Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:83–93
27:83–87Page 384
وَيَوۡمَ نَحۡشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٖ فَوۡجٗا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُمۡ يُوزَعُونَ ٨٣
And [warn of] the Day when We will gather from every nation a company of those who deny Our signs, and they will be [driven] in rows
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُو قَالَ أَكَذَّبۡتُم بِـَٔايَٰتِي وَلَمۡ تُحِيطُواْ بِهَا عِلۡمًا أَمَّاذَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨٤
Until, when they arrive [at the place of Judgement], He will say, "Did you deny My signs while you encompassed them not in knowledge, or what [was it that] you were doing?"
وَوَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمۡ لَا يَنطِقُونَ ٨٥
And the decree will befall them1 for the wrong they did, and they will not [be able to] speak.
أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا جَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ لِيَسۡكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٨٦
Do they not see that We made the night that they may rest therein and the day giving sight? Indeed in that are signs for a people who believe.
وَيَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۚ وَكُلٌّ أَتَوۡهُ دَٰخِرِينَ ٨٧
And [warn of] the Day the Horn will be blown, and whoever is in the heavens and whoever is on the earth will be terrified except whom Allāh wills. And all will come to Him humbled.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهم يُوزَعُونَ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءُوا قالَ أكَذَّبْتُمْ بِآياتِي ولَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَوَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهم لا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا اللَيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ والنَهارَ مُبْصِرًا إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ في الصُورِ فَفَزِعَ مَن في السَماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللهُ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾
المَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ، وهَذا تَذْكِيرٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ، و"نَحْشُرُ": نَجْمَعُ، و﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ يُرِيدُ: مِن كُلِّ قَرْنٍ مِنَ الناسِ مُتَقَدِّمٍ؛ لِأنَّ كُلَّ عَصْرٍ لَمْ يَخْلُ مِن كَفَرَةٍ بِاللهِ مِن لَدُنْ تَفَرُّقِ بَنِي آدَمَ، و"الفَوْجُ": الجَماعَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ الناسِ، والمَعْنى: مِمَّنْ حالُهُ أنَّهُ مُكَذِّبٌ بِآياتِنا، و"يُوزَعُونَ" مَعْناهُ: يُكَفُّونَ في السَوْقِ، أيْ: يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، ومِنهُ وازِعِ الجَبْشِ، وفِيهِ يَقُولُ عَبْدُ الشارِفِ بْنُ عَبْدِ العُزّى:
؎ فَجاؤُوا عارِضًا بَرِدًا وحِينًا كَمِثْلِ السَيْلِ تَرْكَبُ وازِعِينا
ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن تَوْقِيفِهِ الكَفَرَةَ يَوْمَ القِيامَةِ وسُؤالِهِمْ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ: ﴿حَتّى إذا﴾ الآيَةُ، ثُمْ قالَ، ﴿أمّاذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ عَلى مَعْنى اسْتِيفاءِ الحُجَجِ، أيْ: إنْ كانَ لَكم عَمَلٌ أو حُجَّةٌ فَهاتُوها. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "أماذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" بِتَخْفِيفِ المِيمِ.
ثُمْ أخْبَرَ عن وُقُوعِ القَوْلِ عَلَيْهِمْ، أيْ نُفُوذِ العَذابِ وحَتْمِ القَضاءِ، وأنَّهم لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ، لِأنَّها لَيْسَتْ لَهُمْ، وهَذا في مَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ القِيامَةِ، وفي فَرِيقٍ مِنَ الناسِ؛ لِأنَّ القُرْآنَ يَقْتَضِي أنَّهم يَتَكَلَّمُونَ بِحُجَجٍ في غَيْرِ هَذا المَوْطِنِ.
ثُمْ ذَكَرَ تَعالى الآيَةَ في اللَيْلِ وكَوْنِهِ وقْتَ سُكُونٍ ووَداعَةِ لِجَمِيعِ الحَيَوانِ، والمُهِمْ في (p-٥٦٢)ذَلِكَ بَنُو آدَمَ، وكَوْنِ النَهارِ مُبْصِرًا، أيْ: ذا إبْصارٍ، وهَذا كَما تَقُولُ: لَيْلٌ قائِمْ ونَهارٌ صائِمْ، ومَعْنى ذَلِكَ: يُقامُ فِيهِ، فَكَذَلِكَ هَذا مَعْناهُ: يُبْصَرُ فِيهِ، فَهو لِذَلِكَ: ذا إبْصارٍ، ثُمْ تَجُوزُ بِأنْ قِيلَ: "مُبْصِرًا"، فَهو عَلى النَسَبِ كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ، والآياتُ في ذَلِكَ هي لِلْمُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، هي آيَةٌ لِجَمِيعِهِمْ في نَفْسِها، لَكِنْ مِن حَيْثُ الِانْتِفاعِ بِها والنَظَرِ النافِعِ إنَّما هو لِلْمُؤْمِنِينَ فَلِذَلِكَ خُصُّوا بِالذِكْرِ.
ثُمْ ذَكَرَ تَبارَكَ وتَعالى يَوْمَ النَفْخِ في الصُوَرِ، وهو القَرْنُ في قَوْلِ جُمْهُورِ الأُمَّةِ، وهو مُقْتَضى الأحادِيثِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو كَهَيْئَةِ البُوقِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الصُوَرُ جَمْعُ صُورَةٍ، كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ وجَمْرَةٍ وجَمْرٍ، والأوَّلُ أشْهَرُ، وفي الأحادِيثِ المُتَداوَلَةِ أنَّ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ هو صاحِبُ الصُوَرِ، وأنَّهُ قَدْ جَثا عَلى رُكْبَتِهِ الواحِدَةِ وأقامَ الأُخْرى وأمالَ خَدَّهُ والتَقَمَ القَرْنَ يَنْتَظِرُ مَتّى يُؤْمَرُ ويُؤْذَنُ لَهُ بِالنَفْخِ، وهَذِهِ النَفْخَةُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ هي نَفْخَةُ الفَزَعِ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ المَلَكَ لَهُ ثَلاثُ نَفَخاتٍ: نَفْخَةُ الفَزَعِ، وهو فَزَعُ حَياةِ الدُنْيا ولَيْسَ بِالفَزَعِ الأكْبَرِ، ونَفْخَةُ الصَعْقِ، ونَفْخَةُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما هي نَفْخَتانِ، كَأنَّهم جَعَلُوا الفَزَعَ والصَعْقَ في نَفْخَةٍ واحِدَةٍ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]، وقالُوا: أُخْرى لا تُقالُ إلّا في الثانِيَةِ.
(p-٥٦٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ، وأُخْرى تُقالُ في الثالِثَةِ، ومِنهُ قَوْلُ رَبِيعَةَ بْنِ مَقْرُومٍ:
ولَقَدْ شَفَعْتُهُما بِآخِرَ ثالِثٍ
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٢٠]، وأمّا قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ جَعَلْتُ لَها عُودَيْنِ مِن ∗∗∗ نَشَمٍ وآخَرَ مِن ثُمامَهْ
فَهُوَ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ ثانِيًا أو ثالِثًا فَلا حُجَّةَ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفَزِعَ﴾ -وَهُوَ أمْرٌ لَمْ يَقَعْ- يُعَدُّ إشْعارًا بِصِحَّةِ وُقُوعِهِ، وهَذا مَعْنى وضْعَ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن شاءَ اللهُ﴾ اسْتِثْناءٌ فِيمَن قَضى اللهُ تَعالى مِن مَلائِكَتِهِ وأنْبِيائِهِ وشُهَداءِ عَبِيدِهِ ألّا يَنالُهم فَزَعُ النَفْخِ في الصُوَرِ، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: هي في الشُهَداءِ، وذَكَرَ الرُمّانِيُّ أنَّهُ النَبِيُّ ﷺ، وقالَ مُقاتِلُ: هي في جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ ومَلَكِ المَوْتِ، وإذا كانَ الأكْبَرُ لا يَنالُهم فَهم حَرِيُّونَ ألّا يَنالُهم هَذا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
عَلى أنَّ هَذا في وقْتِ تَرَقُّبٍ وذَلِكَ في وقْتِ أمْنٍ؛ إذْ هو إطْباقُ جَهَنَّمَ عَلى أهْلِها.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَكُلٌّ آتُوهُ داخِرِينَ" عَلى وزْنِ فاعِلُوهُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفَصُ (p-٥٦٤)عن عاصِمْ: "أتَوْهُ" عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ الماضِي، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وأهْلِ الكُوفَةِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "أتاهُ" عَلى الإفْرادِ اتِّباعًا لِلَّفْظِ "كُلٌّ"، وإلى هَذِهِ القِراءَةِ أشارَ الزَجاجُ ولَمْ يَذْكُرْها.
و"الداخِرُ": المُتَذَلِّلُ الخاضِعُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ: الداخِرُ: الصاغِرُ، وقَرَأ الحَسَنُ: "دَخِرِينَ" بِغَيْرِ ألْفٍ، وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ بِأنَّ الِاسْتِثْناءَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما أُرِيدَ بِهِ الشُهَداءُ؛ لِأنَّهم أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وهم أهْلٌ لِلْفَزَعِ لِأنَّهم بَشَرٌ لَكِنَّهم فُضِّلُوا بِالأمْنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ.
27:88–93Page 384
وَتَرَى ٱلۡجِبَالَ تَحۡسَبُهَا جَامِدَةٗ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِۚ صُنۡعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ أَتۡقَنَ كُلَّ شَيۡءٍۚ إِنَّهُۥ خَبِيرُۢ بِمَا تَفۡعَلُونَ ٨٨
And you see the mountains, thinking them motionless,1 while they will pass as the passing of clouds. [It is] the work of Allāh, who perfected all things. Indeed, He is Aware of that which you do.
مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَا وَهُم مِّن فَزَعٖ يَوۡمَئِذٍ ءَامِنُونَ ٨٩
Whoever comes [at Judgement] with a good deed will have better than it, and they, from the terror of that Day, will be safe.
وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتۡ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ هَلۡ تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٠
And whoever comes with an evil deed1 - their faces will be overturned into the Fire, [and it will be said], "Are you recompensed except for what you used to do?"
إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ ٱلۡبَلۡدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُۥ كُلُّ شَيۡءٖۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٩١
[Say, O Muḥammad], "I have only been commanded to worship the Lord of this city,1 who made it sacred and to whom [belongs] all things. And I am commanded to be of the Muslims [i.e., those who submit to Allāh]
وَأَنۡ أَتۡلُوَاْ ٱلۡقُرۡءَانَۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ٩٢
And to recite the Qur’ān." And whoever is guided is only guided for [the benefit of] himself; and whoever strays - say, "I am only [one] of the warners."
وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ فَتَعۡرِفُونَهَاۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٩٣
And say, "[All] praise is [due] to Allāh. He will show you His signs, and you will recognize them. And your Lord is not unaware of what you do."
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَحابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها وهم مَن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ﴿وَمَن جاءَ بِالسَيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها ولَهُ كُلُّ شَيْءٍ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿وَأنْ أتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَقُلْ إنَّما أنا مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾
هَذا وصْفُ حالِ الأشْياءِ يَوْمَ القِيامَةِ عَقِبَ النَفْخِ في الصُوَرِ، والرُؤْيَةُ هي بِالعَيْنِ، وهَذِهِ الحالُ لِلْجِبالِ في أوَّلِ الأمْرِ تَسِيرُ وتَمُوجُ، وأمْرُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى بِنَسْفِها ونَفْشِها خِلالَ ذَلِكَ فَتَصِيرُ كالعِهْنِ، ثُمْ تَصِيرُ في آخِرِ الأمْرِ هَباءً مُنْبَثًّا. و"الجُمُودُ": التَصامُّ في الجَوْهَرِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "جامِدَةً": قائِمَةٌ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ بِأرْعَنَ مِثْلَ الطَوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم وُقُوفٌ لِحاجٍ والرُكّابُ تُهَمْلِجُ
(p-٥٦٥)و ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ مَصْدَرٌ مُعَرَّفٌ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ مَن لَفْظِهِ، وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى الإغْراءِ، بِمَعْنى: انْظُرُوا صُنْعَ اللهِ، و"الإتْقانُ": الإحْسانُ في المَعْمُولاتِ، وأنْ تَكُونَ حِسانًا وثِيقَةَ القُوَّةِ. وقَرَأ أُبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "يَفْعَلُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "تَفْعَلُونَ" بِالتاءِ عَلى الخِطابِ.
و"الحَسَنَةُ": الإيمانُ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والنَخْعِيُّ، وقَتادَةُ: هي لا إلَهَ إلّا اللهَ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ في بَعْضِ خَلَواتِي، فَرَفَعْتُ صَوْتِي بِـ "لا إلَهَ إلّا اللهَ"، فَسَمِعْتُ قائِلًا يَقُولُ: إنَّها الكَلِمَةُ الَّتِي قالَ اللهُ فِيها: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنها﴾، وقَوْلُهُ: ﴿خَيْرٌ مِنها﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ، ويَكُونُ في قَوْلِهِ: "مِنها" حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: خَيْرٌ مِن قَدْرِها أوِ اسْتِحْقاقِها، بِمَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى تَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِفَوْقِ ما تَسْتَحِقُّ حَسَنَتُهُ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: يُعْطى بِالواحِدَةِ عَشْرَةَ، والداعِيَةُ إلى هَذا التَقْدِيرِ أنَّ الحَسَنَةَ لا يُتَصَوَّرُ بَيْنَها وبَيْنَ الثَوابِ تَفْضِيلٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "خَيْرٌ" لَيْسَ لِلتَّفْضِيلِ، بَلِ اسْمٌ لِلثَّوابِ والنِعْمَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "مِنها" لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: هَذا الجَزاءُ الَّذِي يَكُونُ لَهُ هو مِن حَسَنَتِهِ وبِسَبَبِها، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وقالَ عِكْرِمَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ خَيْرًا مِن لا إلَهَ إلّا اللهَ، وإنَّما لَهُ الخَيْرُ مِنها،.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "مَن فَزَعِ يَوْمَئِذٍ" بِالإضافَةِ، ثُمُ اخْتَلَفُوا في فَتْحِ المِيمِ وكَسْرِها مِن "يَوْمَئِذٍ"، فَقَرَأ أكْثَرَهم بِفَتْحِ المِيمِ عَلى بِناءِ الظَرْفِ لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُمْكِنٍ، وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عن نافِعٍ بِكَسْرِ المِيمِ عَلى إعْمالِ الإضافَةِ؛ وذَلِكَ أنَّ الظُرُوفَ إذا أُضِيفَتْ إلى غَيْرِ مُمْكِنٍ جازَ بِناؤُها وإعْمالُ الإضافَةِ فِيها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصْحُ والشَيْبُ وازِعُ
(p-٥٦٦)فَإنَّهُ يُرْوى: "عَلى حِينَ" بِفَتْحِ النُونِ، و"عَلى حِينٍ" بِكَسْرِها، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "مَن فَزِعٍ" بِالتَنْوِينِ وتَرْكِ الإضافَةِ، ولا يَجُوزُ -مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ- إلّا فَتْحَ المِيمِ مِن "يَوْمَئِذٍ".
و"السَيِّئَةُ" الَّتِي هي في هَذِهِ الآيَةِ هي الكُفْرُ والمَعاصِي مِمَّنْ حَتَّمَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ مِن أهْلِ المَشِيئَةِ بِدُخُولِ النارِ، و"كَبْتَ" مَعْناهُ: تَلَتْ في النارِ، وجاءَ هَذا كَبّا مِن حَيْثُ خَلْقُها في الدُنْيا يُعْطِي ارْتِفاعَها، وإذا كُبَّتِ الوُجُوهُ فَسائِرُ البَدَنِ أدْخَلُ في النارِ؛ إذِ الوَجْهُ مَوْضِعُ الشَرَفِ والحَواسِّ. وقَوْلُهُ: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ﴾ بِمَعْنى: فَقالَ لَهم ذَلِكَ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّما أُمِرْتُ﴾ بِمَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ: إنَّما أُمِرْتُ، و"البَلْدَةُ المُشارُ إلَيْها مَكَّةُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الَّذِي حَرَّمَها"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "الَّتِي حَرَمَّها"، وأضافَ -فِي هَذِهِ الآيَةِ- التَحْرِيمَ إلى اللهِ تَعالى مِن حَيْثُ ذَلِكَ بِقَضائِهِ وسابِقِ عِلْمِهِ، وأضافَ النَبِيُّ ﷺ ذَلِكَ إلى إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ» مِن حَيْثُ كانَ ظاهِرُ ذَلِكَ بِدُعائِهِ ورَغْبَتِهِ وتَبْلِيغِهِ لِأُمَّتِهِ، فَلَيْسَ بَيْنَ الآيَةِ والحَدِيثِ تَعارُضٌ. وفي قَوْلِهِ: "حَرَّمَها" تَعْدِيدُ نِعْمَتِهِ عَلى قُرَيْشٍ في رَفْعِ اللهِ تَعالى عن (p-٥٦٧)بَلَدِهِمُ الغاراتِ والفِتَنِ الشائِعَةِ في جَمِيعِ بِلادِ العَرَبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ مَعْناهُ: بِالمُلْكِ والعُبُودِيَّةِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنْ أتْلُوَ" عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: " أنْ أكُونَ "، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَأنِ اتْلُ القُرْآنَ" بِمَعْنى: وأنْ قِيلَ لِي: اتْلُ القُرْآنَ، و"اتْلُ" مَعْناهُ: تابِعْ بِقِراءَتِكَ بَيْنَ آياتِهِ واسْرُدْ. وتِلاوَةُ القُرْآنِ سَبَبُ الِاهْتِداءِ إلى كُلِّ خَيْرٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾ مَعْناهُ: مَن تَكَسَّبَ الهُدى والإيمانَ ونَظَرَ نَظَرًا يُنْجِيهِ فَلِنَفْسِهِ سَعْيُهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَنِسْبَةُ الهُدى والضَلالِ إلى البَشَرِ مِن هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هي بِالتَكَسُّبِ والحِرْصِ والحالِ الَّتِي عَلَيْها يَقَعُ الثَوابُ والعِقابُ، والكُلُّ أيْضًا مِنَ اللهِ تَعالى بِالِاخْتِراعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ﴾ تَوَعُّدٌ بِعَذابِ الدُنْيا كَبَدْرٍ والفَتْحِ ونَحْوَهُ، وبِعَذابِ الآخِرَةِ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "عَمّا يَعْمَلُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفَصُ عن عاصِمْ: "عَمّا تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ عَلى مُخاطَبَتِهِمْ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَمْلِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences