Ibn 'AtiyyaAl‑Qasas · 28:62–79

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Qasas 28:62–79

28:62–64Page 393

وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٦٢

And [warn of] the Day He will call them and say, "Where are My 'partners' which you used to claim?"

قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَغۡوَيۡنَآ أَغۡوَيۡنَٰهُمۡ كَمَا غَوَيۡنَاۖ تَبَرَّأۡنَآ إِلَيۡكَۖ مَا كَانُوٓاْ إِيَّانَا يَعۡبُدُونَ ٦٣

Those upon whom the word1 will have come into effect will say, "Our Lord, these are the ones we led to error. We led them to error just as we were in error. We declare our disassociation [from them] to You. They did not used to worship [i.e., obey] us."2

وَقِيلَ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُمۡ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ لَوۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ يَهۡتَدُونَ ٦٤

And it will be said, "Invoke your 'partners,'" and they will invoke them; but they will not respond to them, and they will see the punishment. If only they had followed guidance!

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكم فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم ورَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾

التَقْدِيرُ: واذْكُرْ يَوْمَ، وهَذا النِداءُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِواسِطَةٍ، ويُحْتَمَلُ لِأنْ يَكُونُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، والضَمِيرِ بِـ "يُنادِي" لِعُبّادِ الأصْنامِ، والإشارَةُ إلى قُرَيْشٍ، وقَوْلُهُ: "أيْنَ" عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ، وقَوْلُهُ: "شُرَكائِيَ" أيْ: عَلى قَوْلِكم وزَعْمِكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ولَمّا كانَ هَذا السُؤالُ مُسْكِتًا لَهم مُهِينًا فَكَأنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بِجُمْهُورِ الكَفَرَةِ، إلّا بِالمُغْوِينَ لَهُمْ، وبِالأعْيانِ والرُؤُوسِ مِنهُمْ، وبِالشَياطِينِ المُغْوِينَ، فَكَأنَّ هَذِهِ الفِئَةَ المُغْوِيَةَ إنَّما أتَتِ الكَفَرَةَ عَلى عِلْمٍ بِأنَّ القَوْلَ عَلَيْها مُتَحَقِّقٌ، وبِأنَّ كَلِمَةَ العَذابِ ماضِيَةٌ، لَكِنَّهم طَمِعُوا في التَبَرِّي مِن أُولَئِكَ الكَفَرَةِ الأتْباعِ فَقالُوا: رَبَّنا هَؤُلاءِ أضْلَلْناهم كَما ضَلَلْنا نَحْنُ بِاجْتِهادٍ لَنا ولَهُمْ، وأرادُوا هُمُ اتِّباعَنا، وأحَبُّوا الكُفْرَ كَما أحْبَبْناهُ، فَنَحْنُ نَتَبَرَّأُ إلَيْكَ مِنهُمْ، وهم لَمْ يَعْبُدُونا إنَّما عَبَدُوا غَيْرَنا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَهَذا التَوْقِيفُ يَعُمْ جَمِيعَ الكَفَرَةِ، والمُجِيبُونَ هم جَمِيعُ المُغْوِينَ، كُلٌّ داعٍ إلى كُفْرٍ، مِنَ الشَياطِينِ الجِنُّ، ومِنَ الإنْسِ العُرَفاءُ والرُؤَساءُ والسادَةُ

وقَرَأ الجُمْهُورٌ: "غَوَيْنا" بِفَتْحِ الواوِ، ويُقالُ: غَوى الرَجُلُ يَغْوِي بِكَسْرِ الواوِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وعاصِمْ "غَوِينا" بِكَسْرِ الواوِ.

ثُمْ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى أنَّهُ يُقالُ لِلْكَفَرَةِ العابِدِينَ لِلْأصْنامِ الَّذِينَ اعْتَقَدُوهم آلِهَةً: ﴿ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ أيِ الأصْنامَ الَّتِي كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ، وأضافَ الشُرَكاءَ إلَيْهِمْ لَمّا كانَ ذَلِكَ الِاسْمُ بِزَعْمِهِمْ ودَعْواهُمْ، فَهَذا القَوْلُ أصْلٌ مِنَ الِاخْتِصاصِ، أضافَ الشُرَكاءَ إلَيْهِمْ ثُمْ أخْبَرَ أنَّهم دَعَوْهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ في الجَماداتِ ما يُجِيبُ، ورَأى الكُفّارُ العَذابَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾، ذَهَبَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ جَوابَ "لَوْ" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَما نالَهُمُ العَذابُ، أو: لَما كانُوا في الدُنْيا عابِدِينَ (p-٦٠٤)لِلْأصْنامِ، فَفي الكَلامِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- تَأسُّفٍ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ مُحْتَمَلٌ مَعَ تَقْدِيرِنا الجَوابَ: "لَما كانُوا عابِدِينَ لِلْأصْنامِ"، وفي تَقْدِيرِنا الجَوابُ: "لَما نالَهُمُ العَذابُ" نِعْمَةً مِنّا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "لَوْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها، تَقْدِيرُهُ: فَوَدُّوا لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ.

28:65–68Page 393

وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبۡتُمُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٦٥

And [mention] the Day He will call them and say, "What did you answer the messengers?"

فَعَمِيَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَنۢبَآءُ يَوۡمَئِذٖ فَهُمۡ لَا يَتَسَآءَلُونَ ٦٦

But the information1 will be unapparent to them that Day, so they will not [be able to] ask one another.

فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَعَسَىٰٓ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلۡمُفۡلِحِينَ ٦٧

But as for one who had repented, believed, and done righteousness, it is expected [i.e., promised by Allāh] that he will be among the successful.

وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخۡتَارُۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٨

And your Lord creates what He wills and chooses; not for them was the choice. Exalted is Allāh and high above what they associate with Him.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿فَأمّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أنْ يَكُونَ مَن المُفْلِحِينَ﴾ ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ سُبْحانَ اللهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾

هَذا النِداءُ أيْضًا كالأوَّلِ في احْتِمالِهِ الواسِطَةَ مِنَ المَلائِكَةِ، وهَذا النِداءُ أيْضًا لِلْكُفّارِ يُوقِفُهم عَلى ما أجابُوا بِهِ المُرْسَلِينَ الَّذِينَ دَعَوْهم إلى اللهِ تَعالى. ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْباءُ﴾ أيْ: أظْلَمَتِ الأُمُورُ، فَلَمْ يَجِدُوا خَبَرًا يُخْبِرُونَ بِهِ مِمّا لَهم فِيهِ نَجاةٌ، وساقَ الفِعْلَ في صِيغَةِ المُضِيِّ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ وأنَّهُ تَعَيَّنَ، والماضِي مِنَ الأفْعالِ مُتَيَقَّنٌ، فَلِذَلِكَ تُوضَعُ صِيغَتُهُ بَدَلَ المُسْتَقْبَلِ المُتَيَقَّنِ فَيَقْوى وُقُوعُهُ وصِحَّتُهُ، ومَعْناهُ: أظْلَمَتْ جِهاتُها، وقَرَأ الأعْمَشُ: "فَعُمِّيَتْ" بِضَمِّ العَيْنِ وشَدِّ المِيمِ، ورُوِيَ في بَعْضِ الحَدِيثِ: «كانَ اللهُ في عَماءٍ» وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الأنْوارَ وسائِرَ المَخْلُوقاتِ. و"الأنْباءُ" جَمْعُ نَبَأٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم لا يَتَساءَلُونَ﴾ مَعْناهُ فِيما قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: بِالأرْحامِ والأنْسابِ الَّذِي عُرْفُهُ في الدُنْيا أنْ يُتَساءَلَ بِهِ؛ لِأنَّهم قَدْ أيْقَنُوا أنَّ كُلَّهم لا حِيلَةَ لَهم ولا مَكانَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّهم لا يَتَساءَلُونَ عَنِ الأنْباءِ لِتَيَقُّنِ جَمِيعِهِمْ أنَّهُ لا حُجَّةَ لَهم.

ثُمُ انْتَزَعَ تَعالى مِنَ الكَفَرَةِ مَن تابَ مِن كُفِرِهِ، وآمَنَ بِاللهِ ورُسُلِهِ، وعَمِلَ بِالتَقْوى، ورَجّى عَزَّ وجَلَّ أنَّهم يَفُوزُونَ بِبُغْيَتِهِمْ ويَبْقَوْنَ في النَعِيمِ الدائِمْ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: "عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ظَنٌّ حَسَنٌ بِاللهِ تَعالى يُشْبِهُ فَضْلَهُ وكَرَمَهُ، واللازِمْ مِن "عَسى" أنَّها تَرَجِيَّةٌ (p-٦٠٥)لا واجِبَةٌ، وفي كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ [التحريم: ٥].

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ﴾ الآيَةُ، قِيلَ: سَبَبُها ما تَكَلَّمَتْ بِهِ قُرَيْشٌ مِنَ اسْتِغْرابِ أمْرِ النَبِيِّ ﷺ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ تِلْكَ المَنازِعِ، ورَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، وأخْبَرَ أنَّهُ يَخْلُقُ مِن عِبادِهِ وسائِرِ مَخْلُوقاتِهِ ما يَشاءُ، وأنَّهُ يَخْتارُ لِرِسالَتِهِ مَن يُرِيدُ ويَجْعَلُ فِيهِ المَصْلَحَةَ، ثُمْ نَفى أنْ يَكُونَ الِاخْتِيارُ لِلنّاسِ في هَذا ونَحْوِهِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، قالُوا: أنَّ "ما" نافِيَةٌ، أيْ: لَيْسَ لَهُمُ الخِيرَةُ عَنِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فَتَجِيءُ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللهُ ورَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٣٦].

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: ويَخْتارُ اللهُ تَعالى الأدْيانَ والشَرائِعَ، ولَيْسَ لَهُمُ الخِيرَةُ في أنْ يَمِيلُوا إلى الأصْنامِ ونَحْوِها في العِبادَةِ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ قَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَ اللهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾.

وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ "ما" في قَوْلِهِ: ﴿وَيَخْتارُ ما كانَ﴾ مُفَعْوِلَةٌ، قالَ: والمَعْنى أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَخْتارُونَ مِن أمْوالِهِمْ لِأصْنامِهِمْ خِيارَها، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ الِاخْتِيارَ إنَّما هو لَهُ وحْدَهُ، يَخْلُقُ ويَخْتارُ مِنَ الرُسُلِ والشَرائِعِ ما كانَ خَيْرًا لِلنّاسِ، لا كَما يَخْتارُونَ هم ما لَيْسَ لَهُمْ، ويَفْعَلُونَ ما لَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

واعْتَذَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ الرَفْعِ الَّذِي أجْمَعَ القُرّاءُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ بِأقْوالٍ لا تَتَحَصَّلُ، وقَدْ رَدَّ الناسُ عَلَيْهِ في ذَلِكَ، وذَكَرَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ (p-٦٠٦)القاسِمَ بْنَ مَعْنٍ أنْشَدَهُ بَيْتَ عنتَرَةَ:

؎ أمِن سُمَيَّةَ دَمْعُ العَيْنِ تَذْرِيفُ لَوْ كانَ ذا مِنكَ قَبْلَ اليَوْمِ مَعْرُوفُ

وقَرَنَ الآيَةَ بِهَذا البَيْتِ، والرِوايَةُ في البَيْتِ: (لَوْ أنَّ ذا)، ولَكِنْ عَلى ما رَواهُ القاسِمْ يَتَّجِهُ في بَيْتِ عنتَرَةَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الأمْرِ والشَأْنِ، فَأمّا في الآيَةِ فَلا يَكُونُ بِجُمْلَةٍ فِيها مَحْذُوفٌ، وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ.

والوَقْفُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ الناسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَخْتارُ﴾، وعَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَبَرِيُّ لا يُوقَفُ عَلى ذَلِكَ.

ويَتَّجِهُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ "ما" مُفَعْوِلَةً إذا قَدَّرْنا "كانَ" تامَّةً، أيْ أنَّ اللهَ تَعالى يَخْتارُ كُلَّ كائِنٍ، ولا يَكُونُ شَيْءٌ إلّا بِإذْنِهِ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَعْناها تَعْدِيدُ النِعْمَةِ عَلَيْهِمْ في اخْتِيارِ اللهِ تَعالى لَهم لَوْ قَبِلُوا وفَهِمُوا.

28:69–73Page 393

وَرَبُّكَ يَعۡلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمۡ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٦٩

And your Lord knows what their breasts conceal and what they declare.

وَهُوَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأُولَىٰ وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٧٠

And He is Allāh; there is no deity except Him. To Him is [due all] praise in the first [life] and the Hereafter. And His is the [final] decision, and to Him you will be returned.

قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلَّيۡلَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِضِيَآءٍۚ أَفَلَا تَسۡمَعُونَ ٧١

Say, "Have you considered:1 if Allāh should make for you the night continuous until the Day of Resurrection, what deity other than Allāh could bring you light? Then will you not hear?"

قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِلَيۡلٖ تَسۡكُنُونَ فِيهِۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ ٧٢

Say, "Have you considered: if Allāh should make for you the day continuous until the Day of Resurrection, what deity other than Allāh could bring you a night in which you may rest? Then will you not see?"

وَمِن رَّحۡمَتِهِۦ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٧٣

And out of His mercy He made for you the night and the day that you may rest therein and [by day] seek from His bounty and [that] perhaps you will be grateful.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهم وما يُعْلِنُونَ﴾ ﴿وَهُوَ اللهُ لا إلَهَ إلا هو لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللهُ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَهارَ (p-٦٠٧)سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللهُ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَمِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾

ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ أُمُورًا يَشْهَدُ عَقْلُ كُلِّ مَفْطُورٍ بِأنَّ الأصْنامَ لا شَرِكَةَ لَها فِيها، فَمِنها عِلْمُ ما في النُفُوسِ وما يَهْجِسُ بِالخَواطِرِ. و"تُكِنُّ" مَعْناهُ: تَسْتُرُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "تَكُنُّ" بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ الكافِ، وعَبَّرَ عَنِ القَلْبِ بِالصَدْرِ حَيْثُ كانَ مُحْتَوِيًا عَلَيْهِ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَعْلَمُ السِرَّ والإعْلانَ.

ثُمْ أفْرَدَ نَفْسَهُ بِالأُلُوهِيَّةِ ونَفاها عَمّا سِواهُ، وأخْبَرَ أنَّ الحَمْدَ لَهُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، إذْ لَهُ الصِفاتُ الَّتِي تَقْتَضِي ذَلِكَ، والحُكْمُ لَهُ. وهو -فِي هَذا المَوْضِعِ- الفَصْلُ والقَضاءُ في الأُمُورِ، ثُمْ أخْبَرَ تَعالى بِالرَجْعَةِ إلَيْهِ والحَشْرِ.

ثُمْ أخْبَرَ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يُوقِفَهم عَلى أمْرِ اللَيْلِ والنَهارِ، وما مَنَحَ اللهُ تَعالى فِيهِما مِنَ المَصالِحِ والمَرافِقِ، وأنْ يُوقِفَهم عَلى إنْعامِهِ تَعالى بِتَوْفِيقِ اللَيْلِ والنَهارِ، وأنَّهُ لَوْ مَدَّ أحَدَهُما سَرْمَدًا لَما وجَدَ مَن يَأْتِي بِالآخَرِ. و"السَرْمَدُ" مِنَ الأشْياءِ: الدائِمُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ هي الجُمْهُورُ: "بِضِياءٍ" بِالياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ قُنْبُلَ: "بِضِئاءٍ" بِهَمْزَتَيْنِ، وضَعَّفَهُ أبُو عَلِيٍّ. ثُمْ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ انْقِسامَ اللَيْلِ والنَهارِ عَلى السُكُونِ وابْتِغاءِ الفَضْلِ بِالمَشْيِ والتَصَرُّفِ، وهَذا هو الغالِبُ في أمْرِ اللَيْلِ والنَهارِ، فَعَدَّدَ النِعْمَةَ بِالأغْلَبِ، وإنْ وُجِدَ مَن يَسْكُنُ بِالنَهارِ ويَبْتَغِي فَضْلَ اللهِ بِاللَيْلِ فَشاذٌّ نادِرٌ لا يُعْتَدُّ بِهِ. وقالَ بَعْضُ الناسِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَيْلَ والنَهارَ﴾ إنَّما عَبَّرَ بِهِ عَنِ الزَمانِ، فَكَأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ لِتَقْسِيمٍ، أيْ: في هَذا الوَقْتِ الَّذِي هو لَيْلٌ ونَهارٌ يَقَعُ السُكُونُ وابْتِغاءُ الفَضْلِ.

وقَوْلُهُ: "وَلَعَلَّكُمْ" أيْ عَلى نَظَرِ البَشَرِ، مَن يَرى هَذا التَلَطُّفَ والرِفْقَ يَرى أنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي الشُكْرَ ولا بُدَّ.

28:74–75Page 394

وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٧٤

And [warn of] the Day He will call them and say, "Where are My 'partners' which you used to claim?"

وَنَزَعۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا فَقُلۡنَا هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ فَعَلِمُوٓاْ أَنَّ ٱلۡحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٧٥

And We will extract from every nation a witness and say, "Produce your proof," and they will know that the truth belongs to Allāh, and lost from them is that which they used to invent.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿وَنَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكم فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ وضَلَّ عنهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾

التَقْدِيرُ: واذْكُرْ يَوْمَ يُنادِيهِمْ، وكَرَّرَ هَذا المَعْنى إبْلاغًا وتَحْذِيرًا، وهَذا النِداءُ هو عِنْدَ ظُهُورِ كُلِّ ما وعَدَ الرَحْمَنُ عَلى ألْسِنَةِ المُرْسَلِينَ مِن وُجُوبِ الرَحْمَةِ لِقَوْمٍ والعَذابِ (p-٦٠٨)لِآخَرِينَ، ومِن خُضُوعِ كُلِّ جَبّارٍ وذِلَّةٍ لِعَزَّةَ رَبِّ العالَمِينَ، فَيَتَوَجَّهُ حِينَئِذٍ تَوْبِيخُ الكُفّارِ، فَيَقُولُ اللهُ تَعالى لَهُمْ: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ عَلى مَعْنى التَقْرِيعُ.

ثُمْ أخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى أنَّهُ يُخْرِجُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا يُمَيِّزُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الناسِ، وهَذا هو النَزْعُ، أيْ: يُمَيِّزُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَيَنْتَزِعُ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ بِـ "الشَهِيدِ" الَّذِي يَشْهَدُ عَلى أُمَّتِهِ، وقالَ الرُمّانِيُّ: وقِيلَ: أرادَ عُدُولًا مِنَ الأُمَمِ وأخْيارًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهم حَمَلَةُ الحُجَّةِ الَّذِينَ لا يَخْلُو مِنهم زَمَنٌ، و"الشَهِيدُ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- اسْمُ الجِنْسِ، وفي هَذا المَوْضِعِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: يَشْهَدُ الشَهِيدُ عَلى الأُمَّةِ بِخَيْرِها وشَرِّها، فَيَحِقُّ العَذابُ عَلى مَن كَفَرَ، ويُقالُ لَهم -عَلى جِهَةِ اسْتِبْراءِ الحُجَّةِ والإعْذارِ في المُحاوَلَةِ-: ﴿هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾، أيْ حُجَّتَكم عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُنْيا إنْ كانَ لَكُمْ، فَيَسْقُطُ حِينَئِذٍ في أيْدِيهِمْ، ويَعْلَمُونَ أنَّ الحَقَّ مُتَوَجِّهٌ لَهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ في تَعْذِيبِهِمْ، ويَنْكَشِفُ لَهم ما كانُوا بِسَبِيلِهِ في الدُنْيا مِن كَذِبٍ مُخْتَلَقٍ وزُورٍ في قَوْلِهِمْ لِلْأصْنامِ: هَذِهِ آلِهَةٌ، وفي تَكْذِيبِهِمُ الرُسُلَ، وغَيْرِ ذَلِكَ. ومِن هَذِهِ الآيَةِ انْتُزِعَ قَوْلُ القاضِي عِنْدَ إرادَةِ الحُكْمِ: أبَقِيَتْ لَكَ حُجَّةٌ؟

28:76–77Page 394

۞ إِنَّ قَٰرُونَ كَانَ مِن قَوۡمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيۡهِمۡۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُۥ لَتَنُوٓأُ بِٱلۡعُصۡبَةِ أُوْلِي ٱلۡقُوَّةِ إِذۡ قَالَ لَهُۥ قَوۡمُهُۥ لَا تَفۡرَحۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَرِحِينَ ٧٦

Indeed, Qārūn was from the people of Moses, but he tyrannized them. And We gave him of treasures whose keys would burden a band of strong men; thereupon his people said to him, "Do not exult. Indeed, Allāh does not like the exultant.

وَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَاۖ وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٧٧

But seek, through that which Allāh has given you, the home of the Hereafter; and [yet], do not forget your share of the world. And do good as Allāh has done good to you. And desire not corruption in the land. Indeed, Allāh does not like corrupters."

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وآتَيْناهُ مِن الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾ ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُنْيا وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللهُ إلَيْكَ ولا تَبْغِ الفَسادَ في الأرْضِ إنَّ اللهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾

قارُونُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ. واخْتَلَفَ الناسُ في قَرابَةِ قارُونَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقالَ ابْنُ إسْحاقٍ: هو عَمُّهُ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: هو ابْنُ عَمِّهِ، وهَذا أشْهَرُ، وقِيلَ: ابْنُ خالَتِهِ، فَهو بِإجْماعٍ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، كانَ مِمَّنْ آمَنَ (p-٦٠٩)بِمُوسى، وحَفِظَ التَوْراةَ، وكانَ مَن أقْرَأِ الناسِ لَها، وكانَ عِنْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن عُبّادِ المُؤْمِنِينَ، ثُمْ لَحِقَهُ الزَهْوُ والإعْجابُ، فَبَغى عَلى قَوْمِهِ بِأنْواعٍ مِنَ البَغْيِ، فَمِن ذَلِكَ كُفْرُهُ بِمُوسى واسْتِخْفافُهُ بِهِ، ومُطالَبَتُهُ لَهُ بِأنْ يَجْعَلَ لَهُ شَيْئًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنَّهُ عَمَدَ إلى امْرَأةٍ مُومِسَةٍ ذاتِ جَمالٍ، وقالَ لَها: أنا أُحْسِنُ إلَيْكَ، وأحْفَظُكَ في أهْلِي عَلى أنْ تَجِيئِي في مَلَأٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عِنْدِي فَتَقُولِي: يا قارُونُ اكْفِنِي أمْرَ مُوسى فَإنَّهُ يَتَعَرَّضُ في نَفْسِي، فَجاءَتِ المَرْأةُ، فَلَمّا وقَفَتْ عَلى المَلَأِ أحْدَثَ اللهُ تَعالى لَها تَوْبَةً، فَقالَتْ: يا بَنِي إسْرائِيلَ، إنَّ قارُونَ قالَ لِي كَذا وكَذا، فَفَضَحَتْهُ في جَمِيعِ القِصَّةِ، وبَرَّأ اللهُ بِقُدْرَتِهِ نَبِيَّهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن مُطالَبَتِهِ، وقِيلَ: بَلْ قالَتِ المَرْأةُ ذَلِكَ عن مُوسى، فَلَمّا بَلَغَهُ الخَبَرُ وقَفَ المَرْأةَ بِمَحْضَرٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَتْ: يا نَبِيَّ اللهِ، كَذَبْتُ أنا عَلَيْكَ، وإنَّما دَفَعَنِي قارُونُ إلى هَذِهِ المَقالَةِ. وكانَ مِن بَغْيِهِ أنَّهُ زادَ في ثِيابِهِ شِبْرًا عَلى ثِيابِ الناسِ، قالَهُ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَصْدُرُ عَمَّنْ فَسَدَ اعْتِقادُهُ. وكانَ مِن أعْظَمِ الناسِ مالًا، وسُمِّيَتْ أمْوالُهُ كُنُوزًا إذْ كانَ مُمْتَنِعًا مِن أداءِ الزَكاةِ، وبِسَبَبِ ذَلِكَ عادى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أوَّلَ عَداوَتِهِ.

والمَفاتِيحُ: ظاهِرُها أنَّها الَّتِي يُفْتَحُ بِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِها الخَزائِنَ والأوعِيَةَ الكِبارَ، قالَهُ الضَحّاكُ: لِأنَّ المِفْتاحَ في كَلامِ العَرَبِ الخِزانَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وأكْثَرَ المُفَسِّرُونَ في شَأْنِ قارُونَ، فَرُوِيَ عن خَيْثَمَةَ أنَّهُ قالَ: نَجِدُ في الإنْجِيلِ مَكْتُوبًا: (إنَّ مَفاتِيحَ قارُونَ كانَتْ مِن جُلُودِ الإبِلِ، وكانَ المِفْتاحُ مِن نِصْفِ شِبْرٍ، وكانَتْ وِقْرَ سِتِّينَ بَغْلًا أو بَعِيرًا لِكُلِّ مِفْتاحٍ كَنْزٌ).

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ورُوِيَ غَيْرُ هَذا مِمّا يَقْرُبُ مِنهُ، ذَلِكَ كُلُّهُ ضَعِيفٌ، والنَظَرُ يَشْهَدُ بِفَسادِ هَذا، ومَن كانَ الَّذِي يُمَيِّزُ بَعْضَها مِن بَعْضٍ؟ وما الداعِي لِهَذا، وفي المُمْكِنِ أنْ تَرْجِعَ كُلُّها إلى (p-٦١٠)ما يُحْصى ويُقْدَرُ عَلى حَمْلِهِ بِسُهُولَةٍ؟ وكانَ يَلْزَمُ -عَلى هَذا- أنْ تَكُونَ "مَفاتِيحَ" بِياءٍ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، والَّذِي يُشْبِهُ هُوَ: إمّا أنْ تَكُونَ المَفاتِيحُ مِنَ الحَدِيدِ ونَحْوِهِ، وعَلى هَذا تَنُوءُ بِالعُصْبَةِ؛ إذْ كانَتْ كَثِيرَةً لِكَثْرَةِ مَخازِنِهِ، أو تَكُونَ "المَفاتِحُ" الخَزائِنَ، قالَ أبُو صالِحٍ: كانَتْ خَزائِنُهُ تُحْمَلُ عَلى أرْبَعِينَ بَغْلًا.

وأمّا قَوْلُهُ: "تَنُوءُ" فَمَعْناهُ: تَنْهَضُ بِتَحامُلٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ يَصِفُ رامِيًا:

؎ حَتّى إذا ما التَأمَتْ مَفاصِلُهُ وناءَ في شِقِّ الشَمالِ كاهِلُهُ

والوَجْهُ أنْ يُقالَ: إنَّ العُصْبَةَ تَنُوءُ بِالمَفاتِيحِ المُثْقِلَةِ لَها، وكَذَلِكَ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: إنَّ المُرادَ هَذا، لِكِنَّهُ قَلْبٌ كَما تَفْعَلُ العَرَبُ كَثِيرًا، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ فَدَيْتُ بِنَفْسِهِ نَفْسِي ومالِي ∗∗∗ وما آلُوكُ إلّا ما أُطِيقُ

(p-٦١١)وَقَوْلُ الآخَرِ:

؎ وتَرْكَبُ خَيْلًا لا هَوادَةَ بَيْنِها ∗∗∗ وتَشْقى الرِماحُ بِالضَياطِرَةِ الحُمْرِ

وهَذا البَيْتُ لا حُجَّةَ فِيهِ؛ إذْ يَتَّجِهُ عَلى وجْهِهِ فَتَأمَّلْهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الآخَرِ:

؎ ما كُنْتَ في الحَرْبِ العَوانِ مُغَمَّرًا ∗∗∗ إذْ شَبَّ حَرُّ وقُودِها أجْذالَها

وقالَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ: التَقْدِيرُ: لَتُنِيءُ العُصْبَةَ، فَجُعِلَ بَدَلُ ذَلِكَ تَعْدِيَةَ الفِعْلِ بِحَرْفِ الجَرِّ، كَما تَقُولُ: ناءَ الحِمْلُ وأنْأتْهُ ونُؤْتُ بِهِ بِمَعْنى: جَعَلَتْهُ يَنُوءُ، والعَرَبُ تَقُولُ: ناءَ الحِمْلُ بِالبَعِيرِ إذا أثْقَلَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُحْتَمَلُ أنْ يُسْنَدَ "تَنُوءُ" إلى المَفاتِيحِ مَجازًا؛ لِأنَّها تَنْهَضُ بِتَحامُلٍ إذا فَعَلَ ذَلِكَ الَّذِي يَنْهَضُ بِها، وهَذا مُطَّرِدٌ في قَوْلِهِمْ: ناءَ الحِمْلُ بِالعِيرِ، ونَحْوِهِ، فَتَأمَّلْهُ.

(p-٦١٢)واخْتَلَفَ الناسُ في "العُصْبَةِ"، كَمْ هِيَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ثَلاثَةٌ، وقالَ قَتادَةُ: العُصْبَةُ: مِنَ العَشْرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: خَمْسَةَ عَشَرَ، وقِيلَ: أحَدَ عَشَرَ حَمْلًا عَلى إخْوَةِ يُوسُفَ، وقِيلَ: أرْبَعُونَ.

وقَرَأ بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ: "لَيَنُوءُ" بِالياءِ، ووَجَّهَها أبُو الفَتْحِ عَلى أنَّهُ يَقْرَأُ: "مَفاتِحَهُ" جَمْعًا، وذَكَرَ أبُو عَمْرِو الدانِي أنَّ بُدَيْلَ بْنَ مَيْسَرَةَ قَرَأ: "ما إنَّ مِفْتاحَهُ" عَلى الإفْرادِ، فَيُسْتَغْنى عَلى هَذا عن تَوْجِيهِ أبِي الفَتْحِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: "فَبَغى"، ونَهَوْهُ عَنِ الفَرَحِ المُطْغِي الَّذِي هو انْهِماكُ وانْحِلالُ نَفْسٍ وأشَرٌ وإعْجابٌ، و"لا يُحِبُّ" -فِي هَذا المَوْضِعِ- صِفَةُ فِعْلٍ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ قَدْ وقَعَ فَمُحالٌ أنْ يَرْجِعَ إلى الإرادَةِ، وإنَّما هو لا يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ بَرَكَتَهُ، ولا يَهِبُهم رَحْمَتَهُ. ثُمْ وصَّوْهُ بِأنْ يَطْلُبَ بِمالِهِ رِضى اللهِ وآخِرَتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُنْيا﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِيهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- والجُمْهُورُ: مَعْناهُ: لا تُضَيِّعْ عُمُرَكَ في ألّا تَعْمَلَ عَمَلًا صالِحًا في دُنْياكَ؛ إذِ الآخِرَةُ إنَّما يُعْمَلُ لَها في الدُنْيا، فَنَصِيبُ الإنْسانِ عُمُرُهُ وعَمَلُهُ الصالِحُ فَيَنْبَغِي ألّا تُهْمِلَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فالكَلامُ كُلُّهُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- شِدَّةٌ في المَوْعِظَةِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: مَعْناهُ: (p-٦١٣)وَلا تُضَيِّعْ حَظَّكَ أيْضًا مِن دُنْياكَ في تَمَتُّعِكَ بِالحَلالِ وطَلَبِكَ إيّاهُ، ونَظَرِكَ إلى عاقِبَةِ دُنْياكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فالكَلامُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- هو في الرِفْقِ بِهِ وإصْلاحِ الأمْرِ الَّذِي يَشْتَهِيهِ، وهَذا مِمّا يَجِبُ اسْتِعْمالُهُ مَعَ المَوْعُوظِ خَشْيَةَ النَبْوَةِ مِنَ الشِدَّةِ. وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ: قَدِّمُ الفَضْلَ وأمْسِكْ ما تَبْلُغُ بِهِ، وقالَ مالِكٌ: هو الأكْلُ والشُرْبُ بِلا سَرَفٍ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ أنَّهُ قِيلَ: أرادُوا بِنَصِيبِهِ الكَفَنَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا وعْظٌ مُتَّصِلٌ كَأنَّهم قالُوا: لا تَنْسَ أنَّكَ تَتْرُكُ جَمِيعَ مالِكَ إلّا نَصِيبَكَ الَّذِي هو الكَفَنُ، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ نَصِيبُكَ مِمّا تَجْمَعُ الدَهْرَ كُلَّهُ ∗∗∗ رِداءانِ تُلْوى فِيهِما وحَنُوطُ

وقَوْلُهُ: ﴿وَأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللهُ إلَيْكَ﴾ أمْرٌ بِصِلَةِ المَساكِينِ وذَوِي الحاجَةِ. وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

28:78–79Page 395

قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِيٓۚ أَوَلَمۡ يَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَهۡلَكَ مِن قَبۡلِهِۦ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مَنۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرُ جَمۡعٗاۚ وَلَا يُسۡـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٧٨

He said, "I was only given it because of knowledge I have." Did he not know that Allāh had destroyed before him of generations those who were greater than him in power and greater in accumulation [of wealth]? But the criminals, about their sins, will not be asked.1

فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ فِي زِينَتِهِۦۖ قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا يَٰلَيۡتَ لَنَا مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ قَٰرُونُ إِنَّهُۥ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٖ ٧٩

So he came out before his people in his adornment. Those who desired the worldly life said, "Oh, would that we had like what was given to Qārūn. Indeed, he is one of great fortune."

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أوَلَمْ يَعْلَمْ أنَّ اللهَ قَدْ أهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِن القُرُونِ مِن هو أشَدُّ مِنهُ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا ولا يُسْألُ عن ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَياةَ الدُنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾

القائِلُ قارُونُ. لَمّا وعَظَهُ قَوْمُهُ ونَدَبُوهُ إلى اتِّقاءِ اللهِ تَعالى في المالِ الَّذِي أعْطاهُ تَفَضُّلًا مِنهُ عَلَيْهِ، أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ فَأُعْجِبَ بِنَفْسِهِ، وقالَ لَهم عَلى جِهَةِ الرَدِّ عَلَيْهِمْ والرَوَغانِ عَمّا ألْزَمُوهُ فِيهِ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾، ولِكَلامِهِ هَذا وجْهانِ يَحْمِلُهُما، وبِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما قالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: (p-٦١٤)فَقالَ الجُمْهُورُ مِنهُمْ: إنَّهُ ادَّعى أنَّ عِنْدَهُ عِلْمًا اسْتَوْجَبَ بِهِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ النَعِيمُ لَهُ وكَذَلِكَ المالُ، ثُمُ اخْتَلَفُوا في العِلْمِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ، ما هُوَ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: عِلْمُ التَوْراةِ وحِفْظُها، قالُوا: وكانَتْ هَذِهِ مُغالَطَةً ورِياءً، وقالَأبُو سُلَيْمانَ الدارانِيُّ: أرادَ العِلْمَ بِالتِجاراتِ ووُجُوهِ تَمْيِيزِ المالِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أُوتِيتُهُ بِإدْراكِي وبِسَعْيِي، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: أرادَ عِلْمَ الكِيمْياءِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: إنَّما أرادَ: أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللهِ تَعالى وتَخْصِيصٍ مِن لَدُنْهُ قَصَدَنِي بِهِ، فَلا يَلْزَمُنِي فِيهِ شَيْءٌ مِمّا قُلْتُمْ، ثُمْ جُعِلَ قَوْلُهُ: " عِنْدِي " كَما تَقُولُ: "فِي مُعْتَقَدِي وعَلى ما أراهُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ مَعًا فَقَدْ نَبَّهَ القُرْآنُ عَلى خَطَئِهِ في اغْتِرارِهِ، وعارِضَ مَنزَعَهُ بِأنَّ مِن مَعْلُوماتِ الناسِ المُتَحَقِّقَةِ عِنْدَهم أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أهْلَكَ مِنَ الأُمَمِ والقُرُونِ والمُلُوكِ مَن هو أشَدُّ مِن قارُونَ قُوَّةً وأكْثَرُ جَمْعًا، إمّا لِلْمالِ أو لِلْحاشِيَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ يُرَجِّحُ أنَّ قارُونَ تَشَبَّعَ بِعِلْمِ نَفْسِهِ عَلى زَعْمِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُسْألُ عن ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هو كَلامٌ مُتَّصِلٌ بِمَعْنى ما قَبْلَهُ، والضَمِيرُ في "ذُنُوبِهِمْ" عائِدٌ عَلى مَن أُهْلِكَ مِنَ القُرُونِ، أيْ: أُهْلِكُوا ولَمْ يُسْألْ غَيْرُهم بَعْدَهم عن ذُنُوبِهِمْ، أيْ: كُلُّ أحَدٍ إنَّما يُسْألُ ويُعاقَبُ بِحَسْبِ ما يَخُصُّهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ عن حالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، مَعْناهُ أنَّ المُجْرِمِينَ لا يُسْألُونَ عن ذُنُوبِهِمْ، أيْ أنَّ المَلائِكَةَ لا تَسْألُ عن ذُنُوبِهِمْ؛ لِأنَّهم يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم مِنَ السَوادِ والتَشْوِيهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١].

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وفِي آياتِ اللهِ ما يَقْتَضِي أنَّ الناسَ يَوْمَ القِيامَةِ يُسْألُونَ، كَقَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: (p-٦١٥)﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]، وغَيْرُ ذَلِكَ، وفِيهِ آياتٌ تَقْتَضِي أنَّهُ لا يُسْألُ أحَدٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عن ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]، وغَيْرُ ذَلِكَ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ الآياتُ الَّتِي تُوجِبُ السُؤالَ إنَّما يُرِيدُ بِها أسْئِلَةَ التَوْبِيخِ والتَقْرِيرِ، والَّذِي يَنْفِيهِ يُرادُ بِهِ أسْئِلَةُ الِاسْتِفْهامِ عَلى جِهَةِ الحاجَةِ إلى عِلْمِ ذَلِكَ مِنَ المَسْؤُولِينَ، أيْ أنَّ ذَلِكَ لا يَقَعُ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِهِمْ مُحِيطٌ، وسُؤالُ التَوْبِيخِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ.

ثُمْ أخْبَرَ تَعالى أنَّ قارُونَ خَرَجَ عَلى قَوْمِهِ وقَدْ أظْهَرَ قُدْرَتَهُ مِنَ المَلابِسِ والمَراكِبِ وزِينَةِ الدُنْيا، قالَ جابِرٌ ومُجاهِدٌ: خَرَجَ في ثِيابٍ حُمْرٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: خَرَجَ هو وحَشَمُهُ في ثِيابٍ مُعَصْفَرَةٍ، وقِيلَ: في ثِيابِ الأُرْجُوانِ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، وأكْثَرَ المُفَسِّرُونَ في تَحْدِيدِ زِينَةِ قارُونَ وتَعْيِينِها -مِمّا لا صِحَّةَ لَهُ- فاخْتَصَرَتْهُ. وباقِي الآيَةِ في اغْتِرارِ الجَهَلَةِ والأغْمارِ مِنَ الناسِ بَيِّنٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском