Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:30–34
24:30–31Page 353
قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ ٣٠
Tell the believing men to reduce [some] of their vision1 and guard their private parts.2 That is purer for them. Indeed, Allāh is [fully] Aware of what they do.
وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣١
And tell the believing women to reduce [some] of their vision1 and guard their private parts and not expose their adornment2 except that which [necessarily] appears thereof3 and to wrap [a portion of] their headcovers over their chests and not expose their adornment [i.e., beauty] except to their husbands, their fathers, their husbands' fathers, their sons, their husbands' sons, their brothers, their brothers' sons, their sisters' sons, their women, that which their right hands possess [i.e., slaves], or those male attendants having no physical desire,4 or children who are not yet aware of the private aspects of women. And let them not stamp their feet to make known what they conceal of their adornment. And turn to Allāh in repentance, all of you, O believers, that you might succeed.
قوله عزّ وجلّ:
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهم ذَلِكَ أزْكى لَهم إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا ما ظَهَرَ مِنها ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: إنَّهُمْ، فَقَوْلُهُ: "يَغُضُّوا" جَوابُ الأمْرِ، وقالَ المازِنِيُّ: المَعْنى: قُلْ لَهم غُضُّوا يَغُضُّوا، ويَلْحَقُ هَذَيْنِ مِنَ الِاعْتِراضِ أنَّ الجَوابَ خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى، وقَدْ يُوجَدُ مَن لا يَغُضُّ، ويَنْفَصِلُ بِأنَّ المُرادَ: يَكُونُونَ في حُكْمِ مَن يَغُضُّ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن أبْصارِهِمْ﴾، أظْهَرَ ما في "مِن" أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، وذَلِكَ أنَّ أوَّلَ نَظْرَةٍ لا يَمْلِكُها الإنْسانُ، وإنَّما يَغُضُّ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَدْ وقَعَ التَبْعِيضُ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ ما رُوِيَ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ: «لا تُتْبِعِ النَظْرَةَ النَظْرَةَ فَإنَّ الأُولى لَكَ، ولَيْسَتْ لَكَ الثانِيَةُ» الحَدِيثُ. وقالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: سَألَتُ النَبِيَّ ﷺ عن نَظْرَةِ الفَجْأةِ فَقالَ: «اصْرِفْ بَصَرَكَ»، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والبَصَرُ هو البابُ الأكْبَرُ إلى القَلْبِ وأعْمَرُ طُرُقِ الحَواسِّ إلَيْهِ، وبِحَسْبِ ذَلِكَ كَثُرَ السُقُوطُ مِن جِهَتِهِ، ووَجَبَ التَحْذِيرُ مِنهُ.
و"حِفْظُ الفُرُوجِ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: في الزِنى، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِسَتْرِ العَوْرَةِ، والأظْهَرُ أنَّ الجَمِيعَ مُرادٌ واللَفْظُ عامٌّ، وبِهَذِهِ الآيَةِ حَرَّمَ العُلَماءُ دُخُولَ الحَمّامِ بِغَيْرِ (p-٣٧٤)مِئْزَرٍ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: كُلُّ فَرْجِ ذُكِرَ في القُرْآنِ فَهو مِنَ الزِنى إلّا هَذِهِ الآيَتَيْنِ فَإنَّهُ يَعْنِي التَسَتُّرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولا وجْهَ لِهَذا التَخْصِيصِ عِنْدِي.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ، وظاهِرُهُ التَوَعُّدُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ﴾ الآيَةُ، أمَرَ اللهُ تَعالى النِساءَ في هَذِهِ الآيَةِ بِغَضِّ البَصَرِ عن كُلِّ ما يُكْرَهُ مِن جِهَةِ الشَرْعِ النَظَرُ إلَيْهِ، وفي حَدِيثِ أمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «كُنْتُ أنا وعائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُما عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ، فَدَخْلَ ابْنُ أُمْ مَكْتُومٍ، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "احْتَجِبْنَ" فَقُلْنا: إنَّهُ أعْمى، فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: "أفَعَمْياوانِ أنْتُما؟"»، "مِن" يَحْتَمِلُ ما تَقَدَّمَ في الأُولى، و"حِفْظُ الفُرُوجِ" يَعُمُ الفَواحِشَ وسَتْرَ العَوْرَةِ وما دُونُ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ حِفْظٌ.
وأمَرَ اللهُ تَعالى بِألا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ لِلنّاظِرِينَ، إلّا ما اسْتَثْناهُ مِنَ الناظِرِينِ في باقِي الآيَةِ، ثُمُ اسْتَثْنى ما يَظْهَرُ مِنَ الزِينَةِ، فاخْتَلَفَ الناسُ في قَدْرِ ذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ظاهِرُ الزِينَةِ هو الثِيابُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الوَجْهُ والثِيابُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا، وعَطاءٌ، والأوزاعِيُّ: الوَجْهُ والكَفّانِ والثِيابُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَتادَةُ، والمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: ظاهِرُ الزِينَةِ هو الكُحْلُ والسِواكُ والخِضابُ إلى نِصْفِ الذِراعِ والقِرَطَةُ والفَتْخُ، ونَحْوَ هَذا فَمُباحٌ أنْ تُبْدِيَهُ المَرْأةُ لِكُلٍّ مِن دَخْلَ عَلَيْها مِنَ الناسِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ في مَعْنى نِصْفِ الذِراعِ حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وذَكَرَ آخَرَ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، عَنِ النَبِيِّ ﷺ.
(p-٣٧٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَظْهَرُ لِي بِحُكْمِ ألْفاظِ الآيَةِ أنَّ المَرْأةَ مَأْمُورَةٌ بِألا تُبْدِيَ، وأنْ تَجْتَهِدَ في الإخْفاءِ لِكُلِّ ما هو زِينَةٌ، ووَقَعَ الِاسْتِثْناءُ في كُلِّ ما غَلَبَها فَظَهَرَ بِحُكْمِ ضَرُورَةِ حَرَكَةٍ فِيما لا بُدَّ مِنهُ، أو إصْلاحِ شَأْنٍ ونَحْوَ ذَلِكَ، فَما ظَهَرَ عَلى هَذا الوَجْهِ فَهو المَعْفِيُّ عنهُ، فَغالِبُ الأمْرِ أنَّ الوَجْهَ بِما فِيهِ والكَفَّيْنِ يَكْثُرُ مِنهُما الظُهُورُ، وهو الظاهِرُ في الصَلاةِ، ويَحْسُنُ بِالحَسَنَةِ الوَجْهِ أنْ تَسْتَتِرَ إلّا مِن ذِي حُرْمَةٍ مُحَرَّمَةٍ، ويَحْتَمِلُ لَفْظُ الآيَةِ أنَّ الظاهِرَ مِنَ الزِينَةِ لَها أنْ تُبْدِيَهُ، ولَكِنْ يُقَوِّي ما قُلْناهُ الِاحْتِياطُ ومُراعاةُ فَسادِ الناسِ، فَلا يُظَنُّ أنْ يُباحَ لِلنِّساءِ مِن إبْداءِ الزِينَةِ إلّا ما كانَ بِذَلِكَ الوَجْهِ، واللهُ المُوَفِّقِ لِلصَّوابِ بِرَحْمَتِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلْيَضْرِبْنَ" بِسُكُونِ اللامِ الَّتِي هي لِلْأمْرِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ عَبّاسٍ عنهُ-: "وَلِيَضْرِبْنَ" بِكَسْرِ اللامِ عَلى الأصْلِ؛ لَأنَّ أصْلَ لامِ الأمْرِ الكَسْرُ في "لِيَذْهَبْ ولِيَضْرِبْ"، وإنَّما تَسْكِينُها كَتَسْكِينِ "عَضُدٍ وفَخِذٍ".
وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ النِساءَ كُنَّ في ذَلِكَ الزَمانِ إذا غَطَّيْنَ رُءُوسَهُنَّ بِالخُمُرَةِ سَدَلْنَها مِن وراءِ الظَهْرِ، قالَ النِقاشَ: كَما يَصْنَعُ النَبَطُ، فَيَبْقى النَحْرُ والعُنُقُ والأُذُنانِ لا سَتْرَ عَلى ذَلِكَ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى بِلَيِّ الخِمارِ عَلى الجُيُوبِ، وهَيْئَةُ ذَلِكَ [ أنْ تَضْرِبَ المَرْأةُ بِخِمارِها عَلى جَيْبِها] فَيَسْتُرُ جَمِيعَ ما ذَكَرْناهُ.
وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: رَحِمُ اللهُ المُهاجِراتِ الأوُلُ، لِما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَمَدْنَ إلى أكْثَفِ المُرُوطِ فَشَقَقْنَها أخْمِرَةً، وضَرَبْنَ بِها عَلى الجُيُوبِ، ودَخَلَتْ عَلى عائِشَةَ حَفْصَةُ بِنْتُ أخِيها عَبْدِ الرَحْمَنِ وقَدِ اخْتَمَرَتْ بِشَيْءٍ يَشِفُّ عن عُنُقِها وما هُنالِكَ، (p-٣٧٦)فَشَقَّتْهُ عَلَيْها وقالَتْ: إنَّما يُضْرَبُ بِالكَثِيفِ الَّذِي يَسْتُرُ.
ومَشْهُورُ القِراءَةِ ضَمُّ الجِيمِ مِن "جُيُوبِهِنَّ"، وقَرَأ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ بِكَسْرِها بِسَبَبِ الياءِ كَقِراءَتِهِمْ ذَلِكَ في بُيُوتٍ وشُيُوخٍ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ.
**
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أو آبائِهِنَّ أو آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أو أبْنائِهِنَّ أو أبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أو إخْوانِهِنَّ أو بَنِي إخْوانِهِنَّ أو بَنِي أخَواتِهِنَّ أو نِسائِهِنَّ أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ أو التابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِجالِ أو الطِفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِساءِ﴾
المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: ولا يَقْصِدْنَ تَرْكَ الإخْفاءِ لِلزِّينَةِ الباطِنَةِ كالخَلْخالِ والأقْراطِ ونَحْوِهُ، ويَطْرَحْنَ مَؤُونَةَ التَحَفُّظِ إلّا مَعَ مَن سُمِّيَ. وبَدَأ بِالبُعُولَةِ وهُمُ الأزْواجُ لَأنَّ اطِّلاعَهم يَقَعُ عَلى أعْظَمِ مِن هَذا، ثُمْ ثَنّى بِهِ المَحارِمْ وسَوّى بَيْنِهِمْ في إبْداءِ الزِينَةِ، ولَكِنَّهم تَخْتَلِفُ مَراتِبُهم في الحُرْمَةِ بِحَسْبِ ما في نُفُوسِ البَشَرِ، فَلا مِرْيَةَ أنَّ كَشْفَ الأبِ والأخِ عَلى المَرْأةِ أحْوَطُ مِن كَشْفِ ولَدِ زَوْجِها، وتَخْتَلِفُ مَراتِبُ ما يُبْدى لَهُمْ، فَيُبْدى لِلْأبِ ما لا يَجُوزُ إبْداؤُهُ لِوَلَدِ الزَوْجِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أو نِسائِهِنَّ" يَعْنِي جَمِيعَ المُؤْمِناتِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أو صِنْفِهِنَّ، ويَدْخُلُ في هَذا الإماءُ المُؤْمِناتُ، ويَخْرُجُ مِنهُ نِساءُ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ الذِمَّةِ وغَيْرِهِمْ، وكَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ إلى أبِي عُبَيْدَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّهُ بَلَغَنِي أنَّ نِساءَ أهْلِ الذِمَّةِ يَدْخُلْنَ الحَمّاماتِ مَعَ نِساءِ المُسْلِمِينَ، فامْنَعْ مِن ذَلِكَ وحُلْ دُونَهُ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَرى الذِمِّيَّةُ عُرْيَةَ المُسْلِمَةِ، قالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ قامَ أبُو عُبَيْدَةَ فابْتَهَلَ وقالَ: أيُّما امْرَأةٍ تَدَخُّلُ الحَمّامَ مِن غَيْرِ عُذْرٍ، لا تُرِيدُ إلّا أنْ تُبَيِّضَ وجْهَها فَسَوَّدَ اللهُ وجْهَها يَوْمَ تَبْيَضُّ الوُجُوهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ الإماءُ الكِتابِيّاتُ، ويَدْخُلُ فِيهِ العَبِيدُ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وهو الظاهِرُ مِن مَذْهَبِ عائِشَةَ وأُمْ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وجَماعَةُ العُلَماءِ: لا يَدْخُلُ العَبْدُ عَلى سَيِّدَتِهِ فَيَرى شَعْرَها ونَحْوَ ذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ وغْدًا، فَمَنَعَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ الكَشْفَ بِمِلْكِ اليَمِينِ، (p-٣٧٧)وَأباحَتْهُ بِأنْ يَكُونَ مِنَ التابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ "أو ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ" فَيَدْخُلُ فِيهِ عَبْدُ الغَيْرِ.
وقَوْلُهُ: "أوِ التابِعِينَ" يُرِيدُ الأتْباعَ [الَّذِينَ يَدْخُلُونَ] لِيُطْعَمُوا الفُضُولَ، وهم مِنَ الرِجالِ الَّذِينَ لا إرْبَةَ لَهم في الوَطْءِ، فَهي شَرْطانِ، ويَدْخُلُ في هَذِهِ الصِفَةِ المَجْبُوبُ والمَعْتُوهُ والمُخَنَّثُ والشَيْخُ الفانِي والزَمِنُ المَوْقُوذُ بِزَمانَتِهِ، ونَحْوَ هَذا هو الغالِبُ في هَذِهِ الأصْنافِ، ورُبَّ مُخَنَّثٍ لا يَنْبَغِي أنْ يُكْشَفَ، ألّا تَرى إلى حَدِيثِ " هِيتٍ " ونَهى رَسُولُ اللهِ ﷺ عن كَشْفِهِ عَلى النِساءِ لَمّا وصَفَ بادِيَةَ بِنْتَ غَيْلانَ بْنِ مُعَتَّبٍ ؟ وتَأمَّلَ ما رُوِيَ في أخْبارِ الدَلّالِ المُخَنَّثِ، وكَذَلِكَ الحَمْقى والمَعْتُوهُونَ فِيهِ مِمَّنْ لا يَنْبَغِي أنْ يُكْشَفَ، والَّذِي لا إرْبَةَ لَهُ مِنَ الرِجالِ قَلِيلٌ.
و"الإرْبَةُ": الحاجَةُ إلى الوَطْءِ، وعَبَّرَ عن هَذا بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فَقالَ: هو الَّذِي يَتْبَعُكَ لا يُرِيدُ إلّا الطَعامَ وما يَأْكُلُهُ، وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ: "غَيْرَ" بِالنَصْبِ، وهو عَلى الحالِ مِنَ الذِكْرِ الَّذِي في "التابِعِينَ"، أو عَلى الِاسْتِثْناءِ مِنَ "التابِعَيْنِ"، وقَرَأ الباقُونَ: "غَيْرِ" بِالخَفْضِ عَلى النَعْتِ لِـ "التابِعِينَ"، والقَوْلُ (p-٣٧٨)فِيها كالقَوْلِ في ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧].
وقَوْلُهُ تَعالى: "أوِ الطِفْلِ" اسْمُ جِنْسٍ بِمَعْنى الجَمْعِ، ويُقالُ: "طِفْلٌ" ما لَمْ يُراهِقِ الحُلُمْ، و"يَظْهَرُوا" مَعْناهُ: يَطَّلِعُونَ بِالوَطْءِ، والجُمْهُورُ عَلى إسْكانِ الواوِ مِن "عَوْراتٍ"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ فَتْحُ الواوِ، وقالَ الزُجاجُ: الأكْثَرُ سُكُونُ الواوِ، كَجَوْزاتٍ وبَيْضاتٍ لِثِقَلِ الحَرَكَةِ عَلى الواوِ والياءِ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ فَعَلى الأصْلِ في فَعْلَةٍ وفَعْلاتٍ.
24:32Page 354
وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡۚ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٣٢
And marry the unmarried among you and the righteous among your male slaves and female slaves. If they should be poor, Allāh will enrich them from His bounty, and Allāh is all-Encompassing and Knowing.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وتُوبُوا إلى اللهِ جَمِيعًا أيُّهَ المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكم إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ واللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾
أسْنَدَ الطَبَرِيُّ عَنِ المُعْتَمِرِ عن أبِيهِ قالَ: زَعَمَ حَضْرَمِيٌّ أنَّ امْرَأةً اتَّخَذَتْ بُرَتَيْنِ مِن فِضَّةٍ، واتَّخَذَتْ جَزْعًا، فَجَعَلَتْ في ساقَيْها فَمَرَّتْ عَلى القَوْمِ فَضَرَبَتْ بِرِجْلِها الأرْضَ، فَوَقَعَ الخَلْخالُ عَلى الجَزْعِ فَصَوَّتَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وسَماعُ هَذِهِ الزِينَةِ أشَدُّ تَحْرِيكًا لِلشَّهْوَةِ مِن إبْدائِها، ذَكَرَهُ الزَجّاجُ.
قالَ مَكِّيٌّ رَحِمَهُ اللهُ: لَيْسَ في كِتابِ اللهِ تَعالى آيَةٌ أكْثَرَ ضَمائِرَ مِن هَذِهِ، جَمَعَتْ خَمْسَةً وعِشْرِينَ ضَمِيرًا لِلْمُؤْمِناتِ مِن مَخْفُوضٍ ومَرْفُوعٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "لِيَعْلَمَ ما سُرَّ مِن زِينَتِهِنَّ".
ثُمْ أمَرَ عَزَّ وجَلَّ بِالتَوْبَةِ مُطْلَقَةً، وقَدْ قَيَّدَ تَوْبَةَ الكَفّارِ بِالإخْلاصِ وبِالِانْتِهاءِ في آيَةٍ (p-٣٧٩)أُخْرى، وتَوْبَةَ أهْلِ الذِمَّةِ بِالتَبْيِينِ، يُرِيدُ لِأمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأمَرَ بِهَذِهِ التَوْبَةِ مُطْلَقَةً عامَّةً مِن كُلِّ شَيْءٍ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أيُّهُ المُؤْمِنُونَ" بِضَمِّ الهاءِ مِن "أيُّهَ"، ووَجْهُهُ أنْ يَجْعَلَ الخاءَ كَأنَّها مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ، فَيَكُونُ إعْرابُ المُنادى فِيها، وضَعَّفَ أبُو عَلِيٍّ ذَلِكَ جِدًّا، وبَعْضُهم يَقِفُ "أيُّهْ"، وبَعْضُهم يَقِفُ "أيُّها" بِالألْفِ، وقَوّى أبُو عَلِيٍّ الوَقْفَ بِالألْفِ لَأنَّ عِلَّةَ حَذْفِها في الوَصْلِ إنَّما هو سُكُونُها وسُكُونُ اللامِ، فَإذا كانَ الوَقْفُ ذَهَبَتِ العِلَّةُ فَرَجَعَتِ الألْفُ كَما تَرْجِعُ الياءُ إذا وقَفَتْ عَلى "مُحِلِّي" مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَيْدِ﴾ [المائدة: ١]، والِاخْتِلافُ الَّذِي ذَكَرْناهُ في "أيُّهَ المُؤْمِنُونَ" كَذَلِكَ هو في "يَأيُّهَ الساحِرُ"، و"أيُّهَ الثَقَلانِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى﴾، هَذِهِ المُخاطَبَةُ لِكُلِّ مِن تَصَوَّرَ أنْ يَنْكِحَ في نازِلَةٍ ما، فَهُمُ المَأْمُورُونَ بِتَزْوِيجِ مَن لا زَوْجَ لَهُ ومَن لا زَوْجَةَ لَهُ، وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ المَرْأةَ لا تَتَزَوَّجُ إلّا بِوَلِيٍّ، و"الأيِّمْ" يُقالُ لِلرَّجُلِ ولِلْمَرْأةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ لِلَّهِ دَرُّ بَنِي عَلِـ ـيٍّ أيِّمْ مِنهم وناكِحِ
(p-٣٨٠)وَلِعُمُومِ هَذا اللَفْظِ قالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِحُكْمِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والزانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلا زانٍ أو مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]، وقَوْلُهُ: ﴿والصالِحِينَ مِن عِبادِكُمْ﴾ يُرِيدُ: لِلنِّكاحِ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "مِن عَبِيدِكُمْ"، والجُمْهُورِ عَلى "مِن عِبادِكُمْ"، والمَعْنى واحِدٌ، إلّا أنَّ قَرِينَةَ التَرْفِيعِ بِالنِكاحِ تُؤَيِّدُ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.
وهَذا الأمْرُ بِالنِكاحِ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ شَخْصٍ شَخْصٍ، فَفي نازِلَةٍ يَتَصَوَّرُ وُجُوبُهُ، وفي نازِلَةِ النَدْبُ، وغَيْرُ ذَلِكَ، وهَذا بِحَسْبَ ما قِيلَ في النِكاحِ.
ثُمْ وعَدَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِإغْناءِ الفُقَراءِ المُتَزَوِّجِينَ طَلَبًا لِرِضى اللهِ عنهم واعْتِصامًا مِن مَعاصِيهِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ: التَمَسُوا الغِنى في النِكاحِ، وقالَ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: عَجَبِي مِمَّنْ لا يَطْلُبُ الغِنى بِالنِكاحِ، وقَدْ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾. قالَ النِقاشُ: هَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلى مَن قالَ إنَّ القاضِيَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الزَوْجَيْنِ إذا كانَ الزَوْجُ فَقِيرًا لا يَقْدِرُ عَلى النَفَقَةِ؛ لَأنَّ اللهَ قالَ: ﴿يُغْنِهِمُ اللهُ﴾ ولَمْ يَقِلْ: "يُفَرِّقُ بَيْنَهُما".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا انْتِزاعٌ ضَعِيفٌ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ حِكَمًا فِيمَن عَجَزَ عَنِ النَفَقَةِ، وإنَّما هي وعْدٌ بِالإغْناءِ، كَما وعَدَ بِهِ تَعالى مَعَ التَفَرُّقِ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلا مِن سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]، ونَفَحاتُ رَحْمَةِ اللهِ تَعالى مَأْمُولَةٌ في كُلِّ حالٍ، مَوْعُودٌ بِها.
(p-٣٨١)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ صِفَتانِ نَحْوَ المَعْنى الَّذِي فِيهِ القَوْلُ، أيْ واسِعٌ الفَضْلِ، عَلِيمٌ بِمُسْتَحِقِّ التَوْسِعَةِ والإغْناءِ.
24:33Page 354
وَلۡيَسۡتَعۡفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغۡنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱلَّذِينَ يَبۡتَغُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَكَاتِبُوهُمۡ إِنۡ عَلِمۡتُمۡ فِيهِمۡ خَيۡرٗاۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ ءَاتَىٰكُمۡۚ وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمۡ عَلَى ٱلۡبِغَآءِ إِنۡ أَرَدۡنَ تَحَصُّنٗا لِّتَبۡتَغُواْ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَن يُكۡرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعۡدِ إِكۡرَٰهِهِنَّ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٣
But let them who find not [the means for] marriage abstain [from sexual relations] until Allāh enriches them from His bounty. And those who seek a contract [for eventual emancipation] from among whom your right hands possess1 - then make a contract with them if you know there is within them goodness and give them from the wealth of Allāh which He has given you. And do not compel your slave girls to prostitution, if they desire chastity, to seek [thereby] the temporary interests of worldly life. And if someone should compel them, then indeed, Allāh is [to them], after their compulsion, Forgiving and Merciful.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وآتُوهم مِن مالِ اللهُ الَّذِي آتاكُمْ﴾
"اسْتَعَفَّ" وزْنُهُ اسْتَفْعَلَ، ومَعْناهُ: طَلَبَ أنْ يَكُونَ عَفِيفًا، فَأمَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ كُلَّ مَن يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ النِكاحُ ولا يَجِدُهُ بِأيِّ وجْهِ تَعَذَّرَ أنْ يَسْتَعِفَّ، ثُمْ لَمّا كانَ أغْلَبُ المَوانِعِ عَلى النِكاحِ عَدَمَ المالِ وعَدَ بِالإغْناءِ مِن فَضْلِهُ، فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ يَعُمُ الأمْرَ بِالِاسْتِعْفافِ كُلَّ مَن تَعَذَّرَ عَلَيْهِ النِكاحُ بِأيِّ وجْهِ تَعَذَّرَ.
وقالَتْ جَماعَةً مِنَ المُفَسِّرِينَ: النِكاحُ في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ ما يُمْهَرُ ويُنْفَقُ في الزَواجِ كاللِحافِ واللِباسِ لِما يُلْتَحَفُ بِهِ ولِما يُلْبَسُ، وحَمَلَهم عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾، فَظَنُّوا أنَّ المَأْمُورَ بِالِاسْتِعْفافِ إنَّما هو مِن عَدِمُ المالَ الَّذِي يَتَزَوَّجُ بِهِ، وفي هَذا القَوْلِ تَخْصِيصُ المَأْمُورِينَ بِالِاسْتِعْفافِ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ.
ثُمْ أمَرَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ كافَّةً أنْ يُكاتِبَ مِنهم كُلُّ مَن لَهُ مَمْلُوكٌ وطَلَبَ المَمْلُوكُ الكِتابَةَ وعَلِمْ سَيِّدُهُ مِنهُ خَيْرًا، قالَ النِقاشُ: سَبَبُها أنَّ غُلامًا لِحُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى سَألَ مَوْلاهُ الكِتابَةَ فَأبى عَلَيْهِ، وقالَ مَكِّيٌّ: هو صُبَيْحٌ القِبْطِيُّ غُلامُ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، ولَفْظُ "الكِتابَ" في الآيَةِ مَصْدَرٌ كالقِتالِ والجِلادِ ونَحْوِهُ مِن مَصادِرِ فاعَلَ، و"الكِتابَةُ" فِعالَةٌ مِن حَيْثُ هَذا يَكْتُبُ عَلى نَفْسِهِ، وهَذا عَلى نَفْسِهِ.
واخْتَلَفَ الناسُ، هَلْ هَذا الأمْرُ بِالكِتابَةِ عَلى الوُجُوبِ أو عَلى النَدْبِ، عَلى قَوْلَيْنِ: فَمَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ أنَّ ذَلِكَ عَلى النَدْبِ، وقالَ عَطاءٌ: ذَلِكَ واجِبٌ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِأنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في سِيرِينَ، حِينَ سَألَ سِيرِينُ الكِتابَةَ فَتَلَكَّأ أنَسٌ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: كاتِبُهُ أو لَأضْرِبَنَّكَ بِالدِرَّةِ، وهو قَوْلُ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ والضِحاكِ.
(p-٣٨٢)واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالخَيْرِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو المالُ، ولَمْ تَرَ عَلى سَيِّدِ عَبْدٍ أنْ يُكاتِبَ إلّا إذا عَلِمْ أنَّ لَهُ مالًا يُؤَدِّي مِنهُ أو مِنَ التَجْرِ فِيهِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وسَلْمانَ أنَّهُما أبَيا مِن كِتابَةِ عَبْدَيْنِ رَغِبا في الكِتابَةِ ووَعَدا بِاسْتِرْفاقِ الناسِ، فَقالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما لِعَبْدِهِ: أتُرِيدُ أنْ تُطْعِمَنِي أوساخَ الناسِ؟ وقالَ مالِكٌ: إنَّهُ لَيُقالُ: يُرادُ بِالخَيْرِ القُوَّةُ والأداءُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الخَيْرُ هو صِدْقُ المَوْعِدِ، وقِلَّةُ الكَذِبِ، والوَفاءُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ مالٌ، وقالَ عُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ: الخَيْرُ هو الصَلاحُ في الدِينِ، وهَذا في زَمَنِهِ القَوْلُ الَّذِي قَبِلَهُ.
والمَكاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وحُرْمَةُ العِتْقِ إنَّما يَتَلَبَّسُ بِها بَعْدَ الأداءِ، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ الأُمَّةِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إذا أدّى ثُلُثَ الكِتابَةِ فَهو عَتِيقٌ غَرِيمٌ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: العَتاقَةُ تَجْرِي فِيهِ بِأوَّلِ نَجْمٍ يُؤَدِّيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتُوهم مِن مالِ اللهِ﴾، قالَ المُفَسِّرُونَ: هو أمْرٌ لِكُلِّ مُكاتِبٍ أنْ يَضَعَ لِلْعَبْدِ مِن مالِ كِتابَتَهُ، واسْتَحْسَنَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ رُبْعَ الكِتابَةِ، قالَ الزَهْراوِيُّ: ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، واسْتَحْسَنَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وابْنُ مَسْعُودٍ ثُلُثَها، وقالَ قَتادَةُ: عُشْرُها، ورَأى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن أوَّلِ نُجُومِهِ مُبادَرَةً إلى الخَيْرِ وخَوْفًا ألّا يُدْرِكَ آخِرَها، ورَأى مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ، وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ الوَضْعُ في آخِرِ نَجْمٍ، وعِلَّةُ ذَلِكَ أنَّهُ إذا وضَعَ مِن أوَّلِ نَجْمٍ رُبَّما عَجَزَ العَبْدُ فَرَجَعَ هو ومالُهُ إلى السَيِّدِ، فَعادَتْ إلَيْهِ وضِيعَتُهُ، وهي شِبْهُ الصَدَقَةِ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورَأى مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ هَذا الأمْرَ عَلى النَدْبِ، ولَمْ يَرَ لِقَدْرِ الوَضْعِيَّةِ حَدّا، ورَأى الشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ وغَيْرُهُ الوَضِيعَةَ (p-٣٨٣)واجِبَةً يَحْكم بِها الحاكِمْ عَلى المُكاتِبِ وعَلى ورَثَتِهِ، وقالَ الحَسَنُ، والنَخْعِيُّ، وبُرَيْدَةُ: إنَّما الخِطابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآتُوهم مِن مالِ اللهِ﴾ لِلنّاسِ أجْمَعِينَ في أنْ يَتَصَدَّقُوا عَلى المُكاتَبِينَ، وأنْ يُعِينُوهم في فِكاكِ رِقابِهِمْ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إنَّما الخِطابُ لِوُلاةِ الأُمُورِ بِأنْ يُعْطُوا المُكاتَبِينَ مِن مالِ الصَدَقَةِ حَظَّهُمْ، وهو الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: " وفي الرِقابِ ".
24:34Page 354
وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖ وَمَثَلٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٣٤
And We have certainly sent down to you distinct verses1 and examples from those who passed on before you and an admonition for those who fear Allāh.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُنْيا ومَن يُكْرِهُّنَّ فَإنَّ اللهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣] ﴿وَلَقَدْ أنْـزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ ومَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنَ قَبْلِكم ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾
رُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ هو «أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ كانَتْ لَهُ أمَةٌ تُسَمّى مُسَيْكَةَ، وقِيلَ: مُعاذَةُ، فَكانَ يَأْمُرُها بِالزِنا والكَسْبِ بِهِ، فَشَكَتْ ذَلِكَ إلى النَبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِ وفِيمَن فَعَلَ فِعْلَهُ مِنَ المُنافِقِينَ».
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] راجِعٌ إلى "الفَتَياتِ"، وذَلِكَ أنَّ الفَتاةَ إذا أرادَتِ التَحَصُّنَ فَحِينَئِذٍ يُمْكِنُ ويُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ السَيِّدُ مُكْرِهًا، ويُمْكِنُ أنْ يُنْهى عَنِ الإكْراهِ، وإذا كانَتِ الفَتاةُ لا تُرِيدُ التَحَصُّنَ فَلا يُتَصَوَّرُ أنْ يُقالَ لِلسَّيِّدِ: لا تُكْرِهْها؛ لَأنَّ الإكْراهَ لا يُتَصَوَّرُ فِيها وهي مُرِيدَةٌ لِلزِّنى، فَهَذا أمْرٌ في [سادَةٍ وفَتَياتٍ] حالُهم هَذِهِ، وذَهَبَ هَذا النَظَرُ عن كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] راجِعٌ إلى [الأيامى] في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وقالَ بَعْضُهُمْ: هَذا الشَرْطُ في قَوْلِهِ تَعالى: "إنْ أرَدْنَ" مُلْغًى، ونَحْوَ هَذا مِمّا ضَعُفَ، واللهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ بِرَحْمَتِهِ.
و"عَرْضَ الحَياةِ الدُنْيا" في هَذِهِ الآيَةِ: الشَيْءُ الَّذِي تَكْتَسِبُهُ الأُمَّةُ بِفَرْجِها، ومَعْنى (p-٣٨٤)باقِي الآيَةِ: فَإنَّ اللهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ بِهِنَّ، وقَدْ يُتَصَوَّرُ الغُفْرانُ والرَحْمَةُ بِالمُكْرَهِينَ بَعْدَ أنْ تَقَعَ التَوْبَةُ مِن ذَلِكَ، فالمَعْنى: غَفُورٌ لِمَن تابَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وابْنُ جُبَيْرٍ: "لَهُنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ" بِزِيادَةِ "لَهُنَّ".
ثُمْ عَدَّدَ تَعالى عَلى المُؤْمِنِينَ نِعَمَهُ فِيما أنْزَلَ إلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ المُنِيراتِ، وفِيما ضَرَبَ لَهم مِن أمْثالِ الماضِينَ مِنَ الأُمَمِ لِيَقَعَ التَحَفُّظَ مِمّا وقَعَ أُولَئِكَ فِيهِ، وفِيما ذَكَرَ لَهم مِنَ المَواعِظِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُبَيَّناتٍ" بِفَتْحِ الياءِ، أيْ: بَيَّنَها اللهُ تَعالى وأوضَحَها، وقَرَأ الحَسَنُ، وطِلْحَةُ، وعاصِمْ، والأعْمَشُ: "مُبَيِّناتٍ" بِكَسْرِ الياءِ، أيْ: بَيَّنَتِ الحَقَّ وأوضَحَتْهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences