Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:115–120
3:115–117Page 64
وَمَا يَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلَن يُكۡفَرُوهُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ ١١٥
And whatever good they do - never will it be denied them. And Allāh is Knowing of the righteous.
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١١٦
Indeed, those who disbelieve - never will their wealth or their children avail them against Allāh at all, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَثَلِ رِيحٖ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتۡ حَرۡثَ قَوۡمٖ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَأَهۡلَكَتۡهُۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنۡ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١١٧
The example of what they spend in this worldly life is like that of a wind containing frost which strikes the harvest of a people who have wronged themselves [i.e., sinned] and destroys it. And Allāh has not wronged them, but they wrong themselves.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ واللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عنهم أمْوالُهم ولا أولادُهم مِنَ اللهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ وما ظَلَمَهُمُ اللهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وابْنِ عامِرٍ: "تَفْعَلُوا" و"تُكْفَرُوهُ" بِالتاءِ، عَلى مُخاطَبَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ بِالياءِ فِيهِما عَلى مُشابَهَةِ ما تَقَدَّمَ مِن: "يَتْلُونَ" و"يُؤْمِنُونَ"، وما بَعْدَهُما، وكانَ أبُو عَمْرٍو يَقْرَأُ بِالوَجْهَيْنِ.
و"تُكْفَرُوهُ" مَعْناهُ: يُغَطّى دُونَكم فَلا تُثابُونَ عَلَيْهِ، ومِن هَذا قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "وَمَن أزَلْتُ إلَيْهِ نِعْمَةً فَلْيَذْكُرْها فَإنْ ذَكَرَها فَقَدْ شَكَرَها، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ كَفَرَها"،» ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٣٢٨)
؎ ........................ والكُفْرُ مَخْبَثَةٌ لِنَفْسِ المُنْعِمِ
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ. ثُمَّ عَقَّبَ تَعالى ذِكْرَ هَذا الصِنْفِ الصالِحِ بِذِكْرِ حالِ الكُفّارِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، وخَصَّ اللهُ تَعالى الأمْوالَ والأولادَ بِالذِكْرِ لِوُجُوهٍ:. مِنها أنَّها زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا وعُظْمُ ما تَجْرِي إلَيْهِ الآمالُ، ومِنها أنَّها ألْصَقُ النُصْرَةِ بِالإنْسانِ وأيْسَرُها، ومِنها أنَّ الكُفّارَ المُكَذِّبِينَ بِالآخِرَةِ لا هِمَّةَ لَهم إلّا فِيها وهي عِنْدَهم غايَةُ المَرْءِ وبِها كانُوا يَفْخَرُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ، فَذَكَرَ اللهُ أنَّ هَذَيْنِ اللَذَيْنِ هُما بِهَذِهِ الأوصافِ؛ لا غَناءَ فِيهِما مِن عِقابِ اللهِ في الآخِرَةِ، فَإذا لَمْ تُغْنِ هَذِهِ فَغَيْرُها مِنَ الأُمُورِ البَعِيدَةِ أحْرى ألّا يُغْنِيَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أصْحابُ النارِ﴾ إضافَةُ تَخْصِيصٍ ما تَقْتَضِي ثُبُوتَ ذَلِكَ لَهم ودَوامَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُنْيا﴾....
الآيَةُ، مَعْناهُ: المِثالُ القائِمُ في النُفُوسِ مِن إنْفاقِهِمُ الَّذِي يَعُدُّونَهُ قُرْبَةً وحِسْبَةً وتَحَنُّثًا، ومِن حَبْطِهِ يَوْمَ القِيامَةِ وكَوْنِهِ هَباءً مَنثُورًا، وذَهابِهِ كالمِثالِ القائِمِ في النُفُوسِ مِن زَرْعِ قَوْمٍ نَبَتَ واخْضَرَّ وقَوِيَ الأمَلُ فِيهِ فَهَبَّتْ عَلَيْهِ رِيحٌ فِيها صِرٌّ
مُحْرِقٌ فَأهْلَكَتْهُ، فَوَقَعَ التَشْبِيهُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وشَيْئَيْنِ، ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أحَدَ الشَيْئَيْنِ المُشَبَّهَيْنِ وتَرَكَ الآخَرَ، ثُمَّ ذَكَرَ أحَدَ الشَيْئَيْنِ المُشَبَّهِ بِهِما، ولَيْسَ الَّذِي يُوازِي المَذْكُورَ الأوَّلَ، وتَرَكَ ذِكْرَ الآخَرِ، ودَلَّ المَذْكُورانِ عَلى المَتْرُوكَيْنِ، وهَذِهِ غايَةُ البَلاغَةِ والإيجازِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً﴾ [البقرة: ١٧١].
وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الأعْرَجُ "تُنْفِقُونَ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، و"مَثَلُ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في مَحْذُوفٍ بِهِ تَتَعَلَّقُ الكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَمَثَلِ"، و"ما"، بِمَعْنى الَّذِي، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ "يُنْفِقُونَ" يُرادُ بِهِ (p-٣٢٩)الأمْوالُ الَّتِي كانُوا يُنْفِقُونَها في التَحَنُّثِ وفي عَداوَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَهم قُرْبَةً، وقالَ السُدِّيُّ: "يُنْفِقُونَ" مَعْناهُ: مِن أقْوالِهِمُ الَّتِي يُبْطِنُونَ ضِدَّها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ في المُنافِقِينَ، والآيَةُ إنَّما هي في كُفّارٍ يُعْلِنُونَ مِثْلَ ما يُبْطِنُونَ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ "يُنْفِقُونَ" يُرادُ بِهِ أعْمالُهم مِنَ الكُفْرِ ونَحْوِهِ، أيْ هي كالرِيحِ الَّتِي فِيها صِرٌّ، فَتُبْطِلُ كُلَّ ما لَهم مِن صِلَةِ رَحِمٍ وتَحَنُّثٍ بِعِتْقٍ ونَحْوِهِ، كَما تُبْطِلُ الرِيحُ الزَرْعَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ لَوْلا بُعْدُ الِاسْتِعارَةِ في الإنْفاقِ.
والصِرُّ: البَرْدُ الشَدِيدُ المُحْرِقُ لِكُلِّ ما يَهُبُّ عَلَيْهِ، وهو مَعْرُوفٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الصِرُّ البَرْدُ، وتُسَمِّيهِ العَرَبُ: الضَرِيبَ، وذَهَبَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ إلى أنَّ اللَفْظَةَ مِنَ التَصْوِيتِ، مِن قَوْلِهِمْ: صَرَّ الشَيْءُ، ومِنهُ الرِيحُ الصَرْصَرُ، قالَ الزَجّاجُ: فالصِرُّ صَوْتُ النارِ الَّتِي في الرِيحِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
الصِرُّ: هو نَفَسُ جَهَنَّمَ الَّذِي في الزَمْهَرِيرِ يُحْرِقُ نَحْوًا مِمّا تُحْرِقُ النارُ.
والحَرْثُ: شامِلٌ لِلزَّرْعِ والثِمارِ، لِأنَّ الجَمِيعَ مِمّا يَصْدُرُ عن إثارَةِ الأرْضِ وهي حَقِيقَةُ الحَرْثِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « "لا زَكاةَ إلّا في عَيْنٍ أو حَرْثٍ أو ماشِيَةٍ".»
وقالَ عَزَّ وجَلَّ: "ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ" فَما بالُ هَذا التَخْصِيصِ والمَثَلُ صَحِيحٌ، وإنْ كانَ الحَرْثُ لِمَن لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فالجَوابُ أنَّ ظُلْمَ النَفْسِ في هَذِهِ الآيَةِ تَأوَّلَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ بِأنَّهُ ظُلْمٌ بِمَعاصِي اللهِ، فَعَلى هَذا وقَعَ التَشْبِيهُ بِحَرْثِ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ، إذْ عُقُوبَتُهُ أرْجى، وأخْذَةُ اللهِ لَهُ أشَدُّ، والنِقْمَةُ إلَيْهِ أسْرَعُ وفِيهِ أقْوى، كَما رُوِيَ: "فِي جَوْفِ العِيرِ" وغَيْرُهُ. وأيْضًا فَمِن أهْلِ العِلْمِ مَن يَرى أنَّ كُلَّ مَصائِبِ الدُنْيا فَإنَّما هي (p-٣٣٠)بِمَعاصِي العَبِيدِ، ويَنْتَزِعُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ ما آيَةٍ في القُرْآنِ، فَيَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِهِ: إنَّ كُلَّ حَرْثٍ تُحْرِقُهُ رِيحٌ فَإنَّما هو لِمَن قَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ. وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ ونَحا إلَيْهِ المَهْدَوِيُّ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ مَعْناهُ: زَرَعُوا في غَيْرِ أوانِ الزِراعَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَنْبَغِي أنْ يُقالَ في هَذا: ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ وضَعُوا أفْعالَ الفِلاحَةِ غَيْرَ مَوْضِعِها مِن وقْتٍ أو هَيْئَةِ عَمَلٍ، ويَخُصُّ هَؤُلاءِ بِالذِكْرِ لِأنَّ الحَرْقَ فِيما جَرى هَذا المَجْرى أوعَبُ وأشَدُّ تَمَكُّنًا، وهَذا المَنزَعُ يُشْبِهُهُ مِن جِهَةٍ ما قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ وسالِفَةٍ كَسَحُوقِ اللِيا ∗∗∗ نِ أضْرَمَ فِيها الغَوِيُّ السَعَرْ
فَخَصَّصَ الغَوِيَّ لِأنَّهُ يُلْقِي النارَ في النَخْلَةِ الخَضْراءِ الحَسَنَةِ الَّتِي لا يَنْبَغِي أنْ تُحْرَقَ، فَتُطْفِئُ النارُ عن نَفْسِها رُطُوبَتَها بَعْدَ أنْ تَتَشَذَّبَ وتَسْوَدَّ، فَيَجِيءُ الشَبَهُ حَسَنًا. والرَشِيدُ لا يُضْرِمُ النارَ إلّا فِيما يَبِسَ واسْتَحَقَّ فَهو يَذْهَبُ ولا يَبْقى مِنهُ ما يُشَبَّهُ بِهِ.
والضَمِيرُ في "ظَلَمَهُمُ" لِلْكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ضَمِيرُهم فِي: "يُنْفِقُونَ"، ولَيْسَ هو لِلْقَوْمِ ذَوِي الحَرْثِ لِأنَّهم لَمْ يُذْكَرُوا لِيَرُدَّ عَلَيْهِمْ ولا لِيُبَيِّنَ ظُلْمَهُمْ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى فِعْلِ الحالِ في حاضِرِينَ.
3:118Page 65
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ١١٨
O you who have believed, do not take as intimates those other than yourselves [i.e., believers], for they will not spare you [any] ruin. They wish you would have hardship. Hatred has already appeared from their mouths, and what their breasts conceal is greater. We have certainly made clear to you the signs, if you will use reason.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالا ودُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾
(p-٣٣١)نَهى اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عن أنْ يَتَّخِذُوا مِنَ الكُفّارِ واليَهُودِ أخِلّاءً يَأْنَسُونَ بِهِمْ في الباطِنِ مِن أُمُورِهِمْ، ويُفاوِضُونَهم في الآراءِ، ويَسْتَنِيمُونَ إلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ: "مِن دُونِكُمْ" يَعْنِي: مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، ولَفْظَةُ "دُونَ" تَقْتَضِي فِيما أُضِيفُ إلَيْهِ أنَّهُ مَعْدُومٌ مِنَ القِصَّةِ الَّتِي فِيها الكَلامُ، فَشَبَّهَ الأخِلّاءَ بِما يَلِي بَطْنَ الإنْسانِ مِن ثَوْبِهِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "ما مِن خَلِيفَةٍ ولا ذِي إمْرَةٍ إلّا ولَهُ بِطانَتانِ، بِطانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالخَيْرِ وتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وبِطانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَرِّ وتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، والمَعْصُومُ مَن عَصَمَ اللهُ".»
وقَوْلُهُ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالا﴾ مَعْناهُ: لا يُقَصِّرُونَ لَكم فِيما فِيهِ الفَسادُ عَلَيْكُمْ، تَقُولُ: ما ألَوْتُ في كَذا، أيْ: ما قَصَّرْتُ، بَلِ اجْتَهَدْتُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ جَرى بَعْدَهم قَوْمٌ لِكَيْ يَلْحَقُوهُمُ فَلَمْ يَلْحَقُوا ولَمْ يُلِيمُوا ولَمْ يَأْلُوا
أيْ لَمْ يُقَصِّرُوا. والخَبَلُ والخَبالُ: الفَسادُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ رِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُواصِلُونَ رِجالًا مِنَ اليَهُودِ، لِلْجِوارِ والحِلْفِ الَّذِي كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. وقالَ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والرَبِيعُ والسُدِّيُّ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، نَهى اللهُ المُؤْمِنِينَ عنهم. ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لا تَسْتَضِيئُوا بِنارِ المُشْرِكِينَ، ولا تَنْقُشُوا في خَواتِيمِكم عَرَبِيًّا"» فَسَّرَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ فَقالَ: أرادَ عَلَيْهِ السَلامُ: لا تَسْتَشِيرُوا المُشْرِكِينَ في شَيْءٍ مِن أُمُورِكُمْ، ولا تَنْقُشُوا في خَواتِيمِكم "مُحَمَّدًا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ اسْتِكْتابُ أهْلِ الذِمَّةِ وتَصْرِيفُهم في البَيْعِ والشِراءِ والِاسْتِنامَةُ (p-٣٣٢)إلَيْهِمْ. ورُوِيَ أنَّ أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ اسْتَكْتَبَ ذِمِّيًّا فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ يُعَنِّفُهُ، وتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ. وقِيلَ لِعُمَرَ: إنَّ هاهُنا رَجُلًا مِن نَصارى الحِيرَةِ لا أحَدَ أكْتَبُ مِنهُ ولا أخَطُّ بِقَلَمٍ، أفَلا يَكْتُبُ عنكَ؟ فَقالَ: إذًا أتَّخِذُ بِطانَةً مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ.
و"ما" في قَوْلِهِ: "ما عَنِتُّمْ" مَصْدَرِيَّةٌ. فالمَعْنى: ودُّوا عَنَتَكُمْ، والعَنَتُ: المَشَقَّةُ والمَكْرُوهُ يَلْقاهُ المَرْءُ، وعَقَبَةٌ عَنُوتٌ: أيْ شاقَّةٌ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ﴾ [النساء: ٢٥] مَعْناهُ: المَشَقَّةُ إمّا في الزِنى، وإمّا في مِلْكِ الإرْبِ. قالَ السُدِّيُّ: مَعْناهُ: ودُّوا ما ضَلَلْتُمْ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَعْنى: ودُّوا أنْ تَعْنَتُوا في دِينِكُمْ، ويُقالُ: عَنِتَ الرَجُلُ يَعْنَتُ بِكَسْرِ النُونِ في الماضِي.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ يَعْنِي بِالأقْوالِ، فَهم فَوْقَ المُتَسَتِّرِ الَّذِي تَبْدُو البَغْضاءُ في عَيْنَيْهِ. وخَصَّ تَعالى الأفْواهَ بِالذِكْرِ دُونَ الألْسِنَةِ إشارَةً إلى تَشَدُّقِهِمْ وثَرْثَرَتِهِمْ في أقْوالِهِمْ هَذِهِ، ويُشْبِهُ هَذا الَّذِي قُلْناهُ ما في الحَدِيثِ: «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهى أنْ يَتَشَحّى الرَجُلُ في عِرْضِ أخِيهِ،» مَعْناهُ: أنْ يَفْتَحَ فاهُ بِهِ، يُقالُ: شَحا الحِمارُ فاهُ بِالنَهِيقِ، وشَحا اللِجامُ في الفَرَسِ، والنَهْيُ في أنْ يَأْخُذَ أحَدٌ عِرْضَ أخِيهِ هَمْسًا راتِبٌ، فَذِكْرُ التَشَحِّي إنَّما هو إشارَةٌ إلى التَشَدُّقِ والِانْبِساطِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾ إعْلامٌ بِأنَّهم يُبْطِنُونَ مِنَ البَغْضاءِ أكْثَرَ مِمّا يُظْهِرُونَ بِأفْواهِهِمْ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "قَدْ بَدا البَغْضاءُ" بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ، لِما كانَتِ البَغْضاءُ بِمَعْنى البُغْضِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ تَحْذِيرًا وتَنْبِيهًا، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّهم عُقَلاءُ ولَكِنَّ هَذا هَزٌّ لِلنُّفُوسِ كَما تَقُولُ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا وكَذا.
3:119Page 65
هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ عَضُّواْ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَنَامِلَ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۚ قُلۡ مُوتُواْ بِغَيۡظِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١١٩
Here you are loving them but they are not loving you, while you believe in the Scripture - all of it.1 And when they meet you, they say, "We believe." But when they are alone, they bite their fingertips at you in rage. Say, "Die in your rage. Indeed, Allāh is Knowing of that within the breasts."
(p-٣٣٣)قوله عزّ وجلّ:
﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكم إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾
تَقَدَّمَ إعْرابُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وقِراءَتُها في قَوْلِهِ تَعالى آنِفًا: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦] والضَمِيرُ فِي: "تُحِبُّونَهُمْ" لِمُنافِقِي اليَهُودِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في قَوْلِهِ: ﴿بِطانَةً مِن دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]، والضَمِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ اسْمٌ لِلْجِنْسِ، أيْ: تُؤْمِنُونَ بِجَمِيعِ الكُتُبِ وهم لا يُؤْمِنُونَ بِقِراءَتِكم. وإنَّما وقَفَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ الأحْوالِ المُوجِبَةِ لِبُغْضِ المُؤْمِنِينَ لِمُنافِقِي اليَهُودِ واطِّراحِهِمْ إيّاهُمْ، فَمِن تِلْكَ الأحْوالِ أنَّهم لا يُحِبُّونَ المُؤْمِنِينَ، وأنَّهم يَكْفُرُونَ بِكِتابِهِمْ، وأنَّهم يُنافِقُونَ عَلَيْهِمْ ويَسْتَخِفُّونَ بِهِمْ ويَغْتاظُونَ ويَتَرَبَّصُونَ الدَوائِرَ عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ﴾ عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الغَيْظِ مَعَ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلى إنْفاذِهِ ومِنهُ قَوْلُ أبِي طالِبٍ:
؎ ...................... ∗∗∗..... يَعَضُّونَ غَيْظًا خَلْفَنا بِالأنامِلِ
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ وقَدْ شَهِدَتْ قَيْسٌ فَما كانَ نَصْرُها ∗∗∗ قُتَيْبَةَ إلّا عَضُّها بِالأباهِمِ
وهَذا العَضُّ هو بِالأسْنانِ، وهي هَيْئَةٌ في بَدَنِ الإنْسانِ تَتْبَعُ هَيْئَةَ النَفْسِ الغائِظَةِ، كَما أنَّ عَضَّ اليَدِ عَلى اليَدِ يَتْبَعُ هَيْئَةَ النَفْسِ النادِمَةِ المُتَلَهِّفَةِ عَلى فائِتٍ قَرِيبِ الفَوْتِ، وكَما أنَّ قَرْعَ السِنِّ هَيْئَةُ النَفْسِ النادِمَةِ فَقَطْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن عَدِّ الحَصى والخَطِّ في (p-٣٣٤)الأرْضِ لِلْمَهْمُومِ ونَحْوِهِ، ويُكْتَبُ هَذا العَضُّ بِالضادِ، ويُكْتَبُ عَظُّ الزَمانِ بِالظاءِ المُشالَةِ، وواحِدُ الأنامِلِ أُنْمُلَةٌ بِضَمِّ المِيمِ، ويُقالُ بِفَتْحِها، والضَمُّ أشْهَرُ، ولا نَظِيرَ لِهَذا الِاسْمِ في بِنائِهِ إلّا أشُدَّ، ولَهُ نَظائِرُ في الجُمُوعِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ في مُنافِقِي اليَهُودِ لا في مُنافِقِي العَرَبِ، ويَعْتَرِضُها أنَّ مُنافِقِي اليَهُودِ لَمْ يُحْفَظْ عنهم أنَّهم كانُوا يُؤْمِنُونَ في الظاهِرِ إيمانًا مُطْلَقًا ويَكْفُرُونَ في الباطِنِ كَما كانَ المُنافِقُونَ مِنَ العَرَبِ يَفْعَلُونَ، إلّا ما رُوِيَ مِن أمْرِ زَيْدِ بْنِ الصِيتِ القَيْنُقاعِيِّ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّ قَوْلَهُمْ: "آمَنّا" مَعْناهُ: صَدَّقْنا أنَّهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ إلَيْكُمْ، أيْ: فَكُونُوا عَلى دِينِكم ونَحْنُ أولِياؤُكم وإخْوانُكم ولا نُضْمِرُ لَكم إلّا المَوَدَّةَ، ولِهَذا كانَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ يَتَّخِذُهم بِطانَةً، وهَذا مَنزَعٌ قَدْ حُفِظَ أنَّ كَثِيرًا مِنَ اليَهُودِ كانَ يُذْهَبُ إلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا التَأْوِيلِ أنَّ المُعادِلَ لِقَوْلِهِمْ: "آمَنّا" عَضُّ الأنامِلِ مِنَ الغَيْظِ، ولَيْسَ هو ما يَقْتَضِي الِارْتِدادَ كَما هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤]، بَلْ هو ما يَقْتَضِي البُغْضَ وعَدَمَ المَوَدَّةِ. وكانَ أبُو الجَوْزاءِ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ قالَ: هُمُ الإباضِيَّةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ الصِفَةُ قَدْ تَتَرَتَّبُ في أهْلِ البِدَعِ مِنَ الناسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾، قالَ فِيهِ الطَبَرِيُّ وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَعَلى هَذا يَتَّجِهُ أنْ يُدْعى عَلَيْهِمْ بِهَذا مُواجَهَةً وغَيْرَ مُواجَهَةٍ وقالَ قَوْمٌ: بَلْ أُمِرَ النَبِيُّ ﷺ وأُمَّتُهُ أنْ يُواجِهُوهم بِهَذا. فَعَلى هَذا زالَ مَعْنى الدُعاءِ وبَقِيَ مَعْنى التَقْرِيعِ والإغاظَةِ، ويَجْرِي المَعْنى مَعَ قَوْلِ مُسافِرِ بْنِ أبِي عَمْرٍو:(p-٣٣٥)
؎ ونُنْمِي في أرُومَتِنا ∗∗∗ ونَفْقَأُ عَيْنَ مَن حَسَدا
ويَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: "مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَماءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ [الحج: ١٥].
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾ وعِيدٌ يُواجَهُونَ بِهِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ الأخِيرِ فِي: "مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ"، وهو إخْبارٌ مُجَرَّدٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ في تَأْوِيلِ الدُعاءِ فِي: ﴿مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ و"ذاتِ الصُدُورِ": ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ، والإشارَةُ هُنا إلى المُعْتَقَداتِ، ومِن هَذا قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنَّما هو ذُو بَطْنِ بِنْتِ خارِجَةَ"، ومِنهُ قَوْلُهُمُ: "الذِيبُ مَغْبُوطٌ بِذِي بَطْنِهِ"، والذاتُ لَفْظٌ مُشْتَرِكٌ في مَعانٍ لا يَدْخُلُ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ إلّا ما ذَكَرْناهُ.
3:120Page 65
إِن تَمۡسَسۡكُمۡ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَةٞ يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ١٢٠
If good touches you, it distresses them; but if harm strikes you, they rejoice at it. And if you are patient and fear Allāh, their plot will not harm you at all. Indeed, Allāh is encompassing of what they do.
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا إنْ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾
الحَسَنَةُ والسَيِّئَةُ في هَذِهِ الآيَةِ لَفْظٌ عامٌّ في كُلِّ ما يَحْسُنُ ويَسُوءُ، وما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ مِنَ الخِصْبِ والجَدْبِ واجْتِماعِ المُؤْمِنِينَ ودُخُولِ الفُرْقَةِ بَيْنَهم وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ فَإنَّما هي أمْثِلَةٌ ولَيْسَ ذَلِكَ بِاخْتِلافٍ، وذَكَرَ تَعالى المَسَّ في الحَسَنَةِ لِيُبَيِّنَ أنَّ بِأدْنى طُرُوءِ الحَسَنَةِ تَقَعُ المَساءَةُ بِنُفُوسِ هَؤُلاءِ المُبْغِضِينَ، ثُمَّ عادَلَ ذَلِكَ بِالسَيِّئَةِ بِلَفْظِ (p-٣٣٦)الإصابَةِ وهي عِبارَةٌ عَنِ التَمَكُّنِ، لِأنَّ الشَيْءَ المُصِيبَ لِشَيْءٍ فَهو مُتَمَكِّنٌ مِنهُ أو فِيهِ، فَدَلَّ هَذا المَنزَعُ البَلِيغُ عَلى شِدَّةِ العَداوَةِ، إذْ هو حِقْدٌ لا يَذْهَبُ عِنْدَ الشَدائِدِ، بَلْ يَفْرَحُونَ بِنُزُولِ الشَدائِدِ بِالمُؤْمِنِينَ، وهَكَذا هي عَداوَةُ الحَسَدِ في الأغْلَبِ، ولا سِيَّما في مِثْلِ هَذا الأمْرِ الجَسِيمِ الَّذِي هو مِلاكُ الدُنْيا والآخِرَةِ، وقَدْ قالَ الشاعِرُ:
؎ كُلُّ العَداوَةِ قَدْ تُرْجى إزالَتُها إلّا عَداوَةَ مَن عاداكَ مِن حَسَدِ
ولَمّا قَرَّرَ تَعالى هَذا الحالَ لِهَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ، وأوجَبَتِ الآيَةُ أنْ يَعْتَقِدَهُمُ المُؤْمِنُونَ بِهَذِهِ الصِفَةِ، جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ تَسْلِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وتَقْوِيَةً لِنُفُوسِهِمْ، وشَرَطَ ذَلِكَ بِالصَبْرِ والتَقْوى.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ونافِعٌ: "لا يَضِرْكُمْ" بِكَسْرِ الضادِ وجَزْمِ الراءِ، وهو مِن ضارَ يَضِيرُ بِمَعْنى: ضَرَّ يَضُرُّ وهي لُغَةٌ فَصِيحَةٌ، وحَكى الكِسائِيُّ: ضارَ يَضُورُ، ولَمْ يَقْرَأْ عَلى هَذِهِ اللُغَةِ. ومِن ضارَ يَضِيرُ في كِتابِ اللهِ "لا ضَيْرَ"، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
فَقِيلَ:
؎ تَحَمَّلْ فَوْقَ طَوْقِكَ إنَّها ∗∗∗ ∗∗∗ مُطَبَّعَةٌ مَن يَأْتِها لا يَضِيرُها
يَصِفُ مَدِينَةً، والمَعْنى: فَلَيْسَ يَضِيرُها، وفي هَذا النَفْيِ المُقَدَّرِ بِالفاءِ هو جَوابُ الشَرْطِ. ومِنَ اللَفْظِ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَيِّرِ:
؎ وقالَ أُناسٌ لا يَضِيرُكَ نَأْيُها ∗∗∗ بَلى كُلُّ ما شَفَّ النُفُوسَ يَضِيرُها
(p-٣٣٧)وَقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "لا يَضُرُّكُمْ" بِضَمِّ الضادِ والراءِ والتَشْدِيدِ في الراءِ، وهَذا مِن ضَرَّ يَضُرُّ، ورُوِيَ عن حَمْزَةَ مِثْلُ قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو. وأمّا إعْرابُ هَذِهِ القِراءَةِ فَجَزْمٌ، وضُمَّتِ الراءُ لِلِالتِقاءِ، وهو اخْتِيارُ سِيبَوَيْهِ في مِثْلِ هَذا إتْباعًا لِضَمَّةِ الضادِ، ويَجُوزُ فَتْحُ الراءِ وكَسْرُها مَعَ إرادَةِ الجَزْمِ، فَأمّا الكَسْرُ فَلا أعْرِفُها قِراءَةً، وعِبارَةُ الزَجّاجِ في هَذا مُتَجَوِّزٌ فِيها، إذْ يَظْهَرُ مِن دَرْجِ كَلامِهِ أنَّها قِراءَةٌ، وأمّا فَتْحُ الراءِ مِن قَوْلِهِ "لا يَضُرَّكُمْ" فَقَرَأ بِهِ عاصِمٌ فِيما رَواهُ أبُو زَيْدٍ عَنِ المُفَضَّلِ عنهُ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ إعْرابُ قَوْلِهِ، "لا يَضُرُّكُمْ"، رَفْعًا إمّا عَلى تَقْدِيرِ: فَلَيْسَ يَضُرُّكُمْ، عَلى نَحْوٍ تَقَدَّمَ في بَيْتِ أبِي ذُؤَيْبٍ، وإمّا عَلى نِيَّةِ التَقَدُّمِ عَلى: "وَإنْ تَصْبِرُوا" كَما قالَ:
؎ يا أقْرَعُ بْنُ حابِسٍ يا أقْرَعُ ∗∗∗ إنَّكَ إنْ يُصْرَعْ أخُوكَ تُصْرَعُ
المُرادُ أنَّكَ تُصْرَعُ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "لا يَضْرُرْكُمْ" بِراءَيْنِ، وذَلِكَ عَلى فَكِّ الإدْغامِ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وعَلَيْها قَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ: "إنْ تَمْسَسْكُمْ" ولُغَةُ سائِرِ العَرَبِ الإدْغامُ في مِثْلِ هَذا كُلِّهِ. والكَيْدُ: الِاحْتِيالُ بِالأباطِيلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأكِيدُ كَيْدًا" إنَّما هي تَسْمِيَةُ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ وعِيدٌ، والمَعْنى: مُحِيطٌ جَزاؤُهُ وعِقابُهُ وبِالقُدْرَةِ والسُلْطانِ. وقَرَأ الحَسَنُ: "بِما تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ، وهَذا إمّا عَلى تَوَعُّدِ المُؤْمِنِينَ في اتِّخاذِ هَؤُلاءِ بِطانَةً، وإمّا عَلى تَوَعُّدِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ بِتَقْدِيرِ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences