصَبَ فَإنْ كانَ مِن قِراءَتِهِ نَصْبُ قَوْلِهِ تَعالى: "أرْبَعَ شُهُداتٍ" فَإنَّهُ عَطَفَ "الخامِسَةَ" عَلى ذَلِكَ لَأنَّها مِنَ الشَهاداتِ، وإنْ كانَ يَقْرَأُ: "أرْبَعُ شَهاداتٍ" بِالرَفْعِ فَإنَّهُ جَعَلَ نَصْبَ قَوْلِهِ: "والخامِسَةَ" عَلى فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مُتَقَدِّمُ الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: وتَشْهَدُ الخامِسَةَ، وأمّا مِن رَفَعَ قَوْلَهُ: "والخامِسَةَ" فَإنْ كانَ يَقْرَأُ: "أرْبَعُ شَهاداتٍ" بِالرَفْعِ فَقَوْلُهُ: "والخامِسَةُ" عَطْفٌ عَلى ذَلِكَ، وإنْ كانَ يَقْرَأُ "أرْبَعَ شَهاداتٍ" بِالنَصْبِ فَإنَّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ: "والخامِسَةُ" عَلى المَعْنى؛ لَأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ﴾: عَلَيْهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ والخامِسَةُ، واسْتَشْهَدَ أبُو عَلِيٍّ لِهَذا بِحَمْلِ الشاعِرِ:

؎ ومُشَجَّجٌ أمّا سَواءُ.....البَيْتُ............................

(p-٣٤٦)عَلى قَوْلِهِ:

؎ .................... ∗∗∗ إلّا رَواكِدَ جَمْرِهِنَّ هَباءٌ

لَأنَّ المَعْنى: ثُمْ رَواكِدَ. ولا خِلافَ في السَبْعِ في رَفْعِ قَوْلِهِ تَعالى: "والخامِسَةُ" في الأُولى، وإنَّما خِلافُ السَبْعِ في الثانِيَةِ فَقَطْ، فَنَصْبُهُ حَمْلٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ﴾، "والخامِسَةَ" عَلى القَطْعِ والحَمْلِ عَلى المَعْنى.

(p-٣٤٧)وَقَرَأ نافِعٌ: "أنْ لَعْنَةُ اللهِ"، و"أنْ غَضِبَ اللهُ"، وقَرَأ الأعْرَجُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى: "أنْ لَعْنَةُ اللهِ"، و"أنْ غَضَبَ اللهِ"، وهَذا عَلى إضْمارِ الأمْرِ، وهي المُخَفَّفَةُ كَما هي في قَوْلِ الشاعِرِ:

؎ في فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ∗∗∗ أنْ هالِكٌ كُلُّ مَن يَحْفى ويَنْتَعِلُ

وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ: "أنَّ لَعْنَةَ اللهِ" و"أنَّ غَضَبَ اللهِ" بِتَشْدِيدِ النُونِ فِيهِما ونَصْبِ اللَعْنَةِ والغَضَبِ، ورَجَّحَ الأخْفَشُ القِراءَةَ بِتَثْقِيلِ النُونِ لَأنَّ الخَفِيفَةَ إنَّما يُرادُ بِها التَثْقِيلُ ويُضْمَرُ مَعَها الأمْرُ والشَأْنُ، وما لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى إضْمارٍ أُولى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

لا سِيَّما وأنَّ الخَفِيفَةَ -عَلى قِراءَةِ نافِعٍ - في قَوْلِهِ تَعالى: "أنْ غَضَبَ اللهِ" قَدْ ولِيَها (p-٣٤٨)الفِعْلُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وأهْلُ العَرَبِيَّةِ يَسْتَقْبِحُونَ أنْ يَلِيَها الفِعْلُ إلّا أنْ يَفْصِلَ بَيْنَها وبَيْنَهُ بِشَيْءٍ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلا﴾ [طه: ٨٩]، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] فَذَلِكَ لِقِلَّةِ تَمَكِّنِ "لَيْسَ" في الأفْعالِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النارِ﴾ [النمل: ٨] فَـ "بُورِكَ" عَلى مَعْنى الدُعاءِ فَلَمْ يُجُزْ دُخُولُ الفاصِلِ لِئَلّا يُفْسِدَ المَعْنى.

و"العَذابُ المُدْرَأُ" في قَوْلِ العُلَماءِ: الحَدُّ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن آخَرِينَ أنَّهُ الحَبْسُ، وهَذا قَوْلُ أصْحابِ الرَأْيِ، وأنَّهُ لا حَدَّ عَلَيْها إنْ لَمْ تُلاعِنَ، ولَيْسَ يُوجِبُهُ عَلَيْها قَوْلُ الزَوْجِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وظاهِرُ الحَدِيثِ الوَقْفَةُ في الخامِسَةِ حِينَ تَلَكَّأتْ ثُمْ مَرَّتْ في لِعانِها أنَّها كانَتْ تَحُدُّ لِقَوْلِ النَبِيِّ ﷺ لَها: «فَعَذابُ الدُنْيا أيْسَرُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ».

وجُعِلَتِ اللَعْنَةُ لِلرَّجُلِ الكاذِبِ لَأنَّهُ مُفْتَرٍ مُباهِتٌ بِالقَوْلِ فَأُبْعِدَ بِاللَعْنَةِ، وجُعِلَ الغَضَبُ الَّذِي هو أشَدُّ عَلى المَرْأةِ الَّتِي باشَرَتِ المَعْصِيَةَ بِالفِعْلِ ثُمْ كَذَّبَتْ وباهَتَتْ بِالقَوْلِ، فَهَذا مَعْنى هَذِهِ الألْفاظِ، واللهِ أعْلَمُ.

ولا بُدَّ أنْ نَذْكُرَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِها مِن مَسائِلَ اللِعانِ إذْ لا يُسْتَغْنى عنها في مَعْرِفَةِ حُكْمِهِ وحَيْثُ يَجِبُ، أجْمَعَ مالِكٌ وأصْحابُهُ عَلى وُجُوبِ اللِعانِ بِادِّعاءِ رُؤْيَةِ زِنًى لا وطْءَ مِنَ الزَوْجِ، وكَذَلِكَ مَشْهُورُ المَذْهَبِ، وقَوْلُ مالِكٍ إنَّ اللِعانَ (p-٣٤٩)يَجِبُ بِنَفْيِ حَمْلٍ يُدَّعى قَبْلَهُ اسْتِبْراءٌ، وحَكى اللَخْمِيُّ عن مالِكٍ أنَّهُ قالَ مَرَّةً: لا يُنْفى الوَلَدُ بِالِاسْتِبْراءِ لَأنَّ الحَيْضَ يَأْتِي عَلى الحَمْلِ، وقالَهُ أشْهَبُ في كِتابِ ابْنِ المَوّازِ، وقالَهُ المُغِيرَةُ، وقالَ: لا يُنْفى الوَلَدُ إلّا بِخَمْسِ سِنِينَ.

واخْتَلَفَ المَذْهَبُ في أنْ يَقْذِفَ الرَجُلُ أو يَنْفِيَ حَمْلًا ولا يُعَلِّلُ ذَلِكَ لا بِرُؤْيَةٍ ولا بِاسْتِبْراءٍ، فَجُلُّ رُواةِ مالِكٍ عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يُوجِبُ لِعانًا، بَلْ يَحُدُّ الزَوْجُ، قالَهُ ابْنُ القاسِمْ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: يُلاعِنُ ولا يُسْألُ عن شَيْءٍ.

واخْتُلِفَ -بَعْدَ هَذا القَوْلِ بِاللِعانِ بِالِاسْتِبْراءِ- في قَدْرِ الِاسْتِبْراءِ، فَقالَ مالِكٌ، والمُغِيرَةُ -فِي أحَدِ قَوْلَيْهِ-: يَجْزِي في ذَلِكَ حَيْضَةٌ، وقالَ أيْضًا مالِكٌ: لا يَنْفِيهِ إلّا ثَلاثُ حِيَضٍ.

وأمّا مَوْضِعُ اللِعانِ فَفي المَسْجِدِ وعِنْدَ الحاكِمْ، والمُسْتَحَبُّ أنْ يَكُونَ في المَسْجِدِ بِحَضْرَةِ الحاكِمْ، وكَذَلِكَ يَسْتَحِبُّ [أنْ يَكُونَ] بَعْدَ العَصْرِ تَغْلِيظًا بِالوَقْتِ، وكُلُّ وقْتٍ مُجْزٍ.

ومِن قَذَفَ امْرَأتَهَ وهي كَبِيرَةٌ لا تَحْمِلُ تَلاعَنا، هو لِرَفْعِ الحَدِّ، وهي لِدَرْءِ العَذابِ، وإنْ كانَتْ صَغِيرَةً لا تَحْمِلُ لاعَنَ هو لِدَفْعِ الحَدِّ، ولَمْ تَلاعِنْ هي لَأنَّها لَوْ أقَرَّتْ لَمْ يَلْزَمْها شَيْءٌ، وقالَ ابْنُ الماجَشُونِ: لا حَدَّ عَلى قاذِفِ مَن لَمْ يَبْلُغْ، قالَ اللَخْمِيُّ: فَعَلى هَذا لا لِعانَ عَلى زَوْجِ الصَغِيرَةِ الَّتِي لا تَحْمِلُ.

والمُسْتَحَبُّ مِن ألْفاظِ اللِعانِ أنْ يَمْشِيَ مَعَ تَرْتِيبِ القُرْآنِ ولَفْظِهِ، فَيَقُولُ الزَوْجُ: (p-٣٥٠)أشْهَدُ بِاللهِ لَرَأيْتُ هَذِهِ المَرْأةَ تَزْنِي، وإنِّي في ذَلِكَ لِمَنِ الصادِقِينَ، ثُمْ يَقُولُ في الخامِسَةِ: لَعْنَةُ اللهِ عَلَيَّ إنْ كُنْتُ مِنَ الكاذِبِينَ، وقالَ أصْبَغُ: لا بُدَّ أنْ يَقُولَ: "كالمِرْوَدِ في المُكْحُلَةِ"، وقِيلَ: لا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ يَقُولُ أشْهَبُ: لا بُدَّ أنْ يَقُولَ: بِاللهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، وأمّا في لِعانِ نَفْيِ الحَمْلِ فَقِيلَ: يَقُولُ الرَجُلُ ما هَذا الوَلَدُ مِنِّي ولَزَنَتْ، وقالَ ابْنُ القاسِمْ في المُوازَنَةِ: لا يَقُولُ "وَزَنَتْ" مِن حَيْثُ يُمْكِنُ أنْ تَغْضَبَ، ثُمْ تَقُولُ: غَضَبُ اللهِ عَلَيَّ إنْ كانَ مِنَ الصادِقِينَ، فَإنْ مَنَعَ جَهْلُهُما مِن تَرْتِيبِ هَذِهِ الألْفاظِ وأتَيا بِما في مَعْناها أجْزَأ ذَلِكَ.

وحَكى اللَخْمِيُّ عن مُحَمَّدِ بْنِ أبِي صُفْرَةَ أنَّهُ قالَ: اللِعانُ لا يَرْفَعُ العِصْمَةَ لِقَوْلِ عُوَيْمِرٍ: كَذَبْتُ عَلَيْها يا رَسُولَ اللهِ إنْ أمْسَكْتُها، قالَ: "فَأُحْدِثُ طَلاقًا"، ومَشْهُورُ المَذْهَبِ أنَّ نَفْسَ تَمامِ اللِعِانِ بَيْنَهُما فُرْقَةٌ، ولا يَحْتاجُ مَعَها إلى تَفْرِيقِ حاكِمْ، وابْنُ أبِي صُفْرَةَ هَذا لَيْسَ بِعَدَدٍ يُزاحَمُ بِهِ الجُمْهُورُ. ومَذْهَبُ الشافِعِيِّ أنَّ الفِرْقَةَ حاصِلَةٌ إثْرَ لِعانِ الزَوْجِ وحْدَهُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: لا تَفْرِيقَ إلّا بِحُكْمِ السُلْطانِ بَعْدَ تَمامِ لِعانَهُما، فَإنْ ماتَ أحَدُهُما بَعْدَ تَمامِ لِعانَهُما وقَبْلَ حُكْمِ القاضِي ورِثَهُ الآخَرُ، ومَذْهَبُ "المُدَوَّنَةِ" أنَّ اللِعانَ حُكْمُ تَفْرِيقِهِ حُكْمُ الطَلاقِ، ويُعْطى لِغَيْرِ المَدْخُولِ بِها نَفْسُ الصَداقِ، وفي مُخْتَصَرِ ابْنِ الجَلّابِ: لا شَيْءَ لَها، وهَذا عَلى أنَّ تَفْرِيقَ اللِعانِ فَسَخٌ، وقالَ ابْنُ القِصارِ: تَفْرِيقُ اللِعانِ عِنْدَنا فَسْخٌ.

وتَحْرِيمُ اللِعانِ أبَدِيٌّ بِإجْماعٍ فِيما أحْفَظُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، ومِن فُقَهاءِ الكُوفَةِ وغَيْرِهِمْ مَن لا يَراهُ مُتَأبِّدًا، وإنْ أكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ اللِعانِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِذَلِكَ، ورُوِيَ عن عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي سَلَمَةَ أنَّهُ إنْ أكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ اللِعانِ كانَ خاطِبًا مِنَ الخُطّابِ. وإنْ تَقَدَّمَتِ المَرْأةُ في اللِعانِ فَقالَ ابْنُ القاسِمْ: لا تُعِيدُ، وقالَ أشْهَبُ: تُعِيدُ.

والجَوابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ الآيَةُ. مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: (p-٣٥١)لِكَشَفَ الزُناةَ بِأيْسَرَ مِن هَذا، أو لَأخَذَهم بِعِقابٍ مِن عِنْدِهِ، أو نَحْوَ هَذا مِنَ المَعانِي الَّتِي أوجَبَ تَقْدِيرُها إبْهامُ الجَوابِ.

24:11Page 351

إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١

Indeed, those who came with falsehood1 are a group among you. Do not think it bad for you; rather, it is good for you. For every person among them is what [punishment] he has earned from the sin, and he who took upon himself the greater portion thereof2 - for him is a great punishment [i.e., Hellfire].

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنكم لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكم بَلْ هو خَيْرٌ لَكم لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾

هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها إلى سِتَّ عَشْرَةَ آيَةً أُنْزِلَتْ في عائِشَةَ أُمُ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها وما اتَّصَلَ بِذَلِكَ مِن أمْرِ الإفْكِ، وفي البُخارِيِّ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: وأنْزَلَ اللهُ تَعالى العَشْرَ الآياتِ، ثُمْ أنْزَلَ اللهُ هَذا في بَراءَتِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَكَأنَّها عَدَّتْ ما تَخْتَصُّ بِها.

و"الإفْكُ": الزُورُ والكَذِبُ، والأفّاكُ الكَذّابُ، و"الإفْكُ" قَلْبُ الحَقِيقَةِ عن حالِها بِالأقْوالِ وصَرْفُها عن جِهَةِ الصَوابِ، وبِذَلِكَ شَبَهُ الكَذِبِ.

واخْتِصارُ حَدِيثِ "الإفْكِ" أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ بِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها مَعَهُ في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ، وهي غَزْوَةُ المُرَيْسِيعِ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَتْ سَنَةَ سِتٍّ، وقالَ مُوسى بْنُ عَقَبَةَ: كانَتْ سَنَةَ أرْبَعٍ، فَضاعَ لَها هُناكَ عِقْدٌ، فَلَمّا انْصَرَفَتْ إلى الرَحْلِ شَعَرَتْ بِضَياعِهِ فَرَجَعَتْ تَطْلُبُهُ، وسارَ الناسُ حِينَئِذٍ، فَوَجَدَتْهُ وانْصَرَفْتْ فَلَمْ تَجِدْ أحَدًا، وكانَتْ شابَّةً قَلِيلَةَ اللَحْمِ رَفَعَ الرِجالُ هَوْدَجَها ولَمْ يَشْعُرُوا بِزَوالِها، فَلَمّا لَمْ تَجِدْ أحَدًا اضْطَجَعَتْ في مَكانِها رَجاءَ أنْ تُفْتَقَدَ فَيُرْجَعَ إلَيْها، فَنامَتْ في المَوْضِعِ ولَمْ يُوقِظْها إلّا قَوْلُ صَفْوانَ بْنِ المُعَطَّلِ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، وذَلِكَ أنَّهُ تَخَلَّفَ وراءَ الجَيْشِ لِحِفْظِ (p-٣٥٢)الساقَةِ، وقِيلَ: اتِّفاقًا، فَلَمّا مَرَّ بِسَوادِها قَرُبَ مِنها فَعَرَفَها فاسْتَرْجَعَ وقالَ: ظَعِينَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ خُلِّفَتْ هاهُنا؟ ونَزَلَ عن ناقَتِهِ وتَنَحّى عنها حَتّى رَكِبَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها، وأخَذَ يَقُودُها حَتّى بَلَغَ بِها الجَيْشَ في نَحْرِ الظَهِيرَةِ، فَوَقْعَ أهْلُ الإفْكِ في مَقالَتِهِمْ، وكانَ الَّذِي يَجْتَمِعُ إلَيْهِ فِيهِ ويَسْتَوْشِيهِ ويُشْعِلُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ المُنافِقُ، وكانَ مِن أهْلِ قالَتِهِ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ، ومِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ، وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، هَذا اخْتِصارُ الحَدِيثِ، وهو بِكَمالِهِ وإتْقانِهِ في البُخارِيِّ ومُسْلِمْ، وهو في مُسْلِمْ أكْمَلُ.

وكانَ صَفْوانُ صاحِبَ ساقَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ في غَزَواتِهِ لِشَجاعَتِهِ، وكانَ مِن خِيارِ الصَحابَةِ، قالَ لَمّا سَمِعَ ما قالَ الناسُ فِيهِ: سُبْحانَ اللهِ، واللهِ ما كَشَفْتُ كَنَفَ أُنْثى قَطُّ، أرادَ: بِزِنًى، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ حَدِيثُهُ المَرْوِيُّ مَعَ امْرَأتِهِ، وقَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في ابْنَيْهِ: «لَهُما أُشْبَهُ بِهِ مِنَ الغُرابِ بِالغُرابِ»، وقِيلَ: كانَ حَصُورًا لا يَأْتِي النِساءَ، ذَكَرَهُ (p-٣٥٣)ابْنُ إسْحاقَ مِن طَرِيقِ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، وقُتِلَ شَهِيدًا رَضِيَ اللهُ عنهُ في غَزْوَةِ أرْمِينِيَّةَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ في زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقِيلَ: في بِلادِ الرُومِ سَنَةَ ثَمانٍ وخَمْسِينَ في زَمَنِ مُعاوِيَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "عُصْبَةٌ" رُفِعَ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ في "جاءُوا"، وخَبَرُ "إنَّ" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "لا تَحْسَبُوهُ"، والتَقْدِيرُ: إنْ فِعْلَ الَّذِينَ، وهَذا أنْسَقُ في المَعْنى وأكْثَرُ فائِدَةً مِن أنْ تَكُونَ "عُصْبَةٌ" خَبَرًا، و"العُصْبَةُ": الجَماعَةُ مِنَ العَشْرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، قالَهُ يَعْقُوبُ وغَيْرُهُ، ولا يُقالُ عُصْبَةٌ لِأقَلَّ مِن عَشْرَةٍ، ولَمْ يُسَمَّ مِن أهْلِ الإفْكِ إلّا حَسّانُ، ومِسْطَحٌ، وحَمْنَةُ، وعَبْدُ اللهِ، وجُهِلَ الغَيْرُ، قالَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ وقَدْ سَألَهُ عن ذَلِكَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوانَ، وقالَ: إلّا إنَّهم كانُوا عُصْبَةً كَما قالَ اللهُ تَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: "لا تَحْسَبُوهُ" خِطابٌ لِكُلٍّ مَن ساءَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يُرِيدُ أنَّهُ تَبْرِئَةٌ في الدُنْيا، وتَرْفِيعٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في أنْ نَزَلَ وحْيُهُ بِالبَراءَةِ مِن ذَلِكَ، وأجْرٌ جَزِيلٌ في الآخِرَةِ، ومَوْعِظَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في غابِرِ الزَمَنِ، ونِقْمَةٌ مِنَ المُفْتَرِينَ في الدُنْيا والآخِرَةِ فَفي ذَلِكَ شِفاءٌ وخَيْرٌ، وهَذِهِ خَمْسَةُ وُجُوهٍ. وقَوْلُهُ: "مِنهُمْ" عائِدٌ عَلى العُصْبَةِ المَذْكُورَةِ، و"اكْتَسَبَ" مُسْتَعْمَلَةٌ في المَآثِمْ ونَحْوَها لَأنَّها تَدُلُّ عَلى اعْتِمالٍ وقَصْدٍ فَهو أبْلَغُ في التَرْتِيبِ، و"كَسَبَ" مُسْتَعْمَلٌ في الخَيْرِ، وذَلِكَ أنَّ حُصُولَهُ مُغْنٍ عَنِ الدَلالَةِ عَلى اعْتِمالٍ فِيهِ، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ "كَسَبَ" في الوَجْهَيْنِ، ومِثْلُهُ:

؎ ..................... فَحَمَلْتُ بَرَّةَ واحْتَمَلْتَ فَجارِ

(p-٣٥٤)والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ﴾ إلى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، والعَذابُ المُتَوَعِّدُ بِهِ هو عَذابُ الآخِرَةِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو ظاهِرُ الحَدِيثِ، ورُوِيَ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّ حَسّانَ بْنَ ثابِتٍ دَخَلَ عَلَيْها يَوْمًا وقَدْ عَمِيَ فَأنْشَدَها مَدْحَهُ فِيها:

؎ حَصانٌ رَزانٌ ما تَزِنُّ بِرِيبَةٍ ∗∗∗ وتُصْبِحُ غَرْثى مِن لُحُومِ الغَوافِلِ

فَقالَتْ لَهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ، تُرِيدُ أنَّهُ وقَعَ في الغَوافِلِ فَأنْشَدَ:

؎ فَإنْ كانَ ما قَدْ قِيلَ عَنِّي قُلْتُهُ ∗∗∗ فَلا رَفَعَتْ سَوْطِي إلَيَّ أنامِلِي

فَلَمّا خَرَجَ قالَ لَها مَسْرُوقٌ: أيَدْخُلُ هَذا عَلَيْكِ وقَدْ قالَ ما قالَ وتَوَعَّدَهُ اللهُ بِالعَذابِ عَلى تَوَلِّيهِ كِبَرَ الإفْكِ؟ فَقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: أيُّ عَذابٍ أشَدُّ مِنَ العَمى وضَرْبِ الحَدِّ؟ وفي رِوايَةٍ: وضَرْبَةٍ بِالسَيْفِ؟

(p-٣٥٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَأمّا قَوْلُهُ عَنِ الحَدِّ فَإنَّ حَسّانَ ومِسْطَحًا وحَمْنَةَ حُدُّوا، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إسْحاقَ، وذَكَرَهُ التِرْمِذِيُّ، وفي تَفْسِيرِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ ابْنَ أُبَيٍّ حُدَّ، وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لَأنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ عن عَبْدِ اللهِ الرَمْيُ، قالَ عُرْوَةُ في البُخارِيِّ: "أُخْبِرْتُ أنَّهُ كانَ يُشاعُ ويَتَحَدَّثُ بِهِ عِنْدَهُ فَيُقِرُّهُ ويَسْتَمِعُهُ ويَسْتَوْشِيهِ".

وأمّا ضَرْبُهُ بِالسَيْفِ فَإنَّ صَفْوانَ بْنَ المُعَطَّلِ لَمّا بَلَغَهُ قَوْلُ حَسّانَ في الإفْكِ جاءَ فَضَرَبَهُ بِالسَيْفِ ضَرْبَةً عَلى رَأْسِهِ، وقالَ:

؎ تَلَقَّ ذُبابَ السَيْفِ عَنِّي فَإنَّنِي ∗∗∗ غُلامٌ إذا هُوجِيتُ لَسْتُ بِشاعِرِ

فَأخَذَ جَماعَةٌ صَفْوانَ ولَبَّبُوهُ وجاؤُوا بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَأهْدَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ جُرْحَ حَسّانَ واسْتَوْهَبَهُ إيّاهُ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ حَسّانَ مِمَّنْ تَوَلّى الكِبْرَ.

وقَدْ قالَ قَوْمٌ: الإشارَةُ بِـ "الَّذِي" إلى البادِئِ بِهَذِهِ الفِرْيَةِ والَّذِي اخْتَلَقَها، فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهم ما اكْتَسَبَ، ولِلْبادِئِ المُفْتَرِي عَذابٌ عَظِيمٌ، وهو -عَلى هَذا- غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وهَذا قَوْلُ الضِحاكِ، والحُسْنِ، وقالَ أبُو زَيْدٍ وغَيْرُهُ: هو عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "كِبْرَهُ" بِكَسْرِ الكافِ، وقَرَأ حَمِيدٌ الأعْرَجُر، ويَعْقُوبُ الزُهْرِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "كُبْرَهُ" بِضَمِّ الكافِ، وهُما (p-٣٥٦)مَصْدَرانِ، مَن كِبَرِ الشَيْءِ وعِظَمِهِ، ولَكِنِ اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ ضَمَّ الكافِ في السِنِّ، تَقُولُ: هَذا كُبْرُ القَوْمِ، أيْ كَبِيرُهم سِنًّا ومَكانَةً، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في قِصَّةِ حُوَيْصَةَ ومُحَيْصَةَ: الكُبْرُ» ومِنَ اسْتِعْمالِهِ في المَعْنى الثانِي قَوْلُ ابْنِ الحَطِيمِ:

؎ تَنامُ عن كِبْرِ شَأْنِها فَإذا ∗∗∗ قامَتْ رُوَيْدًا تَكادُ تَنْغَرِفُ

24:12–13Page 351

لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ ١٢

Why, when you heard it, did not the believing men and believing women think good of themselves [i.e., one another] and say, "This is an obvious falsehood"?

لَّوۡلَا جَآءُو عَلَيۡهِ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَۚ فَإِذۡ لَمۡ يَأۡتُواْ بِٱلشُّهَدَآءِ فَأُوْلَٰٓئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٣

Why did they [who slandered] not produce for it four witnesses? And when they do not produce the witnesses, then it is they, in the sight of Allāh, who are the liars.

قوله عزّ وجلّ:

﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾

الخِطابُ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ حاشا مَن تُوَلّى الكِبْرَ، ويُحْتَمَلُ دُخُولُهم في الخِطابِ، وفي هَذا عِتابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيْ: كانَ الإنْكارُ واجِبًا عَلَيْهِمْ، والمَعْنى أنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَقِيسَ فُضَلاءُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ الأمْرَ عَلى أنْفُسِهِمْ، فَإذا كانَ ذَلِكَ يَبْعُدُ فِيهِمْ فَكانُوا يَقْضُونَ بِأنَّهُ في صَفْوانَ وعائِشَةَ أبْعَدُ لِفَضْلِهِما رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَ أنَّ هَذا النَظَرَ السَدِيدَ وقَعَ مِن أبِي أيُّوبٍ الأنْصارِيِّ وامْرَأتِهِ، وذَلِكَ «أنَّهُ دَخَلَ عَلَيْها فَقالَتْ (p-٣٥٧)لَهُ: يا أبا أيُّوبٍ أسَمِعْتَ ما قِيلَ؟ قالَ: نَعِمْ، وذَلِكَ الكَذِبُ، أكُنْتِ أنْتِ يا أمَّ أيُّوبَ تَفْعَلِينَ ذَلِكَ؟ فَقالَتْ: لا واللهِ، قالَ: فَعائِشَةُ واللهِ أفْضَلُ مِنكِ، قالَتْ أمُّ أيُّوبَ: نَعَمْ».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَذَلِكَ الفِعْلُ ونَحْوَهُ هو الَّذِي عاتَبَ اللهُ المُؤْمِنِينَ [عَلَيْهِ] إذْ لَمْ يَفْعَلْهُ جَمِيعُهُمْ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "جاءُوا" لِأُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَلَّوُا الكِبْرَ، وإذا كانُوا عِنْدَ اللهِ كَذَبَةً فَهي الحَقِيقَةُ فِيهِمْ، وعِنْدَ هَذا حُدُّوا، ولَمْ يُرْوَ في شَهِيرِ الدَواوِينِ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ حُدَّ، ويُشْبِهُ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَأنَّهُ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بِالمَقالَةِ بَيِّنَةٌ لِنِفاقِهِ وتَسَتُّرِهِ، وإنَّما كانَ يَخُوضُ فِيهِ مَعَ مَن يُذِيعُهُ ولا يَسْألُ عن شَهادَتِهِ كَما قالَ عُرْوَةُ في البُخارِيِّ: وأُخْبِرْتُ أنَّهُ كانَ يُقِرُّهُ ويَسْتَوْشِيه.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ولَكِنْ ﷺ اسْتَعْذَرَ مِنهُ عَلى المِنبَرِ، ووَقَذَهُ بِالقَوْلِ، ووَقَعَ في أمْرِهِ بَيْنَ الأوسِ والخَزْرَجِ ما هو مُطَوَّلٌ في مُسْلِمْ في جُمْلَةِ حَدِيثِ الإفْكِ.

(p-٣٥٨)

24:14–18Page 351

وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ لَمَسَّكُمۡ فِي مَآ أَفَضۡتُمۡ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٤

And if it had not been for the favor of Allāh upon you and His mercy in this world and the Hereafter, you would have been touched for that [lie] in which you were involved by a great punishment

إِذۡ تَلَقَّوۡنَهُۥ بِأَلۡسِنَتِكُمۡ وَتَقُولُونَ بِأَفۡوَاهِكُم مَّا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَيِّنٗا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٞ ١٥

When you received it with your tongues1 and said with your mouths that of which you had no knowledge and thought it was insignificant while it was, in the sight of Allāh, tremendous.

وَلَوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ قُلۡتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبۡحَٰنَكَ هَٰذَا بُهۡتَٰنٌ عَظِيمٞ ١٦

And why, when you heard it, did you not say, "It is not for us to speak of this. Exalted are You, [O Allāh]; this is a great slander"?

يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثۡلِهِۦٓ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧

Allāh warns you against returning to the likes of this [conduct], ever, if you should be believers.

وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٨

And Allāh makes clear to you the verses [i.e., His rulings], and Allāh is Knowing and Wise.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ في الدُنْيا والآخِرَةِ لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِألْسِنَتِكم وتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وهو عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ﴾ ﴿وَلَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

هَذا عِتابٌ مِنَ اللهِ تَعالى بَلِيغٌ، ذَكَرَ أنَّ حالَتَهُمُ الَّتِي وقَعَ فِيها جَمِيعُهم مِن تَعاطِيهِمُ الحَدِيثَ وإنْ لَمْ يَكُنِ المُخْبِرُ ولا المُخْبَرُ مُصَدِّقَيْنَ، ولَكِنَّ نَفْسَ التَعاطِي والتَلَقِّي مِن لِسانٍ إلى لِسانٍ والإفاضَةَ في الحَدِيثِ هو الَّذِي وقَعَ العِتابُ فِيهِ.

وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ: "إذْ تُلْقُونَهُ" بِضَمِّ التاءِ وسُكُونِ اللامِ وضَمِّ القافِ، ومِنَ الإلْقاءِ، وهَذِهِ قِراءَةٌ بَيِّنَةٌ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "إذْ تَتَلَقَّوْنَهُ" مِنَ التَلَقِّي بِتاءَيْنِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "إذْ تَلَقَّوْنَهُ" بِحَذْفِ التاءِ الواحِدَةِ وإظْهارِ الذالِ دُونَ إدْغامٍ، وهو أيْضًا مِنَ التَلَقِّي، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "إذْ تَلَقَّوْنَهُ" بِإدْغامِ الذالِ في التاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "إذْ تَلَقَّوْنَهُ" بِإظْهارِ الذالِ وإدْغامِ التاءِ في التاءِ، وهَذِهِ قِراءَةٌ قَلِقَةٌ لَأنَّها تَقْتَضِي اجْتِماعَ ساكِنِينَ، ولَيْسَ كالإدْغامِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "فَلا تَناجَوْا" "وَلا تَنابَزُوا" لَأنَّ لُدُونَةَ الألِفِ الساكِنَةِ وكَوْنَها حَرْفَ لِينٍ حَسُنَتْ هُنالِكَ ما لا يَحْسُنُ مَعَ سُكُونِ الذالِ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمُرٍ وعائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها -وَهِيَ أعْلَمُ الناسِ بِهَذا الأمْرِ-: "إذْ تَلِقُونَهُ" بِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ اللامِ وضَمِّ القافِ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ مِن قَوْلِ العَرَبِ: "وَلِقَ الرَجُلُ ولَقًا" إذا كَذَبَ، قالَ ابْنُ سِيدَهْ في "المُحْكَمِ": قُرِئَ: "إذْ تَلَقَّوْنَهُ"، وحَكى أهْلُ اللُغَةِ أنَّها مِن ولِقَ إذا كَذَبَ، فَجاؤُوا بِالمُتَعَدِّي شاهِدًا عَلى غَيْرِ المُتَعَدِّي، وعِنْدِي أنَّهُ أرادَ: إذْ تُلْقُونَ فِيهِ، فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ ووَصَلَ بِالضَمِيرِ، (p-٣٥٩)وَحَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ أنَّ هَذِهِ اللَفْظَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الوَلْقِ الَّذِي هو إسْراعُكَ بِالشَيْءِ بَعْدَ الشَيْءِ، كَعَدُوٍّ في إثْرِ عَدُوٍّ، وكَلامٍ في إثْرِ كَلامٍ، يُقالُ: ولِقَ في سَيْرِهِ إذا أسْرَعَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ جاءَتْ بِهِ عنسٌ مِنَ الشَأْمِ تَلِقْ

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَقُولُونَ بِأفْواهِكُمْ﴾ مُبالَغَةٌ وإلْزامٌ وتَأْكِيدٌ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَتَحْسَبُونَهُ" لِلْحَدِيثِ والخَوْضِ فِيهِ والإذاعَةِ لَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ إلى ﴿واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ عِتابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، أيْ: كانَ يَنْبَغِي عَلَيْكم أنْ تُنْكِرُوهُ ولا يَتَعاطاهُ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ عَلى جِهَةِ الحِكايَةِ والنَقْلِ، وأنْ تَنَزَّهُوا اللهَ تَعالى عن أنْ يَقَعَ هَذا مِن زَوْجِ نَبِيِّهِ ﷺ، وأنْ تَحْكُمُوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ بِأنَّها بُهْتانٌ، وحَقِيقَةُ البُهْتانِ أنْ يُقالَ في الإنْسانِ ما لَيْسَ فِيهِ، والغَيْبَةُ أنْ يُقالَ في الإنْسانِ ما فِيهِ. ثُمْ وعَظَهم تَعالى في العَوْدَةِ إلى مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ، و"أنْ" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ بِتَقْدِيرِ: "كَراهِيَةَ أنْ" ونَحْوَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ تَوْقِيفٌ وتَأْكِيدٌ، كَما تَقُولُ: يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا وكَذا إنْ كُنْتَ رَجُلًا. وسائِرُ الآيَةِ بَيِّنٌ، و" عَلِيمٌ حَكِيمٌ " صِفَتانِ تَقْتَضِيهِما الآيَةُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском