Ibn 'AtiyyaAli 'Imran · 3:195–200

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:195–200

3:195Page 76

فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَابِ ١٩٥

And their Lord responded to them, "Never will I allow to be lost the work of [any] worker among you, whether male or female; you are of one another. So those who emigrated or were evicted from their homes or were harmed in My cause or fought or were killed - I will surely remove from them their misdeeds, and I will surely admit them to gardens beneath which rivers flow as reward from Allāh, and Allāh has with Him the best reward."

قوله عزّ وجلّ:

﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أو أُنْثى بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فالَّذِينَ هاجَرُوا وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا في سَبِيلِي وقاتَلُوا وقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عنهم سَيِّئاتِهِمْ ولأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ثَوابًا مِن عِنْدِ اللهِ واللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَوابِ﴾

"اسْتَجابَ" اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى أجابَ، فَلَيْسَ اسْتَفْعَلَ عَلى بابِهِ مِن طَلَبِ الشَيْءِ بَلْ هو كَما قالَ الشاعِرُ:

؎ وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَدى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ

(p-٤٥١)أيْ لَمْ يُجِبْهُ. وقَوْلُهُ: "أنِّي" يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنَّ" مُفَسِّرَةً، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "أيْ"، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "إنِّي" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وهَذِهِ آيَةُ وعْدٍ مِنَ اللهِ تَعالى، أيْ: هَذا فِعْلُهُ مَعَ الَّذِينَ يَتَّصِفُونَ بِما ذَكَرَ. ورُوِيَ «أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، قَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعالى الرِجالَ في الهِجْرَةِ ولَمْ يَذْكُرِ النِساءَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ،» ونَزَلَتْ آياتٌ في مَعْناها فِيها ذِكْرُ النِساءِ.

وقَوْلُهُ: "مِن ذَكَرٍ" تَبْيِينٌ لِجِنْسِ العامِلِ، وقالَ قَوْمٌ: "مِن" زائِدَةٌ لِتَقَدُّمِ النَفْيِ مِنَ الكَلامِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ يَعْنِي في الأجْرِ وتَقَبُّلِ العَمَلِ، أيْ إنَّ الرِجالَ والنِساءَ في ذَلِكَ عَلى حَدٍّ واحِدٍ. وبَيَّنَ تَعالى حالَ المُهاجِرِينَ، ثُمَّ الآيَةُ بَعْدُ تَنْسَحِبُ عَلى كُلِّ مَن أُوذِيَ في اللهِ تَعالى، وهاجَرَ أيْضًا إلى اللهِ تَعالى، وإنْ كانَ اسْمُ الهِجْرَةِ وفَضْلُها الخاصُّ بِها قَدِ انْقَطَعَ بَعْدَ الفَتْحِ فالمَعْنى باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ أنَّ الَّذِي يَهْجُرُ وطَنَهُ وقَرابَتَهُ في اللهِ كَأنَّ الوَطَنَ والقَرابَةَ يَهْجُرُونَهُ أيْضًا فَهي مُهاجَرَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ عِبارَةُ إلْزامِ ذَنْبٍ لِلْكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّ المُهاجِرِينَ إنَّما أخْرَجَهم سُوءُ العِشْرَةِ وقَبِيحُ الأفْعالِ فَخَرَجُوا بِاخْتِيارِهِمْ، فَإذا جاءَ الكَلامُ في مِضْمارِ إلْزامِ الذَنْبِ لِلْكُفّارِ قِيلَ: ( أخْرَجُوا مِن دِيارِهِمْ ) ﴿وَإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ. وإذا جاءَ الكَلامُ في مِضْمارِ الفَخْرِ والقُوَّةِ عَلى الأعْداءِ تَمَسَّكَ بِالوَجْهِ الآخَرِ مِن أنَّهم خَرَجُوا بِرَأْيِهِمْ، فَمِن ذَلِكَ «إنْكارُ النَبِيِّ ﷺ (p-٤٥٢)عَلى أبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ حِينَ أنْشَدَهُ:

؎ .............. ∗∗∗ ورَدَّنِي إلى اللهِ مَن طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَرَّدِ

فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "أنْتَ طَرَّدْتَنِي كُلَّ مُطَرَّدٍ"؟» إنْكارًا عَلَيْهِ.

ومِن ذَلِكَ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:

؎ في عُصْبَةٍ مِن قُرَيْشٍ قالَ قائِلُهم ∗∗∗ بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمّا أسْلَمُوا زُولُوا

؎ زالُوا فَما زالَ أنْكاسٌ ولا كُشُفٌ ∗∗∗ عِنْدَ اللِقاءِ ولا مِيلٌ مَعازِيلُ

وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو: "وَقاتَلُوا وقُتِلُوا" بِتَخْفِيفِ التاءِ وضَمِّ القافِ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ بَيِّنٌ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَقاتَلُوا وقُتِّلُوا" بِتَشْدِيدِ التاءِ وهي في المَعْنى كالأُولى في المُبالَغَةِ في القَتْلِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "وَقُتِلُوا وقاتَلُوا" يَبْدَآنِ بِالفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ بِهِ، وكَذَلِكَ اخْتِلافُهم في سُورَةِ التَوْبَةِ، غَيْرَ أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ وابْنَ عامِرٍ يُشَدِّدانِ في التَوْبَةِ.

ومَعْنى قِراءَةِ حَمْزَةَ هَذِهِ: ألّا تُعْطِيَ الواوَ رُتْبَةً لِأنَّ المَعْطُوفَ بِالواوِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أوَّلًا في المَعْنى، ولَيْسَ كَذَلِكَ العَطْفُ بِالفاءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وقُتِلُوا وقاتَلَ باقِيهِمْ، فَتُشْبِهُ الآيَةُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَما وهَنُوا لِما أصابَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٦] عَلى تَأْوِيلِ مَن رَأى أنَّ القَتْلَ وقَعَ بِالرِبِّيِّينَ.

وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: و"قَتَلُوا" بِفَتْحِ القافِ والتاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، و"قُتِلُوا" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ التاءِ خَفِيفَةً، وهي قِراءَةٌ حَسَنَةُ المَعْنى مُسْتَوْفِيَةٌ لِلْفَضْلَيْنِ عَلى التَرْتِيبِ المُتَعارَفِ. وقَرَأ مُحارِبُ بْنُ دِثارٍ: "وَقَتَلُوا" بِفَتْحِ القافِ "وَقاتَلُوا"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "قُتِّلُوا" بِضَمِّ القافِ وشَدِّ التاءِ "وَقاتَلُوا"، وهَذِهِ يَدْخُلُها إمّا رَفْضُ رُتْبَةِ الواوِ، وإمّا أنَّهُ قاتَلَ مَن بَقِيَ. واللامُ في قَوْلِهِ: "لَأُكَفِّرَنَّ" لامُ القَسَمِ. و"ثَوابًا" (p-٤٥٣)مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ مِثْلُ قَوْلِهِ: "صُنْعَ اللهِ" و﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

3:196–198Page 76

لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ١٩٦

Be not deceived by the [uninhibited] movement of the disbelievers throughout the land.

مَتَٰعٞ قَلِيلٞ ثُمَّ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٩٧

[It is but] a small enjoyment; then their [final] refuge is Hell, and wretched is the resting place.

لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّلۡأَبۡرَارِ ١٩٨

But those who feared their Lord will have gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein, as accommodation from Allāh. And that which is with Allāh is best for the righteous.

قوله عزّ وجلّ:

﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ﴾ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلا مِن عِنْدِ اللهِ وما عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لِلأبْرارِ﴾

نَزَلَتْ "يَغُرَّنَّكَ" في هَذِهِ الآيَةِ، مَنزِلَةَ: لا تَظُنَّ أنَّ حالَ الكُفّارِ حَسَنَةٌ فَتَهْتَمَّ لِذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّ المُغْتَرَّ فارِحٌ بِالشَيْءِ الَّذِي يَغْتَرُّ بِهِ، فالكُفّارُ مُغْتَرُّونَ بِتَقَلُّبِهِمْ، والمُؤْمِنُونَ مُهْتَمُّونَ بِهِ، لَكِنَّهُ رُبَّما يَقَعُ في نَفْسِ مُؤْمِنٍ أنَّ هَذا الإمْلاءَ لِلْكُفّارِ إنَّما هو لِخَيْرٍ لَهُمْ، فَيَجِيءُ هَذا جُنُوحًا إلى حالِهِمْ ونَوْعًا مِنَ الاغْتِرارِ فَلِذَلِكَ حَسُنَتْ "لا يَغُرَّنَّكَ".

ونَظِيرُهُ قَوْلُ عُمَرَ لِحَفْصَةَ: "لا يَغُرَّنَّكِ أنْ كانَتْ جارَتُكِ أوضَأ مِنكِ وأحَبَّ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ. المَعْنى، لا تَغْتَرِّي بِما يَتِمُّ لِتِلْكَ مِنَ الإدْلالِ فَتَقَعِي فِيهِ فَيُطَلِّقُكِ النَبِيُّ ﷺ. والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ أُمَّتُهُ، ولِلْكُفّارِ في ذَلِكَ حَظٌّ، أيْ: لا يَغُرَّنَّهم تَقَلُّبُهم.

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ويَعْقُوبُ: "لا يَغُرَّنْكَ" بِسُكُونِ النُونِ خَفِيفَةً، وكَذَلِكَ (p-٤٥٤)"لا يَصُدَّنْكَ" و"لا يَصُدَّنْكُمْ" و"لا يَضُرَّنْكُمْ". وشَبَهَهُ.

والتَقَلُّبُ: التَصَرُّفُ في التِجاراتِ والأرْباحِ والحُرُوبِ وسائِرِ الآمالِ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن قِلَّةِ ذَلِكَ المَتاعِ، لِأنَّهُ مُنْقَضٍ صائِرٌ إلى ذُلٍّ وقِلٍّ وعَذابٍ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "لَكِنَّ الَّذِينَ" بِشَدِّ النُونِ، وعَلى أنَّ "الَّذِينَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ اسْمٌ لِـ "لَكِنَّ". و"نُزُلًا": مَعْناهُ تَكْرِمَةً ونَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "نُزْلًا" ساكِنَةَ الزايِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلأبْرارِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: خَيْرٌ مِمّا هَؤُلاءِ فِيهِ مِنَ التَقَلُّبِ والتَنَعُّمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: خَيْرٌ مِمّا هم فِيهِ في الدُنْيا. وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَإنَّهُ قالَ: ما مِن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ إلّا والمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ، أمّا الكافِرُ فَلِئَلّا يَزْدادَ إثْمًا، وأمّا المُؤْمِنُ فَلِأنَّ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "الدُنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ".» فَقالَ القاضِي ابْنُ الطَيِّبِ: هَذا إنَّما هو بِالإضافَةِ إلى ما يَصِيرُ إلَيْهِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في الآخِرَةِ، فالدُنْيا عَلى المُؤْمِنِ المُنَعَّمِ سِجْنٌ بِالإضافَةِ إلى الجَنَّةِ، والدُنْيا لِلْكافِرِ الفَقِيرِ المُضَيَّقِ عَلَيْهِ في حالِهِ وصِحَّتِهِ جَنَّةٌ بِالإضافَةِ إلى جَهَنَّمَ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّها سِجْنُ المُؤْمِنِ لِأنَّها مَوْضِعُ تَبِعَةٍ في الطاعاتِ وصَوْمِهِ وقِيامِهِ، فَهو فِيها كالمُعْنَتِ المُنَكَّلِ، ويَنْتَظِرُ الثَوابَ في الأُخْرى الَّتِي هي جَنَّتُهُ؛ والدُنْيا جَنَّةُ الكافِرِ لِأنَّها مَوْضِعُ ثَوابِهِ عَلى ما عَسى أنْ يَعْمَلَ مِن خَيْرٍ، ولَيْسَ يَنْتَظِرُ في الآخِرَةِ ثَوابًا، فَهَذِهِ جَنَّتُهُ، وهَذا القَوْلُ عِنْدِي كالتَفْسِيرِ والشَرْحِ لِلْأوَّلِ.

3:199–200Page 76

وَإِنَّ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَمَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِمۡ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشۡتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٩٩

And indeed, among the People of the Scripture are those who believe in Allāh and what was revealed to you and what was revealed to them, [being] humbly submissive to Allāh. They do not exchange the verses of Allāh for a small price. Those will have their reward with their Lord. Indeed, Allāh is swift in account.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٢٠٠

O you who have believed, persevere1 and endure2 and remain stationed3 and fear Allāh that you may be successful.

(p-٤٥٥)قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللهِ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾

اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِيمَن عَنى بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وابْنُ جُرَيْجٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهُمْ: «نَزَلَتْ بِسَبَبِ أصْحَمَةَ النَجاشِيِّ سُلْطانِ الحَبَشَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا بِاللهِ وبِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَمّا ماتَ عَرَفَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِأصْحابِهِ: "اخْرُجُوا فَصَلُّوا عَلى أخٍ لَكُمْ" فَصَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالناسِ، فَكَبَّرَ أرْبَعًا. وفي بَعْضِ الحَدِيثِ: أنَّهُ كُشِفَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ عن نَعْشِهِ في الساعَةِ الَّتِي قَرُبَ مِنها لِلدَّفْنِ، فَكانَ يَراهُ مِن مَوْضِعِهِ بِالمَدِينَةِ، فَلَمّا صَلّى عَلَيْهِ النَبِيُّ ﷺ قالَ المُنافِقُونَ: انْظُرُوا إلى هَذا يُصَلِّي عَلى عِلْجٍ نَصْرانِيٍّ لَمْ يَرَهُ قَطُّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وكانَ أصْحَمَةُ النَجاشِيُّ نَصْرانِيًّا، وأصْحَمَةُ تَفْسِيرُهُ بِالعَرَبِيَّةِ: عَطِيَّةٌ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وغَيْرُهُ. ورُوِيَ أنَّ المُنافِقِينَ قالُوا بَعْدَ ذَلِكَ: فَإنَّهُ لَمْ يُصَلِّ لِلْقِبْلَةِ فَنَزَلَتْ: ﴿وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. وقالَ قَوْمٌ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ومُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في جَمِيعِ مَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ.

(p-٤٥٦)وَ"خاشِعِينَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يُؤْمِنُ"، ورَدَّ "خاشِعِينَ" عَلى المَعْنى في "مَن" لِأنَّهُ جَمْعٌ، لا عَلى لَفْظِ "مَن" لِأنَّهُ إفْرادٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ مَدْحٌ لَهم وذَمٌّ لِسائِرِ كُفّارِ أهْلِ الكِتابِ لِتَبْدِيلِهِمْ وإيثارِهِمْ كَسْبَ الدُنْيا الَّذِي هو ثَمَنٌ قَلِيلٌ عَلى آخِرَتِهِمْ وعَلى آياتِ اللهِ تَعالى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ قِيلَ مَعْناهُ: سَرِيعُ إتْيانٍ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وهو يَوْمُ الحِسابِ، فالحِسابُ إذًا سَرِيعٌ، إذْ كُلُّ آتٍ قَرِيبٌ. وقالَ قَوْمٌ: سَرِيعُ الحِسابِ أيْ: إحْصاءُ أعْمالِ العِبادِ وأُجُورِهِمْ وآثامِهِمْ، إذْ ذَلِكَ كُلُّهُ في عَمَلِهِ لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى عَدٍّ ورَوِيَّةٍ ونَظَرٍ، كَما يَحْتاجُ البَشَرُ.

ثُمَّ خَتَمَ اللهُ تَعالى السُورَةَ بِهَذِهِ الوَصاةِ الَّتِي جَمَعَتِ الظُهُورَ في الدُنْيا عَلى الأعْداءِ، والفَوْزَ بِنَعِيمِ الآخِرَةِ، فَحَضَّ عَلى الصَبْرِ عَلى الطاعاتِ وعَنِ الشَهَواتِ، وأمَرَ بِالمُصابَرَةِ فَقِيلَ: مَعْناهُ: مُصابَرَةُ الأعْداءِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. وقِيلَ: مَعْناهُ: مُصابَرَةُ وعْدِ اللهِ في النَصْرِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، أيْ: لا تَسْأمُوا وانْتَظِرُوا الفَرَجَ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "انْتِظارُ الفَرَجِ بِالصَبْرِ عِبادَةٌ".»

وكَذَلِكَ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ "وَرابِطُوا"؛ فَقالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: مَعْناهُ: رابِطُوا أعْداءَكُمُ الخَيْلَ، أيِ: ارْتَبِطُوها كَما يَرْتَبِطُها أعْداؤُكُمْ، ومِنهُ قوله عزّ وجلّ: ﴿وَمِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]...الآيَةُ.

وكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ إلى أبِي عُبَيْدَةَ، وقَدْ كَتَبَ إلَيْهِ يَذْكُرُ جُمُوعَ الرُومِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: أمّا بَعْدُ، فَإنَّهُ مَهْما نَزَلَ بِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ شِدَّةٌ، جَعَلَ اللهُ بَعْدَها فَرَجًا، ولَنْ (p-٤٥٧)يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، وإنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ في كِتابِهِ، ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا﴾... الآيَةَ.

وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ: هَذِهِ الآيَةُ هي في انْتِظارِ الصَلاةِ بَعْدَ الصَلاةِ، ولَمْ يَكُنْ في زَمَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَزْوٌ يُرابِطُ فِيهِ، واحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وأبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "ألا أدُلُّكم عَلى ما يَحُطُّ اللهُ بِهِ الخَطايا ويَرْفَعُ بِهِ الدَرَجاتِ؟ إسْباغُ الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطى إلى المَساجِدِ، وانْتِظارُ الصَلاةِ بَعْدَ الصَلاةِ فَذَلِكُمُ الرِباطُ فَذَلِكُمُ الرِباطُ فَذَلِكُمُ الرِباطُ".»

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والقَوْلُ الصَحِيحُ هو أنَّ الرِباطَ هو المُلازَمَةُ في سَبِيلِ اللهِ، أصْلُها مِن رَبْطِ الخَيْلِ، ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ مُلازِمٍ لِثَغْرٍ مِن ثُغُورِ الإسْلامِ مُرابِطًا، فارِسًا كانَ أو راجِلًا، واللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الرَبْطِ، وقَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "فَذَلِكُمُ الرِباطُ"» إنَّما هو تَشْبِيهٌ بِالرِباطِ في سَبِيلِ اللهِ، إذِ انْتِظارُ الصَلاةِ إنَّما هو سَبِيلٌ مِنَ السُبُلِ المُنْجِيَةِ، والرِباطُ اللُغَوِيُّ هو الأوَّلُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: « "لَيْسَ الشَدِيدُ بِالصُرَعَةِ"» وكَقَوْلِهِ: « "لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذا الطَوّافِ"» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ.

(p-٤٥٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والمُرابِطُ في سَبِيلِ اللهِ عِنْدَ الفُقَهاءِ هو الَّذِي يَشْخَصُ إلى ثَغْرٍ مِنَ الثُغُورِ لِيُرابِطَ فِيهِ مُدَّةً ما، قالَهُ ابْنُ المَوّازِ ورَواهُ. فَأمّا سُكّانُ الثُغُورِ دائِمًا بِأهْلِيهِمُ الَّذِينَ يَعْتَمِرُونَ ويَكْتَسِبُونَ هُنالِكَ، فَهم وإنْ كانُوا حُماةً فَلَيْسُوا بِمُرابِطِينَ.

وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ذَلِكَ كَثِيرًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском