Ibn 'AtiyyaAl‑Furqan · 25:61–74

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:61–74

25:61–63Page 365

تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجٗا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَٰجٗا وَقَمَرٗا مُّنِيرٗا ٦١

Blessed is He who has placed in the sky great stars and placed therein a [burning] lamp and luminous moon.

وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا ٦٢

And it is He who has made the night and the day in succession for whoever desires to remember or desires gratitude.

وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا ٦٣

And the servants of the Most Merciful are those who walk upon the earth easily,1 and when the ignorant address them [harshly], they say [words of] peace,2

قوله عزّ وجلّ:

﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَماءِ بُرُوجًا وجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَيْلَ والنَهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أو أرادَ شُكُورًا﴾ ﴿وَعِبادُ الرَحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾

لَمّا جَعَلَتْ قُرَيْشٌ سُؤالَها عَنِ اللهِ تَعالى وعَنِ اسْمِهِ الَّذِي هو الرَحْمَنُ سُؤالًا عن مَجْهُولٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُصَرِّحَةً بِصِفاتِهِ الَّتِي تُعَرِّفُ بِهِ، وتُوجِبُ الإقْرارَ بِأُلُوهِيَّتِهِ. و "البُرُوجُ" هي الَّتِي عَلِمَتْها العَرَبُ بِالتَجْرِبَةِ وكُلُّ أُمَّةٍ مُصْحِرَةٍ، وهي الشُهُورُ عِنْدَ اللُغَوِيِّينَ وأهْلِ تَعْدِيلِ الأوقاتِ، وكُلُّ بُرْجٍ مِنها عَلى مَنزِلَتَيْنِ وثُلُثٍ مِن مَنازِلِ القَمَرِ الَّتِي ذَكَرَها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في قَوْلِهِ: ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ [يس: ٣٩]، والعَرَبُ تُسَمِّي البِناءَ المُرْتَفِعَ المُسْتَغْنِيَ بِنَفْسِهِ بُرْجًا تَشْبِيهًا بِبُرُوجِ السَماءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]، وقالَ الأخْطَلُ:

؎ كَأنَّها بُرْجُ رُومِيٍّ يُشَيِّدُهُ بانٍ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ

وقالَ بَعْضُ الناسِ في هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيها: البُرُوجُ: القُصُورُ في الجَنَّةِ، وقالَ الأعْمَشُ: كانَ أصْحابُ عَبْدِ اللهِ يَقْرَؤُونَها: "فِي السَماءِ قُصُورًا"، وقِيلَ: البُرُوجُ: الكَواكِبُ العِظامُ، حَكاهُ الثَعْلَبِيُّ عن أبِي صالِحٍ، وهَذا نَحْوُ ما بَيَّنّاهُ إلّا أنَّهُ غَيْرُ مُلَخَّصٍ، والقَوْلُ بِأنَّها قُصُورٌ في الجَنَّةِ يَحُطُّ غَرَضَ الآيَةِ في التَنْبِيهِ عَلى أشْياءَ مُدْرَكاتٍ تَقُومُ بِها الحُجَّةُ عَلى كُلِّ مُنْكِرٍ لِلَّهِ أو جاهِلٍ بِهِ.

(p-٤٥٣)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "سِراجًا"، وهي الشَمْسُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وعَلْقَمَةُ، والأعْمَشُ: "سُرُجًا"، وهو اسْمُ جَمِيعِ الأنْوارِ، وقَدْ خَصَّ القَمَرَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا، وقَرَأ النَخَعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ أيْضًا: "سُرْجًا" بِسُكُونِ الراءِ، قالَ أبُو حاتِمْ، رَوى عِصْمَةُ عَنِ الحَسَنِ: "وَقُمْرًا" بِضَمِّ القافِ ساكِنَةَ المِيمِ، ولا أدْرِي ما أرادَ إلّا أنْ يَكُونَ جَمْعًا كَثَمَرٍ وثُمُرٍ، وقالَ أبُو عَمْرٍو: وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، والنَخَعِيِّ.

وقَوْلُهُ: "خِلْفَةً" أيْ: هَذا يَخْلُفُ هَذا، ومِنَ المَعْنى قَوْلُ زُهَيْرٍ:

؎ بِها العَيْنُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً ∗∗∗ وأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ

ومِن هَذا قَوْلُ الآخَرِ يَصِفُ امْرَأةً تَنْتَقِلُ مِن مَنزِلٍ في الشِتاءِ إلى مَنزِلٍ في الصَيْفِ دَأْبًا:

؎ ولَهَـا بِالمَـاطِـرُونَ إذا ∗∗∗ أكَـلَ النَمْـلُ الَّـذِي جَمَعَـا

؎ خِلْفَـةٌ حَتَّـى إذا ارْتَبَعَتْ ∗∗∗ سَكَنَـتْ مِـنْ جِلَّـقٍ بِيَعًــا

؎ في بُيُـوتٍ وسْطَ دَسْكَرَةٍ ∗∗∗ حَـوْلَهَـا الزَيْتـُونُ قُـدْ يَنَعَـا

(p-٤٥٤)وَقالَ مُجاهِدٌ: "خِلْفَةً" مِنَ الخِلافِ، هَذا أبْيَضُ وهَذا أسْوَدُ، نَحْوَ ما قَدَّمْناهُ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: ﴿لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ﴾ أيْ: يَعْتَبِرَ بِالمَصْنُوعاتِ ويَشْكُرُ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى عَلى نِعَمِهِ عَلَيْهِ في العَقْلِ والفِكْرِ والفَهْمِ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ ما فاتَهُ مِنَ الخَيْرِ والصَلاةِ ونَحْوَهُ في أحَدِهِما فَيَسْتَدْرِكَهُ في الَّذِي يَلِيهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "يَذْكُرَ" بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والنَخَعِيِّ، وقَرَأ الباقُونَ: "يَذَّكَّرَ" بِشَدِّ الذالِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "يَتَذَكَّرَ" بِزِيادَةِ تاءٍ.

ثُمْ لَمّا قالَ تَعالى: ﴿لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أو أرادَ شُكُورًا﴾ جاءَ بِصِفَةِ عِبادِهِ الَّذِينَ هم أهْلُ التَذَكُّرِ والشُكُورِ، و "العِبادُ" و "العَبِيدُ" بِمَعْنى، إلّا أنَّ العِبادَ تُسْتَعْمَلُ في مَواضِعِ التَنْوِيهِ، وسُمِّيَ قَوْمٌ مِن عَبْدِ القَيْسِ العِبادَ لِأنَّ كِسْرى مَلَّكَهم دُونَ العَرَبِ، وقِيلَ: لِأنَّهم تَألَّهُوا مَعَ نَصارى الحِيرَةِ فَصارُوا عِبادَ اللهِ، وإلَيْهِمْ يُنْسَبُ عَدِيٌّ بْنُ زَيْدٍ العِبادِيُّ، وقَرَأ الحَسَنُ: وعُبُدُ الرَحْمَنِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ.

وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ خَبَرُ ابْتِداءٍ، والمَعْنى: وعِبادُهُ حَقُّ عِبادِهِ هُمُ الَّذِينَ يَمْشُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ عِبارَةٌ عن عَيْشِهِمْ ومُدَّةِ حَياتِهِمْ وتَصَرُّفاتِهِمْ، فَذَكَرَ مِن ذَلِكَ المُعْظَمِ، لا سِيَّما وفي ذَلِكَ الِانْتِقالِ في الأرْضِ مُعاشَرَةُ الناسِ وخُلْطَتُهم. ثُمْ قالَ: "هَوْنًا" بِمَعْنى أمْرُهُ كُلُّهُ هَوْنٌ، أيْ لَيِّنٌ حَسَنٌ، قالَ مُجاهِدٌ: بِالحِلْمِ والوَقارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: بِالطاعَةِ والعَفافِ والتَواضُعِ، وقالَ الحَسَنُ: حِلْمًا، إنْ جُهِلَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجْهَلُوا، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ "هَوْنًا" مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ﴾ أيِ المَشْيُ هو الهَوْنُ، ويُشْبِهُ أنْ يُتَأوَّلَ هَذا عَلى أنْ تَكُونَ أخْلاقُ ذَلِكَ الماشِي هَوْنًا مُناسِبَةً لِمَشْيِهِ، فَيَرْجِعُ القَوْلُ إلى نَحْوِ ما بَيَّنّاهُ، وأمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ صِفَةَ المَشْيِ وحْدَهُ فَباطِلٌ؛ لِأنَّهُ رُبَّ ماشٍ هَوْنًا رُوَيْدًا وهو ذُئَيْبٌ أطْلَسُ، وقَدْ «كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَكَفَّأُ في مَشْيِهِ كَأنَّما يَمْشِي في صَبَبٍ، وهو عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ الصَدْرُ (p-٤٥٥)فِي هَذِهِ الآيَةِ»، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: «مَن مَشى مِنكم في طَمَعٍ فَلْيَمْشِ رُوَيْدًا» إنَّما أرادَ في عَقْدِ نَفْسِهِ، ولَمْ يُرِدِ المَشْيَ وحْدَهُ، ألّا تَرى أنَّ المُبْطِلِينَ المُتَحَلِّينَ بِالدِينِ تَمَسَّكُوا بِصُورَةِ المَشْيِ فَقَطْ حَتّى قالَ فِيهِمُ الشاعِرُ ذَمًّا لَهم:

؎ كُلُّهم يَمْشِي رُوَيْـدْ ∗∗∗ كُلُّهم يَطْلُـبُ صَيْـدْ

وقالَ الزُهْرِيُّ: سُرْعَةُ المَشْيِ تَذْهَبُ بِبَهاءِ الوَجْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

يُرِيدُ الإسْراعَ الحَثِيثَ؛ لِأنَّهُ يُخِلُّ بِالوَقارِ، والخَيْرُ في التَوَسُّطُ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كُنْتُ أسْألُ عن تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ فَما وجَدْتُ في ذَلِكَ شِفاءً، فَرَأيْتُ في النَوْمِ مَن جاءَنِي فَقالَ لِي: هُمُ الَّذِينَ لا يُرِيدُونَ أنْ يُفْسِدُوا في الأرْضِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا لِلتَّفْسِيرِ في الخُلُقِ. و "هَوْنًا" مَعْناهُ: رِفْقًا وقَصْدًا، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: " «أحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما» الحَدِيثُ، وقَوْلُهُ: ﴿وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾. اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: يَنْبَغِي لِلْمُخاطِبِ أنْ يَقُولَ لِلْجاهِلِ: "سَلامًا" بِهَذا اللَفْظِ، أيْ: سَلَّمْنا سَلامًا وتَسْلِيمًا ونَحْوَ هَذا، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ فِعْلًا مِن لَفْظِهِ عَلى طَرِيقَةِ النَحْوِيِّينَ. والَّذِي أقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: "قالُوا" هو العامِلُ في "سَلامًا"؛ لِأنَّ المَعْنى: قالُوا هَذا اللَفْظَ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى "سَلامًا": قَوْلًا سَدادًا، أيْ: يَقُولُ لِلْجاهِلِ كَلامًا يَدْفَعُهُ بِهِ بِرِفْقٍ ولِينٍ، فَقالُوا في هَذا التَأْوِيلِ: العامِلُ في قَوْلِهِ "سَلامًا" عَلى طَرِيقَةِ النَحْوِيِّينَ، وذَلِكَ أنَّهُ بِمَعْنى: قَوْلًا، وهَذِهِ الآيَةُ كانَتْ قَبْلَ آيَةِ السَيْفِ، فَنُسِخَ مِنها ما يَخُصُّ الكَفَرَةَ، وبَقِيَ أدَبُها في المُسْلِمِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَكَرَ سِيبَوَيْهِ النَسْخَ في (p-٤٥٦)هَذِهِ الآيَةِ في كِتابِهِ، وما تَكَلَّمَ عَلى نَسْخٍ سِواهُ، ورَجَّحَ بِهِ أنَّ المُرادَ السَلامَةُ لا التَسْلِيمُ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يُؤْمَرُوا قَطُّ بِالسَلامِ عَلى غَيْرِ المُسْلِمِينَ، والآيَةُ مَكِّيَّةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ورَأيْتُ في بَعْضِ [مَصاحِفِ] التَوارِيخِ أنَّ إبْراهِيمَ بْنَ المَهْدِيِّ -وَكانَ مِنَ المائِلِينَ عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ- قالَ يَوْمًا بِمَحْضَرِ المَأْمُونِ -وَعِنْدَهُ جَماعَةٌ-: كُنْتُ أرى عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في النَوْمِ، فَكُنْتُ أقُولُ لَهُ: مَن أنْتَ؟ فَيَقُولُ: أنا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، فَكُنْتُ أجِيءُ مَعَهُ إلى قَنْطَرَةٍ، فَيَذْهَبُ يَتَقَدَّمُنِي في عُبُورِها، فَكُنْتُ أقُولُ لَهُ: إنَّما تَدَّعِي هَذا الأمْرَ بِامْرَأةٍ، ونَحْنُ أحَقُّ بِهِ مِنكَ، فَما رَأيْتُ لَهُ في الجَوابِ بَلاغَةً كَما يُذْكَرُ عنهُ، فَقالَ المَأْمُونُ: وبِماذا جاوَبَكَ؟ قالَ: فَكانَ يَقُولُ لِي: سَلامًا سَلامًا، قالَ الراوِي: فَكَأنَّ إبْراهِيمَ بْنَ المَهْدِيِّ لا يَحْفَظُ الآيَةَ، أو ذَهَبَتْ عنهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَنَبَّهَ المَأْمُونُ عَلى الآيَةِ أمامَ مَن حَضَرَهُ، وقالَ: هو واللهِ يا عَمِّ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقَدْ جاوَبَكَ بِأبْلَغِ جَوابٍ، فَحَزِنَ إبْراهِيمُ واسْتَحْيا، وكانَتْ رُؤْياهُ لا مَحالَةَ صَحِيحَةً.

25:64–66Page 365

وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمۡ سُجَّدٗا وَقِيَٰمٗا ٦٤

And those who spend [part of] the night to their Lord prostrating and standing [in prayer]

وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصۡرِفۡ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ٦٥

And those who say, "Our Lord, avert from us the punishment of Hell. Indeed, its punishment is ever adhering;

إِنَّهَا سَآءَتۡ مُسۡتَقَرّٗا وَمُقَامٗا ٦٦

Indeed, it is evil as a settlement and residence."

قوله عزّ وجلّ:

﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾

. هَذِهِ آيَةٌ فِيها تَحْرِيضٌ عَلى القِيامِ بِاللَيْلِ لِلصَّلاةِ، قالَ الحَسَنُ: لَمّا فَرَغَ مِن وصْفِ نَهارِهِمْ وصَفَ في هَذِهِ لَيْلَهُمْ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: مَن صَلّى العِشاءَ الآخِرَةَ، وشَفَعَ وأوتَرَ، فَهو داخِلٌ في هَذِهِ الآيَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

إلّا أنَّهُ دُخُولٌ غَيْرُ مُسْتَوْفى، وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ: "سُجُودًا".

ومَدَحَهم تَبارَكَ وتَعالى بِدُعائِهِمْ في صَرْفِ عَذابِ جَهَنَّمَ مِن حَيْثُ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ عَقِيدَتِهِمْ وإيمانِهِمْ، ومِن حَيْثُ أعْمالُهم بِحَسَبِهِ، و "غَرامًا" مَعْناهُ: مُلازِمًا ثَقِيلًا (p-٤٥٧)مُجْحِفًا، ومِنهُ غَرامُ الحُبِّ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:

؎ إنْ يُعاقِبْ يَكُنْ غَرامًا وإنْ يُعْـ ـطِ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي

وقَوْلُ بِشْرِ بْنِ أبِي خازِمْ:

؎ ويَوْمَ النِسارِ ويَوْمَ الجِفا ∗∗∗ رِ كانَ عِقابًا وكانَ غَرامًا

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مُقامًا" بِضَمِّ المِيمِ، مِنَ الإقامَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ حَيُّوا المُقامَ وحَيَّوْا ساكِنَ الدارِ

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مَقامًا" بِفَتْحِ المِيمِ، مِن قامَ يَقُومُ، فَجَهَنَّمُ مَوْضِعُ مَقامٍ لَهُمْ، والأوَّلُ أفْصَحُ وأشْهَرُ.

25:67–70Page 365

وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا ٦٧

And [they are] those who, when they spend, do so not excessively or sparingly but are ever, between that, [justly] moderate

وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا ٦٨

And those who do not invoke1 with Allāh another deity or kill the soul which Allāh has forbidden [to be killed], except by right, and do not commit unlawful sexual intercourse. And whoever should do that will meet a penalty.

يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا ٦٩

Multiplied for him is the punishment on the Day of Resurrection, and he will abide therein humiliated -

إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٧٠

Except for those who repent, believe and do righteous work. For them Allāh will replace their evil deeds with good. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.

قوله عزّ وجلّ:

﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهِ إلا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾

اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي في الإنْفاقِ، فَعِبارَةُ أكْثَرِهِمْ أنَّ الَّذِي لا يُسْرِفُ هو المُنْفِقُ في الطاعَةِ وإنْ أفْرَطَ، والمُسْرِفُ هو المُنْفِقُ في المَعْصِيَةِ وإنْ قَلَّ إنْفاقُهُ، وأنَّ المُقْتِرَ هو الَّذِي يَمْنَعُ حَقًّا عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ. وقالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَتَبَةَ: الإسْرافُ: أنْ تُنْفِقَ مالَ غَيْرِكَ. وغَيْرُ هَذا مِنَ الأقْوالِ الَّتِي (p-٤٥٨)هِيَ غَيْرُ مُرْتَبِطَةٍ بِلَفْظِ الآيَةِ. وخَلْطُ الطاعَةِ والمَعْصِيَةِ بِالإسْرافِ والتَقْتِيرِ فِيهِ نَظَرٌ، والوَجْهُ أنْ يُقالَ: إنَّ النَفَقَةَ في مَعْصِيَةٍ أمْرٌ قَدْ حَظَرَتِ الشَرِيعَةُ قَلِيلَهُ وكَثِيرَهُ، وكَذَلِكَ التَعَدِّي عَلى مالِ الغَيْرِ، وهَؤُلاءِ المَوْصُوفُونَ مُنَزَّهُونَ عن ذَلِكَ، وإنَّما التَأْدِيبُ في هَذِهِ الآيَةِ هو في نَفَقَةِ الطاعاتِ في المُباحاتِ، فَأدَبُ الشَرْعِ فِيها ألّا يُفَرِّطَ الإنْسانُ حَتّى يُضَيِّعَ حَقًّا آخَرَ أو عِيالًا ونَحْوَ هَذا، وألّا يُضَيِّقَ أيْضًا ويُقَتِّرَ حَتّى يُجِيعَ العِيالَ ويُفْرِطَ في الشُحِّ، والحَسَنُ في ذَلِكَ هو القَوامُ، أيِ: العَدْلُ، والقَوامُ في كُلِّ واحِدٍ بِحَسْبِ عِيالِهِ وحالِهِ، وخِفَّةِ ظَهْرِهِ وصَبْرِهِ وجَلَدِهِ عَلى الكَسْبِ، أو ضِدِّ هَذِهِ مِنَ الخِصالِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوسَطُها، ولِهَذا «تَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عنهُ يَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِ مالِهِ» ؛ لِأنَّ ذَلِكَ وسَطٌ بِنِسْبَةِ جِلَدِهِ وصَبْرِهِ في الدِينِ، ومَنَعَ غَيْرَهُ مِن ذَلِكَ، ونِعْمَ ما قالَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: هو الَّذِي لا يُجِيعُ ولا يُعْرِي، ولا يُنْفِقُ نَفَقَةً يَقُولُ الناسُ: قَدْ أسْرَفَ. وقالَ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: هُمُ الَّذِينَ لا يَلْبَسُونَ الثِيابَ لِلْجَمالِ، ولا يَأْكُلُونَ طَعامًا لِلَّذَّةِ. وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوانَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ زَوَّجَهُ ابْنَتَهُ فاطِمَةَ: ما نَفَقَتُكَ؟ فَقالَ لَهُ عُمَرُ: الحَسَنَةُ بَيْنَ سَيِّئَتَيْنِ، ثُمْ تَلا هَذِهِ الآيَةَ. وقالَ يَزِيدُ بْنُ حَبِيبٍ أيْضًا في هَذِهِ الآيَةِ: أُولَئِكَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ، كانُوا لا يَأْكُلُونَ طَعامًا لِلتَّنَعُّمْ واللَذَّةِ، ولا يَلْبَسُونَ ثِيابًا لِلْجَمالِ، ولَكِنْ كانُوا يُرِيدُونَ مِنَ الطَعامِ ما يَسُدُّ عنهُمُ الجُوعَ، ويُقَوِّيهِمْ عَلى عِبادَةِ رَبِّهِمْ، ومِنَ اللِباسِ ما يَسْتُرُ عَوْراتِهِمْ، ويُكِنُّهم مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ. وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «كَفى بِالمَرْءِ سَرَفًا ألّا يَشْتَهِيَ شَيْئًا إلّا اشْتَراهُ وأكَلَهُ»، وفي سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ مِنَ السَرَفِ أنْ تَأْكُلَ ما اشْتَهَيْتَهُ»، وقالَ الشاعِرُ:

؎ ولا تَغْلُ في شَيْءٍ مِنَ الأمْرِ واقْتَصِدْ كِلا طَرَفَيْ قَصَدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، ومُجاهِدٌ، وحَفْصٌ عن عاصِمْ: "يَقْتِرُوا" بِفَتْحِ (p-٤٥٩)الياءِ وكَسْرِ التاءِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ التاءِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والأعْمَشِ -، وعاصِمْ بِخِلافٍ-. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ التاءِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والناسُ: "قَوامًا" بِفَتْحِ القافِ، أيْ: مُعْتَدِلًا، وقَرَأ حَسّانُ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ بِكَسْرِ القافِ، أيْ: مُبَلِّغًا وسِدادًا ومِلاكَ حالٍ. و "قَوامًا" خَبَرُ "كانَ"، واسْمُها مُقَدَّرٌ، أيِ: الإنْفاقُ، وجَوَّزَ الفَرّاءُ أنْ يَكُونَ اسْمُها قَوْلَهُ: "بَيْنَ ذَلِكَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةُ، إخْراجٌ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ مِن صِفاتِ الكَفَرَةِ فِي: عِبادَتِهِمُ الأوثانَ، وقَتْلِهِمُ النَفْسَ بِوَأْدِ البَناتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الظُلْمِ والِاغْتِيالِ والغاراتِ، وبِالزِنى الَّذِي كانَ عِنْدَهم مُباحًا، وفي نَحْوِ هَذِهِ الآيَةِ قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «قَلَتْ يَوْمًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: أيُّ الذَنْبِ أعْظَمُ؟ قالَ: أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ، قُلْتُ: ثُمْ أيْ؟ قالَ: أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قُلْتُ: ثُمْ أيْ؟ قالَ: أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ، ثُمْ قَرَأ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وبِالقَتْلِ والزِنى يَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ العُصاةُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ولَهم مِنَ الوَعِيدِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، والحَقُّ الَّذِي تُقْتَلُ بِهِ النَفْسُ هو قَتْلُ النَفْسِ، والكُفْرُ بَعْدَ الإيمانِ، والزِنى بَعْدَ الإحْصانِ، والكُفْرُ الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْهُ إيمانٌ في الحَرْبِيِّينَ.

و "الأثامُ" في كَلامِ العَرَبِ: العِقابُ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ زَيْدٍ هَذِهِ الآيَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٤٦٠)

؎ جَزى اللهُ ابْنَ عُرْوَةَ حَيْثُ أمْسى ∗∗∗ عُقُوقًا والعُقُوقُ لَهُ أثامُ

أيْ: جَزاءٌ وعُقُوبَةٌ. وقالَ عِكْرِمَةُ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، ومُجاهِدٌ: إنَّ "أثامًا" وادٍ في جَهَنَّمَ، هَذا اسْمُهُ، وقَدْ جَعَلَهُ اللهُ تَعالى عِقابًا لِلْكَفَرَةِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُضاعَفْ" و "يَخْلُدْ" جَزْمًا. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، وابْنُ عامِرٍ: "يُضَعَّفْ" بِشَدِّ العَيْنِ وطَرْحِ الألِفِ، وبِالجَزْمِ في "يُضَعَّفْ"، "وَيَخْلُدْ". وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: "نُضَعِّفْ" بِضَمِّ النُونِ وكَسْرِ العَيْنِ المُشَدَّدَةِ "العَذابَ" بِالنَصْبِ، "وَيَخْلُدْ" بِالجَزْمِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: "وَتَخْلُدْ" بِالتاءِ، عَلى مَعْنى مُخاطَبَةِ الكافِرِ بِذَلِكَ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو: "وَيُخْلَدْ" بِضَمِّ الياءِ مِن تَحْتِ، وفَتْحِ اللامِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهي غَلَطٌ مِن جِهَةِ الرِوايَةِ، و "يُضاعَفْ" بِالجَزْمِ بَدَلٌ مِن "يَلْقَ"، قالَ سِيبَوَيْهِ: مُضاعَفَةُ العَذابِ لُقِيُّ الأثامِ، قالَ الشاعِرُ:

؎ مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا ∗∗∗ تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجًا

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تابَ﴾ الآيَةُ، لا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ عامَلٌ في الكافِرِ والزانِي، واخْتَلَفُوا في القاتِلِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقالَ جُمْهُورُ العُلَماءِ: لَهُ التَوْبَةُ، (p-٤٦١)وَجَعَلَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ قاعِدَتَها قَوْلَهَ تَعالى: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فَحُصِّلَ القاتِلُ في المَشِيئَةِ كَسائِرِ التائِبِينَ مِن ذُنُوبٍ، ويَتَأوَّلُونَ الخُلُودَ الَّذِي في آيَةِ القَتْلِ في سُورَةِ النِساءِ بِمَعْنى الدَوامِ إلى مُدَّةٍ كَخُلُودِ الدُوَلِ ونَحْوِهِ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ لِمَن قَتَلَ: حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ ﷺ. وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ: لا تَوْبَةَ لِلْقاتِلِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وهَذِهِ الآيَةُ إنَّما أُرِيدَ بِالتَوْبَةِ فِيها المُشْرِكُونَ، وذَلِكَ أنَّها «لَمّا نَزَلَتْ قالَتْ طَوائِفُ مِنَ المُشْرِكِينَ: كَيْفَ لَنا بِالدُخُولِ في الإسْلامِ ونَحْنُ قَدْ فَعَلْنا جَمِيعَ هَذا؟ فَنَزَلَتْ ﴿إلا مَن تابَ﴾ الآيَةُ، ونَزَلَتْ ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللهِ﴾ [الزمر: ٥٣]، فَما رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَرِحَ بِشَيْءٍ فَرَحِهِ بِها وبِسُورَةِ الفَتْحِ». وقالَ غَيْرُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما مِمَّنْ قالَ بِأنْ لا تَوْبَةَ لِلْقاتِلِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ سُورَةِ النِساءِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، ورَواهُ أيْضًا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ أبُو الجَوْزاءِ: صَحِبْتُ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً فَما رَأيْتُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ إلّا سَألْتُهُ عنهُ، فَما سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى يَقُولُ لِذَنْبٍ: لا أغْفِرُهُ.

(p-٤٦٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾. مَعْناهُ: يَجْعَلُ أعْمالَهم بَدَلَ مَعاصِيهِمُ الأُولى طاعَةً، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِرَحْمَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ إيّاهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، ورَدُّوا عَلى مَن قالَ: هو في يَوْمِ القِيامَةِ لِمَن يُرِيدُ المَغْفِرَةَ لَهُ مِنَ المُوَحِّدِينَ، يُبَدِّلُ السَيِّئاتِ حَسَناتٍ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ المُسَيَّبِ في هَذِهِ الآيَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهُوَ مَعْنى كَرَمِ العَفْوِ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "يُبْدِلُ" بِسُكُونِ الباءِ وتَخْفِيفِ الدالِ.

25:71–74Page 366

وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا ٧١

And he who repents and does righteousness does indeed turn to Allāh with [accepted] repentance.

وَٱلَّذِينَ لَا يَشۡهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِٱللَّغۡوِ مَرُّواْ كِرَامٗا ٧٢

And [they are] those who do not testify to falsehood, and when they pass near ill speech, they pass by with dignity.

وَٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ لَمۡ يَخِرُّواْ عَلَيۡهَا صُمّٗا وَعُمۡيَانٗا ٧٣

And those who, when reminded of the verses of their Lord, do not fall upon them deaf and blind.

وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا ٧٤

And those who say, "Our Lord, grant us from among our wives and offspring comfort to our eyes1 and make us a leader [i.e., example] for the righteous."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَمَن تابَ وعَمِلَ صالِحًا فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللهِ مَتابًا﴾ ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُورَ وإذا مَرُّوا بِاللَغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ ﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾

أكَّدَ هَذا اللَفْظُ أمْرَ التَوْبَةِ، والمَعْنى: ومَن تابَ فَإنَّهُ قَدْ تَمَسَّكَ بِأمْرٍ وثِيقٍ، وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن يُسْتَحْسَنُ قَوْلُهُ في أمْرٍ: لَقَدْ قُلْتَ يا فُلانُ قُولًا. وكَذَلِكَ الآيَةُ مَعْناها مَدْحُ المَتابِ، كَأنَّهُ قالَ: فَإنَّهُ يَجِدُ بابًا لِلْفَرَجِ والمَغْفِرَةِ عَظِيمًا. ثُمُ اسْتَمَرَّتِ الآياتُ في صِفَةِ عِبادِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى- المُؤْمِنِينَ بِأنْ نَفى عنهم شَهادَةَ الزُورِ.

و"يَشْهَدُونَ" في هَذَهِ الآيَةِ ظاهِرُ مَعْناها: يُشاهِدُونَ ويَحْضُرُونَ. و "الزُورُ": كُلُّ باطِلٍ زُوِّرَ وزُخْرِفَ، فَأعْظَمُهُ الشِرْكُ، وبِهِ فَسَّرَ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، ومِنهُ الغِناءُ، وبِهِ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، ومِنهُ الكَذِبُ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ، ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: المَعْنى: لا يَشْهَدُونَ الزُورَ، فَهي مِنَ الشَهادَةِ لا مِنَ المُشاهَدَةِ، و "الزُورُ": الكَذِبُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والشاهِدُ بِالزُورِ -حاضِرُهُ ومُؤَدِّيهِ- فَجَرَةٌ، فالمَعْنى الأوَّلُ أعَمُّ، لَكِنَّ المَعْنى الثانِيَ أغْرَقُ في المَعاصِي وأنْكى.

و "اللَغْوُ": كُلُّ سَقْطٍ مِن فِعْلٍ أو قَوْلٍ، ويَدْخُلُ فِيهِ الغِناءُ واللهْوُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا قارَبَهُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ سَفَهُ المُشْرِكِينَ وأذاهم لِلْمُؤْمِنِينَ، وذِكْرُ النِساءِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنُ (p-٤٦٣)المُنْكَرِ، و "كِرامًا" مَعْناهُ: مُعْرِضِينِ مُسْتَخِفِّينَ يَتَجافَوْنَ عن ذَلِكَ، ويَصْبِرُونَ عَلى الإيذاءِ مِنهُ، ورُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ سَمِعَ غِناءً فَأسْرَعَ في مَشْيِهِ وذَهَبَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَبِيَّ ﷺ فَقالَ: "لَقَدْ أصْبَحَ ابْنُ أُمْ عَبْدٍ كَرِيمًا، وقَرَأ الآيَةَ.»

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وأمّا إذا مَرَّ المُسْلِمْ بِمُنْكَرٍ فَكَرَمُهُ أنْ يُغَيِّرَهُ، وحُدُودُ التَغْيِيرِ مَعْرُوفَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾، يُرِيدُ: ذُكِّرُوا بِالقُرْآنِ آخِرَتَهم ومَعادَهُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المَعْنى: لَمْ يَكُنْ خُرُوجُهم بِهَذِهِ الصِفَةِ بَلْ يَكُونُ خُرُوجُهم سُجَّدًا وبُكِيًّا، وهَذا كَما تَقُولُ: لَمْ يَخْرُجْ زَيْدٌ لِلْحَرْبِ جَزَعًا، أيْ: إنَّما خَرَجَ جَرِيئًا مُقْدِمًا، أو كَأنَّ الَّذِي يَخِرُّ أصَمَّ أعْمى هو المُنافِقُ أوِ الشاكُّ، والتَأْوِيلُ الثانِي، وإلَيْهِ ذَهَبَ الطَبَرِيُّ، وهو أنَّ ﴿يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ هي صِفَةٌ لِلْكُفّارِ، وهي عِبارَةٌ عن إعْراضِهِمْ وجَهْدِهِمْ في ذَلِكَ، وقِرْنُ ذَلِكَ بِقَوْلِكَ، قَعَدَ فُلانٌ يَشْتُمُنِي، وقامَ فُلانٌ يَبْكِي، وأنْتَ لَمْ تَقْصِدِ الإخْبارَ بِقُعُودٍ ولا قِيامٍ، وإنَّما هي تَوْطِئاتٌ في الكَلامِ والعِبارَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وكَأنَّ المُسْتَمِعَ لِلذِّكْرِ قائِمُ القَناةِ قَوِيمُ الأمْرِ، فَإذا أعْرَضَ وضَلَّ كانَ ذَلِكَ خُرُورًا، وهو السُقُوطُ عَلى غَيْرِ نِظامٍ وتَرْتِيبٍ، وإنْ كانَ قَدْ شُبِّهَ بِهِ الَّذِي يَخِرُّ ساجِدًا، ولَكِنَّ أصْلَهُ أنَّهُ عَلى غَيْرِ تَرْتِيبٍ.

ثُمْ مَدَحَ المُؤْمِنِينَ حالَ الدُعاءِ إلَيْهِ في أنْ يُقِرَّ العُيُونَ بِالأهْلِ والذُرِّيَّةِ. و "قُرَّةُ العَيْنِ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ القَرارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ القَرِّ، وهو الأشْهَرُ؛ لِأنَّ دَمْعَ السُرُورِ بارِدٌ ودَمْعَ الحُزْنِ سُخْنٌ، فَمِن هَذا يُقالُ: أقَرَّ اللهُ عَيْنَكَ وأسْخَنَ اللهُ عَيْنَ العَدُوِّ، وقُرَّةُ العَيْنِ في الأزْواجِ والذُرِّيَّةِ أنْ يَراهُمُ الإنْسانُ مُطِيعِينَ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، (p-٤٦٤)والحَسَنُ، وحَضْرَمِيٌّ، وبَيَّنَ المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ الوَجْهَ مِن ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا في أوَّلِ الإسْلامِ يَهْتَدِي الِابْنُ، والأبُ كافِرٌ، والزَوْجُ، والزَوْجَةُ كافِرَةٌ، فَكانَتْ قُرَّةُ عُيُونِهِمْ في إيمانِ أحْبابِهِمْ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ: "وَذُرِّيّاتِنا"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وطَلْحَةُ، وعِيسى: "وَذُرِّيَّتِنا" بِالإفْرادِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ قِيلَ: هو جَمْعُ "آمٍّ"، مِثْلُ قائِمْ وقِيامٌ، وقِيلَ: هو مُفْرَدُ اسْمِ جِنْسٍ، أيِ: اجْعَلْنا يَأْتَمُّ بِنا المُتَّقُونَ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا أنْ يَكُونَ الداعِي مُتَّقِيًا قُدْوَةً، وهَذا هو قَصْدُ الداعِي، قالَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: لَمْ يَطْلُبُوا الرِياسَةَ، بَلْ أنْ يَكُونُوا قُدْوَةً في الدِينِ، وهَذا حَسَنٌ أنْ يُطْلَبَ ويُسْعى لَهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском