Ibn 'AtiyyaAl‑Furqan · 25:20–39

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:20–39

25:20–21Page 361

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا ٢٠

And We did not send before you, [O Muḥammad], any of the messengers except that they ate food and walked in the markets. And We have made some of you [people] as trial for others - will you have patience? And ever is your Lord, Seeing.

۞ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوّٗا كَبِيرٗا ٢١

And those who do not expect the meeting with Us say, "Why were not angels sent down to us, or [why] do we [not] see our Lord?" They have certainly become arrogant within themselves1 and [become] insolent with great insolence.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أو نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾

هَذِهِ الآيَةُ رَدٌّ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ في اسْتِبْعادِهِمْ أنْ يَكُونَ مِنَ البَشَرِ رَسُولٌ، وقَوْلِهُمْ: ﴿مالِ هَذا الرَسُولِ يَأْكُلُ الطَعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧]، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ وأمَّتَهُ أنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ قَبْلُ في سالِفِ الدَهْرِ نَبِيًّا إلّا بِهَذِهِ الصِفَةِ.

والمَفْعُولُ بِـ "أرْسَلْنا" مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، تَقْدِيرُهُ: رِجالًا أو رُسُلًا، وعَلى هَذا المَحْذُوفِ المُقَدَّرِ يَعُودُ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "إلّا إنَّهُمْ"، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَيَأْكُلُونَ الطَعامَ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الحَدَثِ.

(p-٤٢٨)وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَيَمْشُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ المِيمِ وتَخْفِيفِ الشِينِ. وقَرَأ عَلِيٌّ، وعَبْدُ الرَحْمَنِ، وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "وَيُمَشَّوْنَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ الشِينِ المَفْتُوحَةِ، بِمَعْنى: يَدْعُونَ إلى المَشْيِ ويَحْمِلُونَ عَلَيْهِ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ الشِينِ المُشَدَّدَةِ، وهي بِمَعْنى يَمْشُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ أُمَشِّي بِأعْطانِ المِياهِ وأبْتَغِي قَلائِصَ مِنها صَعْبَةٌ ورَكُوبُ

ثُمْ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى أنَّ السَبَبَ في ذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ أنْ يَجْعَلَ بَعْضَ العَبِيدِ فِتْنَةً لِبَعْضٍ عَلى العُمُومِ في جَمِيعِ الناسِ، مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، فالصَحِيحُ فِتْنَةٌ لِلْمَرِيضِ، والغَنِيُّ فِتْنَةٌ لِلْفَقِيرِ، والفَقِيرُ الشاكِرُ فِتْنَةٌ لِلْغَنِيِّ، والرَسُولُ المَخْصُوصُ بِكَرامَةِ النُبُوَّةِ فِتْنَةٌ لِأشْرافِ الناسِ الكُفّارِ في عَصْرِهِ، وكَذَلِكَ العُلَماءُ وحُكّامُ العَدْلِ، وقَدْ تَلا ابْنُ القاسِمْ هَذِهِ الآيَةَ حِينَ رَأى أشْهَبَ. والتَوْقِيفُ بِـ "أتَصْبِرُونَ" خاصٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ المُحِقِّينَ، فَهو لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَأنَّهُ جَعَلَ إمْهالَ الكُفّارِ فِتْنَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، أيِ اخْتِبارًا لَهُمْ، ثُمْ وقَّفَهُمْ: هَلْ تَصْبِرُونَ أمْ لا؟ ثُمْ أعْرَبَ قَوْلُهُ: ﴿وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ عَنِ الوَعْدِ لِلصّابِرِينَ والوَعِيدِ لِلْعاصِينَ.

ثُمْ أخْبَرَ عن مَقالَةِ الكُفّارِ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ الآيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "يَرْجُونَ"، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وقَوْمٌ: مَعْناهُ: يَخافُونَ، والشاهِدُ لِذَلِكَ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:(p-٤٢٩)

؎ إذا لَسَعَتْهُ النَحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَها ∗∗∗ وخالَفَها في بَيْتِ نُوبٍ عَوامِلِ

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ الرَجاءَ في الآيَةِ والبَيْتِ عَلى بابِهِ؛ لِأنَّ خَوْفَ لِقاءِ اللهِ تَعالى مُقْتَرِنٌ أبَدًا بِرَجائِهِ، فَإذا نُفِيَ الرَجاءُ عن أحَدٍ فَإنَّما أخْبَرَ عنهُ أنَّهُ مُكَذِّبٌ بِالبَعْثِ لِنَفْيِ الخَوْفِ والرَجاءِ، وفي ذِكْرِ الكُفّارِ بِنَفْيِ الرَجاءِ تَنْبِيهٌ عَلى غِبْطَةِ ما فاتَهم مِن رَجاءِ اللهِ تَعالى. وأمّا بَيْتُ الشِعْرِ المَذْكُورُ فَمَعْناهُ عِنْدِي: لَمْ يَرْجُ دَفْعَها ولا الِانْفِكاكَ عنها، فَهو لِذَلِكَ يُوفِي عَلى الصَبْرِ ويَجِدُّ في شَغْلِهِ.

ولَمّا تَمَنَّتْ كُفّارُ قُرَيْشٍ رُؤْيَةَ رَبِّهِمْ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّهم عَظَّمُوا أنْفُسَهُمْ، وسَألُوا ما لَيْسُوا لَهُ بِأهْلٍ، و"عَتَوْا" مَعْناهُ: صَعَبُوا عَلى الحَقِّ واشْتَدُّوا، ويُقالُ: عِتِيٌّ وعُتُوٌّ، عُتُوٌّ عَلى الأصْلِ، وعِتِيٌّ لِاسْتِثْقالِ الضَمِّ عَلى الواوِ فَقُلِبَتْ ياءً ثُمْ كُسِرَ ما قَبِلَها طَلَبًا لِلتَّناسُبِ.

25:22–26Page 362

يَوۡمَ يَرَوۡنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ لَا بُشۡرَىٰ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُجۡرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٢٢

The day they see the angels1 - no good tidings will there be that day for the criminals, and [the angels] will say, "Prevented and inaccessible."2

وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا ٢٣

And We will approach [i.e., regard]1 what they have done of deeds and make them as dust dispersed.

أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ يَوۡمَئِذٍ خَيۡرٞ مُّسۡتَقَرّٗا وَأَحۡسَنُ مَقِيلٗا ٢٤

The companions of Paradise, that Day, are [in] a better settlement and better resting place.

وَيَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلۡغَمَٰمِ وَنُزِّلَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا ٢٥

And [mention] the Day when the heaven will split open with [emerging] clouds,1 and the angels will be sent down in successive descent.

ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّ لِلرَّحۡمَٰنِۚ وَكَانَ يَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ عَسِيرٗا ٢٦

True sovereignty, that Day, is for the Most Merciful. And it will be upon the disbelievers a difficult Day.

قوله عزّ وجلّ:

﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلا﴾ ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلا﴾ ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكانَ يَوْمًا عَلى الكافِرِينَ عَسِيرًا﴾

المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ لَمّا قالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ [الفرقان: ٢١] إنَّما هو يَوْمُ (p-٤٣٠)القِيامَةِ، وقَدْ كانَ أوَّلُ الآيَةِ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ يَوْمَ تَفِيضُ أرْواحُهُمْ، لَكِنَّ آخِرَها يَقْتَضِي أنَّ الإشارَةَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأمْرُ العَوامِلِ في هَذِهِ الظُرُوفِ بَيِّنٌ إذا تُأُمِّلَ، فاخْتَصَرْناهُ لِذَلِكَ. ومَعْنى الآيَةِ: إنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَمَنَّوْا نُزُولَ المَلائِكَةِ لا يَعْرِفُونَ ما قَدَّرَ اللهُ تَعالى في ذَلِكَ فَإنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ هو شَرٌّ لَهُمْ، ولا بُشْرى لَهُمْ، بَلْ لَهُمُ الخَسارُ ولِقاءُ المَكْرُوهِ، ويَوْمَئِذٍ لا خَيْرَ ولا بُشْرى؛ لِأنَّ الظُرُوفَ تَكُونُ إخْبارًا عَنِ المَصادِرِ. الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَيَقُولُونَ"، قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ: هو "لِلْمَلائِكَةِ"، المَعْنى: ويَقُولُ المَلائِكَةُ لِلْمُجْرِمِينَ: حِجْرًا مَحْجُورًا عَلَيْكُمُ البُشْرى، أيْ: حَرامًا مُحَرَّمًا، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ المَسِيحِ:

؎ حَنَّتْ إلىَّ النَخْلَةُ القُصْوى فَقُلْتُ لَها حِجْرٌ حَرامٌ ألا تِلْكَ الدَهارِيسُ

وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا، وابْنُ جُرَيْجٍ: إنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: "وَيَقُولُونَ" هو لِلْكُفّارِ المُجْرِمِينَ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتِ العَرَبُ إذا كَرِهُوا شَيْئًا قالُوا: حِجْرًا، قالَ مُجاهِدٌ: حِجْرًا: عَوْذًا، يَسْتَعِيذُونَ بِالمَلائِكَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ويَقُولُونَ: حَرامٌ مُحَرَّمٌ عَلَيْنا العَفْوُ، وقَدْ ذَكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ هاتَيْنِ اللَفْظَتَيْنِ عُوذَةٌ عِنْدَ العَرَبِ، يَقُولُها مَن خافَ آخَرَ في الحَرَمِ، أو في شَهْرٍ حَرامٍ إذا لَقِيَهُ وبَيْنَهُما تِرَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا المَعْنى هو مَقْصِدُ بَيْتِ المُتَلَمِّسِ الَّذِي تَقَدَّمَ، أيْ: هَذا الَّذِي حَنَّتْ إلَيْهِ مَمْنُوعٌ.

(p-٤٣١)وَقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءَ: "حُجْرًا" بِضَمِّ الحاءِ، والناسُ عَلى كَسْرِها.

ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عَمّا يَأْتِي قَضاؤُهُ وفِعْلُهُ فَقالَ حِكايَةً عن يَوْمِ القِيامَةِ: "وَقَدِمْنا"، أيْ: قَصَدَ حُكْمُنا وإنْفاذُنا، ونَحْوُ هَذا مِنَ الألْفاظِ اللائِقَةِ، وقِيلَ: هو قُدُومُ المَلائِكَةِ أسْنَدَهُ إلَيْهِ لِأنَّهُ عن أمْرِهِ، وحَسُنَتْ لَفْظَةُ "قَدِمْنا" لِأنَّ القادِمْ عَلى شَيْءٍ مَكْرُوهٍ لَمْ يُقَرِّرْهُ ولا أمَرَ بِهِ مُغَيِّرٌ لَهُ ومُذْهِبٌ، وأمّا قَوْلُ الراجِزِ:

؎ وقَدِمُ الخَوارِجُ الضُلالُ ∗∗∗ إلى عِبادِ رَبِّنا فَقالُوا ∗∗∗:

إنْ دِماءَكم لَنا حَلالُ

فالقُدُومُ عَلى بابِهِ.

ومَعْنى الآيَةِ: وقَصَدَنا إلى أعْمالِهِمُ الَّتِي هي في الحَقِيقَةِ لا تَزِنُ شَيْئًا؛ إذْ لا نِيَّةَ مَعَها، فَجَعَلْناها عَلى ما تَسْتَحِقُّ لا تُعَدُّ شَيْئًا، وصَيَّرْناها هَباءً مَنثُورًا، أيْ: شَيْئًا لا تَحْصِيلَ لَهُ، والهَباءُ: هي الأجْرامُ المُسْتَدَقَّةُ الشائِعَةُ في الهَواءِ الَّتِي لا يُدْرِكُها حِسٌّ إلّا حِينَ تُدْخِلُ الشَمْسُ عَلى مَكانٍ ضَيِّقٍ يُحِيطُ بِهِ الظِلُّ كالكُوَّةِ ونَحْوِها، فَيَظْهَرُ حِينَئِذٍ فِيما قابَلَ الشَمْسَ أشْياءٌ تَغِيبُ وتَظْهَرُ، فَذَلِكَ هو الهَباءُ، ووَصْفُهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِـ "مَنثُورٍ"، ووَصْفُهُ في غَيْرِها بِـ "مُنْبَثٍّ"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما سَواءٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُنْبَثُّ أرَقُّ وأدَقُّ مِنَ المَنثُورِ؛ لِأنَّ المَنثُورَ يَقْتَضِي أنَّ غَيْرَهُ نَثَرَهُ، كَسَنابِكِ الخَيْلِ والرِياحِ أو هَدْمِ حائِطٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، والمُنْبَثُّ كَأنَّهُ انْبَثَّ مِن رِقَّتِهِ، وقالَ غَيْرُهُما: الهَباءُ المَنثُورُ هو ما تَسْفِي بِهِ الرِياحُ وتَبُثُّهُ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: الهَباءُ الماءُ المِهْراقُ، والأوَّلُ أصَحُّ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَبّاتُ الغُبارِ ونَحْوِهُ إذا بَثَّتْهُ، قالَ الشاعِرُ:

؎ فَتَرى خَلْفَها مِنَ الرَجْعِ والوَقْـ ∗∗∗ ـعِ مَنِينًا كَأنَّهُ أهْبا

(p-٤٣٢)وَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: جَعَلْنا أعْمالَهم لا حُكْمَ لَها ولا مَنزِلَةَ.

ثُمْ أخْبَرَ عَزَّ وجَلَّ أنَّ مُسْتَقَرَّ أهْلِ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِن مُسْتَقَرِّ أهْلِ النارِ، وجاءَتْ "خَيْرٌ" ها هُنا لِلتَّفْضِيلِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ لا شَرِكَةَ بَيْنَهُما، قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: إنَّهُ لَمّا اشْتَرَكا في أنَّ هَذا مُسْتَقَرٌّ وهَذا مُسْتَقَرٌّ فَضَّلَ الِاسْتِقْرارَ الواحِدَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويَظْهَرُ لِي أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ الَّتِي فِيها عُمُومٌ ما، ويَتَوَجَّهُ حُكْمُها مِن جِهاتٍ شَتّى، نَحْوَ قَوْلِكَ: أحَبُّ، وأحْسَنُ، وخَيْرٌ، وشَرٌّ، يَسُوغُ أنْ يُجاءَ بِها بَيْنَ شَيْئَيْنِ لا شَرِكَةَ بَيْنَهُما، فَتَقُولُ: السَعْدُ في الدُنْيا أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الشَقاءِ، أيْ: قَدْ يُوجَدُ بِوَجْهٍ ما مَن يَسْتَحِبُّ الشَقاءَ كالمُتَعَبِّدِ والمُغْتاظِ، وكَذَلِكَ في غَيْرِها، فَإذا كانَتْ "أفْعَلُ" في مَعْنى بَيْنَ أنَّ الواحِدَ مِنَ الشَيْئَيْنِ لا حَظَّ لَهُ فِيهِ بِوَجْهٍ فَسَدَ الإخْبارُ بِالتَفْضِيلِ بِهِ، كَقَوْلِكَ: الماءُ أبْرَدُ مِنَ النارِ، ومِن هَذا أنَّكَ تَقُولُ في ياقُوتَةٍ ومَدَرَةٍ -وَتُشِيرُ إلى المَدَرَةِ-: هَذِهِ خَيْرٌ وأحْسَنُ وأحَبُّ وأفْضَلُ مِن هَذِهِ، ولَوْ قُلْتَ: هَذِهِ ألْمَعُ وأشَدُّ شَراقَةً مِن هَذِهِ، لَكانَ فاسِدًا.

وقَوْلُهُ: "مَقِيلًا"، ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والنَخَعِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ إلى أنَّ حِسابَ الخَلْقِ يَكْمُلُ في وقْتِ ارْتِفاعِ النَهارِ ومَقِيلُ أهْلِ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأهْلِ النارِ في النارِ، فالمَقِيلُ مِنَ القائِلَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُحْتَمَلُ أنَّ اللَفْظَةَ إنَّما تَضَمَّنَتْ تَفْضِيلَ الجَنَّةِ جُمْلَةً وحُسْنَ هَوائِها، والعَرَبُ تُفَضِّلُ البِلادَ بِحُسْنِ المَقِيلِ؛ لِأنَّ وقْتَ القَيْلُولَةِ يَبْدُو فَسادُ هَواءِ البِلادِ، فَإذا كانَ بَلَدٌ في وقْتِ فَسادِ الهَواءِ حَسَنًا جازَ الفَضْلُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ الإيادِيِّ:(p-٤٣٣)

؎ أرْضٌ تَخَيَّرَها لِطِيبِ مَقِيلِها ∗∗∗ كَعْبُ بْنُ مامَةَ وابْنُ أُمْ دُؤادِ

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ﴾، يُرِيدُ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ انْفِطارِ السَماءِ ونُزُولِ المَلائِكَةِ ووُقُوعِ الجَزاءِ بِحَقِيقَةِ الحِسابِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَشَّقَّقُ" بِشَدِّ الشِينِ والقافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِ الشِينِ، وقَوْلُهُ: "بِالغَمامِ"، أيْ: يُشَقَّقُ عنهُ، والغَمامُ: سَحابٌ رَقِيقٌ أبْيَضٌ جَمِيلٌ لَمْ يَرَهُ البَشَرُ بَعْدُ إلّا ما جاءَ في تَظْلِيلِ بَنِي إسْرائِيلَ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَنُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا" بِضَمِّ النُونِ وشَدِّ الزايِ المَكْسُورَةِ ورَفْعِ "المَلائِكَةُ" عَلى مَفْعُولٍ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَبْدِ الوَهّابِ: "وَنُزِلَ" بِتَخْفِيفِ الزايِ المَكْسُورَةِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذا غَيْرُ مَعْرُوفٍ؛ لِأنَّ "نُزِلَ" لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ فَيُبْنى هُنا لِلْمَلائِكَةِ، ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ مِثْلَ: "زُكِمُ الرَجُلُ وجُنَّ"، فَإنَّهُ لا يُقالُ إلّا أزْكَمَهُ اللهُ وأجَنَّهُ، وهَذا بابُ سَماعٍ لا قِياسٍ. وقَرَأ أبُو رَجاءَ: "وَنَزَّلَ" بِفَتْحِ النُونِ وشَدِّ الزايِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَأنْزَلَ المَلائِكَةَ"، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَنَزَلَتِ المَلائِكَةُ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "وَنُنَزِّلُ المَلائِكَةَ" بِنُونَيْنِ، فَهي (p-٤٣٤)قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وقَرَأ هارُونُ عن أبِي عَمْرٍو: "وَنَزَّلَ المَلائِكَةُ" بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيَنْزِلُ المَلائِكَةُ"، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أيْضًا: "وَتَنَزَّلَتِ المَلائِكَةُ".

قَرَّرَ أنَّ المُلْكَ الحَقَّ هو يَوْمَئِذٍ لِلرَّحْمَنِ؛ إذْ قَدْ بَطَلَ في ذَلِكَ اليَوْمِ كُلُّ مُلْكٍ. وعَسِيرُهُ عَلى الكافِرِينَ يُوَجَّهُ بِدُخُولِ النارِ عَلَيْهِمْ فِيهِ، وما في خِلالِ ذَلِكَ مِنَ المَخاوِفِ. وقَوْلُهُ: ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾، دَلِيلٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ سَهْلٌ عَلى المُؤْمِنِينَ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللهَ تَعالى لَيُهَوِّنُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ أخَفَّ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلَّوْها في الدُنْيا».

25:27–31Page 362

وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا ٢٧

And the Day the wrongdoer will bite on his hands [in regret] he will say, "Oh, I wish I had taken with the Messenger a way.1

يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا ٢٨

Oh, woe to me! I wish I had not taken that one1 as a friend.

لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِيۗ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا ٢٩

He led me away from the remembrance1 after it had come to me. And ever is Satan, to man, a deserter."2

وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا ٣٠

And the Messenger has said, "O my Lord, indeed my people have taken this Qur’ān as [a thing] abandoned."1

وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا ٣١

And thus have We made for every prophet an enemy from among the criminals. But sufficient is your Lord as a guide and a helper.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَسُولِ سَبِيلا﴾ ﴿يا ويْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا﴾ ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي وكانَ الشَيْطانُ لِلإنْسانِ خَذُولا﴾ ﴿وَقالَ الرَسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ وكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾

"يَوْمَ" ظَرْفٌ، العامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ، و "عَضُّ اليَدَيْنِ" هو فِعْلُ النادِمُ المَلْهُوفِ المُتَفَجِّعِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "الظالِمْ" في هَذِهِ الآيَةِ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ ؛ وذَلِكَ أنَّهُ كانَ أسْلَمَ أو جَنَحَ لِلْإسْلامِ، وكانَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الَّذِي قَتَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ يَوْمَ أُحُدٍ خَلِيلًا لِعُقْبَةَ، فَنَهاهُ عَنِ الإسْلامِ، فَقَبِلَ نَهْيَهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِما، فالظالِمْ عُقْبَةُ، وفُلانٌ أُبَيٌّ. وفي بَعْضِ الرِواياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الظالِمْ أُبَيٌّ، فَإنَّهُ كانَ يَحْضُرُ إلى النَبِيِّ ﷺ، فَنَهاهُ عُقْبَةُ، فَأطاعَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ومَن أدْخَلَ في هَذِهِ الآيَةِ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ فَقَدْ وهِمْ، إلّا عَلى قَوْلِ مَن يَرى "الظالِمُ" اسْمَ جِنْسٍ.

(p-٤٣٥)وَقالَ مُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءَ: الظالِمُ: اسْمُ جِنْسٍ، وفُلانٌ: الشَيْطانُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويَظْهَرُ أنَّ "الظالِمْ" عامٌّ، وأنَّ مَقْصِدَ الآيَةِ تَعْظِيمُ يَوْمٍ يَتَبَرَّأُ فِيهِ الظالِمُونَ مِن خُلّانِهِمُ الَّذِينَ أمَرُوهم بِالظُلْمِ، فَلَمّا كانَ خَلِيلُ كُلِّ ظالِمْ غَيْرَ خَلِيلِ الآخَرِ، وكانَ كُلُّ ظالِمْ يُسَمِّي رَجُلًا خاصًّا بِهِ عَبَّرَ عن ذَلِكَ بِـ "فُلانٍ" الَّذِي فِيهِ الشِياعُ التامُّ، ومَعْناهُ واحِدٌ عَنِ الناسِ، ولَيْسَ مِن ظالِمْ إلّا ولَهُ في دُنْياهُ خَلِيلٌ يُعِينُهُ ويُحَرِّضُهُ، هَذا في الأغْلَبِ، ويُشْبِهُ أنَّ سَبَبَ الآيَةِ وتَرَتُّبَ هَذِهِ المَعانِي كانَ عُقْبَةَ وأُبَيًّا، وقَوْلُهُ: ﴿مَعَ الرَسُولِ﴾ يُقَوِّي ذَلِكَ بِأنْ يَجْعَلَ تَعْرِيفَ "الرَسُولِ" لِلْعَهْدِ، والإشارَةِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ التَعْرِيفُ لِلْجِنْسِ.

وكُلُّهم قَرَأ "لَيْتَنِي" ساكِنَةَ الياءِ غَيْرَ أبِي عَمْرٍو فَإنَّهُ حَرَّكَ الياءَ في "لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ"، ورَواها أبُو حامِدٍ عن نافِعٍ مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، و "السَبِيلُ" المُتَمَنّاةُ هي طَرِيقُ الآخِرَةِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ لِكُلِّ ذِي نُهْيَةٍ تَنْبِيهٌ عَلى تَجَنُّبِ قَرِينِ السُوءِ، والأحادِيثُ والحِكَمُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "يا ويْلَتى" التاءُ فِيهِ عِوَضٌ عَنِ الياءِ فِي: يا ويْلِي، والألِفُ هي الَّتِي في قَوْلِهِمْ: يا غُلامًا، وهي لُغَةٌ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِإمالَةِ: "يا ويْلَتى"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: (p-٤٣٦)وَتَرْكُ الإمالَةِ أحْسَنُ؛ لِأنَّ أصْلَ هَذِهِ اللَفْظَةِ الياءُ "يا ويْلَتى"، فَبُدِّلَتِ الكَسْرَةُ فَتْحَةً والياءُ ألِفًا فِرارًا مِنَ الياءِ، فَمَن أمالَ رَجَعَ إلى الَّذِي فَرَّ مِنهُ أوَّلًا.

و "الذِكْرُ" هو ما ذَكَرَ بِهِ الإنْسانُ أمْرَ آخِرَتِهِ مِن قُرْآنٍ أو مَوْعِظَةٍ ونَحْوِهِ. ﴿وَكانَ الشَيْطانُ لِلإنْسانِ خَذُولا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ الظالِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً إخْبارًا مِنَ اللهِ تَعالى عَلى جِهَةِ الدَلالَةِ عَلى وجْهِ ضَلالِهِمْ، والتَحْذِيرِ مِنَ الشَيْطانِ الَّذِي بَلَغَ ثَمَّ ذَلِكَ المَبْلَغَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الرَسُولُ﴾ حِكايَةٌ عن قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ في الدُنْيا، وتَشَكِّيهِ ما يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو الظاهِرُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو حِكايَةٌ عن قَوْلِ ذَلِكَ في الآخِرَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "قَوْمِيَ" بِتَحْرِيكِ الياءِ، والباقُونَ بِسُكُونِها. و "مَهْجُورًا" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مُبْعَدًا مَقْصِيًّا، [وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ] مِنَ الهُجْرِ (بِضَمِ الهاءِ) إشارَةً إلى قَوْلِهِمْ: شِعْرٌ وكَهانَةٌ وسِحْرٌ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والنَخَعِيِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويَقُولُ ابْنُ زَيْدٍ: هو تَنْبِيهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى مُلازَمَةِ المُصْحَفِ، وألّا تَكُونَ الغَبَرَةُ تَعْلُوهُ في البُيُوتِ ويُشْتَغَلُ بِغَيْرِهِ، ورَوى أنَسٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن عَلَّقَ مُصْحَفًا ولَمْ يَتَعاهَدْهُ أتى يَوْمَ القِيامَةِ مُتَعَلِّقًا بِهِ، يَقُولُ: هَذا اتَّخَذَنِي مَهْجُورًا، اقْضِ يا رَبِّ بَيْنِي وبَيْنَهُ».

ثُمْ آنَسَهُ عن فِعْلِ قَوْمِهِ بِأنْ أعْلَمَهُ أنَّ غَيْرَهُ مِنَ الرُسُلِ كَذَلِكَ امْتُحِنَ بِأعْداءٍ في زَمَنِهِ، أيْ: فاصْبِرْ كَما صَبَرُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، و "عَدُوًّا" يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، (p-٤٣٧)تَقُولُ: "هَؤُلاءِ عَدُوٌّ لِي"، فَتَصِفُ بِهِ الجَمْعَ والواحِدَ والمُؤَنَّثَ، ثُمْ وعَدَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾، والباءُ في "بِرَبِّكَ" لِلتَّأْكِيدِ، دالَّةٌ عَلى المَعْنى، إذْ هُوَ: اكْتَفِ بِرَبِّكَ.

25:32–34Page 362

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا ٣٢

And those who disbelieve say, "Why was the Qur’ān not revealed to him all at once?" Thus [it is] that We may strengthen thereby your heart. And We have spaced it distinctly.1

وَلَا يَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِيرًا ٣٣

And they do not come to you with an example [i.e., argument] except that We bring you the truth and the best explanation.

ٱلَّذِينَ يُحۡشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُوْلَٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ سَبِيلٗا ٣٤

The ones who are gathered on their faces to Hell - those are the worst in position and farthest astray in [their] way.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلا﴾ ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلا﴾

رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرِهِ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ قالُوا في بَعْضِ مُعارَضاتِهِمْ: لَوْ كانَ هَذا القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى لَنُزِّلَ جُمْلَةً كَما نَزَلَتِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ، وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ الكُفّارِ، [وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا مِن كَلامِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لا مِن كَلامِهِمْ]، وهو أولى، ومَعْناهُ: كَما نَزَلَ أرَدْناهُ، فالإشارَةُ إلى نُزُولِهِ مُتَفَرِّقًا، وجَعَلَ اللهُ تَعالى السَبَبَ في نُزُولِهِ مُتَفَرِّقًا في الزَمانِ تَثْبِيتَ فُؤادِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ولِيَحْفَظَهُ. وقالَ مَكِّيٌّ، والرُمّانِيُّ: مِن حَيْثُ كانَ أُمِّيًّا لا يَكْتُبُ، ولِيُطابِقَ الأسْبابَ المُؤَقَّتَةَ، فَنَزَلَ في نَيِّفٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وكانَ غَيْرُهُ مِنَ الرُسُلِ يَكْتُبُ فَنَزَلَ جُمْلَةً واحِدَةً، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لِيُثَبِّتَ" بِالياءِ، و "التَرْتِيلُ": التَفْرِيقُ بَيْنَ الشَيْءِ المُتَتابِعِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: بَقَرٌ رَتِلٌ، ومِنهُ تَرْتِيلُ القِراءَةِ. وأرادَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يُنَزِّلَ القُرْآنَ في النَوازِلِ والحَوادِثِ الَّتِي قَدَّرَها وقَدَّرَ نُزُولَهُ فِيها.

ثُمْ أخْبَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ لا يَجِيئُونَ بِمَثَلٍ -يَضْرِبُونَهُ عَلى جِهَةِ المُعارَضَةِ- مُبْهَمٍ -كَتَمْثِيلِهِمْ في هَذِهِ بِالتَوْراةِ والإنْجِيلِ- إلّا جاءَ القُرْآنُ بِالحَقِّ في ذَلِكَ، أيْ بِالَّذِي هو حَقٌّ، ثُمْ هو أحْسَنُ تَفْسِيرًا، أو أفْصَحُ بَيانًا وتَفْصِيلًا. ثُمْ أوعَدَ اللهُ تَعالى الكَفّارَ بِما يَنْزِلُ بِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الحَشْرِ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى النارِ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذا المَشْيَ عَلى الوُجُوهِ حَقِيقَةٌ، ورُوِيَ في ذَلِكَ -مِن طَرِيقِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ- (p-٤٣٨)حَدِيثُ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يَقْدِرُونَ عَلى المَشْيِ عَلى وُجُوهِهِمْ؟ قالَ: "إنِ الَّذِي أقْدَرَهم عَلى المَشْيِ عَلى أرْجُلِهِمْ قادِرٌ أنْ يُمْشِيهِمْ عَلى وُجُوهِهِمْ» وقالَتْ فَرْقَةٌ: المَشْيُ عَلى الوُجُوهِ اسْتِعارَةٌ لِلْمَذَلَّةِ المُفْرِطَةِ والهَوانِ والخِزْيِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَرٌّ مَكانًا﴾ القَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤].

25:35–39Page 363

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَا مَعَهُۥٓ أَخَاهُ هَٰرُونَ وَزِيرٗا ٣٥

And We had certainly given Moses the Scripture and appointed with him his brother Aaron as an assistant.

فَقُلۡنَا ٱذۡهَبَآ إِلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَدَمَّرۡنَٰهُمۡ تَدۡمِيرٗا ٣٦

And We said, "Go both of you to the people who have denied Our signs." Then We destroyed them with [complete] destruction.

وَقَوۡمَ نُوحٖ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغۡرَقۡنَٰهُمۡ وَجَعَلۡنَٰهُمۡ لِلنَّاسِ ءَايَةٗۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٣٧

And the people of Noah - when they denied the messengers,1 We drowned them, and We made them for mankind a sign. And We have prepared for the wrongdoers a painful punishment.

وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَأَصۡحَٰبَ ٱلرَّسِّ وَقُرُونَۢا بَيۡنَ ذَٰلِكَ كَثِيرٗا ٣٨

And [We destroyed] ʿAad and Thamūd and the companions of the well1 and many generations between them.

وَكُلّٗا ضَرَبۡنَا لَهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَۖ وَكُلّٗا تَبَّرۡنَا تَتۡبِيرٗا ٣٩

And for each We presented examples [as warnings], and each We destroyed with [total] destruction.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ ﴿فَقُلْنا اذْهَبا إلى القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُسُلَ أغْرَقْناهم وجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً وأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿وَعادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وَكُلا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ وكُلا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾

هَذِهِ الآياتُ الَّتِي ذُكِرَ فِيها الأُمَمُ هي تَمْثِيلٌ لَهم وتَوَعُّدٌ بِأنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِهَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ، و "الكِتابُ": التَوْراةُ، و "الوَزِيرُ": المُعِينُ، وهو مِن تَحْمُّلِ الوِزْرِ، أيْ ثِقَلِ الحالِ، ومِنَ الوَزَرِ الَّذِي هو المَلْجَأُ، و ﴿القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ هم فِرْعَوْنُ ومَلَؤُهُ مِنَ القِبْطِ، ثُمْ حُذِفَ مِنَ الكَلامِ كَثِيرٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَقِيَ، وتَقْدِيرُ المَحْذُوفِ: فَذَهَبا فَأدَّيا الرِسالَةَ فَكَذَّبُوهُما فَدَمَّرْناهم. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: "فَدَمِّرانِّهُمْ"، أيْ: كُونا سَبَبَ ذَلِكَ، قالَ أبُو الفَتْحِ: ألْحَقَ نُونَ التَوْكِيدِ ألِفَ التَثْنِيَةِ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: اضْرِبانِّ زَيْدًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "فَدَمِّراهُمْ"، وحَكى عنهم أبُو عَمْرٍو الدانِي: "فَدَمِرْناهُمْ" بِكَسْرِ المِيمِ خَفِيفَةً، قالَ: ورُوِيَ عنهُمْ: "فَدَمِّرُوا بِهِمْ" عَلى الأمْرِ لِجَماعَةٍ وبِزِيادَةِ باءٍ، والَّذِي فَسَّرَ أبُو الفَتْحِ وهْمٌ، وإنَّما القِراءَةُ: "فَدَمِّرُوا بِهِمْ" بِالباءِ، وكَذا ذَكَرَها المَهْدَوِيُّ.

(p-٤٣٩)وَنُصِبَ قَوْلُهُ: "قَوْمَ" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "أغْرَقْناهُمْ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "الرُسُلَ" وهم إنَّما كَذَّبُوا نُوحًا فَقَطْ، مَعْناهُ أنَّ الأُمَّةَ الَّتِي تُكَذِّبُ نَبِيًّا واحِدًا فَفي ضِمْنِ ذَلِكَ تَكْذِيبُ جَمِيعَ الأنْبِياءِ، فَجاءَتِ العِبارَةُ بِما تَضَمَّنَهُ فِعْلُهم تَعْبِيرًا في القَوْلِ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "آيَةً" أيْ عَلامَةً عَلى سَطْوَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى بِكُلِّ كافِرٍ بِأنْبِيائِهِ.

"وَعادًا وثَمُودًا" يُصْرَفُ ولا يُصْرَفُ، وجاءَ ها هُنا مَصْرُوفًا، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، والحَسَنُ، وعِيسى: " وعادًا " مَصْرُوفًا. وثَمُودَ غَيْرَ مَصْرُوفٍ.

واخْتَلَفَ الناسُ في " أصْحابَ الرَسِّ "، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هم قَوْمٌ مِن ثَمُودَ، وقالَ قَتادَةُ: أهْلُ قَرْيَةٍ مِنَ اليَمامَةِ يُقالُ لَها: الرَسُّ، وقالَ كَعْبٌ، ومُقاتِلٌ، والسُدِّيُّ: الرَسُّ: بِئْرٌ بِأنْطاكِيَةَ الشامِ، قُتِلَ فِيها صاحِبُ ياسِينَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: أصْحابُ الرَسِّ قَوْمٌ بُعِثَ إلَيْهِمْ نَبِيٌّ فَقَتَلُوهُ، وقالَ قَتادَةُ: أصْحابُ الرَسِّ وأصْحابُ الأيْكَةِ قَوْمانِ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وقالَ عَلِيٌّ -فِي كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: أصْحابُ الرَسِّ قَوْمٌ عَبَدُوا شَجَرَةَ صَنَوْبَرٍ يُقالُ لَها: "شاه درخت" رَسُّوا نَبِيَّهم في بِئْرٍ أو قَبْرٍ أو مَعْدِنٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ سَبَقْتَ إلى فَرَطٍ باهْلٍ تَنابِلَةٍ يَحْفُرُونَ الرِساسا

(p-٤٤٠)وَرَوى عِكْرِمَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّ أهْلَ الرَسِّ المُشارَ إلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ: قَوْمٌ أخَذُوا نَبِيَّهم فَرَمَوْهُ في بِئْرٍ وأطْبَقُوا عَلَيْهِ صَخْرَةً، فَكانَ عَبْدٌ أسْوَدُ قَدْ آمَنَ بِهِ، يَجِيءُ بِطَعامٍ إلى تِلْكَ البِئْرِ فَيُعِينُهُ اللهُ عَلى تِلْكَ الصَخْرَةِ فَيَقْلَعُها، وهو مُؤْمِنٌ بِذَلِكَ النَبِيِّ، فَيُعْطِيهِ ما يُغَذِّيهِ، ثُمْ يَرُدُّ تِلْكَ الصَخْرَةَ، إلى أنْ ضَرَبَ اللهُ عَلى أُذُنِ ذَلِكَ الأسْوَدِ بِالنَوْمِ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وأخْرَجَ أهْلُ القَرْيَةِ نَبِيَّهم فَآمَنُوا بِهِ»... في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. قالَ الطَبَرِيُّ: فَيُمْكِنُ أنَّهم كَفَرُوا بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ فَذَكَرَهُمُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ إيهامٌ لا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ إلّا اللهُ تَعالى، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ "القَرْنِ"، وكَمْ هُوَ، ومِن هَذا اللَفْظِ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيما يُرْوى -وَيُرْوى أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَهُ-: «كَذَبَ النَسّابُونَ مِن فَوْقِ عَدْنانَ» ؛ لِأنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى أخْبَرَ عن كَثِيرٍ مِنَ الأُمَمِ والخَلْقِ ولَمْ يُخْبِرْ عن غَيْرِهِمْ.

ثُمْ قالَ اللهُ تَعالى: إنَّ كُلَّ هَؤُلاءِ ضَرَبَ لَهُ الأمْثالَ لِيَهْتَدِيَ فَلَمْ يَهْتَدِ، فَتَبَّرَهُ اللهُ، أيْ أهْلَكَهُ، والتَبارُ: الهَلاكُ، والتِبْرُ: الذَهَبُ، أيِ: المُكَسَّرُ المُفَتَّتُ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِفُتاتِ الرُخامِ والزُجاجِ: تَبْرٌ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: إنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ نَبَطِيٌّ، ولَكِنَّ العَرَبَ قَدِ اسْتَعْمَلَتْهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском