Ibn 'AtiyyaAl‑Furqan · 25:40–60

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:40–60

25:40–44Page 363

وَلَقَدۡ أَتَوۡاْ عَلَى ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِيٓ أُمۡطِرَتۡ مَطَرَ ٱلسَّوۡءِۚ أَفَلَمۡ يَكُونُواْ يَرَوۡنَهَاۚ بَلۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ نُشُورٗا ٤٠

And they have already come upon the town which was showered with a rain of evil [i.e., stones]. So have they not seen it? But they are not expecting resurrection.1

وَإِذَا رَأَوۡكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا ٤١

And when they see you, [O Muḥammad], they take you not except in ridicule, [saying], "Is this the one whom Allāh has sent as a messenger?

إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَآ أَن صَبَرۡنَا عَلَيۡهَاۚ وَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ حِينَ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ مَنۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٢

He almost would have misled us from our gods had we not been steadfast in [worship of] them." But they are going to know, when they see the punishment, who is farthest astray in [his] way.

أَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيۡهِ وَكِيلًا ٤٣

Have you seen the one who takes as his god his own desire? Then would you be responsible for him?

أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٤

Or do you think that most of them hear or reason? They are not except like livestock.1 Rather, they are [even] more astray in [their] way.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَوْءِ أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ ﴿وَإذا رَأوكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولا﴾ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عن آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلا﴾ ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلا﴾ ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أو يَعْقِلُونَ إنْ هم إلا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلا﴾

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والجَماعَةُ: الإشارَةُ إلى مَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ، وهي (p-٤٤١)(سَدُومَ) بِالشامِ. و "مَطَرُ السَوْءِ" حِجارَةُ السِجِّيلِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "السُوءِ" بِضَمِّ السِينِ المُشَدَّدَةِ. ثُمْ وقَّفَهم عَلى إعْراضِهِمْ وتَعَرُّضِهِمْ لِسُخْطِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى بَعْدَ رُؤْيَتِهِمُ العِبْرَةَ مِن تِلْكَ القَرْيَةِ، ثُمْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّ كُفْرَهم إنَّما أوجَبَهُ فَسادُ مُعْتَقَدِهِمْ في أمْرِ الآخِرَةِ، وأنَّهم لا يَرْجُونَ البَعْثَ، وكَذَلِكَ لا يَخافُونَهُ.

ثُمْ حَكى اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم إذا رَأوا مُحَمَّدًا ﷺ اسْتَهْزَؤُوا بِهِ واحْتَقَرُوهُ، واسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَهُ اللهُ تَعالى رَسُولًا، فَقالُوا -عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ-: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولا﴾، وفي "بَعَثَ" ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى "الَّذِي" حُذِفَتِ اخْتِصارًا، وحَسُنَ ذَلِكَ في الصِفَةِ.

ثُمْ آيَسَ النَبِيَّ ﷺ عن كُفْرِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ الآيَةُ، والمَعْنى: لا تَتَأسَّفُ عَلَيْهِمْ ودَعْهم لِرَأْيِهِمْ، ولا تَحْسَبْ أنَّهم عَلى ما تُحِبُّ مِنَ التَحْصِيلِ، بَلْ هم كالأنْعامِ في الجَهْلِ بِالمَنافِعِ، وقِلَّةِ التَحَسُّسِ لِلْعَواقِبِ، ثُمْ حَكَمَ بِأنَّهم أضَلُّ سَبِيلًا مِن حَيْثُ لَهُمُ الفَهْمُ وتَرَكُوهُ، والأنْعامُ لا سَبِيلَ لَها إلى فَهْمِ المَصالِحِ، ومِن حَيْثُ جَهالَةِ هَؤُلاءِ وضَلالَتِهِمْ، وهي في أمْرٍ أخْطَرَ مِنَ الأمْرِ الَّذِي فِيهِ جَهالَةُ الأنْعامِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ أيْ: جَعَلَ هَواهُ مُطاعًا فَصارَ كالإلَهِ، والهَوى قائِدٌ إلى كُلِّ فَسادٍ، والنَفْسُ أمّارَةٌ بِالسُوءِ، وإنَّما الصَلاحُ إذا ائْتَمَرَتْ لِلْعَقْلِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الهَوى إلَهٌ يُعْبَدُ مِن دُونِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ، وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: " إلَهَهُ هَواهُ " إلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ حَجَرًا، فَإذا وجَدُوا أحْسَنَ مِنهُ طَرَحُوا الأوَّلَ وعَبَدُوا الثانِي الَّذِي وقَعَ هَواهم عَلَيْهِ. قالَ أبُو حاتِمْ ورُوِيَ عن رَجُلٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ -قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: هو الأعْرَجُ- [إلاهَهُ هَواهُ]، والمَعْنى: اتَّخَذَ شَمْسًا يَسْتَضِيءُ بِها، إذِ الشَمْسُ يُقالُ لَها: إلاهَةُ، ويُصْرَفُ ولا يُصْرَفُ، و "الوَكِيلُ": القائِمْ عَلى الأمْرِ الناهِضُ بِهِ.

(p-٤٤٢)

25:45–47Page 364

أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنٗا ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَيۡهِ دَلِيلٗا ٤٥

Have you not considered your Lord - how He extends the shadow, and if He willed, He could have made it stationary? Then We made the sun for it an indication.1

ثُمَّ قَبَضۡنَٰهُ إِلَيۡنَا قَبۡضٗا يَسِيرٗا ٤٦

Then We [retract and] hold it with Us for a brief grasp.1

وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا وَٱلنَّوۡمَ سُبَاتٗا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورٗا ٤٧

And it is He who has made the night for you as clothing1 and sleep [a means for] rest and has made the day a resurrection.2

قوله عزّ وجلّ:

﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِلَّ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ثُمَّ جَعَلْنا الشَمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا﴾ ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَيْلَ لِباسًا والنَوْمَ سُباتًا وجَعَلَ النَهارَ نُشُورًا﴾

"ألَمْ تَرَ" مَعْناهُ: انْتَبِهْ، والرُؤْيَةُ هُنا رُؤْيَةُ القَلْبِ، وأدْغَمَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "رَبِّكَ كَيْفَ"، قالَ أبُو حاتِمْ: والبَيانُ أحْسَنُ، و "مَدُّ الظِلِّ" بِإطْلاقٍ، هو ما بَيْنَ أوَّلِ الإسْفارِ إلى بُزُوغِ الشَمْسِ، ومِن بَعْدِ مَغِيبِها مُدَّةً يَسِيرَةً، فَإنَّ في هَذَيْنَ الوَقْتَيْنِ ظِلٌّ مَمْدُودٌ عَلى الأرْضِ مَعَ أنَّهُ نَهارٌ، وفي سائِرِ أوقاتِ النَهارِ ظِلالٌ مُتَقَطِّعَةٌ، و "المَدُّ" و "القَبْضُ" مُطَّرِدٌ فِيها، وهو عِنْدِي المُرادُ في الآيَةِ، واللهُ أعْلَمُ.

ومِنَ الظِلِّ المَمْدُودِ ما ذَكَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في هَواءِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّها لَمّا كانَتْ لا شَمْسَ فِيها كانَ ظِلُّها مَمْدُودًا أبَدًا.

وتَظاهَرَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا الظِلَّ هو مِنَ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَمْسِ، وذَلِكَ مُعْتَرَضٌ بِأنَّ ذَلِكَ في غَيْرِ نَهارٍ، بَلْ في بَقايا اللَيْلِ، فَلا يُقالُ لَهُ ظِلٌّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ أيْ ثابِتًا غَيْرَ مُتَحَرِّكٍ ولا مَنسُوخٍ، ولَكِنَّهُ جَعَلَ الشَمْسَ ونَسْخَها إيّاهُ وطَرْدَها لَهُ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ دَلِيلًا عَلَيْهِ مُبَيِّنًا لِوُجُودِهِ ولِوَجْهِ العِبْرَةِ فِيهِ، وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ لَوْلا الشَمْسُ لَمْ يُعْلَمْ أنَّ الظِلَّ شَيْءٌ؛ إذِ الأشْياءُ تُعْرَفُ بِأضْدادِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ:، لَطِيفًا، أيْ: شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ في مَرَّةٍ واحِدَةٍ لا بِعُنْفٍ، قالَ مُجاهِدٌ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مُعَجَّلًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: سَهْلًا قَرِيبَ التَناوُلِ.

(p-٤٤٣)قالَ الطَبَرِيُّ: ووَصَفَ اللَيْلَ بِاللِباسِ تَشْبِيهًا مِن حَيْثُ يَسْتُرُ الأشْياءَ ويَغْشاها. و "السُباتُ" ضَرْبٌ مِنَ الإغْماءِ يَعْتَرِي اليَقْظانَ مَرَضًا فَشُبِّهَ النائِمْ بِهِ، والسَبْتُ: الإقامَةُ بِالمَكانِ، فَكَأنَّ السُباتَ سُكُونٌ ما وثُبُوتٌ عَلَيْهِ. و "النُشُورُ" في هَذا المَوْضِعِ الإحْياءُ، شَبَّهَ اليَقَظَةَ بِهِ لِيَتَطابَقَ الإحْياءُ مَعَ الإماتَةِ والتَوَفِّي اللَذَيْنِ يَتَضَمَّنُهُما النَوْمُ والسُباتُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالنُشُورِ وقْتَ انْتِشارٍ وتَفَرُّقٍ لِطَلَبِ المَعاشِ وابْتِغاءِ فَضْلِ اللهِ، و ﴿النَهارَ نُشُورًا﴾ وما قَبْلَهُ مِن بابِ: لَيْلُ نائِمْ ونَهارُ صائِمْ.

25:48–52Page 364

وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا ٤٨

And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy [i.e., rainfall], and We send down from the sky pure water

لِّنُحۡـِۧيَ بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗا وَنُسۡقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقۡنَآ أَنۡعَٰمٗا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرٗا ٤٩

That We may bring to life thereby a dead land and give it as drink to those We created of numerous livestock and men.

وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَٰهُ بَيۡنَهُمۡ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا ٥٠

And We have certainly distributed it among them that they might be reminded,1 but most of the people refuse except disbelief.

وَلَوۡ شِئۡنَا لَبَعَثۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٖ نَّذِيرٗا ٥١

And if We had willed, We could have sent into every city a warner.1

فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَجَٰهِدۡهُم بِهِۦ جِهَادٗا كَبِيرٗا ٥٢

So do not obey the disbelievers, and strive against them with it [i.e., the Qur’ān] a great striving.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وأنْزَلْنا مِنَ السَماءِ ماءً طَهُورًا﴾ ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا فَأبى أكْثَرُ الناسِ إلا كُفُورًا﴾ ﴿وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾

قَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الرِياحَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الرِيحَ" عَلى الجِنْسِ، فَهي بِمَعْنى الرِياحِ، وقَدْ نَسَبْنا القِراءَةَ في سُورَةِ الأعْرافِ، وقِراءَةُ الجَمْعِ أوجُهٌ؛ لِأنَّ عُرْفَ "الرِيحِ" مَتى ورَدَتْ في القُرْآنِ مُفْرَدَةً فَإنَّما هي لِلْعَذابِ، ومَتى كانَتْ لِلْمَطَرِ والرَحْمَةِ فَإنَّما هي رِياحٌ؛ لِأنَّ رِيحَ المَطَرِ تَتَشَعَّبُ وتَتَداءَبُ وتَتَفَرَّقُ وتَأْتِي لَيِّنَةً مِن ها هُنا وها هُنا، وشَيْئًا إثْرَ شَيْءٍ، ورِيحُ العَذابِ حَرْجَفٌ لا تَتَداءَبُ، وإنَّما تَأْتِي جَسَدًا واحِدًا، ألا تَرى أنَّها تُحَطِّمْ ما تَجِدُ وتَهْدِمُهُ؟ قالالرُمّانِيُّ: جُمِعَتْ رِياحُ الرَحْمَةِ لِأنَّها ثَلاثَةُ لَواقِحَ: الجَنُوبُ والصَبا والشَمالُ، وأُفْرِدَتْ رِيحُ العَذابِ لِأنَّها واحِدَةٌ، لا تُلَقِّحُ، وهي الدَبُورُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

"وَيَرِدُ" عَلى هَذا قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ إذا هَبَّتِ الرِيحُ: «اللهُمُ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها (p-٤٤٤)رِيحًا». واخْتَلَفَ القُرّاءُ في "النَشْرِ" في النُونِ والباءِ وغَيْرِ ذَلِكَ اخْتِلافًا قَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الأعْرافِ، و "نَشْرًا" مَعْناهُ: مُنْتَشِرَةً مُتَفَرِّقَةً.

و"الطَهُورُ" بِناءُ مُبالَغَةٍ في "طاهِرٍ"، وهَذِهِ المُبالَغَةُ اقْتَضَتْ في ماءِ السَماءِ وفي كُلِّ ما هو مِنهُ وبِسَبِيلِهِ أنْ يَكُونَ طاهِرًا ومُطَهِّرًا، ووَصَفَ البَلْدَةَ بِالمَيِّتِ لِأنَّهُ جَعَلَهُ كالمَصْدَرِ الَّذِي يُوصَفُ بِهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، وجازَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ "البَلْدَةِ" بِمَعْنى "البَلَدِ"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "لِنُنْشِئَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ونُسْقِيَهُ" بِضَمِّ النُونِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، ومَعْناهُ: نَجْعَلُهُ لَهم سُقْيا، هَذا قَوْلُ بَعْضِ اللُغَوِيِّينَ في "أسْقى"، قالُوا: و "سَقى" مَعْناهُ لِلشَّفَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ: سَقى وأسْقى بِمَعْنى واحِدٍ، ويُنْشَدُ عَلى ذَلِكَ بَيْتُ لَبِيدٍ:

؎ سَقى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وأسْقى نُمَيْرًا والقَبائِلَ مِن هِلالِ

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "نَسْقِيَهُ" بِفَتْحِ النُونِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ، وأبِي حَيْوَةَ، ورُوِيَتْ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ. و"أناسِيَّ" قِيلَ: هو جَمْعُ إنْسانٍ، والياءُ المُشَدَّدَةِ بَدَلٌ مِنَ النُونِ في الواحِدِ، قالَهُ سِيبَوَيْهَ، وقالَ المُبَرِّدُ: هو جَمْعُ إنْسِيٍّ، فَكانَ القِياسُ أنْ يَكُونَ "أناسِيَةٌ"، كَما قالُوا في مُهْلَّبِيٍّ: مَهالِبَةٌ، وحَكى (p-٤٤٥)الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ اللُغَوِيِّينَ في جَمْعِ إنْسانٍ: أناسِينَ بِالنُونِ، كَسَرْحانَ وبُسْتانٍ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ الحارِثِ: "أناسِيَ" بِتَخْفِيفِ الياءِ.

والضَمِيرُ في "صَرَّفْناهُ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: هو عائِدٌ عَلى الماءِ المُنَزَّلِ مِنَ السَماءِ، المَعْنى أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى جَعَلَ لَهم إنْزالَ الماءِ تَذْكِرَةً بِأنْ يَصْرِفَهُ عن بَعْضِ المَواضِعِ إلى بَعْضٍ، وهو كُلُّهُ في كُلِّ عامٍ بِمِقْدارٍ واحِدٍ، وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَوْلُهُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-: ﴿فَأبى أكْثَرُ الناسِ إلا كُفُورًا﴾ أيْ في قَوْلِهِمْ: بِالأنْواءِ والكَواكِبِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقِيلَ: "كُفُورًا" عَلى الإطْلاقِ لَمّا تَرَكُوا التَذَكُّرَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الضَمِيرُ في "صَرَّفْناهُ" لِلْقُرْآنِ، وإنْ كانَ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ لِوُضُوحِ الأمْرِ، ويُعَضِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وَجاهِدْهم بِهِ﴾، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ الضَمِيرُ في "بِهِ" يُرادُ بِهِ القُرْآنُ عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْناهُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُرادُ بِهِ الإسْلامُ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "صَرَفْناهُ" بِتَخْفِيفِ الراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والكُوفِيُّونَ: "لِيَذْكُرُوا" بِسُكُونِ الذالِ، وقَرَأ الباقُونَ: "لِيَذَّكَّرُوا" بِشَدِّ الذالِ والكافِ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا﴾ الآيَةُ اقْتِضابٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما ذَكَرْناهُ، تَقْدِيرُهُ: ولَكُنّا أفْرَدْناكَ واصْطَفَيْناكَ فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ.

25:53–57Page 364

۞ وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞ وَجَعَلَ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٗا وَحِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٥٣

And it is He who has released [simultaneously] the two seas [i.e., bodies of water], one fresh and sweet and one salty and bitter, and He placed between them a barrier and prohibiting partition.

وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلۡمَآءِ بَشَرٗا فَجَعَلَهُۥ نَسَبٗا وَصِهۡرٗاۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرٗا ٥٤

And it is He who has created from water [i.e., semen] a human being and made him [a relative by] lineage and marriage. And ever is your Lord competent [concerning creation].

وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمۡ وَلَا يَضُرُّهُمۡۗ وَكَانَ ٱلۡكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِۦ ظَهِيرٗا ٥٥

But they worship rather than Allāh that which does not benefit them or harm them, and the disbeliever is ever, against his Lord, an assistant [to Satan].

وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٥٦

And We have not sent you, [O Muḥammad], except as a bringer of good tidings and a warner.

قُلۡ مَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍ إِلَّا مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا ٥٧

Say, "I do not ask of you for it any payment - only that whoever wills might take to his Lord a way."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهم وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إلا مِن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾

اضْطَرَبَ الناسُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ: بَحْرَ السَماءِ والبَحْرَ الَّذِي في الأرْضِ، ورُتِّبَتْ ألْفاظُ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، وقالَ مُجاهِدٌ: البَحْرُ العَذْبُ هو مِياهُ الأنْهارِ الواقِعَةُ في البَحْرِ الأُجاجِ، ووُقُوعُها فِيهِ هو مَرْجُها، قالَ: والبَرْزَخُ والحِجْرُ هو حاجِزٌ في عِلْمِ اللهِ تَعالى لا يَراهُ البَشَرُ، وقالَهُ الزَجّاجُ، وقالَتْ (p-٤٤٦)فِرْقَةٌ: مَعْنى "مَرَجَ": أدامَ أحَدَهُما في الآخَرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلّى أحَدَهُما عَلى الآخَرِ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ الَّتِي تَتَداعى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والَّذِي أقُولُ في الآيَةِ: إنَّ القَصْدَ بِها التَنْبِيهُ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى، وإتْقانِ خَلْقِهِ لِلْأشْياءِ، في أنْ بَثَّ في الأرْضِ مِياهًا عَذْبَةً كَثِيرَةً مِن أنْهارٍ وعُيُونٍ وآبارٍ، وجَعَلَها خِلالَ الأُجاجِ، وجَعَلَ الأُجاجَ خِلالَها، فَتَرى البَحْرَ قَدِ اكْتَنَفَتْهُ المِياهُ العَذْبَةُ في ضَفَّتَيْهِ، وتَلْقى الماءَ في البَحْرِ في الجَزائِرِ ونَحْوِها- قَدِ اكْتَنَفَهُ الماءُ الأُجاجُ، فَبَثُّها هَكَذا في الأرْضِ، هو خَلْطُها، ومِنهُ قَوْلُهُ: "مَرَجَ"، ومِنهُ ﴿فِي أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥].

و "البَحْرانِ" يُرادُ بِهِما جَمِيعُ الماءِ العَذْبِ وجَمِيعُ الماءِ الأُجاجِ، كَأنَّهُ قالَ: مَرَجَ نَوْعَيِ الماءِ، فالبَرْزَخُ والحِجْرُ هُما ما بَيْنَ البَحْرَيْنِ مِنَ الأرْضِ واليُبْسِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومِنهُ القُدْرَةُ الَّتِي تُمْسِكُها مَعَ قُرْبِ ما بَيْنَهُما في بَعْضِ المَواضِعِ. وبِكَسْرِ الحاءِ قَرَأ الناسُ كُلُّهم هُنا، والحَسَنُ بِضَمِّ الحاءِ في سائِرِ القُرْآنِ، و "البَرْزَخُ": الحاجِزُ بَيْنَ الشَيْئَيْنِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "هَذا مِلْحٌ"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "وَهَذا مَلِحٌ" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللامِ، قالَ أبُو حاتِمْ: هَذا مُنْكَرٌ في القِراءَةِ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: أرادَ: مالِحًا، وحَذَفَ الألِفَ، كَعَرْدٍ وبَرْدٍ. و "الأُجاجُ": أبْلَغُ ما يَكُونُ مِنَ المُلُوحَةِ.

(p-٤٤٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا﴾ الآيَةُ. هو تَعْدِيدُ النِعْمَةِ عَلى الناسِ في إيجادِهِمْ بَعْدَ العَدَمِ، والتَنْبِيهُ عَلى العِبْرَةِ في ذَلِكَ، وتَعْدِيدُ النِعْمَةِ في التَواشُجِ الَّذِي بَيْنَهم مِنَ النَسَبِ والصِهْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الماءِ﴾ إمّا أنْ يُرِيدَ أصْلَ الخِلْقَةِ في أنَّ كُلَّ حَيٍّ مَخْلُوقٌ مِنَ الماءِ، وإمّا أنْ يُرِيدَ نُطَفَ الرِجالِ، وكُلُّ ذَلِكَ قالَتْهُ فِرْقَةٌ، والأوَّلُ أفْصَحُ وأبْيَنُ. و "النَسَبُ والصِهْرُ" مَعْنَيانِ يَعُمّانِ كُلَّ قُرْبى تَكُونُ بَيْنَ كُلِّ آدَمِيَّيْنِ، فالنَسَبُ هو أنْ يَجْتَمِعَ إنْسانٌ مَعَ آخَرَ في أبٍ أو في أُمْ، قَرُبَ ذَلِكَ أو بَعُدَ ذَلِكَ، والصِهْرُ هو تَواشُجُ المُناكَحَةِ، فَقَرابَةُ الزَوْجَةِ هُمُ الأخْتانُ، وقَرابَةُ الزَوْجِ هُمُ الأحْماءُ، والأصْهارُ يَقَعُ عامًّا لِذَلِكَ كُلِّهِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: النَسَبُ ما لا يَحِلُّ نِكاحُهُ، والصِهْرُ ما يَحِلُّ نِكاحُهُ، وقالَ الضَحّاكُ: الصِهْرُ قَرابَةُ الرَضاعِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وذَلِكَ عِنْدِي وهْمٌ أوجَبَهُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: حُرِّمْ مِنَ النَسَبِ سَبْعٌ، ومِنَ الصِهْرِ خَمْسٌ"، وفي رِوايَةٍ أُخْرى: ومِنَ الصِهْرِ سَبْعٌ، يُرِيدُ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣] فَهَذا هو النَسَبُ، ثُمْ يُرِيدُ بِالصِهْرِ قَوْلَهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَضاعَةِ وأُمَّهاتُ نِسائِكم ورَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكم مِنَ نِسائِكم اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكم وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنَ أصْلابِكم وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]، ثُمْ ذَكَرَ المُحْصَناتِ، ويَحْتَمِلُ هَذا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أرادَ: (p-٤٤٨)حُرِّمْ مِنَ الصِهْرِ ما ذُكِرَ مَعَهُ، فَقَصَدَ بِـ "ما ذُكِرَ" إلى عُظْمِهِ وهو الصِهْرُ؛ لا أنَّ الرَضاعَ صِهْرٌ، وإنَّما الرَضاعُ عَدِيلُ النَسَبِ يَحْرُمْ مِنهُ ما يَحْرُمْ مِنَ النَسَبِ بِحُكْمِ الحَدِيثِ المَأْثُورِ فِيهِ، ومَن رَوى: «وَحُرِّمْ مِنَ الصِهْرِ خَمْسٌ» أسْقَطَ مِنَ الآيَتَيْنِ الجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، والمُحْصَناتِ، وهُنَّ ذَواتُ الأزْواجِ.

وحَكى الزَهْراوِيُّ قَوْلًا: أنَّ النَسَبَ مِن جِهَةِ البَنِينَ، والصِهْرَ مِن جِهَةِ البَناتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا حَسَنٌ وهو في دَرَجِ ما قَدَّمْتُهُ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَبِيِّ ﷺ، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ؛ لِأنَّهُ جَمَعَهُ مَعَهُ نَسَبٌ وصِهْرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فاجْتِماعُهُما وِكادُ حُرْمَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وَكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ هي "كانَ" الَّتِي لِلدَّوامِ قَبْلُ وبَعْدُ، لا أنَّها تُعْطِي مُضِيًّا فَقَطْ.

ثُمْ ذَكَرَ تَعالى خَطَأهم في عِبادَتِهِمْ أصْنامًا لا تَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا. وقَوْلُهُ: ﴿وَكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما أنَّ "الظَهِيرَ" المُعِينُ، فَتَكُونُ الآيَةُ بِمَعْنى تَوْبِيخِهِمْ عَلى ذَلِكَ، مِن أنَّ الكَفّارَ يُعِينُونَ عَلى رَبِّهِمْ غَيْرَهم مِنَ الكَفَرَةِ، ويُعِينُونَ الشَيْطانَ بِأنْ يُطِيعُوهُ ويُظاهِرُوهُ، وهَذا هو تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، والحَسَنِ، وابْنِ زَيْدٍ. والثانِي ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ في أنْ يَكُونَ " الظَهِيرُ" فَعِيلًا مِن قَوْلِكَ: "ظَهَرْتُ الشَيْءَ" إذا طَرَحْتَهُ وراءَ ظَهْرِكَ واتَّخَذْتَهُ ظِهْرِيًّا، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ احْتِقارَ الكَفَرَةِ، و "الكافِرُ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: بَلْ هو مُعَيَّنٌ أرادَ بِهِ أبا جَهْلٍ بْنِ هِشامٍ.

(p-٤٤٩)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُشْبَهُ أنَّ أبا جَهْلٍ سَبَبُ الآيَةِ، ولَكِنَّ اللَفْظَ عامٌّ لِلْجِنْسِ كُلِّهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ﴾ الآيَةُ، تَسْلِيَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ: لا تَهْتَمَّ بِهِمْ، ولا تَذْهَبْ نَفْسُكُ حَسَراتٍ حِرْصًا عَلَيْهِمْ، فَإنَّما أنْتَ رَسُولٌ تُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ، وتُنْذِرُ الكَفَرَةَ بِالنارِ، ولَسْتَ بِمَطْلُوبٍ بِإيمانِهِمْ جَمِيعًا.

ثُمْ أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ مُزِيلًا لِوُجُوهِ التُهَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾، أيْ: لا أطْلُبُ مالًا ولا نَفْعًا يَخْتَصُّ بِي. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن شاءَ﴾، الظاهِرُ فِيهِ أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، والمَعْنى: مَسْؤُولِي ومَطْلُوبِي مَن شاءَ أنْ يَهْتَدِيَ ويُؤْمِنَ ويَتَّخِذَ إلى رَحْمَةِ رَبِّهِ طَرِيقَ نَجاةٍ فَلْيَفْعَلْ. وقالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: لا أسْألُكم أجْرًا إلّا إنْفاقَ المالِ في سَبِيلِ اللهِ، فَهَذا هو المَسْؤُولُ، وهو السَبِيلُ إلى الرَبِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فالِاسْتِثْناءُ -عَلى هَذا- كالمُتَّصِلِ، وكَأنَّهُ قالَ: إلّا أجْرَ مَن شاءَ، والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أظْهَرُ.

25:58–60Page 365

وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَيِّ ٱلَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِهِۦۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا ٥٨

And rely upon the Ever-Living who does not die, and exalt [Allāh] with His praise. And sufficient is He to be, with the sins of His servants, [fully] Aware -

ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا ٥٩

He who created the heavens and the earth and what is between them in six days and then established Himself above the Throne1 - the Most Merciful, so ask about Him one well informed [i.e., the Prophet (ﷺ)].

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسۡجُدُواْۤ لِلرَّحۡمَٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحۡمَٰنُ أَنَسۡجُدُ لِمَا تَأۡمُرُنَا وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا۩ ٦٠

And when it is said to them, "Prostrate to the Most Merciful," they say, "And what is the Most Merciful? Should we prostrate to that which you order us?" And it increases them in aversion.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ الرَحْمَنُ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا﴾

المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ هَذِهِ المَقالَةَ الَّتِي لا ظَنَّ يَنْصَرِفُ إلَيْكَ مَعَها، ولا تَهْتَمَّ مَعَها، وبَشِّرْ وأنْذِرْ وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ، فَهو المُتَكَفِّلُ بِنَصْرِكَ في كُلِّ أمْرِكَ.

ثُمْ وصَفَ تَعالى نَفْسَهُ بِالصِفَةِ الَّتِي تَقْتَضِي التَوَكُّلَ في قَوْلِهِ: ﴿الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ ؛ (p-٤٥٠)إذْ هَذا المَعْنى يَخْتَصُّ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى دُونَ كُلِّ ما في الدُنْيا مِمّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ حَيٍّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ أيْ: قُلْ سُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ، أيْ: تَنْزِيهُهُ واجِبٌ، وبِحَمْدِهِ أقُولُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَن قالَ في كُلِّ يَوْمٍ سُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ ولَوْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ»، فَهَذا مَعْنى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾، وهي إحْدى الكَلِمَتَيْنِ الخَفِيفَتَيْنِ عَلى اللِسانِ، الثَقِيلَتَيْنِ في المِيزانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَفى﴾ تَوَعُّدٌ، وإزالَةُ كَلٍّ عن كاهِلِ مُحَمَّدٍ ﷺ في هَمِّهِ بِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ﴾ مَعَ جَمْعِهِ " السَماواتِ "، فَقِيلَ: سائِغٌ مِن حَيْثُ عادَلَ لَفْظُ "الأرْضَ" لَفْظُ "السَماواتِ"، ومِنهُ قَوْلُ عُمَيْرِ بْنِ شُيَيْمٍ:

؎ ألَمْ يَحْزُنْكَ أنَّ حِبالَ قَيْسٍ وتَغْلِبَ قَدْ تَبايَنَتا انْقِطاعًا

مِن حَيْثُ عادَلَ حَبْلٌ حِبالًا، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:

؎ إنَّ المَنِيَّةَ والحُتُوفَ كِلاهُما ∗∗∗ يُوفِي المَخارِمْ يَرْقُبانِ سَوادِي

(p-٤٥١)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾، اخْتَلَفَتِ الرِوايَةُ في اليَوْمِ الَّذِي ابْتَدَأ اللهُ تَعالى فِيهِ الخَلْقَ، فَأكْثَرُ الرِواياتِ عَلى يَوْمِ الأحَدِ، وفي مُسْلِمْ وفي كِتابِ الدَلائِلِ: يَوْمَ السَبْتَ. ويَتَبَيَّنُ بِكَوْنِ ذَلِكَ في سِتَّةِ أيّامٍ وضْعُ الأناةِ والتَمَهُّلُ في الأُمُورِ؛ لِأنَّ قُدْرَتَهُ تَقْضِي أنَّهُ يَخْلُقُها في طَرْفَةِ عَيْنٍ لَوْ شاءَ، لا إلَهَ إلّا هُوَ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الِاسْتِواءِ.

وقَوْلُهُ: "الرَحْمَنُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ رَفْعُهُ بِإضْمارِ مُبْتَدَإٍ، أيْ: هو الرَحْمَنُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: "اسْتَوى"، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنُ الحُسَيْنِ: "الرَحْمَنِ" بِالخَفْضِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: فاسْألْ عنهُ، و "خَبِيرًا" -عَلى هَذا- مَنصُوبٌ بِوُقُوعِ السُؤالِ عَلَيْهِ، والمَعْنى: اسْألْ جِبْرِيلَ والعُلَماءَ وأهْلَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ. والثانِي أنْ يَكُونَ المَعْنى كَما تَقُولُ: لَوْ لَقِيتُ فُلانًا لَقِيتُ بِهِ البَحْرَ كَرَمًا، أيْ: لَقِيتُ مِنهُ، والمَعْنى: فاسْألِ اللهَ عن كُلِّ أمْرٍ، و "خَبِيرًا" -عَلى هَذا- مَنصُوبٌ إمّا بِوُقُوعِ السُؤالِ، وإمّا عَلى الحالِ المُؤَكَّدَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١]، ولَيْسَتْ هَذِهِ بِحالٍ مُنْتَقِلَةٍ؛ إذِ الصِفَةُ العَلِيَّةُ لا تَتَغَيَّرُ.

ولَمّا ذُكِرَ "الرَحْمَنُ" في هَذِهِ الآيَةِ كانَتْ قُرَيْشٌ لا تَعْرِفُ هَذا في أسْماءِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وكانَ مُسَيْلِمَةُ كَذّابُ اليَمامَةِ تَسَمّى بِالرَحْمَنِ، فَتَغالَطَتْ قُرَيْشٌ بِذَلِكَ، وقالَتْ: إنَّ مُحَمَّدًا يَأْمُرُ بِعِبادَةِ رَحْمَنِ اليَمامَةِ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾ الآيَةُ. وقَوْلُهُ: ﴿وَما الرَحْمَنُ﴾ ؟ اسْتِفْهامٌ عن مَجْهُولٍ عِنْدَهُمْ، فَـ "ما" عَلى بابِها المَشْهُورِ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "تَأْمُرُنا" بِالتاءِ، أيْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والأسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "يَأْمُرُنا" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، إمّا عَلى إرادَةِ (p-٤٥٢)مُحَمَّدٍ ﷺ، والكِنايَةُ عنهُ بِالغَيْبَةِ، وإمّا عَلى إرادَةِ رَحْمانِ اليَمامَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَزادَهُمْ﴾ أيْ: أضَلَّهم هَذا اللَفْظُ ضَلالًا يَخْتَصُّ بِهِ، حاشى ما تَقَدَّمَ مِنهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском