Ibn 'AtiyyaAsh‑Shu'ara · 26:29–68

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Ash-Shu'ara 26:29–68

26:29–37Page 368

قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذۡتَ إِلَٰهًا غَيۡرِي لَأَجۡعَلَنَّكَ مِنَ ٱلۡمَسۡجُونِينَ ٢٩

[Pharaoh] said, "If you take a god other than me, I will surely place you among those imprisoned."

قَالَ أَوَلَوۡ جِئۡتُكَ بِشَيۡءٖ مُّبِينٖ ٣٠

[Moses] said, "Even if I brought you something [i.e., proof] manifest?"

قَالَ فَأۡتِ بِهِۦٓ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٣١

[Pharaoh] said, "Then bring it, if you should be of the truthful."

فَأَلۡقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعۡبَانٞ مُّبِينٞ ٣٢

So [Moses] threw his staff, and suddenly it was a serpent manifest.1

وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِيَ بَيۡضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ ٣٣

And he drew out his hand; thereupon it was white for the observers.

قَالَ لِلۡمَلَإِ حَوۡلَهُۥٓ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٞ ٣٤

[Pharaoh] said to the eminent ones around him, "Indeed, this is a learned magician.

يُرِيدُ أَن يُخۡرِجَكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِۦ فَمَاذَا تَأۡمُرُونَ ٣٥

He wants to drive you out of your land by his magic, so what do you advise?"

قَالُوٓاْ أَرۡجِهۡ وَأَخَاهُ وَٱبۡعَثۡ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ٣٦

They said, "Postpone [the matter of] him and his brother and send among the cities gatherers

يَأۡتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٖ ٣٧

Who will bring you every learned, skilled magician."

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ﴾ ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ ﴿قالَ لِلْمَلإ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وابْعَثْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾

لَمّا انْقَطَعَ فِرْعَوْنُ لَعَنَهُ اللهُ- في بابِ الحُجَّةِ رَجَعَ إلى الِاسْتِعْلاءِ والتَغَلُّبِ، وهَذا أبْيَنُ عَلاماتِ الِانْقِطاعِ، فَتَوَعَّدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ حِينَ أعْياهُ خِطابُهُ، وفي تَوَعُّدِهِ بِالسَجْنِ ضَعْفٌ؛ لِأنَّهُ خارَتْ طِباعُهُ مَعَهُ، وكاَنَ -فِيما رُوِيَ- يَفْزَعُ مِنهُ فَزَعًا شَدِيدًا حَتّى كانَ لا يُمْسِكُ بَوْلَهُ. ورُوِيَ أنَّ سِجْنَهُ كانَ أشَدَّ مِنَ القَتْلِ؛ إذْ كانَ في مُطْبِقٍ مِنَ الأرْضِ لا يَنْطَلِقُ مِنهُ أبَدًا، وكاَنَ مَخُوفًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذِهِ نَزْعَةُ دارِ [... ] إلى اليَوْمِ.

وكانَ عِنْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن أمْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى ما لا يُرَوِّعُهُ مَعَهُ تَوَعُّدُ فِرْعَوْنَ، فَقالَ لَهُ مُوسى عَلى جِهَةِ التَلْطِفِ والطَمَعِ في إيمانِهِ: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ يَتَّضِحُ لَكَ مَعَهُ صِدْقِي؟ أفَكُنْتَ تَسْجِنُنِي؟ فَلَمّا سَمِعَ فِرْعَوْنُ ذَلِكَ طَمِعَ أنْ يَجِدَ أثْناءَهُ مَوْضِعَ مُعارَضَةٍ، فَقالَ لَهُ: ﴿فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ﴾ ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾ مِن يَدِهِ، وكانَتْ مِن عِصِيِّ الجَنَّةِ، وكانَتْ عَصى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، ويُرْوى أنَّها كانَتْ مِن ورَقَةِ الرَيْحانِ، وكانَتْ عِنْدَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَلامُ في جُمْلَةِ عِصِيِّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ فَأعْطاها لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عِنْدَ رِعايَتِهِ لَهُ الغَنَمَ عَلى صُورَةٍ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها دَلَّتْ (p-٤٧٩)عَلى نُبُوَّةِ مُوسى، وكانَ لَها في رَأْسِها شِعْبَتانِ، فَثَمَّ كانَ فَمُّ الحَيَّةِ.

والثُعْبانُ أعْظَمُ ما يَكُونُ مِنَ الحَيّاتِ، وقَدْ ذَكَرْنا فِيما تَقَدَّمَ ما رُوِيَ في عِظَمِ الحَيّاتِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ.

ونَزَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ يَدَهُ مِن جَيْبِهِ فَإذا هي تَتَلَأْلَأُ كَأنَّها قِطْعَةٌ مِنَ الشَمْسِ، فَلَمّا رَأى فِرْعَوْنُ ذَلِكَ هالَهُ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ مَدْفَعٌ، غَيْرَ أنَّهُ فَزِعَ إلى رَمْيِهِ بِالسِحْرِ، وطَمِعَ -لِعُلُّوِ عِلْمِ السِحْرِ في ذَلِكَ الوَقْتِ وكَثْرَتِهِ- أنْ يَكُونَ فِيهِ سَبَبٌ لِمُقاوَمَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَأوهَمَ قَوْمَهُ وأتْباعَهُ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ساحِرٌ، وانْتَصَبَ "حَوْلَهُ" عَلى الظَرْفِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: كائِنَيْنِ حَوْلَهُ، فالعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ، والعامِلُ هو الحالُ حَقِيقَةً، والناصِبُ لَهُ "قالَ" لِأنَّهُ هو العامِلُ في ذِي الحالِ بِواسِطَةِ لامِ الجَرِّ، نَحْوُ مَرَرْتُ بِهِنْدَ ضاحِكَةً.

ثُمَّ اسْتَشارَهُمُ في أمْرِهِ وأغْراهُمُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ﴾، فَأشارُوا عَلَيْهِ بِتَأْخِيرِ أمْرِهِ وأمْرِ أخِيهِ وجَمْعِ السَحَرَةِ لِمُقاوَمَتِهِ، ورُوِيَ أنَّهُمُ أشارُوا بِسَجْنِهِ، وهو كانَ الإرْجاءَ عِنْدَهُمْ، و"الإرْجاءُ": التَأْخِيرُ، ولَمْ يُشِيرُوا بِقَتْلِهِ لِأنَّ حُجَّتَهُ نَيِّرَةٌ وضَلالَتُهُمُ في رُبُوبِيَّةِ فِرْعَوْنَ مُبَيِّنَةٌ، فَخَشُوُا الفِتْنَةَ، وطَمِعُوا أنْ يَغْلِبَ بِحُجَّةٍ تُقْنِعُ العَوامِّ. و"الحاشِرُ": الجامِعُ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ: "بِكُلِّ سَحّارٍ"، وهو بِناءُ لِلْمُبالَغَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ أيْضًا والأعْمَشُ: "بِكُلِّ ساحِرٍ".

26:38–44Page 368

فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ٣٨

So the magicians were assembled for the appointment of a well-known day.1

وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلۡ أَنتُم مُّجۡتَمِعُونَ ٣٩

And it was said to the people, "Will you congregate

لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ ٱلسَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ٤٠

That we might follow the magicians if they are the predominant?"

فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرۡعَوۡنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجۡرًا إِن كُنَّا نَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ٤١

And when the magicians arrived, they said to Pharaoh, "Is there indeed for us a reward if we are the predominant?"

قَالَ نَعَمۡ وَإِنَّكُمۡ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ٤٢

He said, "Yes, and indeed, you will then be of those near [to me]."

قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلۡقُواْ مَآ أَنتُم مُّلۡقُونَ ٤٣

Moses said to them, "Throw whatever you will throw."

فَأَلۡقَوۡاْ حِبَالَهُمۡ وَعِصِيَّهُمۡ وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرۡعَوۡنَ إِنَّا لَنَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٤٤

So they threw their ropes and their staffs and said, "By the might of Pharaoh, indeed it is we who are predominant."

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَجُمِعَ السَحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿وَقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَحَرَةَ إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ السَحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أإنَّ لَنا لأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿قالَ لَهم مُوسى ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ ﴿فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾

اليَوْمُ هو يَوْمُ الزِينَةِ، ويُقالُ: يَوْمَ كُسِرَ خَلِيجُ النِيلِ، فَهو يَوْمُ الزِينَةِ عَلى وجْهِ الدَهْرِ (p-٤٨٠)بِمِصْرَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ هَذا الجَمْعَ كانَ بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَحَرَةَ﴾ لَيْسَ مَعْناهُ نَتَّبِعُهُمُ في السِحْرِ، إنَّما أرادَ ما مَعْناهُ: نَتَّبِعُهُمُ في نُصْرَةِ دِينِنا ومِلَّتِنا، والإبْطالِ عَلى مُعارِضِها.

وقَرَأ الأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو: "أئِنَّ لَنا" بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وشَيْبَةُ: "إنَّ لَنا" عَلى الإيجابِ، وقَرَأ عِيسى: "نَعِمْ" بِكَسْرِ العَيْنِ.

والتَقْرِيبُ الَّذِي وعَدَهم بِهِ فِرْعَوْنُ هو الجاهُ الزائِدُ عَلى العَطاءِ الَّذِي طَلَبُوهُ، والقُرْبُ مِنَ المَلِكِ الَّذِي كانَ عِنْدَهم إلَهَهم. واخْتَلَفَ الناسُ في عَدَدِ السَحَرَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ، وكانُوا مَجْمُوعِينَ مِن مَدائِنِ مِصْرَ ورِيفِ النِيلِ، وهي كانَتْ بِلادَ السِحْرِ كالفَرَما وغَيْرِ ذَلِكَ، ومُعْظَمُهم كانَ مِنَ الفَرَما والجِبالِ، والعِصِيُّ كانَتْ أوقارَ الإبِلِ.

وقَوْلُهُ: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما القَسَمُ، فَكَأنَّهُمُ أقْسَمُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ، كَما تَقُولُ: بِاللهِ لا أفْعَلُ كَذا وكَذا، فَكانَ قَسَمُهم بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ غَيْرَ مَبْرُورٍ، والآخَرُ أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ التَعْظِيمِ لِفِرْعَوْنَ -إذْ كانُوا يَعْبُدُونَهُ- والتَبَرُّكِ بِاسْمِهِ، كَما تَقُولُ -إذا ابْتَدَأْتَ بِعَمَلِ شُغْلٍ-: بِاسْمِ اللهِ، وعَلى بَرَكَةِ اللهِ، ونَحْوِ هَذا.

26:45–51Page 369

فَأَلۡقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلۡقَفُ مَا يَأۡفِكُونَ ٤٥

Then Moses threw his staff, and at once it devoured what they falsified.

فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ ٤٦

So the magicians fell down in prostration [to Allāh].

قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٧

They said, "We have believed in the Lord of the worlds,

رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٤٨

The Lord of Moses and Aaron."

قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَ فَلَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَۚ لَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ أَجۡمَعِينَ ٤٩

[Pharaoh] said, "You believed him [i.e., Moses] before I gave you permission. Indeed, he is your leader who has taught you magic, but you are going to know. I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides, and I will surely crucify you all."

قَالُواْ لَا ضَيۡرَۖ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ٥٠

They said, "No harm. Indeed, to our Lord we will return.

إِنَّا نَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَٰيَٰنَآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٥١

Indeed, we aspire that our Lord will forgive us our sins because we were the first of the believers."

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَأُلْقِيَ السَحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ ﴿قالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ولأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قالُوا لا ضَيْرَ إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ ﴿إنّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾

تَقَدَّمَ في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ ما ذَكَرَ الناسُ في عِظَمِ الحَيَّةِ حِينَ ألْقى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ عَصاهُ، وفي هَذِهِ الآيَةِ مَتْرُوكٌ كَثِيرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، وقَدْ ذُكِرَ في مَواضِعَ أُخَرَ، وهو خَوْفُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن ظُهُورِ سِحْرِهِمُ واسْتِرْهابِهِمُ لِلنّاسِ وتَخْيِيلِهِمُ في حِبِالِهِمُ وعِصِيِّهِمُ أنَّها تَسْعى بِقَصْدٍ. ثُمَّ إنَّ الحَيَّةَ الَّتِي خَلَقَ اللهُ في العَصا التَقَمَتْ تِلْكَ الحِبالَ والعِصِيَّ عن آخِرِها، وأعْدَمَها اللهُ تَعالى في جَوْفِها، وعادَتِ العَصا إلى حالِها حِينَ أخَذَ (p-٤٨١)مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِالفُرْجَةِ الَّتِي كانَتْ في رَأْسِها فَأدْخَلَ يَدَهُ في فَمِها فَعادَتْ عَصًا بِإذْنِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "تَلَقَّفَ" بِفَتْحِ التاءِ خَفِيفَةً واللامِ وشَدِّ القافِ، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمْ: "تَلْقَفُ" بِسُكُونِ اللامِ وتَخْفِيفِ القافِ، ورَوى البَزِّيُّ وابْنُ فُلَيْحٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِشَدِّ التاءِ وفَتْحِ اللامِ وشَدِّ القافِ، ويَلْزَمُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ إذا ابْتَدَأ أنْ يَجْلِبَ هَمْزَةَ الوَصْلِ، وهَمْزَةُ الوَصْلِ لا تَدْخُلُ عَلى الأفْعالِ المُضارِعَةِ، كَما لا تَدْخُلُ عَلى أسْماءِ الفاعِلِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ أيْ: ما يَكْذِبُونَ مَعَهُ وبِسَبَبِهِ في قَوْلِهِمْ: إنَّها مُعارَضَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ونَوْعٌ مِن فِعْلِهِ، والإفْكُ: الكَذِبُ.

ثُمَّ إنَّ السَحَرَةَ لَمّا رَأوُا العَصا خالِيَةً مِن صَنْعَةِ السِحْرِ، ورَأوا فِيها بَعْدُ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى ما أيْقَنُوا أنَّهُ لَيْسَ في قُوَّةِ البَشَرِ أذْعَنُوا، ورَأوا أنَّ الغَنِيمَةَ هي الإيمانُ والتَمَسُّكُ بِأمْرِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فَسَجَدُوا كُلُّهُمُ لِلَّهِ تَعالى مُقِرِّينَ بِوَحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ، ووَصَلُوا إلى إيمانِهِمُ بِسَبَبِ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَلامُ، وصَرَّحُوا بِأنَّ ذَلِكَ عَلى أيْدِيهِما؛ لِأنَّ قَوْلَهُمْ: ﴿بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ يَعْنِي ذَلِكَ، فَلَمْ يُكَرِّرُوا البَيانَ في قَوْلِهِمْ: ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ إلّا لِما ذَكَرْناهُ.

فَلَمّا رَأى فِرْعَوْنُ والمَلَأُ إيمانَ السَحَرَةِ، وقامَتِ الحُجَّةُ بِإيمانِ أهْلِ عِلْمِهِمُ ومَظِنَّةِ نُصْرَتِهِمْ، وقَعَ فِرْعَوْنُ لَعَنَهُ اللهُ- في الوَرْطَةِ العُظْمى، فَرَجَعَ إلى السَحَرَةِ بِهَذِهِ الحُجَّةِ الأُخْرى، فَوَقَفَهُمُ مُوَبِّخًا لَهُمُ عَلى إيمانِهِمُ بِمُوسى قَبْلَ إذْنِهِ، وفي هِذِهِ اللَفْظَةِ مُقارَبَةٌ عَظِيمَةٌ؛ لِأنَّ أحَدَ احْتِمالاتِها أنَّهُمُ لَوْ طَلَبُوا إذْنَهُ في ذَلِكَ أذِنَ. ثُمَّ تَوَعَدَّهُمُ بِقَطْعِ الأيْدِي والأرْجُلِ مِن خِلافٍ، وبِالصَلْبِ في جُذُوعِ النَخْلِ، فَقالُوا لَهُ: "لا ضَيْرَ" أيْ: لا يَضِيرُنا ذَلِكَ مَعَ انْقِلابِنا إلى مَغْفِرَةِ اللهِ تَعالى ورِضْوانِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ أنْفَذَ فِيهِمُ ذَلِكَ (p-٤٨٢)الوَعِيدَ وصَلَبَهُمُ عَلى النِيلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ، وقَوُلْهُمْ: ﴿أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ يُرِيدُ: مِنَ القِبْطِ وصَنِيعَتِهِمْ، وإلّا فَقَدْ كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ آمَنَتْ، وقَرَأ الناسُ: "أنّا" بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ: "إنّا" بِكَسْرِ الألِفِ بِمَعْنى أنَّ طَمَعَهُمُ إنَّما هو بِهَذا الشَرْطِ.

26:52–62Page 369

۞ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِيٓ إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٥٢

And We inspired to Moses, "Travel by night with My servants; indeed, you will be pursued."

فَأَرۡسَلَ فِرۡعَوۡنُ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ٥٣

Then Pharaoh sent among the cities gatherers1

إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَشِرۡذِمَةٞ قَلِيلُونَ ٥٤

[And said], "Indeed, those are but a small band,

وَإِنَّهُمۡ لَنَا لَغَآئِظُونَ ٥٥

And indeed, they are enraging us,

وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَٰذِرُونَ ٥٦

And indeed, we are a cautious society..."

فَأَخۡرَجۡنَٰهُم مِّن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٥٧

So We removed them from gardens and springs

وَكُنُوزٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ ٥٨

And treasures and honorable station1 -

كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٥٩

Thus. And We caused to inherit it the Children of Israel.

فَأَتۡبَعُوهُم مُّشۡرِقِينَ ٦٠

So they pursued them at sunrise.

فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلۡجَمۡعَانِ قَالَ أَصۡحَٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدۡرَكُونَ ٦١

And when the two companies saw one another, the companions of Moses said, "Indeed, we are to be overtaken!"

قَالَ كـَلَّآۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهۡدِينِ ٦٢

[Moses] said, "No! Indeed, with me is my Lord; He will guide me."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَأوحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ ﴿وَإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ ﴿وَإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وَكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأورَثْناها بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ ﴿قالَ كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾

ثُمُ إنَّ اللهَ عَزَّ وُجَلَّ لَمّا أرادَ إظْهارَ أمْرِهِ في نَجاةِ بَنِي إسْرائِيلَ وغَرَقِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا مِن مِصْرَ، وأخْبَرَهُ أنَّهُمُ سَيُتَّبَعُونَ، وأمَرَهُ بِالسَيْرِ تِجاهَ البَحْرِ، وأمَرَهُ بِأنْ يَسْتَعِيرَ بَنُو إسْرائِيلَ حُلِيَّ القِبْطِ وأمْوالَهُمْ، وأنْ يُكْثِرُوا مِن أخْذِ أمْوالِهِمُ كَيْفَما اسْتَطاعُوا، هَذا ما رَواهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وأمَرَهُ بِاتِّخاذِ جِراءِ الزادِ، فَأمَرَهُ أنِ اتَّخِذْ فَطِيرًا لِأنَّهُ أبْقى وأثْبَتُ، ورُوِيَ أنَّ الحَرَكَةَ أعْجَلَتْهُمُ عَنِ اتِّخاذِ جِراءِ الزادِ، وخَرَجَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِبَنِي إسْرائِيلَ سَحَرًا، فَتَرَكَ الطَرِيقَ إلى الشامِ عَلى يَسارِهِ وتَوَجَّهَ نَحْوَ البَحْرِ، فَكانَ الرَجُلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَقُولُ لَهُ في تَرْكِ الطَرِيقِ فَيَقُولُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: كَذا أُمِرْتُ، فَلَمّا أصْبَحَ فِرْعَوْنُ وعَلِمَ بِسَرْيِّ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ خَرَجَ في أثْرِهِمْ، وبَعَثَ إلى مَدائِنِ مِصْرَ لِتُلْحِقَهُ العَساكِرَ، فَرُوِيَ أنَّهُ لَحِقَهُ ومَعَهُ سِتُّمِائَةِ ألْفِ أدْهَمَ مِنَ الخَيْلِ حاشى سائِرَ الألْوانِ، ورُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعِينَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، واللهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، وإنَّما اللازِمُ مِنَ الآيَةِ الَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ خَرَجَ بِجَمْعٍ عَظِيمٍ في بَنِي إسْرائِيلَ، وأنَّ فِرْعَوْنَ تَبِعَهُ بِأضْعافِ ذَلِكَ العَدَدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ مَعَ فِرْعَوْنَ ألْفُ جَبّارٍ، كُلُّهُمُ عَلَيْهِ تاجٌ، وكُلُّهُمُ أمِيرُ خَيْلٍ.

(p-٤٨٣)وَ "الشِرْذِمَةُ": الجَمْعُ القَلِيلُ المُحْتَقَرُ، وشِرْذِمَةُ كُلِّ شَيْءٍ بَقِيَّتُهُ الخَسِيسَةُ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:

؎ مُجِدِّينَ في شَراذِمِ النِعالِ

وقالَ الآخَرُ:

؎ جاءَ الشِتاءُ وقَمِيصِي أخْلاقْ ∗∗∗ شَراذِمُ يَضْحَكُ مِنها التَوّاقْ

وقَوْلُهُ: "لَغائِظُونَ" يُرِيدُ: بِخِلافِهِمُ الأمْرَ وبِأخْذِهِمُ الأمْوالَ عارِيَةً وهُرُوبِهِمُ مِنهُمُ تِلْكَ اللَيْلَةَ عَلى ما رُوِيَ، قالَ أبُو حاتِمْ: وقَرَأ مَن لا يُؤْخَذُ عنهُ: [لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ]، ولَيْسَتْ هَذِهِ مَوْقُوفَةً.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "حَذِرُونَ"، وهو جَمْعُ "حَذِرٍ"، وهو المَطْبُوعُ عَلى الحَذَرِ وهو هُنا غَيْرُ عامِلٍ، وكَذَلِكَ هو في قَوْلِ أبِي أحْمَرَ:

؎ هَلْ أُنْسَأنْ يَوْمًا إلى غَيْرِهِ ∗∗∗ إنِّي حَوالِيُّ وإنِّي حَذِرُ

واخْتُلِفَ في عَمَلِ (فَعِلَ)، فَقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّهُ عامِلٌ، وأنْشَدَ:(p-٤٨٤)

؎ حَذِرٌ أُمُورًا لا تَضِيرُ وآمِنٌ ∗∗∗ ما لَيْسَ مُنْجِيهِ مِنَ الأقْدارِ

وادَّعى اللاحِقِيُّ تَدْلِيسَ هَذا البَيْتِ عَلى سِيبَوَيْهِ. وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "حاذِرُونَ" وهو الَّذِي أخَذَ يَحْذَرُ، وقالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:

؎ وإنِّي حاذِرٌ أنْمِي سِلاحِي ∗∗∗ إلى أوصالِ ذَيّالٍ صَنِيعِ

وقَرَأ ابْنُ أبِي عِمارَةَ، وسُمَيْطُ بْنُ عَجْلانَ: "حادِرُونَ" بِالدالِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، مِن قَوْلِهِمْ: "عَيْنٌ حَدْرَةٌ" أيْ: مُمْتَلِئَةٌ، فالمَعْنى: مُمْتَلِئُونَ غَيْظًا وأنَفَةً.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْناهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى القِبْطِ. و"الجَنّاتُ والعُيُونُ" بِحافَتَيِ النِيلِ مِن أسْوانَ إلى رَشِيدٍ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ. و"الكُنُوزُ" (p-٤٨٥)قِيلَ: هي إشارَةٌ إلى الأمْوالِ الَّتِي خَرَّبُوها، قالَ مُجاهِدٌ: لِأنَّهُمُ لَمْ يُنْفِقُوها قَطُّ في طاعَةٍ، وقِيلَ: هي إشارَةٌ إلى كُنُوزِ المُقَطَّمِ ومَطالِبِهِ، وهي باقِيَةٌ إلى اليَوْمِ. "والمَقامُ الكَرِيمُ" قالَ ابْنُ لَهِيعَةَ: هو الفَيُّومُ، وقِيلَ: يَعْنِي بِهِ المَنابِرَ، وقِيلَ: مَجالِسُ الأُمَراءِ والحُكّامِ، وقالَ الحَسَنُ: المَجالِسُ الحِسانُ، وقَرَأ الأعْرَجُ وقَتادَةُ بِضَمِّ المِيمِ، مِن: "أقامَ".

وتَوْرِيثُ بَنِي إسْرائِيلَ يَحْتَمِلُ مَقْصَدَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ اللهَ قَدْ ورَثَهُمُ هَذِهِ الضِفْةَ مِن أرْضِ الشامِ، والآخَرُ أنَّهُ ورَّثَهُمُ مِصْرَ ولَكَنْ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الدَهْرِ، قالَهُ الحَسَنُ، عَلى أنَّ التَوارِيخَ لَمْ تَتَضَمَّنْ مُلْكَ بَنِي إسْرائِيلَ في مِصْرَ، و"مُشْرِقِينَ" مَعْناهُ: عِنْدَ شُرُوقِ الشَمْسِ، أيْ: حِينَ دَخَلُوا فِيهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: نَحْوَ الشُرُقِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "فاتَّبَعُوهُمْ" بِصِلَةِ الألِفِ وشَدِّ التاءِ.

فَلَمّا لَحِقَ فِرْعَوْنُ بِجَمْعِهِ جَمْعَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وقَرُبَ مِنهُمْ، ورَأتْ بَنُو إسْرائِيلَ العَدُوَّ القَوِيَّ وراءَهُمُ والبَحْرَ أمامَهُمُ ساءَتْ ظُنُونُهُمْ، وقالُوا لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والجَفاءِ-: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾، أيْ: هَذا دَأْبُكَ، فَرَدَ عَلَيْهِمُ قَوْلَهُمُ وزَجَرَهُمْ، وذَكَرَ وعْدَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى لَهُ بِالهِدايَةِ والظَفَرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إنّا لَمُدْرَكُونَ"، وقَرَأ الأعْرَجُ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: "إنّا لَمُدَّرَكُونَ" بِتَشْدِيدِ الدالِ وفَتْحِ الراءِ، ومَعْناهُ: يَتَتابَعُ عَلَيْنا حَتّى نَفْنى. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "تَرِيءُ الجَمْعانِ" بِكَسْرِ الراءِ بِمَدٍّ ثُمَّ بِهَمْزٍ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عن عاصِمْ، ورُوِيَ أيْضًا عنهُ مَفْتُوحًا مَمْدُودًا. والجُمْهُورُ يَقْرَؤُونَهُ مِثْلَ (p-٤٨٦)"تَراعى"، وهَذا هو الصَوابُ؛ لِأنَّهُ تَفاعَلٌ، قالَ أبُو حاتِمْ: وقِراءَةُ حَمْزَةُ في هَذا الحَرْفِ مُحالٌ، وحَمَلَ عَلَيْهِ وقالَ: وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ وثّابٍ والأعْمَشِ خَطَأٌ.

26:63–68Page 370

فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقٖ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ ٦٣

Then We inspired to Moses, "Strike with your staff the sea," and it parted, and each portion was like a great towering mountain.

وَأَزۡلَفۡنَا ثَمَّ ٱلۡأٓخَرِينَ ٦٤

And We advanced thereto the others [i.e., the pursuers].

وَأَنجَيۡنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ أَجۡمَعِينَ ٦٥

And We saved Moses and those with him, all together.

ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ ٦٦

Then We drowned the others.

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ٦٧

Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.

وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦٨

And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَأوحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَوْدِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ ﴿وَأنْجَيْنا مُوسى ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ﴾

لَمّا عَظُمَ البَلاءُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، أمَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ البَحْرَ؛ وذَلِكَ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أرادَ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مُتَّصِلَةً بِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ومُتَعَلِّقَةً بِفِعْلٍ فَعَلَهُ، وإلّا فَضَرْبُ العَصا لَيْسَ بِفالِقٍ البَحْرَ ولا مُعِينٌ عَلى ذَلِكَ بِذاتِهِ، إلّا بِما اقْتَرَنَ بِهِ مِن قُدْرَةِ اللهِ تَعالى واخْتِراعِهِ، ولَمّا انْفَلَقَ صارَ فِيهِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا عَلى عَدَدِ أسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ، ووَقَفَ الماءُ ساكِنًا كالجَبَلِ العَظِيمِ. و"الطَوْدُ": الجَبَلُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ والسُدِّيُّ وغَيْرِهِما أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ ظَنَّ كُلُّ فَرِيقٍ مِنهم (p-٤٨٧)أنَّ الثانِي قَدْ غَرِقَ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى الماءَ فَصارَ كالطِيقانِ، فَرَأى بَعْضُهم بَعْضًا فَتَأسَّوْا.

"وَأزْلَفْنا" مَعْناهُ: قَرَّبْنا، وقُرِئَ بِالقافِ، ونَسَبَها أبُو الفَتْحِ إلى عَبْدِ اللهِ بْنِ الحارِثِ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ: "وَزُلِفْنا" بِغَيْرِ ألِفٍ، وذَلِكَ أنَّ فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللهُ تَعالى- لَمّا وصَلَ إلى البَحْرِ وقَدْ دَخَلَهُ بَنُو إسْرائِيلَ، قِيلَ: صَمَّمَ وقالَ لِقَوْمِهِ: إنَّما انْفَلَقَ بِأمْرِي، فَدَخَلَ عَلى ذَلِكَ. وقِيلَ: بَلْ كَعَّ وهَمَّ بِالِانْصِرافِ، فَعَرَضَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى فَرَسٍ ودِيقٍ، فَمَضى وراءَها حِصانُ فِرْعَوْنَ، فَدَخَلَ عَلى نَحْوِ هَذا واتَّبَعَهُ الناسُ، ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ مَلائِكَةُ تَسُوقُ قَوْمَهُ حَتّى حَصَّلُوهم في البَحْرِ. ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ وقَوْمَهُ خَرَجُوا إلى البَرِّ مِن تِلْكَ الطُرُقِ، ولَمّا أحَسُّوا بِاتِّباعِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ فَزِعُوا مِن أنْ يَخْرُجَ وراءَهُمْ، فَهَمَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِخَلْطِ البَحْرِ، فَحِينَئِذٍ قِيلَ لَهُ: ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: ٢٤]، ولَمّا تَكامَلَ جُنْدُ فِرْعَوْنَ، وهو مُقَدِّمَتُهم بِالخُرُوجِ انْطَبَقَ عَلَيْهِمُ البَحْرُ وغَرِقُوا. ودَخْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ البَحْرَ بِالعَرْضِ وخَرَجَ في الضَفَّةِ الَّتِي دَخَلَ مِنها بَعْدَ مَسافَةٍ، وكانَ ذَلِكَ في يَوْمِ عاشُوراءَ. وقالَ النَقّاشُ: البَحْرُ الَّذِي انْفَلَقَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ نَهْرُ النِيلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا مَرْدُودٌ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً﴾ تَنْبِيهٌ عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَإنَّ رَبَّكَ لَهو العَزِيزُ الرَحِيمُ﴾ أيْ: عَزَّ في نِقْمَتِهِ مِنَ الكُفّارِ، ورَحِمَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الأُمَّةِ، وقَدْ مَضى كَثِيرٌ مِمّا يَلْزَمُ مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.

(p-٤٨٨)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском