Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:41–58
24:41–42Page 355
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلطَّيۡرُ صَٰٓفَّٰتٖۖ كُلّٞ قَدۡ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسۡبِيحَهُۥۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٤١
Do you not see that Allāh is exalted by whomever is within the heavens and the earth and [by] the birds with wings spread [in flight]? Each [of them] has known his [means of] prayer and exalting [Him], and Allāh is Knowing of what they do.
وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٤٢
And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth, and to Allāh is the destination.
قوله عزّ وجلّ:
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ والطَيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ واللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وإلى اللهِ المَصِيرُ﴾
"ألَمْ تَرَ" تَنْبِيهٌ، و"الرُؤْيَةُ" رُؤْيَةُ الفِكْرِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: كَأنَّهُ قالَ: انْتَبِهْ، اللهُ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَماواتِ، و"التَسْبِيحُ" هُنا التَعْظِيمُ والتَنْزِيهُ، فَهو مِنَ العُقَلاءِ بِالنُطْقِ وبِالصَلاةِ مِن كُلِّ ذِي دِينٍ، واخْتُلِفَ في تَسْبِيحِ الطَيْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا قَدْ ورَدَ الكِتابُ بِتَسْبِيحِهِ، فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ تَسْبِيحٌ حَقِيقِيٌّ، وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: هو لَفْظُ تَجَوُّزٍ، وإنَّما تَسْبِيحُهُ بِظُهُورِ الحِكْمَةِ فِيهِ، فَهو -لِذَلِكَ- يَدْعُو إلى التَسْبِيحِ.
وقالَ المُفَسِّرُونَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن في السَماواتِ والأرْضِ﴾ عامَّةٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، مَن لَهُ عَقْلٌ وسائِرُ الجَماداتِ، لَكِنَّهُ لَمّا اجْتَمَعَ ذَلِكَ عَبَّرَ عنهُ بِـ "مَن" تَغْلِيبًا لِحُكْمِ مَن (p-٣٩٧)يَعْقِلُ. و"صافّاتٍ" مَعْناهُ: مُصْطَفَّةٌ في الهَواءِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "والطَيْرُ" بِنَصْبِ الراءِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "والطَيْرُ صافّاتٌ" مَرْفُوعَتانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾، قالَ الحَسَنُ: المَعْنى: كُلٌّ قَدْ عَلِمْ صَلاةَ نَفْسِهِ وتَسْبِيحَ نَفْسِهِ، فَهو يُثابِرُ عَلَيْهِما ويُؤَدِّيهِما، قالَ مُجاهِدٌ: الصَلاةُ لِلْبِشْرِ والتَسْبِيحُ لِما عَداهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: كُلٌّ قَدْ عَلِمْ صَلاةَ اللهِ وتَسْبِيحَ اللهِ اللَذَيْنِ أمَرَ بِهِما وهَدى إلَيْهِما، فَهَذِهِ إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ، وقالَ الزُجاجُ وغَيْرُهُ: المَعْنى: كُلٌّ قَدْ عَلِمُ اللهُ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ، فالضَمِيرانِ لِلْكُلِّ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "عُلِمْ صَلاتُهِ وتَسْبِيحُهِ" بِالرَفْعِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ذَكَرَها أبُو حاتِمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَفْعَلُونَ" بِالياءِ، عَلى مَعْنى المُبالَغَةِ في وصْفِ قُدْرَةِ اللهِ وعِلْمِهِ بِخَلْقِهِ، وقَرَأ عِيسى، والحُسْنُ: "تَفْعَلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، فَفِيهِ المَعْنى المَذْكُورُ وزِيادَةُ الوَعِيدِ والتَخْوِيفِ مِنَ اللهِ تَعالى، وإعْلامٌ بَعْدُ بِكَوْنِ المُلْكِ عَلى الإطْلاقِ لَهُ، وتَذْكِيرُهُ بِأمْرِ المَصِيرِ إلَيْهِ والحَشْرُ يُقَوِّي أمْرَ التَخْوِيفِ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى. وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "واللهُ بَصِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ".
24:43–44Page 355
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزۡجِي سَحَابٗا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيۡنَهُۥ ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ رُكَامٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٖ فِيهَا مِنۢ بَرَدٖ فَيُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَيَصۡرِفُهُۥ عَن مَّن يَشَآءُۖ يَكَادُ سَنَا بَرۡقِهِۦ يَذۡهَبُ بِٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٣
Do you not see that Allāh drives clouds? Then He brings them together; then He makes them into a mass, and you see the rain emerge from within it. And He sends down from the sky, mountains [of clouds] within which is hail, and He strikes with it whom He wills and averts it from whom He wills. The flash of its lightning almost takes away the eyesight.
يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٤
Allāh alternates the night and the day. Indeed in that is a lesson for those who have vision.
قوله عزّ وجلّ:
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ ويُنَزِّلُ مِن السَماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مِن يَشاءُ ويَصْرِفُهُ عن مِن يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ ﴿يُقَلِّبُ اللهُ اللَيْلَ والنَهارَ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ﴾
"الرُؤْيَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ رُؤْيَةُ عَيْنٍ، والتَقْدِيرُ: أنَّ أمْرَ اللهِ وقُدْرَتَهُ. و"يُزْجِي" مَعْناهُ: يَسُوقُ، والإزْجاءُ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في سَوْقِ كُلِّ ثَقِيلٍ ومُدافَعَتِهِ كالسَحابِ والإبِلِ المَزاحِفِ، كَما قالَ الفَرَزْدَقُ:
؎ ............................. عَلى مَزاحِفَ تُزْجِيها مَحاسِيرُ
(p-٣٩٨)والبِضاعَةُ المُزْجاةُ: الَّتِي تَحْتاجُ مِنَ الشَفاعَةِ والتَحْسِينِ إلى ما هو كَسَوْقِ الثَقِيلِ، ومِنهُ قَوْلُ حَبِيبٍ في الشَيْبِ: "وَنَحْنُ نُزْجِيهِ" وسِيبَوَيْهِ أبَدًا يَقُولُ في كَلامِهِ: "فَأنْتَ تُزْجِيهِ إلى كَذا"، أيْ تَسُوقُهُ ثَقِيلًا مُتَباطِئًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ أيْ بَيْنَ مُفْتَرَقِ السَحابِ نَفْسِهِ؛ لَأنَّ مَفْهُومَ السَحابِ يَقْتَضِي أنَّ بَيْنَهُ فُرُوجًا، وهَذا كَما تَقُولُ: جَلَسْتُ بَيْنَ الدُورِ، ولَوْ أُضِيفَتْ "بَيْنَ" إلى مُفْرَدٍ لَمْ يَصِحَّ إلّا أنْ تُرِيدَ آخَرَ، لا تَقُولُ: "جَلَسْتُ بَيْنَ الدارِ" إلّا أنْ تُرِيدَ: "وَبَيْنَ كَذا".
ووِرَشٌ عن نافِعٍ لا يَهْمِزُ "يُؤَلِّفُ"، وقالُونَ عن نافِعٍ، والباقُونَ يَهْمِزُونَ "يُؤَلِّفُ"، وهو الأصْلُ.
و"الرُكامُ": الَّذِي يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا ويَتَكاثَفُ، والعَرَبُ تَقُولُ: إنَّ اللهَ تَعالى إذا جَعَلَ السَحابَ رُكامًا بِالرِيحِ عَصْرَ بَعْضَهُ بَعْضًا فَخَرَجَ الوَدْقُ مِنهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ [النبإ: ١٤]، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ:
؎ كِلْتاهُما حَلَبُ العَصِيرِ فَعاطِنِي ∗∗∗ بِزُجاجَةٍ أرْخاهُما لِلْمَفْصِلِ
(p-٣٩٩)وَيُرْوى "لِلْمِفْصَلِ" بِكَسْرِ المِيمِ وبِفَتْحِ الصادِ، فالمِفْصَلُ: واحِدُ المَفاصِلِ، والمَفْصِلُ: اللِسانُ، ويُرْوى بِالقافِ، أرادَ حَسّانُ الخَمْرَ والماءَ الَّذِي مُزِجَتْ بِهِ، أيْ: هَذِهِ مِن عَصْرِ العِنَبِ وهَذِهِ مِن عَصْرِ السَحابِ، فَسَّرَ هَذا التَفْسِيرَ قاضِي البَصْرَةِ عَبْدُ اللهِ بْنُ الحَسَنِ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ حَلَفَ صاحِبُهم بِالطَلاقِ أنْ يَسْألَ القاضِي عن تَفْسِيرِ بَيْتِ حَسّانَ.
و"الوَدْقَ": المَطَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلا مُزْنَةَ ودَقَتْ ودَقَها ∗∗∗ ولا أرْضَ أبَقَلَ إبْقالَها
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مِن خِلالِهِ" وهو جَمْعُ خَلَلٍ، كَجَبَلٍ وجِبالٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والضِحاكُ: "مِن خَلَلِهِ". وقَرَأ عاصِمْ، والأعْرَجُ: "وَيُنَزِّلُ" عَلى المُبالَغَةِ، والجُمْهُورُ عَلى التَخْفِيفِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ﴾ قِيلَ: تِلْكَ حَقِيقَةٌ، وقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعالى في السَماءِ جِبالًا مِن بَرَدٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ مَجازٌ، وإنَّما أرادَ وصْفَ كَثْرَتِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: عِنْدَ فُلانٍ جِبالٌ مِنَ المالِ، وجِبالٌ مِنَ العِلْمِ، أيْ في الكَثْرَةِ مِثْلَ الجِبالِ، وحُكِيَ عَنِ الأخْفَشِ تَقْدِيرُهُ زِيادَةَ "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن بَرَدٍ"، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ، و"مِنَ" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِنَ السَماءِ" هي لِابْتِداءِ الغايَةِ، وفي قَوْلِهِ: "مِن جِبالٍ" هي لِلتَّبْعِيضِ، وفي قَوْلِهِ: "مِن بَرَدٍ" هي لِبَيانِ الجِنْسِ.
(p-٤٠٠)وَ "السَنّا" (مَقْصُورٌ): الضَوْءُ، و"السَناءُ" (مَمْدُودًا): المَجْدُ والِارْتِفاعُ في المَنزِلَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سَنا" بِالقَصْرِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "سَناءَ" بِالمَدِّ والهَمْزِ، وقَرَأ طَلْحَةُ أيْضًا: "بُرَقِهِ" بِضَمِّ الباءِ وفَتْحِ الراءِ، وهي جَمْعُ بُرْقَةٍ -بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ الراءِ- فُعْلَةٍ، وهي القَدْرُ مِنَ البَرْقِ، كَلُقْمَةٍ ولُقَمٍ وغُرْفَةٍ وغُرَفٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَذْهَبُ" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "يَذْهَبُ" بِضَمِّها، مَن أذْهَبَ، كَأنَّ التَقْدِيرَ: يُذْهِبُ النُفُوسَ بِالأبْصارِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥] [الحَجُّ: ٢٥] فالباءُ زائِدَةٌ دالَّةٌ عَلى فِعْلٍ يُناسِبُها.
ثُمُ اقْتَضَتْ ألْفاظُ الآيَةِ الإخْبارَ عن تَقْلِيبِ اللَيْلِ والنَهارِ، والإتْيانِ بِهَذا بَعْدَ هَذا دُونَ تَوْطِئَةٍ، وهَذا هو الَّذِي تَعْجِزُ عنهُ الفُصَحاءُ حَتّى يَقَعَ مِنهُمُ التَخْلِيقُ في الألْفاظِ والتَوْطِئَةُ بِالكَلامِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
24:45–50Page 356
وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٖ مِّن مَّآءٖۖ فَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ بَطۡنِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ رِجۡلَيۡنِ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰٓ أَرۡبَعٖۚ يَخۡلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٤٥
Allāh has created every [living] creature from water. And of them are those that move on their bellies, and of them are those that walk on two legs, and of them are those that walk on four. Allāh creates what He wills. Indeed, Allāh is over all things competent.
لَّقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖۚ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤٦
We have certainly sent down distinct verses. And Allāh guides whom He wills to a straight path.
وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعۡنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧
But they [i.e., the hypocrites] say, "We have believed in Allāh and in the Messenger, and we obey"; then a party of them turns away after that. And those are not believers.
وَإِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ ٤٨
And when they are called to [the words of] Allāh and His Messenger to judge between them, at once a party of them turns aside [in refusal].
وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلۡحَقُّ يَأۡتُوٓاْ إِلَيۡهِ مُذۡعِنِينَ ٤٩
But if the right is theirs, they come to him in prompt obedience.
أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوٓاْ أَمۡ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ بَلۡ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٥٠
Is there disease in their hearts? Or have they doubted? Or do they fear that Allāh will be unjust to them, or His Messenger? Rather, it is they who are the wrongdoers [i.e., the unjust].
قوله عزّ وجلّ:
﴿واللهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مِن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مِن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مِن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ إنَّ اللهُ عَلى كُلَّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ واللهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللهِ وبِالرَسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإذا دُعُوا إلى اللهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ مِنهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿وَإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ ﴿أفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أمِ ارْتابُوا أمِ يَخافُونَ أنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾
هَذِهِ آيَةُ اعْتِبارٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "واللهُ خالِقُ كُلِّ" عَلى الإضافَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "واللهُ خَلَقَ كُلَّ"، و"الدابَّةُ": كُلُّ مَن يَدِبُّ مِنَ الحَيَوانِ، أيْ يَتَحَرَّكُ مُنْتَقِلًا أمامَهُ قُدُمًا، ويَدْخُلُ فِيهِ الطَيْرُ إذْ قَدْ يَدِبُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ..................... دَبِيبَ قَطا البَطْحاءِ في كُلِّ مَنهَلِ
(p-٤٠١)وَيَدْخُلُ فِيهِ الحُوتُ، وفي الحَدِيثِ «دابَّةٌ مِنَ البَحْرِ مِثْلَ الظَرَبِ»، وقَوْلُهُ: "مِن ماءٍ" قالَ النَقاشُ: أرادَ أمْنِيَةَ الذُكُورِ، وقالَ جُمْهُورُ النَظْرَةِ: أرادَ أنَّ خِلْقَةَ كُلِّ حَيَوانٍ أنَّ فِيها ماءً كَما خُلِقَ آدَمُ مِنَ الماءِ والطِينِ، وعَلى هَذا يَتَخَرَّجُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ لِلشَّيْخِ الَّذِي سَألَ في غُزاةِ بَدْرٍ: مِمَّنْ أنْتُما؟ فَقالَ النَبِيُّ ﷺ: نَحْنُ مِن ماءٍ»، الحَدِيثُ.
والمَشْيُ عَلى البَطْنِ لِلْحَيّاتِ والحُوتِ ونَحْوَهُ مِنَ الدُودِ وغَيْرِهِ، وعَلى الرِجْلَيْنِ لِلْإنْسانِ والطَيْرِ إذا مَشى، والأرْبَعِ لِسائِرِ الحَيَوانِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى أكْثَرٍ"، فَعَمَّ بِهَذِهِ الزِيادَةِ جَمِيعَ الحَيَوانِ، ولَكِنَّهُ قُرْآنٌ لَمْ يُثْبِتْهُ الإجْماعُ، لَكِنْ قالَ النَقاشُ: إنَّما اكْتَفى القَوْلُ بِذِكْرِ ما يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ عن ذِكْرِ ما يَمْشِي عَلى أكْثَرٍ لَأنَّ جَمِيعَ الحَيَوانِ إنَّما اعْتِمادُهُ عَلى أرْبَعٍ، وهي قِوامُ مَشْيِهِ، وكَثْرَةُ الأرْجُلِ في بَعْضِهِ زِيادَةٌ في الخِلْقَةِ لا يَحْتاجُ ذَلِكَ الحَيَوانُ في مَشْيِهِ إلى جَمِيعِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والظاهِرُ أنَّ تِلْكَ الأرْجُلَ الكَثِيرَةَ لَيْسَتْ باطِلًا، بَلْ هي مُحْتاجٌ إلَيْها في تَنَقُّلِ الحَيَوانِ، وفي كُلِّها تَتَحَرَّكُ في تَصَرُّفِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ يَعُمْ كُلَّ ما نَصَبَ اللهُ تَعالى مِن آيَةٍ وصَنَعَهُ لِلْعِبْرَةِ، وكُلَّ ما نَصَّ في كِتابِهِ مِن آيَةِ تَنْبِيهٍ وتَذْكِيرٍ، وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ الآياتِ ثُمْ قَيَّدَ الهِدايَةَ إلَيْها لَأنَّهُ مِن قِبَلِهِ لِبَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ.
(p-٤٠٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنّا بِاللهِ﴾ الآيَةُ، نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وسَبَبُها فِيما رُوِيَ «أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ اسْمُهُ بِشْرٌ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ خُصُومَةٌ، فَدَعاهُ اليَهُودُ إلى التَحاكم عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وكانَ المُنافِقُ مُبْطِلًا، فَأبى مِن ذَلِكَ ودَعا اليَهُودُ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِ»، وأسْنَدَ الزَهْراوِيُّ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: مَن دَعاهُ خَصْمُهُ إلى حَكَمٍ مِن حُكّامِ المُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْ فَهو ظالِمْ. و"مُذْعِنِينَ" أيْ مُظْهِرِينَ لِلِانْقِيادِ والطاعَةِ، وهم إنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ حَيْثُ أيْقَنُوا بِالنَجْحِ، وأمّا إذا طَلَبُوا بِحَقٍّ فَهم عنهُ مُعْرِضُونَ. ثُمْ وقَّفَهم تَعالى عَلى أسْبابِ فِعْلِهِمْ تَوْقِيفَ تَوْبِيخٍ، أيْ لِيُقِرُّوا بِأحَدٍ هَذِهِ الوُجُوهِ الَّتِي عَلَيْهِمْ في الإقْرارِ بِها ما عَلَيْهِمْ، وهَذا التَوْقِيفُ يُسْتَعْمَلُ في الأُمُورِ الظاهِرَةِ مِمّا يُوَبَّخُ بِهِ أو مِمّا يُمْدَحُ بِهِ، فَهو بَلِيغٌ جِدًّا، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎ ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا ∗∗∗ البَيْتُ....................
ثُمْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم هُمُ الظالِمُونَ، وقالَ: ﴿أنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ ورَسُولُهُ﴾ مِن حَيْثُ إنَّ (p-٤٠٣)الرَسُولَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إنَّما يَحْكم بِأمْرِ اللهِ وشَرْعِهِ. والحَيْفُ: المَيْلُ.
24:51–54Page 356
إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥١
The only statement of the [true] believers when they are called to Allāh and His Messenger to judge between them is that they say, "We hear and we obey." And those are the successful.
وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخۡشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقۡهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٥٢
And whoever obeys Allāh and His Messenger and fears Allāh and is conscious of Him - it is those who are the attainers.
۞ وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِنۡ أَمَرۡتَهُمۡ لَيَخۡرُجُنَّۖ قُل لَّا تُقۡسِمُواْۖ طَاعَةٞ مَّعۡرُوفَةٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٥٣
And they swear by Allāh their strongest oaths that if you ordered them, they would go forth [in Allāh's cause]. Say, "Do not swear. [Such] obedience is known.1 Indeed, Allāh is [fully] Aware of that which you do."
قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيۡكُم مَّا حُمِّلۡتُمۡۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٥٤
Say, "Obey Allāh and obey the Messenger; but if you turn away - then upon him is only that [duty] with which he has been charged, and upon you is that with which you have been charged. And if you obey him, you will be [rightly] guided. And there is not upon the Messenger except the [responsibility for] clear notification."
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ ويَخْشَ اللهَ ويَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿وَأقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ وإنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وما عَلى الرَسُولَ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾
قَرَأ الجُمْهُورُ: "قَوْلَ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحُسْنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "قَوْلُ" بِالرَفْعِ، واخْتُلِفَ عَنِ الآخِرَيْنِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: شَرْطُ "كانَ" أنْ يَكُونَ اسْمُها أعْرَفُ مَن خَبَرِها، فَقِراءَةُ الجُمْهُورِ أقْوى، والمَعْنى: إنَّما كانَ الواجِبُ أنْ يَقُولَهُ المُؤْمِنُونَ إذا دُعُوا إلى حُكْمِ اللهِ ورَسُولِهِ أنْ يَقُولُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا، فَـ "كانَ" هَذِهِ لَيْسَتْ إخْبارًا عَنِ الماضِي، وإنَّما كَقَوْلِ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما كانَ لِابْنِ أبِي قُحافَةً أنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وجُعِلَ الدُعاءُ إلى اللهِ مِن حَيْثُ هو إلى شَرْعِهِ ودِينِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيَحْكُمْ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والجَحْدَرِيُّ، وخالِدُ بْنُ إلْياسَ، والحَسَنُ: "لِيُحْكَمَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، و"المُفْلِحُونَ": البالِغُونَ آمالَهم في دُنْياهم وآخِرَتِهِمْ.
و"جَهْدُ اليَمِينِ" بُلُوغُ الغايَةِ في تَعْقِيدِها، و"لَيَخْرُجُنَ" مَعْناهُ: إلى الغَزْوِ، وهَذِهِ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَوَلَّوْا حِينَ دُعُوا إلى اللهِ ورَسُولِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ يَحْتَمِلُ مَعانِيَ: أحَدُها النَهْيُ عَنِ القَسَمِ الكاذِبِ؛ إذْ عُرِفَ أنَّ طاعَتَهم دَغِلَةٌ رَدِيئَةٌ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: لا تُغالِطُوا فَقَدْ عَرَفَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، والثانِي أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تَتَكَلَّفُوا القَسَمَ، طاعَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ عَلى قَدْرِ الِاسْتِطاعَةِ أمْثَلُ وأجْدى عَلَيْكُمْ، وفي (p-٤٠٤)هَذا الوَجْهُ إبْقاءٌ عَلَيْهِمْ، والثالِثُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تَقْنَعُوا بِالقَسَمِ، طاعَةٌ تُعْرَفُ مِنكم وتَظْهَرُ عَلَيْكم هو المَطْلُوبُ مِنكُمْ، والرابِعُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تُقْنِعُوا لِأنْفُسِكم بِإرْضائِنا بِالقَسَمِ، طاعَةُ اللهِ مَعْرُوفَةٌ، وشَرْعُهُ وجِهادُ عَدُوِّهِ مَهِيعٌ لائِحٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُقْسِمُوا﴾، و ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ اعْتِراضٌ بَلِيغٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللهَ﴾ الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِأُولَئِكَ المُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ وكُلِّ مَن يَسْتَعْلِي عن أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَوْلُهُ: "تَوَلَّوْا" مَعْناهُ: تَتَوَلَّوْا، مَحْذُوفُ التاءِ الواحِدَةِ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾، ولَوْ جَعَلْنا "تَوَلَّوْا" فِعْلًا ماضِيًا وقَدَّرْنا في الكَلامِ خُرُوجًا مِن خِطابِ الحاضِرِ إلى ذِكْرِ الغائِبِ لاقْتَضى الكَلامُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ ذَلِكَ: "وَعَلَيْهِمْ ما حُمِّلُوا". والَّذِي حُمِّلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هو التَبْلِيغُ ومُكافَحَةُ الناسِ بِالرِسالَةِ وإعْمالُهُ الجَهْدَ في إنْذارِهِمْ، والَّذِي حُمِّلَ الناسُ هو السَمْعُ والطاعَةُ واتِّباعُ الحَقِّ. وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ونافِعٌ -رِوايَةُ ورْشٍ -: "وَيَتَّقِهِي" بِياءٍ بَعْدَ الهاءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهو الوَجْهُ، وقَرَأ قالُونَ عن نافِعٍ: "وَيَتَّقِهِ" بِكَسْرِ الهاءِ لا يَبْلُغُ بِها الياءَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمْ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ -: "وَيَتَّقِهْ" جَزْمًا لِلْهاءِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمْ: "وَيَتَّقْهِ" بِسُكُونِ وكَسْرِ الهاءِ.
24:55–57Page 357
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٥٥
Allāh has promised those who have believed among you and done righteous deeds that He will surely grant them succession [to authority] upon the earth just as He granted it to those before them and that He will surely establish for them [therein] their religion which He has preferred for them and that He will surely substitute for them, after their fear, security, [for] they worship Me, not associating anything with Me. But whoever disbelieves1 after that - then those are the defiantly disobedient.
وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٥٦
And establish prayer and give zakāh and obey the Messenger - that you may receive mercy.
لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٥٧
Never think that the disbelievers are causing failure [to Allāh] upon the earth. Their refuge will be the Fire - and how wretched the destination.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ومَن كَفَرَ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿وَأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ وأطِيعُوا الرَسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ ومَأْواهُمُ النارُ ولَبِئْسَ المَصِيرُ﴾
قَرَأ الجُمْهُورُ: "اسْتُخْلِفَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ بَعْضَ أصْحابِ النَبِيِّ ﷺ شَكا جُهْدَ مُكافَحَةِ العَدُوِّ، وما كانُوا فِيهِ مِنَ الخَوْفِ عَلى (p-٤٠٥)أنْفُسِهِمْ، وأنَّهم لا يَضَعُونَ أسْلِحَتَهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عامَّةً لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي الأرْضِ" يُرِيدُ: في البِلادِ الَّتِي تُجاوِرُهم والأصْقاعِ الَّتِي قَضى بِامْتِدادِهِمْ إلَيْها، واسْتِخْلافُهم هو أنْ يُمَلِّكَهُمُ البِلادَ ويَجْعَلَهم أهْلَها كَما جَرى في الشامِ وفي العِراقِ وخُراسانَ والمَغْرِبِ، وقالَ الضِحاكُ في كِتابِ النَقاشِ: هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ خِلافَةَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهم لَأنَّهم أهْلُ الإيمانِ وعَمَلِ الصالِحاتِ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الخِلافَةُ بَعْدِي ثَلاثُونَ سَنَةً».
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والصَحِيحُ في الآيَةِ أنَّها في اسْتِخْلافِ الجُمْهُورِ.
واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ" لامُ القَسَمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ: "وَلِيُبَدِّلَنَّهُمْ" بِفَتْحِ الباءِ وشَدِّ الدالِّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمْ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ - والحَسَنِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدالِّ، وجاءَ في مَعْنى تَبْدِيلِ خَوْفِهِمْ بِالأمْنِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا قالَ أصْحابُهُ: أما يَأْتِي عَلَيْنا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ ونَضَعُ السَلامَ؟ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: لا تُغَبَّرُونَ إلّا قَلِيلًا حَتّى يَجْلِسَ الرَجُلُ مِنكم في المَلَأِ العَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَ فِيهِ حَدِيدَةٌ»، وقَوْلُهُ: "يَعْبُدُونَنِي" فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ، أيْ هم (p-٤٠٦)يَعْبُدُونَنِي، وقَوْلُهُ: "وَمَن كَفَرَ" يُرِيدُ: كَفَرَ هَذِهِ النِعَمَ إذا وقَعَتْ، ويَكُونُ الفِسْقُ -عَلى هَذا- غَيْرَ المُخْرِجِ عَنِ المِلَّةِ، قالَ بَعْضُ الناسِ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: ظَهَرَ ذَلِكَ في قَتَلَةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الكُفْرَ والفِسْقَ المُخْرِجَيْنِ عَنِ المِلَّةِ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، فَإنَّهُ قالَ: كانَ عَلى عَهْدِ النَبِيِّ ﷺ نِفاقٌ وقَدْ ذَهَبَ ولَمْ يَبْقَ إلّا كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ.
ولِما قَدَّمَ تَعالى عَمَلَ الصالِحاتِ بَيَّنَها في هَذِهِ الآيَةِ، فَنَصَّ عَلى عَظْمِها وهي إقامَةُ الصَلاةِ وإيتاءُ الزَكاةِ، وعَمَّ بِطاعَةِ الرَسُولِ لَأنَّها عامَّةٌ لِجَمِيعِ الطاعاتِ. و"لَعَلَّكُمْ" مَعْناهُ: في حَقِّكم ومُعْتَقَدِكم.
ثُمْ أنْحى القَوْلَ عَلى الكَفَرَةِ بِأنْ نَبَّهَ عَلى أنَّهم لَيْسُوا بِمُفَلَّتِينَ مِن عَذابِ اللهِ تَعالى.
وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "لا تَحْسَبَنَّ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وقَرَأها الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ بِفَتْحِ السِينِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ: "لا يَحْسَبَنَّ" بِالياءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وذَلِكَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: لا يَحْسَبَنَّ مُحَمَّدٌ، والآخَرُ أنْ يُسْنَدَ الفِعْلُ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا والمَفْعُولُ أنْفُسُهُمْ، وأعْجَزَ الرَجُلَ إذا ذَهَبَ في الأرْضِ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ، ثُمْ أخْبَرَ بِأنَّ مَأْواهُمُ النارُ، وأنَّها بِئْسَ الخاتِمَةِ والمَصِيرِ.
24:58Page 357
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسۡتَـٔۡذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَبۡلُغُواْ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ ثَلَٰثَ مَرَّٰتٖۚ مِّن قَبۡلِ صَلَوٰةِ ٱلۡفَجۡرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعۡدِ صَلَوٰةِ ٱلۡعِشَآءِۚ ثَلَٰثُ عَوۡرَٰتٖ لَّكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ وَلَا عَلَيۡهِمۡ جُنَاحُۢ بَعۡدَهُنَّۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيۡكُم بَعۡضُكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٨
O you who have believed, let those whom your right hands possess and those who have not [yet] reached puberty among you ask permission of you [before entering] at three times: before the dawn prayer and when you put aside your clothing [for rest] at noon and after the night prayer. [These are] three times of privacy1 for you. There is no blame upon you nor upon them beyond these [periods], for they continually circulate among you - some of you, among others. Thus does Allāh make clear to you the verses [i.e., His ordinances]; and Allāh is Knowing and Wise.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكم ثَلاثَ مَرّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِن الظَهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ثَلاثَ عَوْراتٍ لَكم لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكم الآياتِ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
قالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ يُرادُ بِهِ الرِجالُ خاصَّةً، وقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: يُرادُ بِهِ النِساءُ خاصَّةً، وسَبِيلُ الرِجالِ أنْ يَسْتَأْذِنُوا في كُلِّ وقْتٍ، وحَكى الزَهْراوِيُّ عن أبِي عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما ونَحْوَهُ، وقِيلَ: الرِجالُ والنِساءُ (p-٤٠٧)كُلُّهم مُرادٌ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ الناسُ: "الحُلُمْ" بِضَمِّ اللامِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "الحُلْمَ" بِسُكُونِ اللامِ، وكانَ أبُو عَمْرٍو يَسْتَحْسِنُها.
وهَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: تَرَكَها الناسُ، وكَذَلِكَ تَرَكَ الناسُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، فَأبى الناسُ إلّا أنَّ الأكْرَمَ هو الأنْسَبُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ العِبارَةُ بِتَرْكِ [الناسِ] إغْلاظٌ وزَجْرٌ، إذْ لَمْ تُلْتَزَمْ حَقَّ الِالتِزامِ، وإلّا فَما قالَ اللهُ تَعالى هو المُعْتَقَدُ في ذَلِكَ عِنْدَ العُلَماءِ المَكْتُوبُ في تَوالِيفِهِمْ، أعْنِي أنَّ الكَرَمَ التَقْوى، وأمّا أمْرُ الِاسْتِئْذانِ فَإنَّ تَغْيِيرَ المَبانِي والحُجُبِ أغْنَتْ عن كَثِيرٍ مِنَ الِاسْتِئْذانِ، وصَيَّرَتْهُ عَلى حَدٍّ آخَرَ، وأيْنَ أبْوابُ المَنازِلِ اليَوْمَ مِن مَواضِعِ النَوْمِ؟ وقَدْ ذَكَرَ المَهْدَوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: كانَ العَمَلُ بِهَذِهِ الآيَةِ واجِبًا إذْ كانُوا لا غَلْقَ ولا أبْوابَ، ولَوْ عادَتِ الحالُ لِعادَ الوُجُوبُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهِيَ الآنُ واجِبَةٌ في كَثِيرٍ مِن مَساكِنِ المُسْلِمِينَ في البَوادِي والصَحارى ونَحْوَها.
ومَعْنى الآيَةِ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ أنَّ اللهَ تَعالى أدَّبَ عِبادَهُ بِأنْ يَكُونَ العَبِيدُ -إذْ لا بالَ لَهُمْ- والأطْفالُ الَّذِينَ لَمَّ يَبْلُغُوا الحُلُمْ إلّا أنَّهم عَقَلُوا مَعانِيَ الكَشَفَةِ ونَحْوَها، يَسْتَأْذِنُونَ عَلى أهْلِيهِمْ في هَذِهِ الأوقاتِ الثَلاثَةِ، وهي الأوقاتُ الَّتِي تَقْتَضِي عادَةُ الناسِ الِانْكِشافَ فِيها ومُلازِمَةَ التَعَرِّي في المَضاجِعِ، وهِيَ: عِنْدَ الصَباحِ لَأنَّ الناسَ في ذَلِكَ الوَقْتِ عُراةٌ في مَضاجِعِهِمْ، وقَدْ يَنْكَشِفُ النائِمْ فَمَن مَشى ودَخَلَ وخَرَجَ فَحُكْمُهُ أنْ يَسْتَأْذِنَ لِئَلّا يَطَّلِعَ عَلى ما يَجِبُ سِتْرُهُ، وكَذَلِكَ في وقْتِ القائِلَةِ -وَهِيَ الظَهِيرَةُ- لَأنَّ النَهارَ يَظْهَرُ فِيها إذا عَلا واشْتَدَّ حَرُّهُ، وبَعْدَ العَشاءِ لَأنَّهُ وقْتَ التَعَرِّي لِلنَّوْمِ والتَبَدُّلِ لِلْفِراشِ، وأمّا غَيْرُ هَذِهِ الأوقاتِ الَّتِي هي عُرْوَةٌ، أيْ ذاتُ انْكِشافٍ، فالعُرْفُ مِنَ (p-٤٠٨)الناسِ التَحَفُّظُ والتَحَرُّزُ، فَلا حَرَجَ في دُخُولٍ هَذِهِ الصَنِيفَةِ بِغَيْرِ إذْنٍ؛ إذْ هم طَوّافُونَ يَمْضُونَ ويَجِيئُونَ لا يَجِدُ الناسُ بُدًّا مِن ذَلِكَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "طَوّافِينَ" بِالياءِ، وقالَ الحَسَنُ: إذا أباتَ الرَجُلُ خادِمَهُ مَعَهُ فَلا اسْتِئْذانَ عَلَيْهِ حَتّى في هَذِهِ الأوقاتِ الثَلاثَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: "طَوّافُونَ" و ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ﴾ نُصِبَ عَلى الظَرْفِ لَأنَّهم لَمْ يُؤَمَرُوا بِالِاسْتِئْذانِ ثَلاثًا، إنَّما أُمِرُوا بِالِاسْتِئْذانِ ثَلاثَةَ مَواطِنَ، فالظَرْفَيْنِ في "ثَلاثُ" بَيِّنَةٌ.
قَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "ثَلاثُ عَوْراتٍ" بِرَفْعِ "ثَلاثُ"، وكَذا عَلى الِابْتِداءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ: "ثَلاثَ عَوْراتٍ" بِنَصْبِ "ثَلاثَ"، وهَذِهِ عَلى البَدَلِ مِنَ الظَرْفِ في قَوْلِهِ: "ثَلاثَ مَرّاتٍ"، وهَذا البَدَلُ إنَّما يَصِحُّ مَعْناهُ بِتَقْدِيرِ: أوقاتٍ ثَلاثَ عَوْراتٍ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، و"عَوْراتٍ" جَمْعُ عَوْرَةٍ، وبابُهُ في الصَحِيحِ أنْ يَجِيءَ عَلى "فَعَلاتٍ" بِفَتْحِ العَيْنِ، كَجَفْنَةٍ وجَفَناتٍ ونَحْوَ ذَلِكَ، وسَكَّنُوا العَيْنَ في المُعْتَلِّ كَبَيْضَةٍ وبَيْضاتٍ وجَوْبَةٍ وجَوْباتٍ ونَحْوَهُ، لَأنَّ فَتْحَهُ داعٍ إلى اعْتِلالِهِ فَلَمْ يُفْتَحْ لِذَلِكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences