Ibn 'AtiyyaAl-'Ankabut · 29:21–40

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-'Ankabut 29:21–40

29:21–23Page 398

يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرۡحَمُ مَن يَشَآءُۖ وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ ٢١

He punishes whom He wills and has mercy upon whom He wills, and to Him you will be returned.

وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٢٢

And you will not cause failure [to Allāh] upon the earth or in the heaven. And you have not other than Allāh any protector or any helper.

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحۡمَتِي وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٣

And the ones who disbelieve in the signs of Allāh and the meeting with Him - those have despaired of My mercy, and they will have a painful punishment.

قوله عزّ وجلّ:

﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَرْحَمُ مَن يَشاءُ وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَماءِ وما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ ولِقائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

المَعْنى: يُيَسِّرُ مَن يَشاءُ لِأعْمالِ مَن حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ، ويُيَسِّرُ مَن يَشاءُ لِأعْمالِ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَعادَةُ، فَيَتَعَلَّقُ الثَوابُ والعِقابُ بِالِاكْتِسابِ المُقْتَرِنِ بِالِاخْتِراعِ الَّذِي لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى في أعْمالِ العَبِيدِ. ثُمْ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهُ إلَيْهِ المُنْقَلَبُ، وأنَّ البَشَرَ لَيْسَ بِمُعْجِزٍ ولا مُفْلِتٍ في الأرْضِ ولا في السَماءِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالسَماءِ الهَواءُ عُلُوًّا، أيْ: لَيْسَ لِلْإنْسانِ حِيلَةً صَعِدَ أو نَزَلَ، حَكى نَحْوَهُ الزَهْراوِيُّ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ السَماءَ المَعْرُوفَةَ، أيْ: لَسْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولَوْ كُنْتُمْ في السَماءِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: ولا مَن في السَماءِ مُعْجِزٌ إنْ عَصى، ونَظَّرُوهُ -عَلى هَذا- بِقَوْلِ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ:

؎ فَمَن يَهْجُو رَسُولَ اللهِ مِنكم ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَواءٌ؟

والتَأْوِيلُ الأوسَطُ أحْسَنُها، ونَحْوُهُ قَوْلُ الأعْشى:(p-٦٣٦)

؎ ولَوْ كُنْتَ في جُبٍّ ثَمانِينَ قامَةً ورُقِّيتَ أسْبابَ السَماءِ بِسُلَّمِ ∗∗∗ لَيَسْتَدْرِجَنْكَ القَوْلُ حَتّى تَهِرَّهُ ∗∗∗ وتَعْلَمَ أنِّي عنكَ لَسْتَ بِمُلْجَمِ

والوَلِيُّ أخَصُّ مِنَ النَصِيرِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ القَعْقاعِ، وابْنُ الحَرْثِ: "يَيِسُوا" بِغَيْرِ هَمْزٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ذَمَّ اللهُ تَعالى قَوْمًا هانُوا عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي﴾.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: " أوَلَمْ يَرَوْا " إلى هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ، ويَكُونُ اعْتِراضًا في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِإبْراهِيمَ ومُحاوَرَةً لِقَوْمِهِ، وعِنْدَ آخِرِ ذَلِكَ ذَكَرَ جَوابَ قَوْمِهِ.

29:24–25Page 399

فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱقۡتُلُوهُ أَوۡ حَرِّقُوهُ فَأَنجَىٰهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٢٤

And the answer of his [i.e., Abraham's] people was not but that they said, "Kill him or burn him," but Allāh saved him from the fire. Indeed in that are signs for a people who believe.

وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا مَّوَدَّةَ بَيۡنِكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُ بَعۡضُكُم بِبَعۡضٖ وَيَلۡعَنُ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٥

And [Abraham] said, "You have only taken, other than Allāh, idols as [a bond of] affection among you in worldly life. Then on the Day of Resurrection you will deny one another and curse one another, and your refuge will be the Fire, and you will not have any helpers."

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أو حَرِّقُوهُ فَأنْجاهُ اللهُ مِنَ النارِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللهِ أوثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكم في الحَياةِ الدُنْيا ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ومَأْواكُمُ النارُ وما لَكم مِن ناصِرِينَ﴾

قَرَأ الجُمْهُورُ: "جَوابَ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "جَوابُ" بِالرَفْعِ، وكَذَلِكَ سالِمْ (p-٦٣٧)الأفْطَسُ. وأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم لَمّا بَيَّنَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ الحُجَجَ، وأوضَحَ أمْرَ الدِينِ، رَجَعُوا إلى الغَلَبَةِ، وعَدُّوا عن طَرِيقِ الِاحْتِجاجِ حِينَ لَمْ يَكُنْ لَهم بِهِ قَبْلُ، فَتَآمَرُوا عَلى قَتْلِهِ وتَحْرِيقِهِ بِالنارِ، وأنْفَذُوا أمْرَ تَحْرِيقِهِ حَسَبَما قَدِ أُفِيضَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وأنْجاهُ اللهُ تَعالى مِن نارِهِمْ، وجَعَلَها عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا، قالَ كَعْبُ الأحْبار : لَمْ تَحْرِقِ النارُ إلّا الحَبَلَ الَّذِي أوثَقُوهُ بِهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ آيَةً وعِبْرَةً، ودَلِيلًا عَلى وحْدانِيَّتِهِ لِمَن شَرَحَ صَدْرَهُ ويَسَّرَهُ لِلْإيمانِ، أيْ: هَذا الصِنْفُ يَنْتَفِعُ بِالآيَةِ، والكُفّارُ هي عَلَيْهِمْ عَمًى وإنْ كانَتْ في نَفْسِها آيَةً لِلْكُلِّ.

ثُمْ ذَكَرَ تَعالى أنَّ إبْراهِيمَ قَرَّرَهم عَلى أنَّ اتِّخاذَهُمُ الأوثانَ والأنْصابَ إنَّما كانَ اتِّباعًا مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وحِفْظًا لِمَوَدّاتِهِمْ ومَحَبّاتِهِمُ الدُنْيَوِيَّةِ، وأنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ يَجْحَدُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَلاعَنُونَ؛ لِأنَّ تَوادَّهم كانَ عَلى غَيْرِ تَقْوًى، و﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].

وقَرَأ عاصِمْ -فِي رِوايَةِ الأعْمَشِ عن أبِي بَكْرٍ عنهُ-: "مَوَدَّةٌ" بِالرَفْعِ "بَيْنَكُمْ" بِالخَفْضِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمْ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ - وأبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةٍ أبِي زَيْدٍ -: "مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ" بِالتَنْوِينِ والنَصْبِ، ونَصْبِ "بَيْنَ"، أمّا قِراءَةُ رَفْعِ "مَوَدَّةَ" فَوَجْهُهُما أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي"، وفي قَوْلِهِ: "اتَّخَذْتُمْ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "الَّذِي"، وهَذا الضَمِيرُ هو مَفْعُولٌ أوَّلُ لِـ "اتَّخَذْتُمْ"، و"أوثانًا" مَفْعُولٌ ثانٍ، و"مَوَدَّةٌ" خَبَرُ "إنَّ" في قِراءَةِ مَن نَوَّنَها، وفي قِراءَةِ مَن لَمْ يُنَوِّنْها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" كافَّةً، ولا يَكُونُ في قَوْلِهِ: "اتَّخَذْتُمْ" ضَمِيرٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "أوثانًا" مَفْعُولًا بِقَوْلِهِ: "اتَّخَذْتُمْ"، ثُمْ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، ويُقَدِّرُ الثانِي: "آلِهَةً" أو نَحْوَهُ، كَما يُقَدِّرُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾ [الأعراف: ١٥٢] أيْ: "إلَهًا" ﴿سَيَنالُهم غَضَبٌ﴾ [الأعراف: ١٥٢]، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "مَوَدَّةٌ" خَبَرُ ابْتِداءٍ (p-٦٣٨)تَقْدِيرُهُ: "هُوَ مَوَدَّةٌ"، وفي هَذِهِ التَأْوِيلاتِ مَجازٌ واتِّساعٌ في تَسْمِيَةِ الأوثانِ مَوَدَّةً، أو يَكُونُ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ.

وأمّا مَن نَصَبَ "مَوَدَّةً" فَعَلى أنَّ "ما" كافَّةٌ، وعَلى خُلُوِّ "اتَّخَذْتُمْ" مِنَ الضَمِيرِ، والِاقْتِصارُ عَلى المَفْعُولِ الواحِدِ كَما تَقَدَّمَ، ويَكُونُ نَصْبُ "المَوَدَّةَ" عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ.

ومَن أضافَ "المَوَدَّةَ" إلى "البَيْنِ" في القِراءَتَيْنِ بِالنَصْبِ والرَفْعِ فَقَدْ تَجُوزُ في ذَلِكَ وأجْرى الظَرْفَ مَجْرى الأسْماءِ، ومَن نَصَبَ "بَيْنَكُمْ" في القِراءَتَيْنِ النَصْبُ والرَفْعُ- في "مَوَدَّةَ" فَكَذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ انْتِصابَ الظُرُوفِ، ويَكُونُ مُتَعَلِّقًا بـِ "مَوَدَّةَ"، وكَذَلِكَ ﴿وَقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ﴾ ظَرْفٌ أيْضًا مُتَعَلِّقٌ بـِ "مَوَدَّةَ"، وهو مَصْدَرٌ عَمِلَ في ظَرْفَيْنِ مِن حَيْثُ افْتَرَقَ الزَمانُ والمَكانُ، ولَوْ كانَ لِواحِدٍ مِنهُما لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، تَقُولُ: "رَأيْتُ زَيْدًا أمْسَ في السُوقِ"، ولا تَقُولُ: "رَأيْتُ زَيْدًا أمْسَ البارِحَةَ"؛ إلّا أنْ يَكُونَ أحَدُ الظَرْفَيْنِ جُزْءًا لِلْآخَرِ، تَقُولُ: "رَأيْتُ زَيْدًا أمْسَ عَشِيَّةً". ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ "بَيْنَكُمْ" عَلى أنَّهُ صِفَةُ المَوَدَّةِ، وهُنا مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: "مَوَدَّةً ثابِتَةً بَيْنَكُمْ"، وفي الظَرْفِ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "مَوَدَّةَ"، لَمّا حُذِفَتْ "ثابِتَةً" اسْتَقَرَّ الضَمِيرُ في الظَرْفِ نَفْسِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ﴾ ظَرْفٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ الكائِنِ في "بَيْنِكُمْ" بَعْدَ حَذْفِ "ثابِتَةٍ"، وهَذِهِ الحالُ مُتَعَلِّقَةٌ بـِ "مَوَدَّةَ"، وجازَ تَعَلُّقُها بِها وهي قَدْ وُصِفَتْ لِأنَّ مَعْنى الفِعْلِ فِيها، وإنْ وُصِفَتْ فَلا يُمْتَنَعُ أنْ يَعْمَلَ مَعْنى الفِعْلِ إلّا في المَفْعُولِ، فَأمّا في الظَرْفِ وفي الحالِ فَيُعْمَلُ، قالَ مَكِّيٌّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " في الحَياةِ " صِفَةٌ ثابِتَةٌ لـِ "مَوَدَّةَ"، ويَكُونُ فِيها مُقَدَّرٌ "مُسْتَقِرَّةٌ"، وفِيها ضَمِيرٌ ثانٍ عائِدٌ إلى "مَوَدَّةَ"، فالتَقْدِيرُ -عَلى هَذا- مَوَدَّةُ بَيْنِكم مُسْتَقِرَّةٌ في الحَياةِ الدُنْيا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "مَوَدَّةَ" في قِراءَةِ مَن نَصَبَ مَفْعُولًا ثانِيًا بِقَوْلِهِ: "اتَّخَذْتُمْ"، ويَكُونُ في ذَلِكَ اتِّساعٌ، فَتَأمَّلْهُ. وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "مَوَدَّةَ بَيْنِهِمْ" بِالهاءِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "إنَّما مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ".

(p-٦٣٩)

29:26–28Page 399

۞ فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٞۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٦

And Lot believed him. [Abraham] said, "Indeed, I will emigrate to [the service of] my Lord. Indeed, He is the Exalted in Might, the Wise."

وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَجۡرَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٢٧

And We gave to him Isaac and Jacob and placed in his descendants prophethood and scripture. And We gave him his reward in this world, and indeed, he is in the Hereafter among the righteous.

وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨

And [mention] Lot, when he said to his people, "Indeed, you commit such immorality as no one has preceded you with from among the worlds.

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي إنَّهُ هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِ النُبُوَّةَ والكِتابَ وآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصالِحِينَ﴾ ﴿وَلُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِن العالَمِينَ﴾

"آمَنَ" مَعْناهُ: صَدَّقَ، وهو فِعْلٌ يَتَعَدّى بِالباءِ وبِاللامِ، والقائِلُ ﴿إنِّي مُهاجِرٌ﴾ هو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَهُ قَتادَةُ، والنَخْعِيُّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو لُوطٌ عَلَيْهِ السَلامُ.

ومِمّا صَحَّ مِنَ القِصَصِ أنَّ إبْراهِيمَ ولُوطًا هاجَرا مِن قَرْيَتِهِما " كَوْثى " وهي في سَوادِ الكُوفَةُ مِن أرْضِ بابِلَ إلى بِلادِ الشامِ، فِلَسْطِينَ وغَيْرِها، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هاجَرا إلى حَرّانِ، ثُمْ أُمِرا بَعْدُ إلى الشامِ، وفي هَذِهِ الهِجْرَةِ كانَتْ سارَّةُ في صُحْبَةِ إبْراهِيمَ، واعْتَراها أمْرُ المَلِكِ. و"المُهاجِرُ": النازِعُ عَنِ الأمْرِ، وهو في عُرْفِ الشَرْعِ مَن تَرَكَ وطَنَهُ رَغْبَةً في رِضى اللهِ تَعالى، وقَدْ ذَهَبَ بِهَذا الِاسْمِ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ الفَتْحِ. وقَوْلُهُ: ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ مَعَ الهِجْرَةِ إلَيْهِ صِفَتانِ بَلِيغَتانِ تَقْتَضِي اسْتِحْقاقَ التَوَكُّلِ عَلَيْهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿إلى رَبِّي﴾ حَذْفُ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: إلى رِضى رَبِّي، أو نَحْوِ هَذا.

وإسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ هو الَّذِي بَشَّرَ بِهِ، وبَشَّرَ بِيَعْقُوبَ مِن ورائِهِ، وهو ولَدُ إسْحاقَ، و"الكِتابَ" اسْمُ جِنْسٍ، أيْ: جَعَلَ اللهُ تَعالى في ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ جَمِيعَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ: التَوْراةُ والإنْجِيلُ والزَبُورُ والفَرْقانُ، وعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿أجْرَهُ في الدُنْيا﴾ يُرِيدُ: في حَياتِهِ بِحَيْثُ أدْرَكَ ذَلِكَ وسُرَّ بِهِ، والأجْرُ الَّذِي آتاهُ اللهُ تَعالى العافِيَةَ مِنَ النارِ، ومِنَ المَلِكِ الجائِرِ، والعَمَلِ الصالِحِ، والثَناءِ الحَسَنِ. قالَهُ مُجاهِدٌ. وأنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تَتَوَلّاهُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. والوَلَدُ الَّذِي قَرَّتْ بِهِ العَيْنُ بِحَسَبِ طاعَةِ اللهِ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ. ثُمْ أخْبَرَ عنهُ أنَّهُ في الآخِرَةِ في عِدادِ الصالِحِينَ الَّذِينَ نالُوا رِضى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وفازُوا بِرَحْمَتِهِ وكَرامَتِهِ العُلْيا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ولُوطًا نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ لُوطًا، و"الفاحِشَةَ": (p-٦٤٠)إتْيانُ الرِجالِ في الأدْبارِ، وهي مَعْصِيَةٌ ابْتَدَعَها قَوْمُ لُوطٍ.

29:29–31Page 399

أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقۡطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأۡتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلۡمُنكَرَۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٩

Indeed, you approach men and obstruct the road1 and commit in your meetings [every] evil." And the answer of his people was not but that they said, "Bring us the punishment of Allāh, if you should be of the truthful."

قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٣٠

He said, "My Lord, support me against the corrupting people."

وَلَمَّا جَآءَتۡ رُسُلُنَآ إِبۡرَٰهِيمَ بِٱلۡبُشۡرَىٰ قَالُوٓاْ إِنَّا مُهۡلِكُوٓاْ أَهۡلِ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِۖ إِنَّ أَهۡلَهَا كَانُواْ ظَٰلِمِينَ ٣١

And when Our messengers [i.e., angels] came to Abraham with the good tidings,1 they said, "Indeed, we will destroy the people of that [i.e., Lot's] city. Indeed, its people have been wrongdoers."

قوله عزّ وجلّ:

﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِجالَ وتَقْطَعُونَ السَبِيلَ وتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصادِقِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلى القَوْمِ المُفْسِدِينَ﴾ ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ إنَّ أهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾

تَقَدَّمَ ذِكْرُ القِراءاتِ في "أإنَّكُمْ"، واخْتَلَفَ الناسُ في "قَطْعِ السَبِيلِ" المُشارِ إلَيْها هُنا، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ قَطْعُ الطَرِيقِ بِالسَلْبِ فاشِيًّا فِيهِمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانُوا يَقْطَعُونَ الطُرُقَ عَلى الناسِ لِطَلَبِ الفاحِشَةِ، فَكانُوا يَحِيفُونَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أرادَ قَطْعَ سَبِيلِ النَسْلِ في تَرْكِ النِساءِ وإتْيانِ الرِجالِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ أنَّهم بِفَتْحِ الأُحْدُوثَةِ عنهم يَقْطَعُونَ سَبِيلَ الناسِ عن قَصْدِهِمْ في التِجاراتِ وغَيْرِها. و"النادِي": المَجْلِسُ الَّذِي يَجْتَمِعُ الناسُ فِيهِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ؛ لِأنَّ الأنْدِيَةَ في المُدُنِ كَثِيرَةٌ، كَأنَّهُ قالَ: وتَأْتُونَ في اجْتِماعِكم حَيْثُ اجْتَمَعْتُمْ، واخْتَلَفَ الناسُ في "المُنْكَرِ"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانُوا يَحْذِفُونَ الناسَ بِالحَصى، ويَسْتَخِفُّونَ بِالغَرِيبِ والخاطِرِ عَلَيْهِمْ، ورَوَتْهُ أمُّ هانِئٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وكانُوا لا يَرْبُطُهم دِينٌ ولا مُرُوءَةٌ، وقالَ مُجاهِدٌ، ومَنصُورٌ: كانُوا يَأْتُونَ الرِجالَ في مَجالِسِهِمْ وبَعْضُهم يَرى بَعْضًا، وقالَ القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: مُنْكَرُهم أنَّهم كانُوا يَتَفاعَلُونَ في مَجالِسِهِمْ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ يَتَضارَطُونَ في مَجالِسِهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: كانَ أمْرُهم لِعْبُ الحَمامِ، وتَطْرِيفُ الأصابِعِ (p-٦٤١)بِالحِنّاءِ، والصَفِيرِ، والحَذْفِ، ونَبْذِ الحَياءِ في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقَدْ تُوجَدُ هَذِهِ الأشْياءُ في بَعْضِ عُصاةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فالتَناهِي واجِبٌ.

فَلَمّا وقَّفَهم لُوطٌ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى هَذِهِ القَبائِحِ رَجَعُوا إلى التَكْذِيبِ واللَجاجِ، أيِ: ائْتِنا بِالعَذابِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ، ولا تَقْدِرُ عَلَيْهِ، وهم لَمْ يَقُولُوا هَذا إلّا وهم مُصَمِّمُونَ عَلى اعْتِقادِ كَذِبِهِ، ولَيْسَ يَصِحُّ في الفِطْرَةِ أنْ يَكُونَ مُعانِدٌ يَقُولُ هَذا، [ثُمُ اسْتَنْصَرَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَلامُ رَبَّهُ، فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ مَلائِكَةً لِعَذابِهِمْ]، فَجاؤُوا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ أوَّلًا مُبَشِّرِينَ بِإسْحاقَ، ومُبَشِّرِينَ بِنُصْرَةِ لُوطٍ عَلى قَوْمِهِ، وكانَ لِقاؤُهم لِإبْراهِيمَ عَلى الصُورَةِ الَّتِي بُيِّنَتْ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، فَلَفْظَةُ "البُشْرى" -فِي هَذا المَوْضِعِ- تَتَضَمَّنُ أمْرَ إسْحاقَ ونُصْرَةَ لُوطٍ عَلَيْهِما السَلامُ، فَلَمّا أخْبَرُوهُ بِإهْلاكِ القَرْيَةِ عَلى ظُلْمِهِمْ أشْفَقَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ، فَعارَضَهم بِحَسَبِ ما يَأْتِي.

29:32–35Page 400

قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطٗاۚ قَالُواْ نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَن فِيهَاۖ لَنُنَجِّيَنَّهُۥ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٣٢

[Abraham] said, "Indeed, within it is Lot." They said, "We are more knowing of who is within it. We will surely save him and his family, except his wife. She is to be of those who remain behind."

وَلَمَّآ أَن جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗاۖ وَقَالُواْ لَا تَخَفۡ وَلَا تَحۡزَنۡ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهۡلَكَ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٣٣

And when Our messengers [i.e., angels] came to Lot, he was distressed for them and felt for them great discomfort.1 They said, "Fear not, nor grieve. Indeed, we will save you and your family, except your wife; she is to be of those who remain behind.

إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰٓ أَهۡلِ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٣٤

Indeed, we will bring down on the people of this city punishment from the sky because they have been defiantly disobedient."

وَلَقَد تَّرَكۡنَا مِنۡهَآ ءَايَةَۢ بَيِّنَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٣٥

And We have certainly left of it a sign as clear evidence for a people who use reason.

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالَ إنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿وَلَمّا أنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالُوا لا تَخَفْ ولا تَحْزَنْ إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ إلا امْرَأتَكَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ ﴿إنّا مُنْزِلُونَ عَلى أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾

رُوِيَ عَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا عَلِمْ مِن قِبَلِ المَلائِكَةِ أنَّ قَرْيَةَ لُوطٍ تُعَذَّبُ أشْفَقَ عَلى المُؤْمِنِينَ فَجادَلَ المَلائِكَةَ، وقالَ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيهِمْ مِائَةُ بَيْتٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ أتَتْرُكُونَهُمْ؟ قالُوا: لَيْسَ فِيهِمْ ذَلِكَ، فَجَعَلَ يَنْحَدِرُ حَتّى انْتَهى إلى عَشَرَةِ أبْياتٍ، فَقالَ لَهُ المَلائِكَةُ: لَيْسَ فِيها عَشْرَةٌ، ولا خَمْسَةٌ، ولا ثَلاثَةٌ، ولا اثْنانِ، فَحِينَئِذٍ قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ: إنَّ فِيها لُوطًا، فَراجَعُوهُ حِينَئِذٍ بِأنّا نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن (p-٦٤٢)فِيها، أيْ: لا تَخَفْ أنْ يَقَعَ حَيْفٌ عَلى مُؤْمِنٍ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "لَنُنَجِّيَنَّهُ" بِفَتْحِ النُونِ الوُسْطى وشَدِّ الجِيمِ، و"مُنَجُّوكَ" بِفَتْحِ النُونِ وشَدِّ الجِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لَنُنْجِيَنَّهُ " بِسُكُونِ النُونِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمْ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: " لَنُنَجِّيَنَّهُ " بِالتَشْدِيدِ، و"مُنْجُوكَ" بِالتَخْفِيفِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَنُنْجِيَنْهُ" بِسُكُونِ النُونِ الأخِيرَةِ مِنَ الكَلِمَةِ، وهَذا إنَّما يَجِيءُ عَلى أنَّهُ خَفَّفَ النُونَ المُشَدَّدَةَ وهو يُرِيدُها.

وامْرَأةُ لُوطٍ هَذِهِ كانَتْ كافِرَةً، وتُنَبِّهُ عَلى أضْيافِهِ، و"الغابِرُ": الباقِي، ومَعْناهُ: مِنَ الغابِرِينَ في العَذابِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿مِنَ الغابِرِينَ﴾ أيْ: مِمَّنْ غَبَرَ وبَقِيَ مِنَ الناسِ وعَسى في كُفْرِهِ، والضَمِيرُ في "بِهِمْ" في المَوْضِعَيْنِ عائِدٌ عَلى الأضْيافِ الرُسُلِ، وذَلِكَ بِخَوْفِهِ مِن قَوْمِهِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا أخْبَرُوهُ بِما هم فِيهِ فَرَّجَ عنهُ، وقَرَأ عامَّةُ القُرّاءِ: "سِيءَ" بِكَسْرِ السِينِ، وقَرَأ عِيسى وطَلْحَةُ بِضَمِّها، و"الرِجْزُ": العَذابُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أيْ: عَذابُهم بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ، وكَذَلِكَ كَلُّ أُمَّةٍ عَذَّبَها اللهُ فَإنَّما عَذَّبَها عَلى الفِسْقِ والمَعْصِيَةِ، ولَكِنْ بِأنْ يَقْتَرِنَ ذَلِكَ بِالكُفْرِ الَّذِي يُوجِبُ عَذابَ الآخِرَةِ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، والأعْمَشُ: "يَفْسِقُونَ" بِكَسْرِ السِينِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنها﴾، أيْ: مَن خَبَّرَها وما بَقِيَ مِن أثَرِها، فَـ "مَنَّ" لِابْتِداءِ الغايَةِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، عَلى أنْ تُرِيدَ ما تَرَكَ مِن بَقايا تِلْكَ القَرْيَةِ ومَنظَرِها، والآيَةُ مَوْضِعُ العِبْرَةِ، وعَلامَةُ القُدْرَةِ، ومُزْدَجَرُ النُفُوسِ عَنِ الوُقُوعِ في سُخْطِ اللهِ تَعالى.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "مُنْزِلُونَ" بِتَخْفِيفِ الزايِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "مُنَزَّلُونَ" بِشَدِّ الزايِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وعاصِمْ -بِخِلافٍ عنهُما-، وقَرَأ الأعْمَشُ: الحَسَنُ وعاصِمْ بِخِلافٍ عنها-، وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنّا مُرْسَلُونَ" بَدَلُ "مُنْزِلُونَ"، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "رِجْزًا" بِضَمِّ الراءِ.

(p-٦٤٣)

29:36–38Page 400

وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗا فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرۡجُواْ ٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٣٦

And to Madyan [We sent] their brother Shuʿayb, and he said, "O my people, worship Allāh and expect the Last Day and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."

فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٣٧

But they denied him, so the earthquake seized them, and they became within their home [corpses] fallen prone.

وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَٰكِنِهِمۡۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسۡتَبۡصِرِينَ ٣٨

And [We destroyed] ʿAad and Thamūd, and it has become clear to you from their [ruined] dwellings. And Satan had made pleasing to them their deeds and averted them from the path, and they were endowed with perception.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ وارْجُوا اليَوْمَ الآخِرَ ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَتْهُمُ الرَجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿وَعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ وزَيَّنَ لَهُمُ الشَيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم عَنِ السَبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾

نُصِبَ "شُعَيْبًا" بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَحْسُنُ مَعَ التَقْدِيرِ: وبَعَثْنا أو أرْسَلْنا، فَأُمِرَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَلامُ بِعِبادَةِ اللهِ تَعالى، والإيمانِ بِالبَعْثِ واليَوْمِ الآخِرِ، ومَعَ الإيمانِ بِهِ يَصِحُّ رَجاؤُهُ، وذَهَبَ أبُو عُبَيْدَةَ إلى أنَّ المَعْنى: وخافُوا. و"تَعْثَوْا" مَعْناهُ: تُفْسِدُونَ، يُقالُ: عَثا يَعْثُو، وعاثَ يَعِيثُ، وعَثى يَعْثى إذا فَسَدَ. وأهْلُ مَدْيَنَ: قَوْمُ شُعَيْبٍ، هَذا عَلى أنَّها اسْمُ البَلْدَةِ، وقِيلَ: مَدْيَنَ: اسْمُ القَبِيلَةِ. و"أصْحابُ الأيْكَةِ" غَيْرُهُمْ، وقِيلَ: هم بَعْضُهم ومِنهُمْ، وذَلِكَ لِأنَّ مَعْصِيَتَهم في أمْرِ المَوازِينِ والمَكايِيلِ كانَتْ واحِدَةً. و"الرَجْفَةُ": مَيْدُ الأرْضِ بِهِمْ، وزَلْزَلَتُها عَلَيْهِمْ، وتَداعِيها بِهِمْ، وهَذا نَحْوٌ مِنَ الخَسْفِ، ومِنهُ الإرْجافُ بِالأخْبارِ، و"الجُثُومُ" -فِي هَذا المَوْضِعِ- تَشْبِيهٌ، أيْ: كانَ هُمُودُهم عَلى الأرْضِ كالجُثُومِ الَّذِي هو لِلطّائِرِ والحَيَوانِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:

؎ فَغَدَوْتُ في غَلَسِ الظَلامِ وطَيْرُهُ عُصَبٌ عَلى خَضِلِ العِضاةِ جُثُومُ

وقَوْلُهُ: ﴿وَعادًا﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ عادًا، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣].

وقَرَأ: " وثَمُودًا " عاصِمْ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ وثّابٍ. وقَرَأ: " وثَمُودَ " بِغَيْرِ تَنْوِينٍ (p-٦٤٤)أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "وَعادٍ وثَمُودَ" بِالخَفْضِ فِيهِما والتَنْوِينِ.

ثُمْ دَلَّ عَزَّ وجَلَّ عَلى ما تُعْطِيهِ العِبْرَةُ مِن بَقايا مَساكِنِهِمْ ورُسُومِ مَنازِلِهِمْ ودُنُوِّ آثارِهِمْ. وقَرَأ الأعْمَشُ: "تَبَيَّنَ لَكم مَساكِنُهُمْ" دُونَ "مَن". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ﴾ عَطْفُ جُمْلَةٍ مِنَ الكَلامِ عَلى جُمْلَةٍ، و"السَبِيلِ" هي طَرِيقُ الإيمانِ بِاللهِ تَعالى ورُسُلِهِ، ومَنهَجُ النَجاةِ مِنَ النارِ، وقَوْلُهُ: "مُسْتَبْصِرِينَ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضِحاكُ: مَعْناهُ: لَهم بَصِيرَةٌ في كُفْرِهِمْ، وإعْجابٌ بِهِ، وإصْرارٌ عَلَيْهِ، فَذَمَّهم بِذَلِكَ. وقِيلَ: لَهم بَصِيرَةٌ في أنَّ الرِسالَةَ والآياتِ حَقٌّ، ولَكِنْ كانُوا -مَعَ ذَلِكَ- يَكْفُرُونَ عِنادًا، ويَرُدُّهُمُ الضَلالُ إلى مَجاهِلِهِ ومَتالِفِهِ، فَيَجْرِي هَذا مَجْرى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وتَزْيِينُ الشَيْطانِ هو بِالوَسْواسِ ومُناجاةِ ضَمائِرِ الناسِ، وتَزْيِينُ اللهِ تَعالى الشَيْءَ هو بِالِاخْتِراعِ، وخَلْقُ مَحَبَّتِهِ والتَلَبُّسِ بِهِ في نَفْسِ العَبْدِ.

29:39–40Page 401

وَقَٰرُونَ وَفِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانُواْ سَٰبِقِينَ ٣٩

And [We destroyed] Qārūn and Pharaoh and Hāmān. And Moses had already come to them with clear evidences, and they were arrogant in the land, but they were not outrunners [of Our punishment].

فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِ حَاصِبٗا وَمِنۡهُم مَّنۡ أَخَذَتۡهُ ٱلصَّيۡحَةُ وَمِنۡهُم مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ وَمِنۡهُم مَّنۡ أَغۡرَقۡنَاۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٤٠

So each We seized for his sin; and among them were those upon whom We sent a storm of stones, and among them were those who were seized by the blast [from the sky], and among them were those whom We caused the earth to swallow, and among them were those whom We drowned. And Allāh would not have wronged them, but it was they who were wronging themselves.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ولَقَدْ جاءَهم مُوسى بِالبَيِّناتِ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ﴾ ﴿فَكُلا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ومِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَيْحَةُ ومِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ ومِنهم مَن أغْرَقْنا وما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾

نُصِبَ "قارُونَ" إمّا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، وإمّا بِالعَطْفِ عَلى ما تَقَدَّمَ، وقارُونُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وهو الَّذِي تَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ في الكُنُوزِ وفي البَغْيِ عَلى مُوسى بْنِ عِمْرانَ عَلَيْهِ السَلامُ، وفِرْعَوْنُ مَشْهُورٌ، وهامانُ وزِيرُهُ، وهو مِنَ القِبْطِ. و"البَيِّناتُ": المُعْجِزاتُ والآياتُ الواضِحَةُ، و"سابِقِينَ" مَعْناهُ: مُفْلِتِينَ مَن أخْذِنا وعِقابِنا، وقِيلَ: مَعْناهُ: سابِقِينَ أولِيائِنا، وقِيلَ: مَعْناهُ: سابِقِينَ الأُمَمَ إلى الكُفْرِ، أيْ: قَدْ كانَتْ تِلْكَ عادَةُ أُمَمٍ مَعَ الرُسُلِ.

(p-٦٤٥)وَ "الَّذِينَ أُرْسِلَ عَلَيْهِمُ الحاصِبُ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هم قَوْمُ لُوطٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُشَبِّهُ أنْ يَدْخُلَ قَوْمُ عادٍ في الحاصِبِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الرِيحَ لا بُدَّ أنَّها كانَتْ تَحْصِبُهم بِأُمُورٍ مُؤْذِيَةٍ. و"الحاصِبُ": هو العارِضُ مِن رِيحٍ أو سَحابٍ أو رَمى بِشَيْءٍ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:

؎ مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الشامِ تَضْرِبُنا بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ

ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ:

؎ تَرْمِي العِضاةَ بِحاصِبٍ مَن ثَلْجِها ∗∗∗ حَتّى يَبِيتَ عَلى العِضاةِ جُفالًا

و"الَّذِينَ أخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ" قَوْمُ ثَمُودٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ قَتادَةُ: هم قَوْمُ شُعَيْبٍ، و"الخَسْفُ" كانَ بِقارُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُشَبِّهُ أنْ يَكُونَ أصْحابُ الرَجْفَةِ في هَذا النَوْعِ مِنَ العَذابِ، و"الغَرَقُ" كانَ في قَوْمِ نُوحٍ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، وفي فِرْعَوْنَ وحِزْبِهِ، وبِهِ فَسَّرَ قَتادَةُ.

وظُلْمُهم أنْفُسَهم كانَ بِالكُفْرِ ووَضْعِ العِبادَةِ في غَيْرِ مَوْضِعِها، وقَدَّمَ المَفْعُولَ عَلى (p-٦٤٦)"يَظْلِمُونَ" لِلِاهْتِمامِ، وهَذا نَحْوُ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] وغَيْرُهُ، وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ رَجْفَةَ قَوْمِ شُعَيْبٍ كانَتْ صَيْحَةً أرْجَفَتْهم في هَذا مَعَ ثَمُودَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском