Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:176–216
26:176–191Page 374
كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ لۡـَٔيۡكَةِ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٧٦
The companions of the thicket [i.e., the people of Madyan] denied the messengers
إِذۡ قَالَ لَهُمۡ شُعَيۡبٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٧٧
When Shuʿayb said to them, "Will you not fear Allāh?
إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٧٨
Indeed, I am to you a trustworthy messenger.
فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٧٩
So fear Allāh and obey me.
وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٨٠
And I do not ask you for it any payment. My payment is only from the Lord of the worlds.
۞ أَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُخۡسِرِينَ ١٨١
Give full measure and do not be of those who cause loss.
وَزِنُواْ بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِيمِ ١٨٢
And weigh with an even [i.e., honest] balance.
وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ١٨٣
And do not deprive people of their due and do not commit abuse on earth, spreading corruption.
وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلۡجِبِلَّةَ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٨٤
And fear He who created you and the former creation."1
قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلۡمُسَحَّرِينَ ١٨٥
They said, "You are only of those affected by magic.
وَمَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ١٨٦
You are but a man like ourselves, and indeed, we think you are among the liars.
فَأَسۡقِطۡ عَلَيۡنَا كِسَفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١٨٧
So cause to fall upon us fragments of the sky, if you should be of the truthful."
قَالَ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨٨
He said, "My Lord is most knowing of what you do."
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمۡ عَذَابُ يَوۡمِ ٱلظُّلَّةِۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٍ ١٨٩
And they denied him, so the punishment of the day of the black cloud seized them. Indeed, it was the punishment of a terrible day.
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٩٠
Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٩١
And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.
قوله عزّ وجلّ:
﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لَهم شُعَيْبٌ ألا تَتَّقُونَ﴾ ﴿إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾ ﴿فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿وَما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أوفُوا الكَيْلَ ولا تَكُونُوا مِنَ المُخْسِرِينَ﴾ ﴿وَزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ ﴿وَلا تَبْخَسُوا الناسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿واتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ ﴿وَما أنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَماءِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّي أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابُ يَوْمِ عَظِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ﴾
(p-٥٠٣)قالَ النَقّاشُ: في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيٍّ، وحَفْصَةَ: "إذْ قالَ لَهم أخُوهم شُعَيْبٌ"، وقالُوا: ولا وجْهَ لِمُراعاةِ النَسَبِ، وإنَّما هو أخُوهم مِن حَيْثُ هو رَسُولُهم وآدَمِيٌّ مِثْلُهم.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "لَيْكَةَ" عَلى وزْنِ فَعْلَةَ هُنا وفي "ص"، وقَرَأ الباقُونَ: "الأيْكَةُ" وهي الدَوْحَةُ المُلْتَفَّةُ مِنَ الشَجَرِ عَلى الإطْلاقِ، وقِيلَ: مِن شَجَرٍ مَعْرُوفٍ لَهُ غَضارَةٌ يَأْلَفُهُ الحَمامُ والقَمارِيُّ ونَحْوُها، وقالَ قَتادَةُ: كانَ شَجَرُهم هَذا دَوْمًا. و"لَيْكَةُ" اسْمُ البَلَدِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ ذَلِكَ، قالَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، ذَكَرَهُ أبُو عَبِيدٍ القاسِمُ بْنُ سَلّامٍ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّها مُسَهَّلَةٌ مِنَ الأيْكَةِ، وأنَّها وقَعَتْ في المُصْحَفِ هُنا وفي سُورَةِ "ص" بِغَيْرِ ألِفٍ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: سُقُوطُ ذَلِكَ مِنَ المُصْحَفِ لا يُرَجِّحُ النُطْقَ بِها هَكَذا؛ لِأنَّ خَطَّ المُصْحَفِ اتُّبِعَ فِيهِ تَسْهِيلُ اللَفْظِ، كُلَّما سَقَطَتِ الألِفُ مِنَ اللَفْظِ سَقَطَتْ مِنَ الخَطِّ، نَحْوُ سُقُوطِ الواوِ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَنَدْعُ الزَبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨]، لَمّا سَقَطَ مِنَ اللَفْظِ، وأمّا تَرْجِيحُ القِراءَةِ في "لَيْكَةَ" بِفَتْحِ الياءِ في مَوْضِعِ الجَرِّ فَلا يَقْتَضِيهِ ما في المُصْحَفِ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ، ويَدُلُّ عَلى ضَعْفِها أنَّ سائِرَ ما في القُرْآنِ غَيْرُ هَذَيْنَ المَوْضِعَيْنِ مُجْمَعٌ فِيهِ عَلى "الأيْكَةِ" بِالهَمْزِ والألِفِ والخَفْضِ.
وكانَتْ مُدُنُ القَوْمِ سَبْعَةً فِيما رُوِيَ، ولَمْ يَكُنْ شُعَيْبٌ مِنهُمْ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ هُنا بِأنَّهُ أخٌ لَهُمْ، وإنَّما كانَ مِن بَنِي مَدْيَنَ، ولِذَلِكَ ذَكَّرَ بِأخُوهُمْ، وجاءَتِ الألْفاظُ في دُعاءِ كُلِّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ واحِدَةٌ بِعَيْنِها إذْ كانَ الإيمانُ المَدْعُوُّ إلَيْهِ مَعْنًى واحِدًا بِعَيْنِهِ، وفي قَوْلِهِمْ عَلَيْهِمُ السَلامُ: " ألّا تَتَّقُونَ " عَرْضُ رَقِيقٍ وتَلَطُّفٍ، كَما قالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ [النازعات: ١٨].
وكانَتْ مَعْصِيَتُهُمُ المُضافَةُ إلى كُفْرِهِمْ؛ بِخْسَ المَوازِينِ وتَنْقُصُ أمْوالُ الناسِ بِذَلِكَ. و"القِسْطاسُ": المُعْتَدِلُ مِنَ المَوازِينِ، وهو بِناءُ مُبالَغَةٍ مِنَ القِسْطِ، وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ إلى أنَّ قَوْلَهُ: "وَزِنُوا بِالقِسْطاسِ" بِضَمِّ القافِ مِنَ "القِسْطاسِ"، وقَرَأ (p-٥٠٤)عِيسى وأهْلُ الكُوفَةِ بِكَسْرِها، و"تَعْثَوْا" مَعْناهُ: تُفْسِدُونَ، يُقالُ: "عَثا" إذا أفْسَدَ.
"والجِبِلَّةَ": القُرُونُ والخَلِيقَةُ الماضِيَةُ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ والمَوْتُ أعْظَمُ حادِثٍ فِيما يَمُرُّ عَلى الجِبِلَّةِ
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "والجِبِلَّةُ" بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ، وقَرَأ أبُو مُحَيْصِنٍ والحَسَنُ: "والجِبِلَّةُ" بِضَمِّها، و"الكِسَفُ": القَطْعُ، واحِدُها: كَسْفَةٌ، كَتَمْرَةٌ وتَمْرٌ، و﴿يَوْمِ الظُلَّةِ﴾ يَوْمَ عَذابِهِمْ، وصُورَتُهُ -فِيما رُوِيَ- أنَّ اللهَ تَعالى امْتَحَنَهم بَحْرٍّ شَدِيدٍ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ اليَوْمَ غَشِيَ بَعْضَ قُطْرِهِمْ سَحابَةٌ، فاجْتَمَعُوا تَحْتَها، فاضْطَرَمَتْ عَلَيْهِمْ تِلْكَ السَحابَةُ نارًا فَأحْرَقَتْهم عن آخِرِهِمْ. ولِلنّاسِ في حَدِيثِ يَوْمِ الظُلَّةِ تَطْوِيلاتٌ لا تَثْبُتُ، والحَقُّ أنَّهُ عَذابٌ جَعَلَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ظُلَّةً، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: مَن حَدَّثَكَ ما عَذابُ يَوْمِ الظُلَّةِ فَقَدْ كَذَبَ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
26:192–199Page 375
وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٩٢
And indeed, it [i.e., the Qur’ān] is the revelation of the Lord of the worlds.
نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ ١٩٣
The Trustworthy Spirit [i.e., Gabriel] has brought it down
عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ١٩٤
Upon your heart, [O Muḥammad] - that you may be of the warners
بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ ١٩٥
In a clear Arabic language.
وَإِنَّهُۥ لَفِي زُبُرِ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٩٦
And indeed, it is [mentioned] in the scriptures of former peoples.
أَوَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ ءَايَةً أَن يَعۡلَمَهُۥ عُلَمَٰٓؤُاْ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٩٧
And has it not been a sign to them that it is recognized by the scholars of the Children of Israel?
وَلَوۡ نَزَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ بَعۡضِ ٱلۡأَعۡجَمِينَ ١٩٨
And even if We had revealed it to one among the foreigners1
فَقَرَأَهُۥ عَلَيۡهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ مُؤۡمِنِينَ ١٩٩
And he had recited it to them [perfectly],1 they would [still] not have been believers in it.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ ﴿وَإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ ﴿فَقَرَأهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾
الضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ، أيْ: إنَّهُ لَيْسَ بِكَهانَةٍ ولا سِحْرٍ، وإنَّما هو مِن عِنْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، و﴿الرُوحُ الأمِينُ﴾: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ بِإجْماعٍ، ونَزَلَ بِاللَفْظِ العَرَبِيِّ والمَعانِي الثابِتَةِ في الصَدْرِ والمَصاحِفِ، والضَمِيرُ عَلى ذَلِكَ كُلُّهُ عائِدٌ في "بِهِ". و"اللِسانُ" عِبارَةٌ عَنِ اللُغَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ -: "نَزَلَ" خَفِيفَةَ الزايِ "الرُوحُ" بِالرَفْعِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِشَدِّ الزايِ "الرُوحَ" نَصْبًا، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧]، (p-٥٠٥)وَبِقَوْلِهِ: ﴿لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾. وقَوْلُهُ: "بِهِ" في مَوْضِعِ الحالِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: ٦١]. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ إشارَةٌ إلى حِفْظِهِ إيّاهُ، وعَلَّلَ النُزُولَ عَلى قَلْبِهِ بِكَوْنِهِ مِنَ المُنْذِرِينَ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُنْذِرَ بِهِ إلّا بَعْدَ حِفْظِهِ. وقَوْلُهُ: "بِلِسانٍ" يُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ الباءَ بِـ "نَزَلَ بِهِ"، وهَذا عَلى «أنَّ النَبِيَّ ﷺ إنَّما كانَ يَسْمَعُ مِن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ حُرُوفًا عَرَبِيَّةً»، وهو القَوْلُ الصَحِيحُ، وتَكُونُ صَلْصَلَةُ الجَرَسِ صِفَةً لِشِدَّةِ الصَوْتِ وتَداخُلِ حُرُوفِهِ وعَجَلَةِ مَوْرِدِهِ وإغْلاظِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: "لِتَكُونَ"، وتُمْسِكَ بِهَذا مَن رَأى أنَّ النَبِيَّ ﷺ كانَ يَسْمَعُ مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ يُتَفَهَّمُ لَهُ مِنهُ القُرْآنُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ يَقْتَضِي أنَّ بَعْضَ ألْفاظِ القُرْآنِ مِن لَدُنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ ﷺ، وهَذا مَرْدُودٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ أيْ في كُتُبِهِمْ، يُرِيدُ أنَّ القُرْآنَ مَذْكُورٌ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ القَدِيمَةِ مُنَبِّهٌ عَلَيْهِ مُشارٍ إلَيْهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زُبُرُ" بِضَمِّ الباءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِسُكُونِها.
ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كانَ يَنْبَغِي أنْ يُصَحِّحَ عِنْدَهم أمْرُهُ، كانَ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ يَعْلَمُونَهُ، كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ ونَحْوِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا -فِيما حَكى عنهُ الثَعْلَبِيُّ -: إنَّ أهْلَ مَكَّةَ بَعَثُوا إلى أحْبارِ يَثْرِبَ يَسْألُونَهم عَنِ النَبِيِّ ﷺ، فَقالُوا: هَذا زَمانُهُ، ووَصَفُوا بَعْثَهُ، ثُمَّ خَلَطُوا في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُؤَيِّدُ هَذا كَوْنُ الآيَةِ مَكِّيَّةٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: هَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، فَمَن قالَ: إنَّها مَكِّيَّةٌ، ذَهَبَ إلى أنَّ عُلَماءَ بَنِي إسْرائِيلَ ذَكَرُوا أنَّ في التَوْراةِ صِفَةَ النَبِيِّ ﷺ، وهَذِهِ الإشارَةُ إلى (p-٥٠٦)ذَلِكَ. وكُلُّهم قَرَأ: "يَكُنْ" بِالياءِ "آيَةً" نَصْبًا، غَيْرُ ابْنِ عامِرٍ فَإنَّهُ قَرَأ: "تَكُنْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ: "آيَةٌ" رَفْعًا، وهي قِراءَةُ عاصِمٍ الجَحْدَرِيِّ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنْ يَعْلَمَهُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "أنْ تَعْلَمَهُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ.
ثُمَّ سَلّى مُحَمَّدًا ﷺ عن صُدُودِ قَوْمِهِ عَنِ الشَرْعِ بِأنْ أخْبَرَ أنَّ هَذا القُرْآنَ العَرَبِيَّ لَوْ سَمِعُوهُ مِن أعْجَمٍ، أيْ: مِن حَيَوانٍ غَيْرِ ناطِقٍ، أو جَمادٍ، -والأعْجَمُ: كُلُّ ما لا يُفْصِحُ- ما كانُوا يُؤْمِنُونَ، أيْ: قَدْ خَتَمَ الكُفْرُ عَلَيْهِمْ فَلا سَبِيلَ إلى إيمانِهِمْ، و"الأعْجَمُونَ" جَمْعُ أعْجَمٍ، وهو الَّذِي لا يُفْصِحُ، وإنْ كانَ عَرَبِيُّ اللِسانِ يُقالُ لَهُ: أعْجَمُ، وكَذَلِكَ يُقالُ لِلْحَيَواناتِ والجَماداتِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: «جُرْحُ العَجْماءِ جِبارٌ»، وأسْنَدَ الطَبَرَيُّ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مُطِيعٍ أنَّهُ قالَ حِينَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وهو واقِفٌ بِعَرَفَةَ: "جَمَلِي هَذا أعْجَمُ، فَلَوْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ، ما كانُوا يُؤْمِنُونَ"، والعَجَمِيُّ هو الَّذِي نَسَبُهُ في العَجَمِ وإنْ كانَ فَصِيحَ اللِسانِ. وقَرَأ الحَسَنُ: "الأعْجَمِيَّيْنِ"، قالَ أبُو حاتِمْ: أرادَ جَمْعَ "الأعْجَمِيِّ" المَنسُوبِ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: الأعْجَمُونَ جَمْعُ أعْجَمٍ، وهو أعْجَمُ، أُضِيفَ فَقَوِيَتْ بِالإضافَةِ رُتْبَتُهُ في الأسْماءِ فَجَمَعَ، ولَيْسَ بِأعْجَمِيِّ النِسْبَةِ إلى العَجَمِ. وقَرَأ جُمْهُورُ (p-٥٠٧)الناسِ: "أوَ لَمْ يَكُنْ" بِالياءِ "لَهم آيَةً" بِالنَصْبِ، وقَرَأ: "أوَ لَيْسَ لَكم آيَةٌ" ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ "ألَيْسَ" بِغَيْرِ واوٍ أو فاءٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَكُنْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ "آيَةٌ" رَفْعًا، وقَرَأ بَعْضُ مَن قَرَأ بِالتاءِ "آيَةً" بِالنَصْبِ، وسائِرُهم بِالرَفْعِ، وقَدْ مَضى ذِكْرُ ما في السَبْعِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ عائِدٌ عَلى "الذِكْرِ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن الرَحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ [الشعراء: ٥].
26:200–209Page 375
كَذَٰلِكَ سَلَكۡنَٰهُ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٢٠٠
Thus have We inserted it [i.e., disbelief] into the hearts of the criminals.
لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٢٠١
They will not believe in it until they see the painful punishment.
فَيَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٠٢
And it will come to them suddenly while they perceive [it] not.
فَيَقُولُواْ هَلۡ نَحۡنُ مُنظَرُونَ ٢٠٣
And they will say, "May we be reprieved?"
أَفَبِعَذَابِنَا يَسۡتَعۡجِلُونَ ٢٠٤
So for Our punishment are they impatient?
أَفَرَءَيۡتَ إِن مَّتَّعۡنَٰهُمۡ سِنِينَ ٢٠٥
Then have you considered if We gave them enjoyment for years
ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ ٢٠٦
And then there came to them that which they were promised?
مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ ٢٠٧
They would not be availed by the enjoyment with which they were provided.
وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ ٢٠٨
And We did not destroy any city except that it had warners
ذِكۡرَىٰ وَمَا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٢٠٩
As a reminder; and never have We been unjust.
قوله عزّ وجلّ:
﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ ﴿أفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ ﴿ثُمَّ جاءَهم ما كانُوا يُوعَدُونَ﴾ ﴿ما أغْنى عنهم ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ ﴿وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ ﴿ذِكْرى وما كُنّا ظالِمِينَ﴾
الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى ما يَتَحَصَّلُ لِسامِعِ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ الحَتْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٨] الآيَةُ. و"سَلَكْناهُ" مَعْناهُ: أدْخَلْناهُ، والضَمِيرُ فِيهِ لِلْكُفْرِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٩]، قالَهُ الحَسَنُ. قالَ الرُمّانِيُّ: لا وجْهَ لِهَذا إلّا أنَّهُ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُ، وإنَّما الضَمِيرُ لِلْقُرْآنِ وإخْطارُهُ بِالبالِ، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّ الضَمِيرَ لِلتَّكْذِيبِ المَفْهُومِ، وحَكاهُ الثَعْلَبِيُّ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "كَذَلِكَ جَعَلْناهُ في قُلُوبٍ"، ورُوِيَ عنهُ "نَجْعَلُهُ". و"المُجْرِمُونَ" أرادَ بِهِ مُجْرِمِي كُلِّ أُمَّةٍ، أيْ أنَّ هَذِهِ عادَةُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى فِيهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يَرَوُا العَذابَ، فَلا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ بَعْدَ تَلَبُّسِ العَذابِ بِهِمْ، وهَذا عَلى جِهَةِ المِثالِ لِقُرَيْشٍ، أيْ: هَؤُلاءِ كَذَلِكَ. وكَشَفَ الغَيْبُ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ يَوْمَ بَدْرٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَيَأْتِيهِمْ" بِالياءِ، أيِ: العَذابُ، وقَرَأ الحَسَنُ: "فَتَأْتِيهِمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، يَعْنِي الساعَةَ، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فَيَرَوْهُ بَغْتَةً"، ومِن قَوْلِ كُلِّ أُمَّةٍ مُعَذَّبَةٍ: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ أيْ مُؤَخَّرُونَ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَمَنِّي مِنهم والرَغْبَةِ حَيْثُ لا تَنْفَعُ الرَغْبَةُ.
(p-٥٠٨)ثُمَّ رَجَعَ لَفْظُ الآيَةِ إلى تَوْبِيخِ قُرَيْشٍ عَلى اسْتِعْجالِهِمْ عَذابَ اللهِ تَعالى في طَلَبِهِمْ سُقُوطَ السَماءِ كِسْفًا وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهم لِمُحَمَّدٍ ﷺ: أيْنَ ما تَعُدُّنا؟ أيْ:إنَّهُ لا يَنْبَغِي لَهم ذَلِكَ لِأنَّ عَذابَنا بِالمِرْصادِ إذا حانَ حِينُهُ. ثُمَّ خاطَبَ مُحَمَّدًا ﷺ بِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ في أنَّ مُدَّةَ الإرْجاءِ والإمْهالُ والإمْلاءُ لا يَعْنِي مَنعَ نُزُولِ العَذابِ بَعْدَها، ووُقُوعَ النِقْمَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: "أفَرَأيْتَ" الآيَةُ، قالَ عِكْرِمَةُ: "سِنِينَ" يُرِيدُ: عُمْرُ الدُنْيا، ولِأبِي جَعْفَرٍ المَنصُورِ قِصَّةٌ في هَذِهِ الآيَةِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى أنَّهُ لَمْ يُهْلِكْ قَرْيَةً مِنَ القُرى إلّا بَعْدَ إرْسالِ مَن يُنْذِرُهم عَذابَ اللهِ تَعالى ذِكْرى لَهم وتَبْصِرَةً وإقامَةَ حُجَّةٍ؛ ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] و"ذِكْرى" عِنْدَ الكِسائِيِّ نُصِبَ عَلى الحالِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِ، وهو قَوْلُ الزَجّاجِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ ذِكْرى، ثُمَّ نَفى عن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ الظُلْمَ؛ إذْ هو مِمّا لا يَلِيقُ بِهِ.
26:210–216Page 376
وَمَا تَنَزَّلَتۡ بِهِ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢١٠
And the devils have not brought it [i.e., the revelation] down.1
وَمَا يَنۢبَغِي لَهُمۡ وَمَا يَسۡتَطِيعُونَ ٢١١
It is not allowable for them, nor would they be able.
إِنَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّمۡعِ لَمَعۡزُولُونَ ٢١٢
Indeed they, from [its] hearing, are removed.1
فَلَا تَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُعَذَّبِينَ ٢١٣
So do not invoke1 with Allāh another deity and [thus] be among the punished.
وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ ٢١٤
And warn, [O Muḥammad], your closest kindred.
وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢١٥
And lower your wing [i.e., show kindness] to those who follow you of the believers.
فَإِنۡ عَصَوۡكَ فَقُلۡ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٢١٦
And if they disobey you, then say, "Indeed, I am disassociated from what you are doing."
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَياطِينُ﴾ ﴿وَما يَنْبَغِي لَهم وما يَسْتَطِيعُونَ﴾ ﴿إنَّهم عَنِ السَمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المُعَذَّبِينَ﴾ ﴿وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾
لَمّا كانَ في هَذا المَوْضِعِ ما قالَ الكُفّارُ لِأنَّهم قالُوا: إنَّ هَذا القُرْآنَ كَهانَةٌ- نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُكَذِّبَةً لِذَلِكَ، أيْ: ما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَياطِينُ؛ لِأنَّها عُزِلَتْ عَنِ السَمْعِ الَّذِي كانَتْ تَأْخُذُ لَهُ مَقاعِدَها، وقَوْلُهُ: ﴿وَما يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ أيْ: ما يُمْكِنُهُمْ، وقَدْ تَجِيءُ هَذِهِ اللَفْظَةُ عِبارَةً عَمّا لا يَكُونُ، وعِبارَةً عَمًّا لا يَلِيقُ وإنْ كانَ مُمْكِنًا، ولَمّا جاءَ اللهُ تَعالى بِالإسْلامِ (p-٥٠٩)حَرَسَ السَماءَ بِالشُهُبِ الجارِيَةِ إثْرَ الشَياطِينِ، فَلَمْ يَخْلُصْ شَيْطانٌ بِشَيْءٍ يُلْقِيهِ كَما كانَ يَتَّفِقُ لَهم في الجاهِلِيَّةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الشَياطِينُ"، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنَ أنَّهُ قَرَأ: "الشَياطُونَ"، وهي قِراءَةٌ مَرْدُودَةٌ، قالَ أبُو حاتِمْ: هي غَلَطٌ مِنهُ أو عَلَيْهِ، وحَكاها الثَعْلَبِيُّ أيْضًا عَنِ ابْنِ السَمَيْفَعِ، وذَكَرَ عن يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يَقُولُ: دَخَلْتُ بَساتِينَ مِن ورائِها بَساتُونَ، قالَ يُونُسُ: ما أشْبَهَ هَذِهِ بِقِراءَةِ الحَسَنِ.
ثُمَّ وصّى عَزَّ وجَلَّ نَبِيَّهُ ﷺ بِالثُبُوتِ عَلى تَوْحِيدِ أمْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وأمَرَ بِنِذارَةِ عَشِيرَتِهِ تَخْصِيصًا لَهُمْ، إذِ العَشِيرَةُ مَظِنَّةُ المُقارَبَةِ والطَواعِيَةِ، وإذْ يُمَكِّنُهُ مَعَهم مِنَ الإغْلاظِ عَلَيْهِمْ ما لا يَحْتَمِلُهُ غَيْرُهُمْ، فَإنَّ البِرَّ بِهِمْ في مِثْلِ هَذا الحَمْلِ عَلَيْهِمْ، والإنْسانُ غَيْرُ مُتَّهَمٍ عَلى عَشِيرَتِهِ، وكانَ هَذا التَخْصِيصُ مَعَ الأمْرِ العامِّ بِنَذارَةِ العالَمِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ المُؤْمِنِينَ مِن غَيْرِ عَشِيرَتِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ نالَهم هم مِن هَذا التَخْصِيصِ وخُرُوجُهم مِنهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾. «وَلَمّا أمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِهَذِهِ النِذارَةِ عَظُمَ مَوْضِعُ الأمْرِ عَلَيْهِ وصَعُبَ، ولَكِنَّهُ تَلَقّاهُ بِالجِلْدِ، وصَنَعَ أشْياءَ مُخْتَلِفَةً كُلُّها بِحَسَبِ الأمْرِ، مِن ذَلِكَ "أنَّهُ أمَرَ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُ بِأنْ يَصْنَعَ طَعامًا، وجَمَعَ عَلَيْهِ بَنِي جَدِّهِ عَبَدِ المُطَلِّبِ، وأرادَ نَذارَتَهم ودَعْوَتَهم في ذَلِكَ الجَمْعِ، فَظَهَرَ مِنهُ عَلَيْهِ السَلامُ بَرَكَةً في الطَعامِ، قالَ عَلَيٌّ: وهم يَوْمَئِذٍ أرْبَعُونَ رَجُلًا، يَنْقُصُونَ رَجُلًا أو يَزِيدُونَهُ، فَرَماهُ أبُو لَهَبٍ بِالسِحْرِ، فَوَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وافْتَرَقَ جَمْعُهم مِن غَيْرِ شَيْءٍ، ثُمَّ جَمَعَهم مَرَّةً ثانِيَةً كَذَلِكَ وأنْذَرَهم ووَعَظَهم فَتَضاحَكُوا ولَمْ يُجِيبُوا، ومِن ذَلِكَ أنَّهُ نادى عَمَّهُ العَبّاسَ، وصْفِيَّةَ عَمَّتَهُ، وفاطِمَةَ ابْنَتَهُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقالَ: "لا أُغْنِي عنكم مِنَ اللهِ شَيْئًا، إنِّي لَكم نَذِيرٌ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ» في حَدِيثٍ مَشْهُورٍ، ومِن ذَلِكَ «أنَّهُ صَعَدَ عَلى الصَفا، أو أبِي قُبَيْسٍ ونادى: يا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، (p-٥١٠)وا صَباحاهُ، فاجْتَمَعَ إلَيْهِ الناسُ مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَقالَ: يا بَنِي فُلانٍ، يا بَنِي فُلانٍ، حَتّى أتى عَلى بُطُونِ قُرَيْشٍ جَمِيعًا، فَلَمّا تَكامَلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِن كُلِّ بَطْنٍ قالَ لَهُمْ: "أرَأيْتُمْ لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ خَيْلًا بِسَفْحِ الجَبَلِ تُرِيدُ الغارَةَ عَلَيْكُمْ، أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ"؟ قالُوا: نَعَمْ، فَإنّا لَمْ نُجَرِّبْ عَلَيْكَ كَذِبًا، فَقالَ لَهُمْ: "فَإنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ"، فَقالَ لَهُ أبُو لَهَبٍ لَعَنَهُ اللهُ: ألِهَذا جَمَعَتْنا؟ تَبًّا لَكَ سائِرَ اليَوْمِ، فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ [المسد: ١] السُورَةُ.»
و"العَشِيرَةُ": قَرابَةُ الرَجُلِ، وهي في الرُتْبَةِ تَحْتَ الفَخْذِ وفَوْقَ الفَصِيلَةِ. و"خَفْضُ الجَناحِ" اسْتِعارَةٌ، مَعْناهُ: لِينُ الكَلِمَةِ وبَسْطُ الوَجْهِ والبِرِّ، والضَمِيرُ في "عَصَوْكَ" عائِدٌ عَلى عَشِيرَتِهِ مِن حَيْثُ جُمِعَتْ رِجالًا، فَأمَرَهُ اللهُ تَعالى بِالتَبَرِّي مِنهُمْ، وفي هَذِهِ الآيَةِ مُوادَعَةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences