Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:18–37
27:18–19Page 378
حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَوۡاْ عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمۡلِ قَالَتۡ نَمۡلَةٞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمۡلُ ٱدۡخُلُواْ مَسَٰكِنَكُمۡ لَا يَحۡطِمَنَّكُمۡ سُلَيۡمَٰنُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ١٨
Until, when they came upon the valley of the ants, an ant said, "O ants, enter your dwellings that you not be crushed by Solomon and his soldiers while they perceive not."
فَتَبَسَّمَ ضَاحِكٗا مِّن قَوۡلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَدۡخِلۡنِي بِرَحۡمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٩
So [Solomon] smiled, amused at her speech, and said, "My Lord, enable me1 to be grateful for Your favor which You have bestowed upon me and upon my parents and to do righteousness of which You approve. And admit me by Your mercy into [the ranks of] Your righteous servants."2
قوله عزّ وجلّ:
﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَمْلِ ادْخُلُوا مَساكِنَكم لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها وقالَ رَبِّ أوزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصالِحِينَ﴾
ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ وجُنُودُهُ كانُوا مُشاةً في الأرْضِ، ولِذَلِكَ يَتَّفِقُ حَطْمُ النَمْلِ [بِنُزُولِهِمْ في وادِي النَمْلِ]، ويُحْتَمَلُ أنَّهم كانُوا في الكُرْسِيِّ المَحْمُولِ بِالرِيحِ، وأحَسَّتِ النَمْلُ بِنُزُولِهِمْ في وادِ النَمْلِ [وَوادِي النَمْلِ قِيلَ: بِالشامِ، وقِيلَ بِأقْصى اليَمَنِ، وهو مَعْرُوفٌ عِنْدَ العَرَبِ مَذْكُورٌ في أشْعارِها].
وأمالَ أبُو عَمْرٍو الواوَ مِن "وادِي"، والجَمِيعُ فَخَّمَ، وبِالإمالَةِ قَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ. وقَرَأ المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ عن أبِيهِ: "النَمْلُ" بِضَمِّ المِيمِ كالشَمْسِ، و[قالَتْ نَمْلَةٌ] أيْضًا بِالضَمِّ كَسُمْرَةَ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا ضَمُّ النُونِ والمِيمِ مِنَ "النَمْلِ". وقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: كانَ ذَلِكَ النَمْلُ عَلى قَدْرِ الذُبابِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَتْ صِغارًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والَّذِي يُقالُ في هَذا أنَّ النَمْلَ كانَتْ نِسْبَتُها مِن هَذا الخَلْقِ نِسْبَةَ هَذا النَمْلِ مِنّا، فَيُحْتَمَلُ أنْ كانَ الخَلْقُ كُلُّهُ أكْمَلَ. وهَذِهِ النَمْلَةُ قالَتْ هَذا المَعْنى -الَّذِي لا يَصْلُحُ لَهُ إلّا هَذِهِ العِبارَةُ- قَوْلًا فَهِمَهُ عنها النَمْلُ، فَسَمِعَهُ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى بُعْدِهِ، وجاءَتِ المُخاطَبَةُ كَمَن يَعْقِلُ، لِأنَّها أمَرَتْهم بِما يُؤْمَرُ بِهِ مَن يَعْقِلُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ عَلى ثَلاثَةِ (p-٥٢٧)أمْيالٍ فَتَبَسَّمَ مِن قَوْلِها. والتَبَسُّمُ ضِحْكُ الأنْبِياءِ في غالِبِ أمْرِهِمْ، لا يَلِيقُ بِهِمْ سِواهُ.
وكانَ ضَحِكُهُ سُرُورًا، واخْتَلَفَ بِمَ؟، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: بِنِعْمَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في إسْماعِهِ وتَفَهُّمِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بِنَبَأِ النَمْلَةِ عَلَيْهِ وعَلى جُنُودِهِ في أنْ نَفَتْ عنهم تَعَمُّدَ القَبِيحِ مِنَ الفِعْلِ، فَجَعَلَتِ الحَطْمَ وهم لا يَشْعُرُونَ.
وقَرَأ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: "مَسْكَنِكُمْ" بِسُكُونِ السِينِ عَلى الإفْرادِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ "مَساكِنُكُنَّ". وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لا يَحْطِمَنَّكُمْ" بِشَدِّ النُونِ وسُكُونِ الحاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وفي رِوايَةِ عُبَيْدَةَ: "لا يَحْطِمَنكُمْ" بِسُكُونِ النُونِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: "لا يُحَطِّمَنَّكُمْ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِ الطاءِ وشَدِّها وشَدِّ النُونِ، وعنهُ أيْضًا "لا يَحِطِّمَنَّكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ والطاءِ وشَدِّها، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ: "لا يَحْطِمْكُمْ" مُخَفَّفَةً بِغَيْرِ نُونٍ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "لا يَحْطِمَنَكُمْ" مُخَفَّفَةَ النُونِ الَّتِي قَبِلَ الكافِ.
و"ضاحِكًا" نَصَبَ عَلى الحالِ، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ: "ضَحِكًا"، وهو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ [بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ"تَبَسَّمَ"، كَأنَّهُ قالَ: "ضَحِكَ ضَحِكًا"، وهَذا مَذْهَبُ صاحِبِ الكِتابِ، أو يَكُونُ مَنصُوبًا بِنَفْسِ "تَبَسَّمَ" لِأنَّهُ في مَعْنى (ضَحِكَ)].
ثُمَّ دَعا سُلَيْمانُ -عَلَيْهِ السَلامُ- رَبَّهُ في أنْ يُعِينَهُ اللهُ تَعالى ويُفَرِّغَهُ لِشُكْرِ نِعْمَتِهِ، وهَذا هو مَعْنى إيزاعِ الشُكْرِ. وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
(p-٥٢٨)
27:20–23Page 378
وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيۡرَ فَقَالَ مَالِيَ لَآ أَرَى ٱلۡهُدۡهُدَ أَمۡ كَانَ مِنَ ٱلۡغَآئِبِينَ ٢٠
And he took attendance of the birds and said, "Why do I not see the hoopoe - or is he among the absent?
لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَابٗا شَدِيدًا أَوۡ لَأَاْذۡبَحَنَّهُۥٓ أَوۡ لَيَأۡتِيَنِّي بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ٢١
I will surely punish him with a severe punishment or slaughter him unless he brings me clear authorization."1
فَمَكَثَ غَيۡرَ بَعِيدٖ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ وَجِئۡتُكَ مِن سَبَإِۭ بِنَبَإٖ يَقِينٍ ٢٢
But he [i.e., the hoopoe] stayed not long and said, "I have encompassed [in knowledge] that which you have not encompassed, and I have come to you from Sheba with certain news.
إِنِّي وَجَدتُّ ٱمۡرَأَةٗ تَمۡلِكُهُمۡ وَأُوتِيَتۡ مِن كُلِّ شَيۡءٖ وَلَهَا عَرۡشٌ عَظِيمٞ ٢٣
Indeed, I found [there] a woman ruling them, and she has been given of all things, and she has a great throne.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَتَفَقَّدَ الطَيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾ ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أو لأذْبَحَنَّهُ أو لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ ﴿إنِّي وجَدْتُ امْرَأةً تَمْلِكُهم وأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾
اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "تَفَقُّدِهِ الطَيْرَ"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ بِحَسَبَ ما تَقْتَضِيهِ العِنايَةُ بِأُمُورِ المُلْكِ والتَهَمُّمِ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ تَفَقَّدَ جَمِيعَ الطَيْرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ تَفَقَّدُ الطَيْرَ لِأنَّ الشَمْسَ دَخَلَتْ مِن عَلى المَلِكِ مِن مَوْضِعِ الهُدْهُدِ حِينَ غابَ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبُ تَفَقُّدِ الطَيْرِ لِيَتَبَيَّنَ مِن أيْنَ دَخَلَتِ الشَمْسُ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ: إنَّما طَلَبَ الهُدْهُدَ لِأنَّهُ احْتاجَ إلى مَعْرِفَةِ الماءِ عَلى كَمْ هو مِن وجْهِ الأرْضِ؛ لِأنَّهُ كانَ نَزَلَ في مَفازَةِ حُرِمَ فِيها الماءَ، ولِأنَّ الهُدْهُدَ كانَ يَرى بَطْنَ الأرْضِ وظاهِرَها، كانَتْ تَشُفُّ لَهُ، وكانَ يُخْبِرُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ بِمَوْضِعِ الماءِ، ثُمَّ كانَتِ الجِنُّ تُخْرِجُهُ في ساعَةٍ يَسِيرَةٍ، تُسْلَخُ عنهُ وجْهُ الأرْضِ كَما تُسْلَخُ الشاةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيما رُوِيَ عن أبِي سَلامٍ وغَيْرِهِ، وقالَ في كِتابِ النَقّاشِ: كانَ الهُدْهُدَ مُهَنْدِسًا، ورُوِيَ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَمِعَ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما يَقُولُ هَذا، فَقالَ لَهُ: قِفْ يا وقّافُ، كَيْفَ يَرى الهُدْهُدُ بَطْنَ الأرْضِ وهو لا يَرى الفَخَّ حِينَ يَقَعُ فِيهِ؟ فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إذا جاءَ القَضاءُ عَمِيَ البَصَرُ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَتِ الطَيْرُ تَنْتابُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ كُلَّ يَوْمٍ مِن كُلِّ نَوْعٍ واحِدٍ نَوْبَةٌ مَعْهُودَةٌ، فَفَقَدَ الهُدْهُدَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لِيَ لا أرى﴾ إنَّما المَقْصِدُ أنَّ الهُدْهُدَ غابَ، لَكِنَّهُ أخَذَ اللازِمَ عن غِيابِهِ وهو ألّا يَراهُ، فاسْتَفْهَمَ -عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ- عَنِ اللازِمْ، وهَذا ضَرْبٌ مِنَ الإيجازِ والِاسْتِفْهامِ الَّذِي في قَوْلِهِ "ما لِيَ" نابَ مَنابَ الألِفِ الَّتِي تَحْتاجُها "أمْ". ثُمَّ تَوَعَّدَهُ (p-٥٢٩)عَلَيْهِ السَلامُ بِالعَذابِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ تَعْذِيبَهُ لِلطَّيْرِ كانَ بِأنْ يَنْتِفَ رِيشَهُ أجْمَعَ، وقالَ يَزِيدُ بْنُ رُومانٍ: جَناحَهُ، ورُوِيَ عن وهَبٍ أنَّهُ بِأنْ يَنْتِفَ بَعْضُهُ ويَبْقى بِضْعُهُ. و "السُلْطانُ": الحُجَّةُ حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ وحْدَهُ: "لِيَأْتِينَنِي" بِنُونَيْنِ، وفَعَلَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ هَذا بِالهُدْهُدِ وحْدَهُ إغْلاظًا عَنِ العاصِينَ، وعَلى إخْلالِهِ بِنَوْبِهِ ورُتْبَتِهِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فَمَكُثَ" بِضَمِّ الكافِ، وقَرَأ عاصِمْ وحْدَهُ: "فَمَكَثَ" بِفَتْحِها، ومَعْناهُ -فِي القِراءَتَيْنِ-: أقامَ، والفَتْحُ في الكافِ أحْسَنُ؛ لِأنَّها لُغَةُ القُرْآنِ في قَوْلِهِ: "ماكِثِينَ"؛ إذْ هو مِن "مَكَثَ" بِفَتْحِ الكافِ، ولَوْ كانَ مَن "مَكُثَ" بِضَمِّ الكافِ لَكانَ جَمْعُ "مَكِيثٌ"، والضَمِيرُ في "مَكَثَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ أوِ الهُدْهُدِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَتَمَكَّثَ ثُمْ جاءَ فَقالَ"، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ: "فَتَمَكَّثَ ثُمْ قالَ أحَطْتَ". وقَوْلُهُ: "غَيْرَ بَعِيدٍ" كَما في مَصاحِفِ الجُمْهُورِ يُرِيدُ بِهِ الزَمَنَ والمُدَّةَ، وقَوْلُهُ: "أحَطْتُ" أيْ: عَلِمْتُ عِلْمًا تامًّا لَيْسَ في عِلْمِكَ.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في "سَبَأٍ"، فَقَرَأ الجُمْهُورُ: "سَبَأٍ" بِالصَرْفِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو: "سَبَأ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَرْكِ الصَرْفِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "مِن سَبَإٍ" بِالكَسْرِ وتَرْكِ الصَرْفِ، ورَوى ابْنُ حَبِيبٍ عَنِ اليَزِيدِيِّ "سَبَأْ" بِألْفٍ ساكِنَةٍ، وقَرَأ قَنْبَلُ -عَنِ النَبالِ - بِسُكُونِ الهَمْزَةِ، فالأُولى عَلى أنَّهُ اسْمُ رَجُلٍ، وعَلَيْهِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ الوارِدُونَ وتَيْمٌ في ذُرى سَبَأٍ قَدْ عَضَّ أعْناقَهم جِلْدُ الجَوامِيسِ
(p-٥٣٠)وَقالَ الآخَرُ:
؎ مِن سَبَأ الحاضِرِينَ مَآرِبَ ∗∗∗....................
وهَذا عَلى أنَّها قَبِيلَةٌ، والثانِيَةُ عَلى أنَّها بَلْدَةٌ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، وكِلا القَوْلَيْنِ قَدْ قِيلَ، ولَكِنْ رُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن حَدِيثِ فَرْوَةِ بْنِ مُسَيْكٍ وغَيْرِهِ أنَّهُ «وُلِدَ لَهُ عَشْرَةٌ مِنَ الوَلَدِ، تَيامَنَ مِنهم سِتَّةً وتَشاءَمَ أرْبَعَةً»، وحُكِيَ هَذا الحَدِيثُ عَلى الزَجّاجِ فَخَبَطَ عَشْواءَ. والثالِثَةُ عَلى البِناءِ. والرابِعَةُ والخامِسَةُ لِتَوالِي الحَرَكاتِ السَبْعِ فَسُكِّنَ تَخْفِيفًا لِلتَّثْقِيلِ في تَوالِي الحَرَكاتِ، وهَذِهِ القِراءَةُ لا تُبْنى عَلى الأُولى، بَلْ هي إمّا عَلى الثانِيَةِ أوِ الثالِثَةِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ دُونَ تَنْوِينٍ عَلى الإضافَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "بِنَبى" بِالألْفِ مَقْصُورَةً.
(p-٥٣١)وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ مُبالَغَةٌ، أيْ: مِمّا تَحْتاجُ المَمْلَكَةُ، قالَ الحَسَنُ: مِن كُلِّ أمْرِ الدُنْيا، ووَصَفَ عَرْشَها بِالعِظَمِ في الهَيْئَةِ ورُتْبَةِ السُلْطانِ، ورُوِيَ عن نافِعٍ الوَقْفُ عَلى [عَرْشٍ]، فَـ "عَظِيمٌ" -عَلى هَذا- مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ، وهَذِهِ المَرْأةِ هي بِلْقِيسٌ بِنْتُ شَراحِيلِ فِيما قالَ بَعْضُهُمْ، وقِيلَ: بِنْتُ القَشْرَحِ، وقِيلَ: كانَتْ أُمُّها جِنِّيَّةً، وأكْثَرَ بَعْضُ الناسِ في قِصَصِها بِما رَأيْتُ اخْتِصارَهُ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ، وإنَّما اللازِمْ مِنَ الآيَةِ أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِامْرَأةٍ مُلِّكَتْ عَلى مَدائِنِ اليَمَنِ، وكانَتْ ذاتَ مُلْكٍ عَظِيمٍ، وكانَتْ كافِرَةً مِن قَوْمٍ كُفّارٍ.
27:24–28Page 379
وَجَدتُّهَا وَقَوۡمَهَا يَسۡجُدُونَ لِلشَّمۡسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمۡ لَا يَهۡتَدُونَ ٢٤
I found her and her people prostrating to the sun instead of Allāh, and Satan has made their deeds pleasing to them and averted them from [His] way, so they are not guided,
أَلَّاۤ يَسۡجُدُواْۤ لِلَّهِ ٱلَّذِي يُخۡرِجُ ٱلۡخَبۡءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُخۡفُونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ ٢٥
[And] so they do not prostrate to Allāh, who brings forth what is hidden within the heavens and the earth and knows what you conceal and what you declare -
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ۩ ٢٦
Allāh - there is no deity except Him, Lord of the Great Throne."
۞ قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٢٧
[Solomon] said, "We will see whether you were truthful or were of the liars.
ٱذۡهَب بِّكِتَٰبِي هَٰذَا فَأَلۡقِهۡ إِلَيۡهِمۡ ثُمَّ تَوَلَّ عَنۡهُمۡ فَٱنظُرۡ مَاذَا يَرۡجِعُونَ ٢٨
Take this letter of mine and deliver it to them. Then leave them and see what [answer] they will return."
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَجَدْتُها وقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللهِ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَبِيلِ فَهم لا يَهْتَدُونَ﴾ ﴿ألا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿قالَ سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿اذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهْ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عنهم فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾
كانَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ أُمَّةً تَعْبُدُ الشَمْسَ؛ لِأنَّهم كانُوا زَنادِقَةً فِيما رُوِيَ، وقِيلَ: كانُوا مَجُوسًا يَعْبُدُونَ الأنْوارَ. وقَوْلُهُ: ﴿ألا يَسْجُدُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ظاهِرٌ أنَّهُ مِن قَوْلِ الهُدْهُدِ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ وابْنِ إسْحاقٍ، ويَعْتَرِضُ بِأنَّهُ غَيْرُ مُخاطَبٍ فَكَيْفَ يَتَكَلَّمُ في شَرْعٍ؟! [وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ سُلَيْمانَ لِمّا أخْبَرَهُ الهُدْهُدُ عَنِ القَوْمِ]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى، فَهو اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، وهو الثابِتُ مَعَ التَأمُّلِ، وقِراءَةُ التَشْدِيدِ في "ألّا" تُعْطِيَ أنَّ الكَلامَ لِلْهُدْهُدِ، وقِراءَةُ التَخْفِيفِ تَمْنَعُهُ وتُقَوِّي الآخَرَ حَسَبَ ما سُمِعَ، ويَتَأمَّلُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ "ألّا"، أيْ "لا يَسْجُدُوا"، فَـ "أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن "أعْمالَهُمْ"، أو في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى البَدَلِ مِنَ "السَبِيلِ"، أو يَكُونُ الكَلامُ بِتَقْدِيرِ: "لِئَلّا يَسْجُدُوا"، فَـ "أنْ" مُتَعَلِّقَةٌ إمّا بِـ "زَيَّنَ"، وإمّا بِـ "فَصَدَّهُمْ"، واللامُ الداخِلَةُ عَلى "أنْ" داخِلَةٌ عَلى مَفْعُولٍ لَهُ.
(p-٥٣٢)وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، والزَهْرِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنُ، والكِسائِيُّ، والحُسَيْنُ: "ألا يَسْجُدُوا" بِتَخْفِيفِ اللامِ، فَعَلى هَذا لَهُ أنْ يَقِفَ عَلى "فَهم لا يَهْتَدُونَ" ويَبْتَدِئُ بِـ "ألا يَسْجُدُوا"، وإنْ شاءَ وقَفَ عَلى "ألا يا" ثُمْ يَبْتَدِئُ: "اسْجُدُوا"، واحْتَجَّ الكِسائِيُّ لِقِراءَتِهِ هَذِهِ بِأنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ مَوْضِعُ سَجْدَةٍ وإنْ جَعَلْناهُ مِن كَلامِ الهُدْهُدِ، بِمَعْنى: ألا يا قَوْمِ ونَحْوَ هَذا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ألا يا اسْلَمِي يا دارَ مَيِّ عَلى البِلى ولا زالَ مُنْهَلًّا بِجَرْعائِكِ القَطْرُ
ونَحْوَ قَوْلِ الأخْطَلِ:
؎ ألّا يا أسْلِمِي يا هِنْدُ هِنْدُ بُنِيَ بَدْرُ ∗∗∗ وإنْ كانَ حَيّانا عَدا آخِرِ الدَهْرِ
ومِنهُ قَوْلٌ الآخَرُ:
؎ ألا يا اسْمَعْ أعِظُكَ بِخِطْبَةٍ ∗∗∗ فَقُلْتُ سَمِعْنا فانْطِقِي وأصِيبِي
(p-٥٣٣)وَتَحْتَمِلُ قِراءَةُ مَن شَدَّدَ "ألّا" أنَّ نَجْعَلَها بِمَعْنى التَخْضِيضِ، ويُقَدَّرُ هَذا النِداءُ بَعْدَها، ويَجِيءُ في الكَلامِ إضْمارٌ كَبِيرٌ ولَكِنَّهُ مُتَوَجِّهٌ، وسَقَطَتِ الألْفُ كَما كَتَبَتْ فِي: يا عِيسى، ويا قَوْمُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: "هَلّا يَسْجُدُونَ"، وفي حَرْفِ عَبْدِ اللهِ: "ألا هَلْ تَسْجُدُونَ" بِالتاءِ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: "ألّا تَسْجُدُوا" بِالتاءِ أيْضًا.
و"الخَبْءُ": الخَفِيُّ مِنَ الأُمُورِ، وهو مِن: "خَبَّأتُ الشَيْءَ"، وخَبْءُ السَماءِ: مَطَرُها، وخَبْءُ الأرْضِ: كُنُوزُها ونَباتُها، واللَفْظَةُ -بَعْدَ هَذا- تَعُمْ كُلَّ خَفِيٍّ مِنَ الأُمُورِ، وبِهِ فَسَرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الخَبْءُ" بِسُكُونِ الباءِ، وبِالهَمْزِ، وقَرَأ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "الخَبَ" بِفَتْحِ الباءِ وتَرْكِ الهَمْزِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "الخَبّا" بِألِفٍ مَقْصُورَةٍ، وحَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ بَعْضَ العَرَبِ [يَقْلِبُ الهَمْزَةَ ألْفًا إذا كانَتْ مَفْتُوحَةً وقَبْلَها ساكِنٌ] ويَقْلِبُها واوًا إذا كانَتْ مَضْمُومَةً وقَبْلَها ساكِنٌ، ويَقْلِبُها ياءً إذا كانَتْ مَكْسُورَةً وقَبْلَها ساكِنٌ، ومَثَّلَ سِيبَوَيْهِ في ذَلِكَ بِالوَثْيِ، تَقُولُ: رَأيْتُ الوَثا، وهَذا الوَثْوُ، وعَجِبْتُ مِنَ الوَثْيِ، وكَذَلِكَ يَجِيءُ "الخَبا" في حالِ النَصْبِ، وتَقُولُ: اطَّلَعَتُ (p-٥٣٤)عَلى الخَبِيِ، وراقَنِي الخَبُو. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَيَعْلَمُ ما يُخْفُونَ وما يُعْلِنُونَ" بِياءِ الغائِبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ القِراءَةُ تُعْطِي أنَّ الآيَةَ مِن كَلامِ الهُدْهُدِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ، وعاصِمْ في رِوايَةِ حَفْصٍ "وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ" بِتاءِ المُخاطَبَةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ تُعْطِي أنَّ الآيَةَ مِن خِطابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ كَعْبٍ: "ألّا تَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يَخْرُجُ الخَبا مِنَ السَماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ سِرَّكم وما تُعْلِنُونَ". وخَصَّ العَرْشَ بِالذِكْرِ في قَوْلِهِ: ﴿رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ لِأنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ، وما عَداهُ في ضِمْنِهِ وفي قَبْضَتِهِ.
ثُمْ إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ أخَّرَ أمْرَ الهُدْهُدِ إلى أنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ حَقَّهُ مِن باطِلِهِ، فَسَوَّفَهُ بِالنَظَرِ في ذَلِكَ، وأمَرَ بِكِتابٍ فَكُتِبَ، وحَمَّلَهُ إيّاهُ، وأمْرَهُ بِإلْقائِهِ إلى القَوْمِ والتَوَلِّي بَعْدَ ذَلِكَ، وقالَ وهَبَ بْنِ مُنَبِّهٍ: أمَرَهُ بِالتَوَلِّي حُسْنَ أدَبٍ لِيَتَنَحّى حَسَبَ ما يَتَأدَّبُ بِهِ مَعَ المُلُوكِ، بِمَعْنى: وكُنْ قَرِيبًا حَتّى تَرى مُراجَعاتِهِمْ، قالَ: وقَوْلُهُ: ﴿فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾ في مَعْنى التَقْدِيمِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ﴾.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
واتِّساقُ رُتْبَةِ الكَلامِ أظْهَرُ، أيْ: ألْقِهِ ثُمْ تَوَلَّ، وفي خِلالِ ذَلِكَ فانْظُرْ، وإنَّما أرادَ أنْ يَكِلَ الأمْرَ إلى حُكْمٍ ما في الكِتابِ دُونَ أنْ يَكُونَ الرَسُولُ مُلازِمُهُ وبِلا إلْحاحٍ. وقَرَأ نافِعٌ: "فَألْقِهِ" بِكَسْرِ الهاءِ، وفِرْقَةٌ: "فَألْقِهُ" بِضَمِّها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ بِإشْباعٍ بَعْدَ الكَسْرَةِ في الهاءِ، ورَوى عنهُ ورَشٌّ بَعْدَ الهاءِ في الوَصْلِ بِياءٍ، وقَرَأ قَوْمٌ بِإشْباعِ واوٍ بَعْدَ الضَمَّةِ، وقَرَأ اليَزِيدِيُّ عن أبِي عَمْرُو، وعاصِمْ، وحَمْزَةَ: "فَألْقِهِ" بِسُكُونِ الهاءِ. ورُوِيَ عن وهَبَ بْنِ مُنَبِّهٍ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الهُدْهُدَ وصَلَ (p-٥٣٥)فَألْقى دُونَ هَذِهِ المَلِكَةِ حُجُبَ جُدْرانٍ، فَعَمَدَ إلى كُوَّةٍ كانَتْ بِلْقِيسُ صَنْعَتْها لِتَدْخُلَ مِنها الشَمْسُ عِنْدَ طُلُوعِها لِمَعْنى عِبادَتِها إيّاها، فَدَخَلَ مِنها ورَمى الكِتابَ عَلى بِلْقِيسَ وهي -فِيما يُرْوى- نائِمَةٌ، فَلَمّا انْتَبَهَتْ وجَدَتْهُ، فَراعَها وظَنَّتْ أنَّهُ قَدْ دَخَلَ عَلَيْها أحَدٌ، ثُمْ قامَتْ فَوَجَدَتْ حالَها كَما عَهِدَتْهُ، فَنَظَرَتْ إلى الكُوَّةِ تَهَمُّمًا بِأمْرِ الشَمْسِ فَرَأتِ الهُدْهُدَ فَعَلِمَتْ أمْرَهُ، ثُمْ جَمَعَتْ أهْلَ مُلْكِها وعَلِيَّتَهم فَخاطَبَتُهم بِما يَأْتِي بَعْدُ.
27:29–34Page 379
قَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ إِنِّيٓ أُلۡقِيَ إِلَيَّ كِتَٰبٞ كَرِيمٌ ٢٩
She said, "O eminent ones, indeed, to me has been delivered a noble letter.
إِنَّهُۥ مِن سُلَيۡمَٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٣٠
Indeed, it is from Solomon, and indeed, it is [i.e., reads]: 'In the name of Allāh, the Entirely Merciful, the Especially Merciful,
أَلَّا تَعۡلُواْ عَلَيَّ وَأۡتُونِي مُسۡلِمِينَ ٣١
Be not haughty with me but come to me in submission [as Muslims].'"
قَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ أَفۡتُونِي فِيٓ أَمۡرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمۡرًا حَتَّىٰ تَشۡهَدُونِ ٣٢
She said, "O eminent ones, advise me in my affair. I would not decide a matter until you witness [for] me."1
قَالُواْ نَحۡنُ أُوْلُواْ قُوَّةٖ وَأُوْلُواْ بَأۡسٖ شَدِيدٖ وَٱلۡأَمۡرُ إِلَيۡكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأۡمُرِينَ ٣٣
They said, "We are men of strength and of great military might, but the command is yours, so see what you will command."
قَالَتۡ إِنَّ ٱلۡمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرۡيَةً أَفۡسَدُوهَا وَجَعَلُوٓاْ أَعِزَّةَ أَهۡلِهَآ أَذِلَّةٗۚ وَكَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ ٣٤
She said, "Indeed kings - when they enter a city, they ruin it and render the honored of its people humbled. And thus do they do.
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ﴾ ﴿ألا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في أمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أمْرًا حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ والأمْرُ إلَيْكِ فانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ﴾ ﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾
فِي هَذِهِ المَواضِعِ اخْتِصارٌ يَدُلُّ ظاهِرُ القَوْلِ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: فَألْقى الكِتابَ وقَرَأتْهُ وجَمَعَتْ لَهُ أهْلُ مُلْكِها، و"المَلَأُ": أشْرافُ الناسِ الَّذِينَ يَنُوبُونَ مَنابَ الجَمِيعِ، ووَصَفَتِ الكِتابَ بِالكَرَمِ، إمّا لِأنَّهُ مِن عِنْدَ عَظِيمٍ في نَفْسِها ونُفُوسِهِمْ، فَعَظَّمَتْهُ إجْلالًا لِسُلَيْمانَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، وإمّا أنَّها أُشاراتٌ إلى أنَّهُ مَطْبُوعٌ عَلَيْهِ بِالخاتَمِ، ورُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «كَرَمُ الكِتابِ خَتْمُهُ»، وإمّا أنَّها أرادَتْ أنَّهُ بَدَأ بِبَسْمِ اللهِ تَعالى، وقَدْ قالَ ﷺ: «كُلُّ كَلامٍ لَمْ يَبْدَأْ بِاسْمِ اللهِ تَعالى فَهو أجْذَمُ». ثُمْ أخَذَتْ تَصِفُ لَهم ما في الكِتابِ، فَيَحْتَمِلُ اللَفْظُ أنَّهُ نَصُّ الكِتابِ مُوجَزًا بَلِيغًا، وكَذَلِكَ كُتُبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وقَدَّمَ فِيهِ العُنْوانَ -وَهِيَ عادَةُ الناسِ عَلى وجْهِ الدَهْرِ- ثُمْ سَمّى اللهَ تَعالى، ثُمْ أمَرَهم بِألّا يَعْلُوا عَلَيْهِ طُغْيانًا وكُفْرًا، وأنْ يَأْتُوهُ مُسْلِمِينَ، ويَحْتَمِلَ أنَّها قَصَدَتْ إلى اقْتِضابِ مَعانِيهِ دُونَ تَرْتِيبِهِ، فَأعْلَمَتْهم أنَّهُ مِن سُلَيْمانَ، وأنَّ مَعْناهُ كَذا وكَذا. وقَرَأ أُبَيِّ: "وَأنْ بِسْمِ اللهِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ النُونِ وحَذْفِ الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "أنَّهُ مِن" (p-٥٣٦)"وَأنَّهُ بِسْمِ اللهِ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ فِيهِما، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "وَإنَّهُ مِن سُلَيْمانَ" بِزِيادَةِ واوٍ، و﴿بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ﴾ اسْتِفْتاحٌ شَرِيفٌ بارِعُ المَعْنى مُعَبَّرٌ عنهُ بِكُلِّ لُغَةٍ، وفي كُلِّ شَرْعٍ.
و"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ رَفْعًا عَلى البَدَلِ مِن "كِتابٌ"، أو نَصْبًا عَلى مَعْنى: بِأنْ لا تَعْلُوا، أو مُفَسِّرَةً بِمَنزِلَةِ أيْ، قالَ سِيبَوَيْهِ: وقَرَأ وهَبَ بْنِ مُنَبِّهٍ: "ألّا تَغْلُوا" بالِغِينَ مَنقُوطَةً، قالَ أبُو الفَتْحِ: رَواها وهَبَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهي قِراءَةُ أشْهَبِ العَقِيلِيِّ، ذَكَرَها الثَعْلَبِيُّ.
ثُمْ أخَذَتْ في حُسْنِ الأدَبِ مَعَ رِجالِها، ومُشاوَرَتِهِمْ في أمْرِها، وأعْلَمَتْهم أنَّ ذَلِكَ مُطْرَدٌ عِنْدَها في كُلِّ أمْرٍ، فَكَيْفَ في هَذِهِ النازِلَةِ الكُبْرى؟ فَراجَعَها المَلَأٌ بِما يَقَرُّ عَيْنَها مِن إعْلامِهِمْ إيّاها بِالقُوَّةِ والبَأْسِ، أيْ: وذَلِكَ مَبْذُولٌ إلَيْكَ، فَقاتِلِي إنْ شِئْتِ، ثُمْ سَلَّمُوا الأمْرَ إلى نَظَرِها، وهَذِهِ مُحاوِرَةٌ حَسَنَةٌ مِنَ الجَمِيعِ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "ما كُنْتُ قاضِيَةً أمْرًا" بِالضادِ مِنَ القَضاءِ.
وذَكَرَ مُجاهِدٌ في عَدَدِ أحْشادِها أنَّها كانَ لَها اثْنا عَشَرَ ألْفَ، قِيلَ تَحْتَ يَدِ كُلِّ واحِدٍ مِائَةَ ألْفٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا بَعِيدٌ، وذَكَرَ غَيْرُهٌ نَحْوَهُ فاخْتَصَرْتُهُ لِعَدِمْ صِحَّتِهِ.
ثُمْ أخْبَرَتْ بِلْقِيسُ عِنْدَ ذَلِكَ بِفِعْلِ المُلُوكِ بِالقُرى الَّتِي يَتَغَلَّبُونَ عَلَيْها، وفي الكَلامِ خَوْفٌ عَلى قَوْمِها، وحِيطَةٌ لَهُمْ، واسْتِعْظامٌ لِأمْرِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ هو مِن قَوْلِ بِلْقِيسَ تَأْكِيدًا مِنها لِلْمَعْنى الَّذِي أرادَتْهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو مِن قَوْلِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى مُعَرِّفًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ، ومُخْبِرًا بِهِ.
(p-٥٣٧)
27:35–37Page 379
وَإِنِّي مُرۡسِلَةٌ إِلَيۡهِم بِهَدِيَّةٖ فَنَاظِرَةُۢ بِمَ يَرۡجِعُ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٣٥
But indeed, I will send to them a gift and see with what [reply] the messengers will return."
فَلَمَّا جَآءَ سُلَيۡمَٰنَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٖ فَمَآ ءَاتَىٰنِۦَ ٱللَّهُ خَيۡرٞ مِّمَّآ ءَاتَىٰكُمۚ بَلۡ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمۡ تَفۡرَحُونَ ٣٦
So when they came to Solomon, he said, "Do you provide me with wealth? But what Allāh has given me is better than what He has given you. Rather, it is you who rejoice in your gift.
ٱرۡجِعۡ إِلَيۡهِمۡ فَلَنَأۡتِيَنَّهُم بِجُنُودٖ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخۡرِجَنَّهُم مِّنۡهَآ أَذِلَّةٗ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ ٣٧
Return to them, for we will surely come to them with soldiers that they will be powerless to encounter, and we will surely expel them therefrom in humiliation, and they will be debased."
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكم بَلْ أنْتُمْ بِهَدِيَّتِكم تَفْرَحُونَ﴾ ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها ولَنُخْرِجَنَّهم مِنها أذِلَّةً وهم صاغِرُونَ﴾
رُوِيَ أنَّ بِلْقِيسَ قالَتْ لِقَوْمِها: إنِّي أُجَرِّبُ هَذا الرَجُلَ بِهَدِيَّةٍ أُعْطِيهِ فِيها نَفائِسَ الأمْوالِ، وأُغَرِّبُ عَلَيْهِ بِأُمُورِ المَمْلَكَةِ، فَإنْ كانَ مَلِكًا دُنْياوِيّا أرْضاهُ المالُ فَعَمِلْنا مَعَهُ بِحَسَبَ ذَلِكَ، وإنْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يُرْضِهِ المالُ، ولازَمَنا في أمْرِ الدِينِ، فَيَنْبَغِي أنْ نُؤْمِنَ بِهِ ونَتَّبِعَهُ عَلى دِينِهِ، فَبَعَثَتْ إلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ عَظِيمَةٍ أكْثَرَ بَعْضُ الناسِ في تَفْصِيلِها، فَرَأيْتُ اخْتِصارَ ذَلِكَ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ. واخْتَبَرَتْ عِلْمَهُ -فِيما رُوِيَ- بِأنْ بَعَثَتْ إلَيْهِ قَدَحًا فَقالَتْ لَهُ: امْلَأْهُ لِي مِمّا لَيْسَ مِنَ الأرْضِ ولا مِنَ السَماءِ، وبَعَثَتْ إلَيْهِ دُرَّةً فِيها ثُقْبُ مَخْلُوقٍ وقالَتْ: تَدْخُلُ سِلْكَها دُونَ أنْ يَقْرَبَها إنْسٌ ولا جانٌّ، وبَعَثَتْ أُخْرى غَيْرَ مَثْقُوبَةٍ وقالَتْ: يَثْقُبُ هَذِهِ غَيْرَ الإنْسِ والجِنِّ، فَمَلَأ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ القَدَحَ مَن عَرَقِ الجَبَلِ، وأدْخَلَتِ السِلْكَ دُودَةً وثَقَبَتِ الدُرَّةَ أرَضَةٌ، وراجِعَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ في رَدِّ الهَدِيَّةِ بِما في الآيَةِ، وعَبَّرَ عَنِ "المُرْسَلِينَ" بِـ (جاءَ) وبِقَوْلِهِ: (ارْجِعْ) لَمّا أرادَ بِهِ "الرَسُولَ" الَّذِي يَقَعُ عَلى الجَمْعِ والإفْرادِ والتَأْنِيثِ والتَذْكِيرِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَلَمّا جاؤُوا سُلَيْمانَ"، وقَرَأ "ارْجِعُوا"، ووَعِيدُ سُلَيْمانَ لَهم مُقْتَرِنٌ بِدَوُامِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وذَكَرَ مُجاهِدٌ أيْضًا أنَّها بَعَثَتْ في هَدِيَّتِها بِعَدَدٍ كَثِيرٍ مِنَ العَبِيدِ بَيْنَ غِلْمانٍ وجَوارِي، وجَعَلَتْ زِيَّهم واحِدًا، وجَرَّبَتْهُ في التَفْرِيقِ بَيْنَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا لَيْسَ بِتَجْرِبَةٍ في مِثْلِ هَذا الأمْرِ الخَطِرِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو: "أتُمِدُّونَنِي" بِنُونَيْنِ وياءٍ في الوَصْلِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمْ، والكِسائِيُّ: "أتُمِدُّونَنِ" بِغَيْرِ ياءٍ في وقْفٍ ووَصْلٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "أتُمِدُّونِّي" بِشَدِّ النُونِ وإثْباتِ الياءِ، وقَرَأ عاصِمْ: "فَما آتانِ اللهُ" بِكَسْرِ النُونِ دُونَ ياءٍ، وقَرَأتْ (p-٥٣٨)فِرْقَةٌ: "آتانِيِ" بِياءٍ ساكِنَةٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، ونافِعٌ: "آتانِيَ" بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ.
ثُمْ تَوَعَّدَهم بِالجُنُودِ والغَلَبَةِ والإخْراجِ، والمَعْنى: إذا لَمْ يُسَلِّمُوا، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ: [لا قِبَلَ لَهم بِهِمْ] عَلى جَمْعِ ضَمِيرِ الجُنُودِ، و"لا قِبَلَ" مَعْناهُ: لا طاقَةَ ولا مُقاوَمَةَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences