Ibn 'AtiyyaAl-'Ankabut · 29:41–59

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-'Ankabut 29:41–59

29:41–43Page 401

مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٤١

The example of those who take allies other than Allāh is like that of the spider who takes [i.e., constructs] a home. And indeed, the weakest of homes is the home of the spider, if they only knew.

إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٤٢

Indeed, Allāh knows whatever thing they call upon1 other than Him. And He is the Exalted in Might, the Wise.

وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا يَعۡقِلُهَآ إِلَّا ٱلۡعَٰلِمُونَ ٤٣

And these examples We present to the people, but none will understand them except those of knowledge.

قوله عزّ وجلّ:

﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ أولِياءَ كَمَثَلِ العنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وإنَّ أوهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العنكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وما يَعْقِلُها إلا العالِمُونَ﴾

شَبَّهَ تَبارَكَ وتَعالى الكَفّارَ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ وبِنائِهِمْ جَمِيعَ أُمُورِهِمْ عَلى ذَلِكَ بِالعنكَبُوتِ الَّتِي تَبْنِي وتَجْتَهِدُ، وأمْرُها كُلُّها ضَعِيفٌ مَتى مَسَّتْهُ أدْنى هابَّةٍ دَهَمَتْهُ، وكَذَلِكَ أمْرُ أُولَئِكَ وسَعْيُهم مُضْمَحِلٌّ لا قُوَّةَ لَهُ ولا مُعْتَمَدَ، ومِن حَدِيثٍ ذَكَرَهُ النِقاشُ: «العنكَبُوتُ شَيْطانٌ مَسَخَهُ اللهُ تَعالى فاقْتُلُوهُ»، ورُوِيَ عن عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: طَهِّرُوا بُيُوتَكم مِن نَسْجِ العنكَبُوتِ، فَإنَّ تَرْكَهُ يُورِثُ الفَقْرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا مَثَلُهُمْ، وأنَّ حالَهم ونِسْبَتَهم مِنَ الحَقِّ هَذِهِ الحالَةُ.

(p-٦٤٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾. قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وسَلّامٌ: "يَعْلَمُ ما" بِالإدْغامِ، وقَرَأ عامَّةُ القُرّاءِ بِالفَكِّ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقَ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ بِخِلافٍ- "يَدَّعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ عَلى الغَيْبَةِ. فَأمّا مَوْضِعُ "ما" مِنَ الإعْرابِ، فَقِيلَ: مَعْناهُ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِهِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ أنَّ حالَهم هَذِهِ، وأنَّهم أمْرٌ لا قَدْرَ لَهُ، وقِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللهَ يَعْلَمُ﴾ إخْبارٌ تامٌّ، وقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ مُتَّصِلٌ بِهِ، واعْتَرَضَ بَيْنَ الكَلامَيْنِ ﴿ما يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾، وذَلِكَ عَلى هَذا النَحْوِ مِنَ النَظَرِ، ويَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، أيْ: لَسْتُمْ تَدْعُونَ شَيْئًا لَهُ بالٌ ولا قَدْرٌ، فَيَصْلُحُ أنْ يُسَمّى شَيْئًا، وفي هَذا تَعْلِيقُ "يَعْلَمُ"، وفِيهِ نَظَرٌ، والثانِي أنْ تَكُونَ "ما" اسْتِفْهامًا، كَأنَّهُ قَرَّرَ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ- عَلى هَذا المَعْبُودِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ ما هو إذْ لَمْ يَكُنِ اللهُ تَعالى، أيْ: لَيْسَ لَهم -عَلى هَذا التَقْدِيرِ- مُقْنِعٌ إلَيْهِ، فَـ "مِن" عَلى القَوْلِ الأوَّلِ والثالِثِ لِلتَّبْعِيضِ المُجَرَّدِ، وعَلى القَوْلِ الوَسَطِ هي زائِدَةٌ في الجَحْدِ، ومَعْناها التَأْكِيدُ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: "ما" اسْتِفْهامٌ نُصِبَ بـِ "يَدْعُونَ"، ولا يَجُوزُ نَصْبُها بـِ "يَعْلَمُ"، والجُمْلَةُ الَّتِي هي مِنها في مَوْضِعِ نَصْبٍ بـِ "يَعْلَمُ"، والتَقْدِيرُ: إنَّ اللهَ تَعالى يَعْلَمُ أوثانًا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ أو غَيْرِها لا يَخْفى ذَلِكَ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ﴾ إشارَةٌ إلى هَذا المَثَلِ ونَحْوِهِ، و"نَضْرِبُها" مَأْخُوذٌ مِنَ الضَرْبِ، أيِ: النَوْعِ، كَما تَقُولُ: "هَذانَ مِن ضَرْبٍ واحِدٍ"، "وَهَذا ضَرْبُ هَذا"، أيْ: قَرِينُهُ وشَبْهُهُ، فَكَأنَّ "ضَرْبَ المَثَلِ" هو أنْ تَجْعَلَ الأمْرَ المُمَثَّلَ ضَرِيبٌ. وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقالَ جابِرٌ: قالَ النَبِيُّ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا العالِمُونَ﴾: «العاقِلُ مَن عَقَلَ عَنِ اللهِ تَعالى، وعَمِلَ بِطاعَتِهِ، وانْتَهى عن مَعْصِيَتِهِ».

29:44–45Page 401

خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٤

Allāh created the heavens and the earth in truth. Indeed in that is a sign for the believers.

ٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ ٤٥

Recite, [O Muḥammad], what has been revealed to you of the Book and establish prayer. Indeed, prayer prohibits immorality and wrongdoing, and the remembrance of Allāh is greater. And Allāh knows that which you do.

قوله عزّ وجلّ:

﴿خَلَقَ اللهُ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ وأقِمِ الصَلاةَ إنَّ الصَلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ واللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾

نَبَّهَ في ذِكْرِ خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ عَلى أمْرٍ يُوَقَعُ الذِهْنُ عَلى صِغَرِ قَدْرِ الأوثانِ (p-٦٤٨)وَكُلُّ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "بِالحَقِّ" أيْ: بِالواجِبِ النَيِّرِ، لا لِلْعَبَثِ واللَعِبِ، بَلْ لِيَدُلَّ عَلى سُلْطانِهِ، ويُثْبِتَ شَرائِعَهُ، ويَضَعَ الدَلائِلَ لِأهْلِها، ويَعُمُ المَنافِعَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى عَدًّا.

ثُمْ أمَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالخُضُوعِ لِأمْرِهِ، وتِلاوَةِ القُرْآنِ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ، وإقامَةِ الصَلاةِ، أيْ: إدامَتِها والقِيامِ بِحُدُودِها. ثُمْ أخْبَرَ -حُكْمًا مِنهُ- إنَّ الصَلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وذَلِكَ عِنْدِي بِأنَّ المُصَلِّيَ إذا كانَ عَلى الواجِبِ مِنَ الخُشُوعِ والإخْباتِ وتَذَكُّرِ اللهِ تَعالى وتَوَهُّمُ الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وأنَّ قَلْبَهُ وإخْلاصَهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ مَرْقُوبٌ، صَلَحَتْ لِذَلِكَ نَفْسُهُ وتَذَلَّلَتْ، وخامَرَها ارْتِقابُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فاطَّرَدَتْ لِذَلِكَ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ وانْتَهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، ولا يَكادُ يَفْتُرُ مِن ذَلِكَ حَتّى تُظَلِّلَهُ صَلاةٌ أُخْرى يَرْجِعُ بِها إلى أفْضَلِ حالَةٍ، وهَذا مَعْنى هَذا الإخْبارِ؛ لِأنَّ صَلاةَ المُؤْمِنِ هَكَذا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ. ورُوِيَ عن بَعْضِ السَلَفِ أنَّهُ كانَ إذا قامَ إلى الصَلاةِ ارْتَعَدَ واصْفَرَّ لَوْنُهُ، فَكَلَّمَ في ذَلِكَ فَقالَ: إنِّي أقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وحُقَّ لِي هَذا مَعَ مُلُوكِ الدُنْيا، فَكَيْفَ مَعَ مَلِكِ المُلُوكِ ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَهَذِهِ صَلاةٌ تَنْهى -وَلا بُدَّ- عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، ومَن كانَتْ صَلاتُهُ دائِرَةً حَوْلَ الإجْزاءِ، لا خُشُوعَ فِيها ولا تَذَكُّرَ ولا فَضائِلَ، فَذَلِكَ يَتْرُكُ صاحِبُها مِن مَنزِلَتِهِ حَيْثُ كانَ، فَإنْ كانَ عَلى طَرِيقَةِ مَعاصٍ تُبْعِدُهُ مِنَ اللهِ تَعالى تَمادى عَلى بُعْدِهِ، وعَلى هَذا يَخْرُجُ الحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والحَسَنِ، والأعْمَشِ، وهو قَوْلُهُمْ: مَن لَمْ تَنْهَهُ صِلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللهِ إلّا بُعْدًا، وقَدْ رُوِيَ أنَّ الحَسَنَ (p-٦٤٩)أرْسَلَهُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحِ السَنَدِ، سَمِعْتُ أُبَيَّ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ: فَإذا قَدَّرْناهُ، ونَظَرْنا مَعْناهُ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ نَفْسَ صَلاةِ العاصِي تُبْعِدُهُ مِنَ اللهِ تَعالى حَتّى كَأنَّها مَعْصِيَةٌ، وإنَّما يَتَخَرَّجُ ذَلِكَ عَلى أنَّها لا تُؤَثِّرُ في تَقْرِيبِهِ مِنَ اللهِ تَعالى، بَلْ تَتْرُكُهُ في حالِهِ ومَعاصِيهِ مِنَ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ والبُعْدِ، فَلَمْ تَزِدْهُ الصَلاةُ إلّا تَقْرِيرُ ذَلِكَ البُعْدِ الَّذِي كانَ سَبِيلُهُ، فَكَأنَّها بِعَّدَتْهُ حِينَ لَمْ تَكُفُّ بُعْدَهُ عَنِ اللهِ تَعالى. وقِيلَ لِابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّ فُلانًا كَثِيرُ الصَلاةِ، فَقالَ: إنَّها لا تَنْفَعُ إلّا مَن أطاعَها. وقَرَأ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: "إنَّ الصَلاةَ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ". وقالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الصَلاةُ هُنا- القُرْآنُ، وقالَ حَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والكَلْبِيُّ: إنَّ الصَلاةَ تَنْهى ما دُمْتَ فِيها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذِهِ عُجْمَةٌ، وأيْنَ هَذا مِمّا رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ ؟ قالَ: «كانَ فَتًى مِنَ الأنْصارِ يُصَلِّي مَعَ النَبِيِّ ﷺ، ولا يَدْعُ شَيْئًا مِنَ الفَواحِشِ والسَرِقَةِ إلّا رَكِبَهُ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: "إنَّ صَلاتَهُ سَتَنْهاهُ"، فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ تابَ وصَلُحَتْ حالُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "ألَمْ أقُلْ لَكُمْ"؟»

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وسَلْمانُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو قُرَّةَ رَضِيَ اللهُ عَنِ الصَحابَةِ أجْمَعِينَ: مَعْناهُ: ولَذِكْرُ اللهِ إيّاكم أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم إيّاهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ولَذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ مَعَ المُداوَمَةِ عَلى الصَلاةِ في النَهْيِ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ: ولَذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وقِيلَ لِسَلْمانَ: أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟ فَقالَ: أما تَقْرَأُ القُرْآنَ: ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ﴾، كَأنَّهُ يَحُضُّ عَلَيْهِ في هَذَيْنَ التَأْوِيلَيْنِ الأخِيرَيْنِ.

(p-٦٥٠)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وعِنْدِي أنَّ المَعْنى: ولَذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ عَلى الإطْلاقِ، أيْ: هو الَّذِي يَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، فالجُزْءُ الَّذِي مِنهُ في الصَلاةِ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ يَفْعَلُ في غَيْرِ الصَلاةِ؛ لِأنَّ الِانْتِهاءَ لا يَكُونُ إلّا مِن ذاكِرٍ مُراقِبٍ لَهُ، وثَوابُ ذَلِكَ الذِكْرِ أنْ يَذْكُرَهُ اللهُ تَعالى، كَما في الحَدِيثِ: «مَن ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، ومَن ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِنهم». والحَرَكاتُ الَّتِي في الصَلاةِ لا تَأْثِيرَ لَها في نَهْيٍ، والذِكْرُ النافِعُ هو مَعَ العِلْمِ وإقْبالِ القَلْبِ وتَفَرُّغِهِ إلّا مِنَ اللهِ تَعالى، وأمّا ما لا يَتَجاوَزُ اللِسانَ فَفي رُتْبَةٍ أُخْرى، وذِكْرُ اللهِ تَعالى لِلْعَبْدِ هو إفاضَةُ الهُدى ونُورِ العِلْمِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ ثَمَرَةٌ لِذِكْرِ العَبْدِ رَبَّهُ. قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وباقِي الآيَةِ ضَرْبٌ مِنَ التَوَعُّدِ والحَثِّ عَلى المُراقَبَةِ.

29:46Page 402

۞ وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ٤٦

And do not argue with the People of the Scripture except in a way that is best, except for those who commit injustice among them, and say, "We believe in that which has been revealed to us and revealed to you. And our God and your God is one; and we are Muslims [in submission] to Him."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم وقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾

قَرَأ الجُمْهُورُ: "إلّا" عَلى الِاسْتِثْناءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "ألا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ اللامِ، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِهَذِهِ الآيَةِ.

فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناها: لا تُجادِلُوا مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَكَأنَّهُ قالَ: "أهْلُ الكِتابِ المُؤْمِنِينَ"، ﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ بِالمُوافَقَةِ فِيما حَدَّثُوكم بِهِ مِن أخْبارِ أوائِلِهِمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-: ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يُرِيدُ بِهِ مَن بَقِيَ عَلى كُفْرِهِ مِنهُمْ، كَمَن كَفَرَ وغَدَرَ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ والنَضِيرِ وغَيْرِهِمْ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ.

(p-٦٥١)وَقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودُ والنَصارى الباقُونَ عَلى دِينِهِمْ. أمَرَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ ألّا يُجادِلُوهم إلّا بِالأحْسَنِ: مِنَ الدُعاءِ إلى اللهِ تَعالى، والتَنْبِيهِ عَلى آياتِهِ؛ رَجاءَ إجابَتِهِمْ إلى الإيمانِ، لا عَلى طَرِيقِ الإغْلاظِ والمُخاشَنَةِ، وقَوْلُهُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ-: ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ مَعْناهُ: ظَلَمُوكُمْ، وإلّا فَكُلُّهم ظَلَمَةٌ عَلى الإطْلاقِ، فَيُرادُ بِهِمْ مَن لَمْ يُؤَدِّ جِزْيَةً، ونَصْبَ الحَرْبِ، ومَن قالَ وصَرَّحَ بِأنَّ لِلَّهِ ولَدًا، أو لَهُ شَرِيكٌ، أو يَدُهُ مَغْلُولَةٌ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- مَنسُوخَةٌ في مُهادَنَةِ مَن لَمْ يُحارِبْ، قالَ قَتادَةُ: هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والَّذِي يَتَوَجَّهُ في مَعْنى الآيَةِ إنَّما يَتَّضِحُ في مَعْرِفَةِ الحالِ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ، وذَلِكَ أنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ مِن بَعْدِ الآياتِ العَشْرِ الأُوَلِ، ولَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ الوَقْتِ قِتالٌ مَفْرُوضٌ، ولا طَلَبُ جِزْيَةٍ ولا غَيْرُ ذَلِكَ، وكانَتِ اليَهُودُ بِمَكَّةَ وفِيما جاوَرَها، فَرُبَّما وقَعَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ جِدالٌ واحْتِجاجٌ في أمْرِ الدِينِ وتَكْذِيبٌ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ ألّا يُجادِلُوهم بِالمُحاجَّةِ إلّا بِالحُسْنى دُعاءٌ إلى اللهِ تَعالى ومُلايَنَةٌ، ثُمُ اسْتَثْنى مَن ظَلَمَ مِنهُمُ المُؤْمِنِينَ، إمّا بِفِعْلٍ وإمّا بِقَوْلٍ، وإمّا بِإذايَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وإمّا بِإعْلانِ كُفْرٍ فاحِشٍ، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: عُزَيْرُ ابْنُ اللهِ، ونَحْوُ هَذا، فَإنَّ هَذِهِ الصِفَةَ اسْتُثْنِيَ لِأهْلِ الإسْلامِ مُعارَضَتُها بِالخُرُوجِ مَعَها عَنِ الَّتِي هي أحْسَنُ، ثُمْ نُسِخَ هَذا بَعْدُ بِآيَةِ القِتالِ والجِزْيَةِ. وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُولُوا آمَنّا﴾ الآيَةُ. قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَؤُونَ التَوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ، فَيُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهُمْ، وقُولُوا: ﴿آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكم وإلَهُنا وإلَهُكم واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ "». ورَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: «لا تَسْألُوا أهْلَ (p-٦٥٢)الكِتابِ عن شَيْءٍ فَإنَّهم لَنْ يَهْدُوكم وقَدْ ضَلُّوا، إمّا أنْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ وإمّا أنْ تُصَدِّقُوا بِباطِلٍ».

29:47–49Page 402

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَۚ فَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَمِنۡ هَٰٓؤُلَآءِ مَن يُؤۡمِنُ بِهِۦۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلۡكَٰفِرُونَ ٤٧

And thus We have sent down to you the Book [i.e., the Qur’ān]. And those to whom We [previously] gave the Scripture believe in it. And among these [people of Makkah] are those who believe in it. And none reject Our verses except the disbelievers.

وَمَا كُنتَ تَتۡلُواْ مِن قَبۡلِهِۦ مِن كِتَٰبٖ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَۖ إِذٗا لَّٱرۡتَابَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ٤٨

And you did not recite before it any scripture, nor did you inscribe one with your right hand. Then [i.e., otherwise] the falsifiers would have had [cause for] doubt.

بَلۡ هُوَ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٩

Rather, it [i.e., the Qur’ān] is distinct verses [preserved] within the breasts of those who have been given knowledge. And none reject Our verses except the wrongdoers.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا الكافِرُونَ﴾ ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلا الظالِمُونَ﴾

تَقَدَّمَ القَوْلُ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ ما يَتَضَمَّنُ نُزُولَ شَرْعٍ وكِتابٍ مِن عِنْدِ اللهِ عَلى أنْبِياءٍ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَحَسُنَ لِذَلِكَ عَطْفُ " كَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْك الكِتابَ " عَلى ما في الضِمْنِ، أيْ: وكَإنْزالِنا عَلى مَن تَقَدَّمَكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ، و"الكِتابُ": القُرْآنُ.

وقَوْلُهُ: ﴿فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ يُرِيدُ التَوْراةَ والإنْجِيلَ، أيْ: فالَّذِينَ كانُوا في عَصْرِ نُزُولِ الكِتابِ وأُوتُوهُ حِينَئِذٍ يُؤْمِنُونَ بِهِ، أيْ: كانُوا مُصَدِّقِينَ بِهَذا الكِتابِ الَّذِي أنْزَلْناهُ إلَيْكَ، فالضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ. ثُمْ أخْبَرَ عن مُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ مِنهم أيْضًا مَن يُؤْمِنُ بِهِ. ولَمْ يَكُونُوا آمَنُوا بَعْدُ، فَفي هَذا الإخْبارِ بِغَيْبٍ بَيَّنَهُ الوُجُودُ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمْ أنْحى عَلى الجاحِدِينَ مِن أُمَّةٍ قَدْ آمَنَ سَلَفُها في القَدِيمِ وبَعْضُها في الحَدِيثِ، وحَصَلَ الجاحِدُونَ مِنهم في أحْسَنِ رُتْبَةٍ مِنَ الضَلالِ، ويُشْبِهُ أنْ يُرادَ أيْضًا في هَذا الإنْحاءِ كُفّارُ قُرَيْشٍ مَعَ كُفّارِ بَنِي إسْرائِيلَ.

ثُمْ بَيَّنَ تَعالى الحُجَّةَ عَلى المُبْطِلِينَ المُرْتابِينَ، وأوضَحَ أنَّ مِمّا يُقَوِّي نُزُولَ هَذا القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ جاءَ بِهِ في غايَةِ الإعْجازِ والطُولِ (p-٦٥٣)والتَضَمُّنِ لِلْغُيُوبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهو أُمِّيٌّ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، ولا يَتْلُو كِتابًا، ولا يَخُطُّ حَرْفًا، ولا سَبِيلَ لَهُ إلى التَعَلُّمْ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ مِمَّنْ يَقْرَأُ لارْتابَ المُبْطِلُونَ، ولَكانَ لَهم في ارْتِيابِهِمْ تَعَلُّقٌ، وأمّا ارْتِيابُهم مَعَ وُضُوحِ هَذِهِ الحُجَّةِ فَظاهِرٌ فَسادُهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ أهْلُ الكِتابِ يَجِدُونَ في كُتُبِهِمْ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ لا يَخُطُّ ولا يَقْرَأُ كِتابًا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وذَكَرَ النِقاشُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ الشَعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: «ما ماتَ النَبِيُّ ﷺ حَتّى كَتَبَ»، وأسْنَدَ أيْضًا حَدِيثًا لِأبِي كَبْشَةَ السَلُولِيِّ، مُضَمِّنُهُ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قَرَأ صَحِيفَةً لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ»، وأخْبَرَ بِمَعْناها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ. وقَوْلُ الباجِيِّ رَحِمَهُ اللهُ مِنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ إضْرابٌ عن مُقَدَّرٍ مِنَ الكَلامِ يَقْتَضِي ما تَقَدَّمَ، كَأنَّهُ قالَ: "لَيْسَ الأمْرُ كَما حَسِبُوا، بَلْ هو..."، وهَذا الضَمِيرُ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بَلْ هي آياتٌ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودُ عَلى مُحَمَّدٍ -ﷺ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "بَلْ هو آيَةٌ بَيِّنَةٌ" عَلى الإفْرادِ، وقالَ: المُرادُ النَبِيُّ ﷺ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهُ لَمْ يَتْلُ ولا خَطَّ، وبِكُلِّ احْتِمالٍ قالَتْ فِرْقَةٌ، وكَوْنُ هَذا كُلُّهُ آياتٌ -أيْ عَلاماتٌ في صُدُورِ العُلَماءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ- يُرادُ بِهِ مَعَ النَظَرِ والِاعْتِبارِ.

و"الظالِمُونَ" و"المُبْطِلُونَ" قِيلَ: يَعُمْ لَفْظَهُما كُلُّ مُكَذِّبٍ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ولَكِنْ مُعْظَمُ (p-٦٥٤)الإشارَةِ بِهِما إلى قُرَيْشٍ لِأنَّهُمُ الأهَمُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ قَتادَةُ: "المُبْطِلُونَ": اليَهُودُ.

29:50–52Page 402

وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَٰتٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٥٠

But they say, "Why are not signs sent down to him from his Lord?" Say, "The signs are only with Allāh, and I am only a clear warner."

أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحۡمَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥١

And is it not sufficient for them that We revealed to you the Book [i.e., the Qur’ān] which is recited to them? Indeed in that is a mercy and reminder for a people who believe.

قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ شَهِيدٗاۖ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٥٢

Say, "Sufficient is Allāh between me and you as Witness. He knows what is in the heavens and earth. And they who have believed in falsehood and disbelieved in Allāh - it is those who are the losers."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللهِ وإنَّما أنا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ بَيْنِي وبَيْنَكم شَهِيدًا يَعْلَمُ ما في السَماواتِ والأرْضِ والَّذِينَ آمَنُوا بِالباطِلِ وكَفَرُوا بِاللهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾

الضَمِيرُ في "قالُوا" لِقُرَيْشٍ ولِبَعْضِ اليَهُودِ ؛ لِأنَّهم كانُوا يُعَلِّمُونَ قُرَيْشًا مِثْلَ هَذِهِ الحُجَّةِ: لَمْ يَأْتِكم بِمِثْلِ ما جاءَ بِهِ مُوسى مِنَ العَصا وغَيْرِها. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ، وعَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عن أبِي عَمْرٍو: "آيَةٌ مِن رَبِّهِ"، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفَصٌ عن عاصِمْ: "آياتٌ"، فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنْ يُعَلِّمَهم أنَّ هَذا الأمْرَ بِيَدِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى ولا يَسْتَنْزِلُهُ الِاقْتِراحُ والتَمَنِّي، وأنَّهُ بَعَثَ نَذِيرًا، ولَمْ يُؤْمَرْ بِغَيْرِ ذَلِكَ. وفي مُصْحَفٍ أُبَيٍّ: "لَوْ ما يَأْتِينا بِآياتٍ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّما الآياتُ".

ثُمُ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ في طَلَبِهِمْ آيَةً بِأمْرِ القُرْآنِ الَّذِي هو أعْظَمُ الآياتِ، ومُعْجِزٌ لِلْجِنِّ والإنْسِ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ﴾، ثُمْ قَرَّرَ ما فِيهِ مِنَ الرَحْمَةِ والذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ جَوابٌ لِمَن قالَ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ﴾.

وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ «قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ أتَوُا النَبِيَّ ﷺ بِكُتُبٍ قَدْ كَتَبُوا فِيها بَعْضَ ما يَقُولُ اليَهُودُ الَّذِينَ أخْبَرُوهم بِشَيْءٍ مِنَ التَوْراةِ، فَأنْكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَلِكَ، قالَ: كَفى بِهَذا ضَلالَةُ، قَوْمٍ رَغِبُوا عَمّا آتاهم بِهِ نَبِيُّهم إلى ما أتى بِهِ غَيْرُهُ»، ونَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أجْرى مَعَ نَسَقِ الآياتِ.

(p-٦٥٥)ثُمْ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالِاسْتِنادِ إلى أمْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وأنْ يَجْعَلَهُ حَسَبَهُ شَهِيدًا وحاكِمًا بَيْنَهُ وبَيْنَهم بِعِلْمِهِ وتَحْصِيلِهِ جَمِيعَ أُمُورِهِمْ، وقَوْلُهُ: "بِالباطِلِ" يُرِيدُ: بِالأصْنامِ والأوثانِ وما يَتْبَعُ أمْرَها مِنَ المُعْتَقَداتِ، والباطِلُ هو أنْ يُفْعَلَ فِعْلٌ يُرادُ بِهِ أمْرٌ ما، وذَلِكَ الأمْرُ لا يَكُونُ عن ذَلِكَ الفِعْلِ، والأصْنامُ أُرِيدَ بِأمْرِها الأكْمَلُ والأنْجَحُ في زَعْمِ عِبادِها، ولَيْسَ الأكْمَلُ والأرْجَحُ إلّا رَفَضَها، فَهي إذا باطِلٌ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

29:53–55Page 403

وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَوۡلَآ أَجَلٞ مُّسَمّٗى لَّجَآءَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ وَلَيَأۡتِيَنَّهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٥٣

And they urge you to hasten the punishment. And if not for [the decree of] a specified term, punishment would have reached them. But it will surely come to them suddenly while they perceive not.

يَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٤

They urge you to hasten the punishment. And indeed, Hell will be encompassing of the disbelievers

يَوۡمَ يَغۡشَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۡ وَيَقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٥٥

On the Day the punishment will cover them from above them and from below their feet and it is said, "Taste [the result of] what you used to do."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ ولَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ويَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾ يُرِيدُ بِهِ كُفّارَ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: " فأتنا بِما تَعُدُّنا " وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اسْتِعْجالِهِمْ -عَلى جِهَةِ التَعْجِيزِ والتَكْذِيبِ- عَذابُ اللهِ تَعالى الَّذِي تَوَعَّدَهم مُحَمَّدٌ ﷺ. ثُمْ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ يَأْتِيهِمْ بَغْتَةً، أيْ: فَجْأةً، وهَذا هو عَذابُ الدُنْيا، وهو الَّذِي ظَهَرَ يَوْمَ بَدْرٍ في السِنِينِ السَبْعِ. ثُمْ ذَكَرَ تَعالى أنَّ تَأخُّرَهُ إنَّما هو حَسَبُ الأجَلِ المَقْدُورِ السابِقِ. وقالَ المُفَسِّرُونَ عَنِ الضِحاكِ: أنَّ الأجَلَ المُسَمّى بِهَذِهِ الآيَةِ الآجالُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ النَظَرُ، والآجالُ لا مَحالَةَ أجَلٌ مُسَمًّى، ولَكِنْ لَيْسَ هَذا مَوْضِعُها.

ثُمْ تَوَعَّدَهم تَبارَكَ وتَعالى بَعْدَ عَذابِ الآخِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ وإنَّ جَهَنَّمَ﴾، كَرَّرَ فِعْلَهم وقُبْحَهُ، وأخْبَرَ أنَّ وراءَهم إحاطَةُ جَهَنَّمَ بِهِمْ. وقالَ عِكْرِمَةُ -فِيما حَكى الطَبَرِيُّ - أنَّ جَهَنَّمَ ها هُنا أرادَ بِها البَحْرَ.

(p-٦٥٦)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ﴾ ظَرْفٌ يَعْمَلُ فِيهِ قَوْلُهُ: "مُحِيطٌ". و"يَغْشاهُمْ" مَعْناهُ: يُغَطِّيهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ مِن جِهاتِهِمْ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَيَقُولُ"، أيْ: ويَقُولُ اللهُ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَنَقُولُ" بِالنُونِ، فَإمّا أنْ تَكُونَ نُونَ العَظَمَةِ، أو نُونَ الجَماعَةِ، جَماعَةِ المَلائِكَةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَيُقالُ" بِياءٍ وألِفٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُوقُوا﴾ تَوْبِيخٌ، ويُشْبِهُ مَسَّ العَذابِ بِالذَوْقِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، ومِنهُ قَوْلُ أبِي سُفْيانَ: "ذُقْ عَقَقَ"، ونَحْوُ هَذا كَثِيرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أيْ: بِما في أعْمالِكم مِنَ اكْتِسابِكم.

29:56–59Page 403

يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ ٥٦

O My servants who have believed, indeed My earth is spacious, so worship only Me.

كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ ٥٧

Every soul will taste death. Then to Us will you be returned.

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ غُرَفٗا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ نِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ٥٨

And those who have believed and done righteous deeds - We will surely assign to them of Paradise [elevated] chambers beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. Excellent is the reward of the [righteous] workers

ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٥٩

Who have been patient and upon their Lord rely.

قوله عزّ وجلّ:

﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنَ تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾

هَذِهِ الآياتُ نَزَلَتْ في تَحْرِيضِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا بِمَكَّةَ عَلى الهِجْرَةِ، فَأخْبَرَهم تَعالى بِسِعَةِ أرْضِهِ، وأنَّ البَقاءَ في بُقْعَةٍ عَلى أذى الكَفّارِ لَيْسَ بِصَوابٍ، بَلِ الصَوابُ أنْ تُلْتَمَسَ عِبادَةُ اللهِ تَعالى في أرْضِهِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ: إنَّ الأرْضَ الَّتِي فِيها الظُلْمُ والمُنْكَرُ تَتَرَتَّبُ فِيها هَذِهِ الآيَةُ، وتَلْزَمُ الهِجْرَةُ عنها إلى بَلَدٍ حَقٍّ، وقالَهُ مالِكٌ، وقالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِخِّيرِ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ﴾ عِدَةٌ بِسِعَةِ الرِزْقِ في جَمِيعِ الأرْضِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ: "يا عِبادِيَ" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ أبُو (p-٦٥٧)عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِسُكُونِها، وكَذَلِكَ قَرَأ نافِعٌ وعاصِمْ: "أرْضِي" ساكِنَةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإيّايَ﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: "فَإيّايَ اعْبُدُوا فاعْبُدُونِ"، عَلى الِاهْتِمامِ أيْضًا في التَقْدِيرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ الآيَةُ، تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الدُنْيا ومَخاوِفِها، كَأنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ نَظَرَ في عاقِبَةِ ما يَلْحَقُهُ في خُرُوجِهِ مِن وطَنِهِ أنَّهُ يَمُوتُ أو يَجُوعُ ونَحْوَ هَذا، فَحَقَّرَ اللهُ تَعالى شَأْنَ الدُنْيا، أيْ: أنْتُمْ لا مَحالَةَ مَيِّتُونَ ومَحْشُورُونَ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، فالبِدارُ إلى طاعَةِ اللهِ تَعالى والهِجْرَةُ إلَيْهِ أولى ما يَمْتَثِلُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَرْجِعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقِ، ورُوِيَتْ عن عاصِمْ بِالياءِ مِن تَحْتِ، وذَكَرَها أبُو حاتِمْ عن أبِي عَمْرٍو، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةٌ" بِالتَنْوِينِ "المَوْتَ" بِالنَصْبِ.

ثُمْ وعَدَ المُؤْمِنِينَ العامِلِينَ بِسُكْنى الجَنَّةِ تَحْرِيضًا مِنهُ تَعالى، وذَكَرَ الجَزاءَ الَّذِي يَنالُونَهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "لَنُبَوِّئَنَّهُمْ" بِالباءِ، أيْ: لَنُنْزِلَنَّهم ولَنُمَكِّنَنَّهم لِيَدُومُوا فِيها، و"غُرَفًا" مَفْعُولٌ ثانٍ؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ. وقَرَأ حَمْزَةُ: "لَنُثْوِيَنَّهُمْ"، مِن أثْوى يَثْوِي، وهو مُعَدّى ثَوى بِمَعْنى أقامَ، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والرَبِيعِ بْنِ خَيْثَمٍ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، وقَرَأها بَعْضُهم بِفَتْحِ الثاءِ وتَشْدِيدِ الواوِ مُعَدّى بِالتَضْعِيفِ لا بِالهَمْزَةِ، وقَوْلُهُ: "غُرَفًا" نُصِبَ بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، والتَقْدِيرُ: في غُرَفٍ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: "لَنُبَوِّيَنَّهُمْ" بِالياءِ مِن تَحْتِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: "غُرَفًا" بِضَمِّ الغَيْنِ والراءِ.

ثُمْ وصَفَهم تَعالى بِالصَبْرِ والتَوَكُّلِ، وهاتانِ جِماعُ الخَيْرِ كُلِّهِ، أيِ: الصَبْرُ عَلى الطاعاتِ، وعَنِ الشَهَواتِ.

(p-٦٥٨)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском