Ibn 'AtiyyaAli 'Imran · 3:12–17

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:12–17

3:12–13Page 51

قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغۡلَبُونَ وَتُحۡشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٢

Say to those who disbelieve, "You will be overcome and gathered together to Hell, and wretched is the resting place."

قَدۡ كَانَ لَكُمۡ ءَايَةٞ فِي فِئَتَيۡنِ ٱلۡتَقَتَاۖ فِئَةٞ تُقَٰتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخۡرَىٰ كَافِرَةٞ يَرَوۡنَهُم مِّثۡلَيۡهِمۡ رَأۡيَ ٱلۡعَيۡنِۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصۡرِهِۦ مَن يَشَآءُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ١٣

Already there has been for you a sign in the two armies which met [in combat at Badr] - one fighting in the cause of Allāh and another of disbelievers. They saw them [to be] twice their [own] number by [their] eyesight.1 But Allāh supports with His victory whom He wills. Indeed in that is a lesson for those of vision.

قوله عزّ وجلّ:

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللهِ وأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ واللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ﴾

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ: "سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"يَرَوْنَهُمْ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وحَكى أبانُ عن عاصِمٍ "تَرَوْنَهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ وقَرَأ نافِعٌ ثَلاثَتَهُنَّ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ ثَلاثَتَهُنَّ بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وبِكُلِّ قِراءَةٍ مِن هَذِهِ قَرَأ جُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وأبُو حَيْوَةَ: (p-١٦٧)"يُرَوْنَهُمْ" بِالياءِ المَضْمُومَةِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ مَضْمُومَةً. واخْتُلِفَ، مَنِ الَّذِينَ أُمِرَ بِالقَوْلِ لَهم مِنَ الكُفّارِ؟ فَقِيلَ: هم جَمِيعُ مُعاصِرِيهِ مِنَ الكُفّارِ، أُمِرَ بِأنْ يَقُولَ لَهم هَذا الَّذِي فِيهِ إعْلامٌ بِغَيْبٍ ووَعِيدٌ قَدْ صَدَقَ بِحَمْدِ اللهِ، غُلِبَ الكُفْرُ وصارَ مَن ماتَ عَلَيْهِ إلى جَهَنَّمَ. ونَحا إلى هَذا أبُو عَلِيٍّ في "الحُجَّةِ" وتَظاهَرَتْ رِواياتٌ بِأنَّ المُرادَ يَهُودُ المَدِينَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: « "لَمّا أصابَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ، وقَدِمَ المَدِينَةَ، جَمَعَ اليَهُودَ في سُوقِ بَنِي قَيْنُقاعَ فَقالَ: "يا مَعْشَرَ يَهُودَ، أسْلِمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكم مِثْلَ ما أصابَ قُرَيْشًا" فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، لا يَغُرَّنَّكَ نَفْسُكَ أنْ قَتَلْتَ نَفَرًا مِن قُرَيْشٍ كانُوا أغْمارًا لا يَعْرِفُونَ القِتالَ، إنَّكَ لَوْ قاتَلْتَنا لَعَرَفْتَ أنّا نَحْنُ الناسُ، فَأنْزَلَ اللهُ في قَوْلِهِمْ هَذِهِ الآيَةَ".» ورُوِيَ حَدِيثٌ آخَرُ ذَكَرَهُ النَقّاشُ، وهو « "أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمّا غَلَبَ قُرَيْشًا بِبَدْرٍ قالَتِ اليَهُودُ: هَذا هو النَبِيُّ المَبْعُوثُ الَّذِي في كِتابِنا وهو الَّذِي لا تُهْزَمُ لَهُ رايَةٌ، وكَثُرَتْ فِتْنَتُهم بِالأمْرِ، فَقالَ لَهم رُؤَساؤُهم وشَياطِينُهُمْ: لا تَعْجَلُوا وأمْهِلُوا حَتّى نَرى أمْرَهُ في وقْعَةٍ أُخْرى، فَلَمّا وقَعَتْ أُحُدٌ كَفَرَ جَمِيعُهم وبَقُوا عَلى أوَّلِهِمْ، وقالُوا: لَيْسَ مُحَمَّدٌ بِالنَبِيِّ المَنصُورِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ،» أيْ قُلْ لِهَؤُلاءِ اليَهُودِ. سَيَغْلِبُونَ "يَعْنِي قُرَيْشًا" وهَذا التَأْوِيلُ إنَّما يَسْتَقِيمُ عَلى قِراءَةِ "سَيُغْلَبُونَ ويُحْشَرُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، ومَن قَرَأ بِالتاءِ فَمَعْنى الآيَةِ: قُلْ لِلْكُفّارِ جَمِيعًا هَذِهِ الألْفاظَ. ومَن قَرَأ بِالياءِ مِن تَحْتٍ، فالمَعْنى: قُلْ لَهم كَلامًا هَذا مَعْناهُ، وتَحْتَمِلُ قِراءَةُ التاءِ التَأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرْناهُ آنِفًا، أيْ قُلْ لِلْيَهُودِ: سَتُغْلَبُ قُرَيْشٌ. ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ قِراءَةَ التاءِ عَلى المُواجَهَةِ، وأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ: المُشْرِكِينَ واليَهُودَ، وكُلٌّ قَدْ غُلِبَ بِالسَيْفِ والجِزْيَةِ والذِلَّةِ. والحَشْرُ: الجَمْعُ والإحْضارُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبِئْسَ المِهادُ﴾ يَعْنِي جَهَنَّمَ، هَذا ظاهِرُ الآيَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى بِئْسَ ما مَهَّدُوا لِأنْفُسِهِمْ، فَكَأنَّ المَعْنى: وبِئْسَ فِعْلُهُمُ الَّذِي أدّاهم إلى جَهَنَّمَ.

(p-١٦٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ﴾... الآيَةُ تَحْتَمِلُ أنْ يُخاطَبَ بِها المُؤْمِنُونَ، وأنْ يُخاطَبَ بِها جَمِيعُ الكُفّارِ، وأنْ يُخاطَبَ بِها يَهُودُ المَدِينَةِ، وبِكُلِّ احْتِمالٍ مِنها قَدْ قالَ قَوْمٌ، فَمَن رَأى أنَّ الخِطابَ بِها لِلْمُؤْمِنِينَ، فَمَعْنى الآيَةِ تَثْبِيتُ النُفُوسِ وتَشْجِيعُها، لِأنَّهُ لَمّا قالَ لِلْكُفّارِ ما أُمِرَ بِهِ أمْكَنَ أنْ يَسْتَبْعِدَ ذَلِكَ المُنافِقُونَ وبَعْضُ ضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ، كَما قالَ قائِلٌ يَوْمَ الخَنْدَقِ: "يَعِدُنا مُحَمَّدٌ أمْوالَ كِسْرى وقَيْصَرٍ، ونَحْنُ لا نَأْمَنُ عَلى أنْفُسِنا في المَذْهَبِ"، وكَما قالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ حِينَ أخْبَرَهُ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِالأمَنَةِ الَّتِي تَأْتِي، فَقُلْتُ في نَفْسِي: « "وَأيْنَ دُعّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ سَعَّرُوا البِلادَ"؟...» الحَدِيثُ بِكَمالِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُقَوِّيَةً لِنُفُوسِ المُؤْمِنِينَ ومُبَيِّنَةً صِحَّةَ ما أخْبَرَ بِهِ بِالمِثالِ الواقِعِ.

فَمَن قَرَأ "تَرَوْنَهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ فَهي مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ إذْ قَدْ رَأى ذَلِكَ جُمْهُورٌ مِنهُمْ، والهاءُ والمِيمُ في "تَرَوْنَهُمْ" لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ، وفي "مِثْلَيْهِمْ" لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، ومَن قَرَأ بِالياءِ مِن تَحْتٍ، فالمَعْنى يَرى الجَمْعُ مِنَ المُؤْمِنِينَ جَمْعَ الكُفّارِ مِثْلَيْ جَمْعِ المُؤْمِنِينَ، ومَن رَأى أنَّ الخِطابَ لِجَمِيعِ الكُفّارِ ومَن رَأى أنَّهُ لِلْيَهُودِ فالآيَةُ عِنْدَهُ داخِلَةٌ فِيما أُمِرَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَقُولَهُ لَهُمُ احْتِجاجًا عَلَيْهِمْ، وتَبْيِينًا لِصُورَةِ الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ في أنَّهم سَيُغْلَبُونَ. فَمَن قَرَأ "يَرَوْنَهُمْ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، فالمَعْنى: يَرى الجَمْعُ مِنَ المُؤْمِنِينَ جَمْعَ الكُفّارِ مِثْلَيْ جَمْعِ المُؤْمِنِينَ، ومَن قَرَأ بِالتاءِ فالمَعْنى: فَلَوْ حَضَرْتُمْ أو إنْ كُنْتُمْ حَضَرْتُمْ، وساغَتِ العِبارَةُ لِوُضُوحِ الأمْرِ في نَفْسِهِ ووُقُوعِ اليَقِينِ بِهِ لِكُلِّ إنْسانٍ في ذَلِكَ العَصْرِ، ومَن قَرَأ بِضَمِّ التاءِ أوِ الياءِ فَكَأنَّ المَعْنى: إنَّ اعْتِقادَ التَضْعِيفِ في جَمِيعِ الكُفّارِ إنَّما كانَ تَخْمِينًا وظَنًّا لا يَقِينًا، فَلِذَلِكَ تُرِكَ في العِبارَةِ ضَرْبٌ مِنَ الشَكِّ، وذَلِكَ أنَّ أُرى - بِضَمِّ الهَمْزَةِ - تَقُولُها فِيما بَقِيَ عِنْدَكَ فِيهِ نَظَرٌ، وأرى- بِفَتْحِ الهَمْزَةِ - تَقُولُها فِيما قَدْ صَحَّ نَظَرُكَ فِيهِ. ونَحا هَذا المَنحى أبُو الفَتْحِ وهو صَحِيحٌ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: والرُؤْيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ عَيْنٌ، ولِذَلِكَ تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، (p-١٦٩)وَ"مِثْلَيْهِمْ" نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ والمِيمِ في "تَرَوْنَهُمْ"، وأجْمَعَ الناسُ عَلى أنَّ الفاعِلَ بِـ "تَرَوْنَ" هُمُ المُؤْمِنُونَ، والضَمِيرَ المُتَّصِلَ هو لِلْكُفّارِ، إلّا ما حَكى الطَبَرِيُّ عن قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: بَلْ كَثَّرَ اللهُ عَدَدَ المُؤْمِنِينَ في عُيُونِ الكافِرِينَ حَتّى كانُوا عِنْدَهم ضِعْفَيْهِمْ، وضَعَّفَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ، وكَذَلِكَ هو مَرْدُودٌ مِن جِهاتٍ، بَلْ قَلَّلَ اللهُ كُلَّ طائِفَةٍ في عَيْنِ الأُخْرى، لِيَقْضِيَ اللهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا، فَقَلَّلَ الكُفّارَ في عُيُونِ المُؤْمِنِينَ لِيَقَعَ التَجاسُرُ ويُحْتَقَرَ العَدُوُّ، وهَذا مَعَ اعْتِقادِ النَبِيِّ وقَوْلِهِ، واعْتِقادِ أُولِي الفَهْمِ مِن أصْحابِهِ أنَّهم مِنَ التِسْعِمِائَةِ إلى الألْفِ، لَكِنْ أذْهَبَ اللهُ عنهُمُ البَهاءَ وانْتِشارَ العَساكِرِ وفَخامَةَ التَرْتِيبِ، حَتّى قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: لَقَدْ قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي أتَراهم سَبْعِينَ؟ فَقالَ: أظُنُّهم مِائَةً، فَلَمّا أخَذْنا الأسْرى أخْبَرُونا أنَّهم كانُوا ألْفًا. وقَلَّلَ اللهُ المُؤْمِنِينَ في عُيُونِ الكُفّارِ لِيَغْتَرُّوا ولا يَحْزَمُوا، وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ أنَّ جَمْعَ الكُفّارِ بِبَدْرٍ كانَ نَحْوَ الألْفِ فَوْقَ التِسْعِمِائَةِ، وأنَّ جَمْعَ المُؤْمِنِينَ كانَ ثَلاثَمِائَةً وأرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا وقِيلَ: وثَلاثَةَ عَشَرَ، فَكانَ الكُفّارُ ثَلاثَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ، لَكِنْ رَجَعَ بَنُو زُهْرَةَ مَعَ الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، ورَجَعَ طالِبُ بْنُ أبِي طالِبٍ وأتْباعٌ وناسٌ كَثِيرٌ حَتّى بَقِيَ لِلْقِتالِ مَن يَقْرُبُ مِنَ المِثْلَيْنِ، وقَدْ ذَكَرَ النَقّاشُ نَحْوًا مِن هَذا. فَذِكْرُ اللهِ تَعالى المَثَلَيْنِ إذْ أمَرَهُما مُتَيَقَّنٌ لَمْ يَدْفَعْهُ قَطُّ أحَدٌ، وقَدْ حَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُشْرِكِينَ في قِتالِ بَدْرٍ كانُوا سِتَّمِائَةٍ وسِتَّةً وعِشْرِينَ رَجُلًا. وقَدْ ذَهَبَ الزَجّاجُ وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهم كانُوا نَحْوَ الألْفِ، وأراهُمُ اللهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِثْلَيْهِمْ فَقَطْ، قالَ: فَهَذا التَقْلِيلُ في الآيَةِ الأُخْرى، ثُمَّ نَصَرَهم عَلَيْهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهم مِثْلاهم في العَدَدِ، لِأنَّهُ كانَ أعْلَمَ (p-١٧٠)المُسْلِمِينَ أنَّ المِائَةَ مِنهم تَغْلِبُ المِائَتَيْنِ مِنَ الكُفّارِ، ورَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ «عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ "القَوْمُ ألْفٌ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكم آيَةٌ﴾ يُرِيدُ عَلامَةً وأمارَةً ومُعْتَبَرًا، والفِئَةُ: الجَماعَةُ مِنَ الناسِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها يُفاءُ إلَيْها، أيْ يُرْجَعُ في وقْتِ الشِدَّةِ، وقالَ الزَجّاجُ: الفِئَةُ: الفِرْقَةُ، مَأْخُوذَةٌ مِن فَأوتُ رَأْسَهُ بِالسَيْفِ، ويُقالُ: فَأيْتُهُ إذا فَلَقْتُهُ، ولا خِلافَ أنَّ الإشارَةَ بِهاتَيْنِ الفِئَتَيْنِ هي إلى يَوْمِ بَدْرٍ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "فِئَةٌ تُقاتِلُ" بِرَفْعِ فِئَةٍ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: إحْداهُما فِئَةٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ والزُهْرِيُّ وحُمَيْدٌ: "فِئَةٍ" بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ، ومِنهم مَن رَفَعَ "كافِرَةٌ". ومِنهم مَن خَفَضَها عَلى العَطْفِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فِئَةً" بِالنَصْبِ وكَذَلِكَ "كافِرَةً" قالَ الزَجّاجُ: يَتَّجِهُ ذَلِكَ عَلى الحالِ كَأنَّهُ قالَ: التَقَتا مُؤْمِنَةً وكافِرَةً، ويَتَّجِهُ أنْ يُضْمِرَ فِعْلَ أعْنِي ونَحْوَهُ. و"رَأْيَ العَيْنِ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ. و"يُؤَيِّدُ" مَعْناهُ: يُقَوِّي مِنَ الأيْدِ وهو القُوَّةُ.

3:14Page 51

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ ١٤

Beautified for people is the love of that which they desire - of women and sons, heaped-up sums of gold and silver, fine branded horses, and cattle and tilled land. That is the enjoyment of worldly life, but Allāh has with Him the best return [i.e., Paradise].

قوله عزّ وجلّ:

﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَهَواتِ مِنَ النِساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا واللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ﴾

قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "زُيِّنَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ "حُبُّ" عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقَرَأ الضَحّاكُ ومُجاهِدٌ "زَيَّنَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ "حُبَّ" عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ، واخْتَلَفَ الناسُ مَنِ المُزَيِّنُ؟ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: اللهُ زَيَّنَ ذَلِكَ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِأنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: قُلْتُ: الآنَ يا رَبُّ حِينَ زَيَّنْتَها لَنا، فَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥]، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُزَيِّنُ هو الشَيْطانُ، وهَذا ظاهِرُ قَوْلِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، فَإنَّهُ قالَ: مَن زَيَّنَها؟ ما أحَدٌ أشَدُّ لَها ذَمًّا مِن خالِقِها.

(p-١٧١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإذا قِيلَ: زَيَّنَ اللهُ، فَمَعْناهُ بِالإيجادِ والتَهْيِئَةِ لِانْتِفاعٍ وإنْشاءِ الجِبِلَّةِ عَلى المَيْلِ إلى هَذِهِ الأشْياءِ. وإذا قِيلَ: زَيَّنَ الشَيْطانُ فَمَعْناهُ: بِالوَسْوَسَةِ والخَدِيعَةِ وتَحْسِينِ أخْذِها مِن غَيْرِ وُجُوهِها. والآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذِهِ النَوْعَيْنِ مِنَ التَزْيِينِ، ولا يَخْتَلِفُ مَعَ هَذا النَظَرُ. وهَذِهِ الآيَةُ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ ابْتِداءُ وعْظٍ لِجَمِيعِ الناسِ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ تَوْبِيخٌ لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ، والشَهَواتُ ذَمِيمَةٌ، واتِّباعُها مُرْدٍ وطاعَتُها مُهْلِكَةٌ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "حُفَّتِ النارُ بِالشَهَواتِ وحُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ"» فَحَسْبُكَ أنَّ النارَ حُفَّتْ بِها، فَمَن واقَعَها خَلَصَ إلى النارِ.

و"القَناطِيرِ" جَمْعُ قِنْطارٍ، وهو العُقْدَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ المالِ. واخْتَلَفَ الناسُ في تَحْرِيرِ حَدِّهِ كَمْ هُوَ؟ فَرَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ: « "القِنْطارُ ألْفٌ ومِائَتا أُوقِيَّةٍ"،» وقالَ بِذَلِكَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ وأبُو هُرَيْرَةَ وعاصِمُ بْنُ أبِي النَجُودِ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وهو أصَحُّ الأقْوالِ. لَكِنَّ القِنْطارَ عَلى هَذا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ البِلادِ في قَدْرِ الأُوقِيَّةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: القِنْطارُ: ألْفٌ ومِائَتا مِثْقالٍ. ورَوى الحَسَنُ ذَلِكَ مَرْفُوعًا عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ. قالَ الضَحّاكُ: وهو مِنَ الفِضَّةِ ألْفٌ ومِائَتا مِثْقالٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: القِنْطارُ مِنَ الفِضَّةِ اثْنا عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ، ومِنَ الذَهَبِ ألْفُ دِينارٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ والضَحّاكِ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: القِنْطارُ ثَمانُونَ ألْفًا. وقالَ قَتادَةُ: القِنْطارُ (p-١٧٢)مِائَةُ رِطْلٍ مِنَ الذَهَبِ أو ثَمانُونَ ألْفَ دِرْهَمٍ مِنَ الفِضَّةِ. وقالَ السُدِّيُّ: القِنْطارُ ثَمانِيَةُ آلافِ مِثْقالٍ وهي مِائَةُ رِطْلٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: القِنْطارُ سَبْعُونَ ألْفَ دِينارٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وقالَ أبُو نَضْرَةَ: القِنْطارُ مَلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا. قالَ ابْنُ سِيدَهْ: هَكَذا هو بِالسُرْيانِيَّةِ. وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: القِنْطارُ المالُ الكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ. وحَكى النَقّاشُ عَنِ ابْنِ الكَلْبِيِّ: أنَّ القِنْطارَ بِلُغَةِ الرُومِ مَلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا. وقالَ النَقّاشُ: القَناطِيرُ ثَلاثَةٌ، والمُقَنْطَرَةُ تِسْعَةٌ لِأنَّهُ جَمْعُ الجَمْعِ، وهَذا ضَعْفُ نَظَرٍ وكَلامٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، وقَدْ حَكى مَكِّيٌّ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ كَيْسانَ أنَّهُ قالَ: لا تَكُونُ المُقَنْطَرَةُ أقَلَّ مِن تِسْعَةٍ، وحَكى المَهْدَوِيُّ عنهُ وعَنِ الفَرّاءِ: لا تَكُونُ المُقَنْطَرَةُ أكْثَرَ مِن تِسْعَةٍ.. وهَذا كُلُّهُ تَحَكُّمٌ. قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: القِنْطارُ اثْنا عَشَرَ ألْفَ أُوقِيَّةٍ. وحَكى مَكِّيٌّ قَوْلًا إنَّ القِنْطارَ أرْبَعُونَ أُوقِيَّةً ذَهَبًا أو فِضَّةً، وقالَهُ ابْنُ سِيدَهْ في المُحْكَمِ، وقالَ: القِنْطارُ بِلُغَةِ بَرْبَرٍ ألْفُ مِثْقالٍ. ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ «عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا﴾ [النساء: ٢٠] قالَ: ألْفَ دِينارٍ،» ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ، وحَكى الزَجّاجُ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ القِنْطارَ هو رِطْلٌ ذَهَبًا أو فِضَّةً، وأظُنُّها وهْمًا، وأنَّ القَوْلَ مِائَةُ رِطْلٍ فَسَقَطَتْ "مِائَةُ" لِلنّاقِلِ. والقِنْطارُ إنَّما هو اسْمُ المِعْيارِ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ، كَما هو الرِطْلُ والرُبْعُ، ويُقالُ لِما بَلَغَ ذَلِكَ الوَزْنَ: هَذا قِنْطارٌ أيْ يَعْدِلُ القِنْطارَ. والعَرَبُ تَقُولُ: قَنْطَرَ الرَجُلُ إذا بَلَغَ مالُهُ أنْ يُوزَنَ بِالقِنْطارِ. وقالَ الزَجّاجُ: القِنْطارُ مَأْخُوذٌ مِن عَقْدِ الشَيْءِ وإحْكامِهِ، والقَنْطَرَةُ المَعْقُودَةُ نَحْوُهُ، فَكَأنَّ القِنْطارَ عُقْدَةُ مالٍ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "المُقَنْطَرَةِ" فَقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: المُضَعَّفَةُ، وكَأنَّ القَناطِيرَ ثَلاثَةٌ والمُقَنْطَرَةَ تِسْعٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا النَظَرِ، وقالَ الرَبِيعُ: مَعْناهُ: (p-١٧٤)المالُ الكَثِيرُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ. وقالَ السُدِّيُّ: مَعْنى المُقَنْطَرَةِ: المَضْرُوبَةُ حَتّى صارَتْ دَنانِيرَ أو دَراهِمَ. وقالَ مَكِّيٌّ: المُقَنْطَرَةُ المُكَمَّلَةُ، والَّذِي أقُولُ: إنَّها إشارَةٌ إلى حُضُورِ المالِ وكَوْنِهِ عَتِيدًا، فَذَلِكَ أشْهى في أمْرِهِ، وذَلِكَ أنَّكَ تَقُولُ في رَجُلٍ غَنِيٍّ مِنَ الحَيَوانِ والأمْلاكِ: فُلانٌ صاحِبُ قَناطِيرِ مالٍ، أيْ لَوْ قُوِّمَتْ أمْلاكُهُ لاجْتَمَعَ مِن ذَلِكَ ما يَعْدِلُ قَناطِيرَ، وتَقُولُ في صاحِبِ المالِ الحاضِرِ العَتِيدِ: هو صاحِبُ قَناطِيرَ مُقَنْطَرَةٍ، أيْ قَدْ حَصَلَتْ كَذَلِكَ بِالفِعْلِ بِها، أيْ قُنْطِرَتْ فَهي مُقَنْطَرَةٌ، وذَلِكَ أشْهى لِلنُّفُوسِ وأقْرَبُ لِلِانْتِفاعِ وبُلُوغِ الآمالِ. وقَدْ قالَ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ: ما المالُ إلّا ما حازَتْهُ العِيابُ، وإذا كانَ هَذا فَسَواءٌ كانَ المالُ مَسْكُوكًا أو غَيْرَ مَسْكُوكٍ، أمّا أنَّ المَسْكُوكَ أشْهى لِما ذَكَرْناهُ، ولَكِنْ لا تُعْطِي ذَلِكَ لَفْظَةُ "المُقَنْطَرَةِ".

"والخَيْلِ" جَمْعُ خائِلٍ عِنْدَ أبِي عُبَيْدَةَ، سُمِّيَ بِذَلِكَ الفَرَسُ لِأنَّهُ يَخْتالُ في مَشْيِهِ فَهو كَطائِرٍ وطَيْرٍ، وقالَ غَيْرُهُ: هو اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى "المُسَوَّمَةِ"، فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ أبْزى والحَسَنُ والرَبِيعُ ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: الراعِيَةُ في المُرُوجِ والمَسارِحِ، تَقُولُ: سامَتِ الدابَّةُ والشاةُ إذا سَرَحَتْ وأخَذَتْ سَوْمَها مِنَ الرَعْيِ، أيْ غايَةَ جُهْدِها ولَمْ تُقَصِّرْ عن حالٍ دُونَ حالٍ، وأسْمَتُها أنا إذا تَرَكْتُها لِذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "فِي سائِمَةِ الغَنَمِ الزَكاةُ"» ومِنهُ قوله عزّ وجلّ: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: المُسَوَّمَةُ مَعْناهُ: المُطَهَّمَةُ الحِسانُ، وقالَهُ عِكْرِمَةُ: سَوَّمَها الحُسْنُ.

(p-١٧٤)وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: المُسَوَّمَةُ مَعْناهُ: المُعَلَّمَةُ، شِياتُ الخَيْلِ في وُجُوهِها، "وَقالَهُ قَتادَةُ" ويَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ بَيْتُ لَبِيدٍ:

؎ وغَداةَ قاعِ القَرْنَتَيْنِ أتَيْنَهم ∗∗∗ زُجَلًا يَلُوحُ خِلالَها التَسْوِيمُ

وأمّا قَوْلُ النابِغَةِ::

؎ بِسُمْرٍ كالقِداحِ مُسَوَّماتٍ ∗∗∗ ∗∗∗ عَلَيْها مَعْشَرٌ أشْباهُ جِنِّ

فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المُطَهَّمَةَ الحِسانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المُعَلَّمَةَ بِالشِياتِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المُعَدَّةَ. وقَدْ فَسَّرَ الناسُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [هود: ٨٣] بِمَعْنى مُعَدَّةٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ مَعْناهُ: المُعَدَّةُ لِلْجِهادِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قَوْلُهُ لِلْجِهادِ لَيْسَ مِن تَفْسِيرِ اللَفْظَةِ.

"والأنْعامِ" الأصْنافُ الأرْبَعَةُ: الإبِلُ والبَقَرُ والضَأْنُ والمَعْزُ. "والحَرْثِ" هُنا اسْمٌ لِكُلِّ ما يُحْرَثُ، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ، تَقُولُ: حَرَثَ الرَجُلُ حَرْثًا إذا أثارَ الأرْضَ لِمَعْنى الفِلاحَةِ، فَيَقَعُ اسْمُ الحَرْثِ عَلى زَرْعِ الحُبُوبِ وعَلى الجَنّاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الفِلاحَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: كانَ كَرْمًا.

والمَتاعُ: ما يُسْتَمْتَعُ بِهِ ويُنْتَفَعُ مُدَّةً ما مُنْحَصِرَةً. و"المَآبِ": المَرْجِعُ، تَقُولُ: آبَ الرَجُلُ يَؤُوبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-١٧٥)

؎ .......................... ∗∗∗ رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ

وقَوْلُ الآخَرِ:

؎ ....................... ∗∗∗ إذا ما القارِظُ العنزِيُّ آبا

وقَوْلُ عَبِيدٍ:

؎ ....................... ∗∗∗ وغائِبُ المَوْتِ لا يَؤُوبُ

وأصْلُ مَآبٍ مَأْوَبٌ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى الهَمْزَةِ وأُبْدِلَ مِنَ الواوِ ألِفٌ، مِثْلُ مَقالٍ، فَمَعْنى الآيَةِ تَقْلِيلُ أمْرِ الدُنْيا وتَحْقِيرُها، والتَرْغِيبُ في حُسْنِ المَرْجِعِ إلى اللهِ تَعالى في الآخِرَةِ.

وفِي قَوْلِهِ: "زُيِّنَ لِلنّاسِ" الآيَةِ، تَحَسُّرٌ ما عَلى نَحْوِ ما في قَوْلِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "تُتَزَوَّجُ المَرْأةُ لِأرْبَعٍ"....» الحَدِيثِ؛. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أأُنَبِّئُكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥] الآيَةُ بِمَثابَةِ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "فاظْفَرْ بِذاتِ الدِينِ".»

3:15Page 51

۞ قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيۡرٖ مِّن ذَٰلِكُمۡۖ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ١٥

Say, "Shall I inform you of [something] better than that? For those who fear Allāh will be gardens in the presence of their Lord beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and purified spouses and approval from Allāh. And Allāh is Seeing [i.e., aware] of [His] servants -

قوله عزّ وجلّ:

﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِن اللهِ واللهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾

فِي هَذِهِ الآيَةِ تَسْلِيَةٌ عَنِ الدُنْيا وتَقْوِيَةٌ لِنُفُوسِ تارِكِيها، وذَكَرَ تَعالى حالَ الدُنْيا وكَيْفَ اسْتَقَرَّ تَزْيِينُ شَهَواتِها، ثُمَّ جاءَ الإنْباءُ بِخَيْرٍ مِن ذَلِكَ، هازًّا لِلنُّفُوسِ وجامِعًا لَها، لِتَسْمَعَ هَذا النَبَأ المُسْتَغْرَبَ النافِعَ لِمَن عَقَلَ. وأُنَبِّئُ: مَعْناهُ أُخْبِرُ. (p-١٧٦)وَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مِنَ الناسِ إلى أنَّ الكَلامَ الَّذِي أُمِرَ النَبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ تَمَّ في قَوْلِهِ تَعالى: "عِنْدَ رَبِّهِمْ". و"جَنّاتٌ" عَلى هَذا؛ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ المُضْمَرِ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ جَنّاتٌ؛ وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: "مِن ذَلِكُمْ" وأنَّ قَوْلَهُ "لِلَّذِينَ" خَبَرٌ مُتَقَدِّمٌ، و"جَنّاتٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَجُوزُ في "جَنّاتٌ" الخَفْضُ بَدَلًا مِن "خَيْرٍ"، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى التَأْوِيلِ الثانِي، والتَأْوِيلانِ مُحْتَمَلانِ.

وقَوْلُهُ "مِن تَحْتِها" يَعْنِي مِن تَحْتِ أشْجارِها، وعُلُوِّها مِنَ الغُرَفِ ونَحْوِها. "وَخالِدِينَ" نُصِبَ عَلى الحالِ.

وقَوْلُهُ: "وَأزْواجٌ" عَطْفٌ عَلى الجَنّاتِ، وهو جَمْعُ زَوْجٍ، وهي امْرَأةُ الإنْسانِ، وقَدْ يُقالُ زَوْجَةٌ، ولَمْ يَأْتِ في القُرْآنِ.

و"مُطَهَّرَةٌ"، مَعْناهُ مِنَ المَعْهُودِ في الدُنْيا مِنَ الأقْذارِ والرَيْبِ وكُلِّ ما يَصِمُ في الخَلْقِ والخُلُقِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأزْواجُ: الأنْواعَ والأشْباهَ.

والرِضْوانُ: مَصْدَرٌ مِنَ الرِضى، وفي الحَدِيثِ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا اسْتَقَرُّوا فِيها وحَصَلَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ؛ قالَ اللهُ لَهُمْ: أتُرِيدُونَ أنْ أُعْطِيَكم ما هو أفْضَلُ مِن هَذا؟ قالُوا: يا رَبَّنا وأيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن هَذا؟ فَيَقُولُ اللهُ تَعالى: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا"» هَذا سِياقُ الحَدِيثِ، وقَدْ يَجِيءُ مُخْتَلِفَ الألْفاظِ، والمَعْنى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ.

3:16–17Page 52

ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٦

Those who say, 'Our Lord, indeed we have believed, so forgive us our sins and protect us from the punishment of the Fire,' "

ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡمُنفِقِينَ وَٱلۡمُسۡتَغۡفِرِينَ بِٱلۡأَسۡحَارِ ١٧

The patient, the true, the obedient, those who spend [in the way of Allāh], and those who seek forgiveness before dawn.

وَقوله عزّ وجلّ:

﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النارِ﴾ ﴿الصابِرِينَ والصادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾

"الَّذِينَ" بَدَلٌ مِنَ "الَّذِينَ اتَّقَوْا"، فَسَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ أحْوالَ المُتَّقِينَ المَوْعُودِينَ بِالجَنّاتِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إعْرابُ قَوْلِهِ: "الَّذِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ رَفْعًا عَلى القَطْعِ (p-١٧٧)وَإضْمارِ الِابْتِداءِ، ويَحْتاجُ إلى القَطْعِ وإضْمارِ فِعْلٍ في قَوْلِهِ "الصابِرِينَ"، والخَفْضُ في ذَلِكَ كُلِّهِ عَلى البَدَلِ أوجَهُ. ويَجُوزُ في "الَّذِينَ"، وما بَعْدَهُ النَصْبُ عَلى المَدْحِ.

والصَبْرُ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: عَلى الطاعاتِ وعَنِ المَعاصِي والشَهَواتِ. والصِدْقُ مَعْناهُ: في الأقْوالِ والأفْعالِ. والقُنُوتُ: الطاعَةُ والدُعاءُ أيْضًا وبِكُلِّ ذَلِكَ يَتَّصِفُ المُتَّقِي. والإنْفاقُ مَعْناهُ: في سَبِيلِ اللهِ ومَظانِّ الأجْرِ كالصِلَةِ لِلرَّحِمِ وغَيْرِها، ولا يَخْتَصُّ هَذا الإنْفاقُ بِالزَكاةِ المَفْرُوضَةِ. والِاسْتِغْفارُ: طَلَبُ المَغْفِرَةِ مِنَ اللهِ تَعالى، وخَصَّ تَعالى السَحَرَ لِما فَسَّرَ النَبِيُّ ﷺ في قَوْلِهِ: « "يَنْزِلُ رَبُّنا عَزَّ وجَلَّ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى سَماءِ الدُنْيا حِينَ يَبْقى ثُلُثُ اللَيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَن يَسْألُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ فَلا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يَطْلُعَ الفَجْرُ.»

ورُوِيَ في تَفْسِيرِ قَوْلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ: "سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي" أنَّهُ أخَّرَ الأمْرَ إلى السَحَرِ، ورَوى إبْراهِيمُ بْنُ حاطِبٍ عن أبِيهِ قالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا في السَحَرِ في ناحِيَةِ المَسْجِدِ يَقُولُ: رَبِّ أمَرْتَنِي فَأطَعْتُكَ، وهَذا سَحَرٌ فاغْفِرْ لِي، فَنَظَرْتُ فَإذا ابْنُ مَسْعُودٍ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: أُمِرْنا أنْ نَسْتَغْفِرَ بِالسَحَرِ سَبْعِينَ اسْتِغْفارَةً. وقالَ نافِعٌ: كانَ ابْنُ عُمَرَ يُحْيِي اللَيْلَ صَلاةً ثُمَّ يَقُولُ: يا نافِعُ أسَحِرْنا؟ فَأقُولُ: لا، فَيُعاوِدُ الصَلاةَ ثُمَّ يَسْألُ، فَإذا قُلْتُ نَعَمْ قَعَدَ يَسْتَغْفِرُ. فَلَفْظُ الآيَةِ إنَّما يُعْطِي طَلَبَ المَغْفِرَةِ، وهَكَذا تَأوَّلَهُ مَن ذَكَرْناهُ مِنَ الصَحابَةِ. وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالآيَةِ، المُصَلُّونَ بِالسَحَرِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: المُرادُ بِها الَّذِينَ يُصَلُّونَ صَلاةَ الصُبْحِ في جَماعَةٍ، وهَذا كُلُّهُ يَقْتَرِنُ بِهِ الِاسْتِغْفارُ.

والسَحَرُ - بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِها-: آخِرُ اللَيْلِ. قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: هو قَبْلَ طُلُوعِ (p-١٧٨)الفَجْرِ، وهَذا صَحِيحٌ لِأنَّ ما بَعْدَ الفَجْرِ هو مِنَ اليَوْمِ لا مِنَ اللَيْلَةِ. وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: السَحَرُ مِن ثُلُثِ اللَيْلِ الآخِرِ إلى الفَجْرِ. والحَدِيثُ في التَنَزُّلِ وهَذِهِ الآيَةُ في الِاسْتِغْفارِ يُؤَيِّدانِ هَذا. وقَدْ يَجِيءُ في أشْعارِ العَرَبِ ما يَقْتَضِي أنَّ حُكْمَ السَحَرِ يَسْتَمِرُّ فِيما بَعْدَ الفَجْرِ، نَحْوِ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

؎ يُعَلُّ بِهِ بَرْدُ أنْيابِها ∗∗∗ إذا غَرَّدَ الطائِرُ المُسْتَحِرْ

يُقالُ: أسْحَرَ واسْتَحَرَ إذا دَخَلَ في السَحَرِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: نَسِيمُ السَحَرِ، يَقَعُ لِما بَعْدَ الفَجْرِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ يَجِدُ النِساءَ حَواسِرًا يَنْدُبْنَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ قَدْ قُمْنَ قَبْلَ تَبَلُّجِ الأسْحارِ

فَقَدْ قَضى أنَّ السَحَرَ يَتَبَلَّجُ بِطُلُوعِ الفَجْرِ، ولَكِنَّ حَقِيقَةَ السَحَرِ في هَذِهِ الأحْكامِ الشَرْعِيَّةِ مِنَ الِاسْتِغْفارِ المَحْمُودِ، ومِن سَحُورِ الصائِمِ، ومِن يَمِينٍ لَوْ وقَعَتْ - إنَّما هي مِن ثُلُثِ اللَيْلِ الباقِي إلى الفَجْرِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском