Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:28–35
3:28Page 53
لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨
Let not believers take disbelievers as allies [i.e., supporters or protectors] rather than believers. And whoever [of you] does that has nothing [i.e., no association] with Allāh, except when taking precaution against them in prudence.1 And Allāh warns you of Himself, and to Allāh is the [final] destination.
(p-١٩١)قوله عزّ وجلّ:
﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أولِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِن اللهِ في شَيْءٍ إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً ويُحَذِّرُكُمُ اللهِ نَفْسَهُ وإلى اللهِ المَصِيرُ﴾
هَذا النَهْيُ عَنِ الاتِّخاذِ إنَّما هو فِيما يُظْهِرُهُ المَرْءُ، فَأمّا أنْ يَتَّخِذَهُ بِقَلْبِهِ ونِيَّتِهِ فَلا يَفْعَلُ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ، والمَنهِيُّونَ هُنا قَدْ قَرَّرَ لَهُمُ الإيمانَ، فالنَهْيُ إنَّما هو عِبارَةٌ عن إظْهارِ اللُطْفِ لِلْكُفّارِ والمَيْلِ إلَيْهِمْ، ولَفْظُ الآيَةِ عامٌّ في جَمِيعِ الأعْصارِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وابْنُ أبِي الحَقِيقِ وقَيْسُ بْنُ زَيْدٍ قَدْ بَطَنُوا بِنَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ لِيَفْتِنُوهم عن دِينِهِمْ، فَقالَ رِفاعَةُ بْنُ المُنْذِرِ بْنِ زَبِيرٍ وعَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرٍ وسَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ لِأُولَئِكَ النَفَرِ: اجْتَنِبُوا هَؤُلاءِ اليَهُودَ واحْذَرُوا مُباطَنَتَهُمْ، فَأبى أُولَئِكَ النَفَرُ إلّا مُوالاةَ اليَهُودِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. وقالَ قَوْمٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قِصَّةِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ وكِتابِهِ إلى أهْلِ مَكَّةَ، والآيَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ هَذا، ويَدْخُلُ فِيها فِعْلُ أبِي لُبابَةَ في إشارَتِهِ إلى حَلْقِهِ (p-١٩٢)حِينَ بَعَثَهُ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في اسْتِنْزالِ بَنِي قُرَيْظَةَ. وأمّا تَعْذِيبُ بَنِي المُغِيرَةِ لِعَمّارٍ فَنَزَلَ فِيما أباحَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِعَمّارٍ ﴿إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦].
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن دُونِ﴾ عِبارَةٌ عن كَوْنِ الشَيْءِ الَّذِي تُضافُ إلَيْهِ "دُونَ" غائِبًا مُتَنَحِّيًا لَيْسَ مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ في شَيْءٍ، وفي المَثَلِ: "وَأُمِرَّ دُونَ عُبَيْدَةَ الوَذَمُ" كَأنَّهُ مِن غَيْرِ أنْ يَنْتَهِيَ إلى الشَيْءِ الَّذِي تُضافُ إلَيْهِ، ورَتَّبَها الزَجّاجُ: المُضادَّةَ لِلشَّرَفِ مِنَ الشَيْءِ الدُونِ، وفِيما قالَهُ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شَيْءٍ﴾ مَعْناهُ: في شَيْءٍ مَرْضِيٍّ عَلى الكَمالِ والصَوابِ، وهَذا كَما قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "مَن غَشَّنا فَلَيْسَ مِنّا"» وفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: فَلَيْسَ مِنَ التَقَرُّبِ إلى اللهِ أوِ التَزَلُّفِ ونَحْوِ هَذا.
وقَوْلُهُ "فِي شَيْءٍ" هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ ( لَيْسَ مِن اللهِ ) ثُمَّ أباحَ اللهُ إظْهارَ اتِّخاذِهِمْ بِشَرْطِ الِاتِّقاءِ، فَأمّا إبْطانُهُ فَلا يَصِحُّ أنْ يَتَّصِفَ بِهِ مُؤْمِنٌ في حالٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "تُقاةً" أصْلُهُ وُقَيَةٌ - عَلى وزْنِ فُعَلَةٍ- بِضَمِّ الفاءِ وفَتْحِ العَيْنِ - أبْدَلُوا مِنَ الواوِ تاءً كَتُجاهَ وتُكَأةٍ فَصارَ تُقَيَةً ثُمَّ قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها فَجاءَ تُقاةً قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تُقاةً مِثْلَ رُماةٍ حالًا مِن "تَتَّقُوا" وهو جَمْعُ فاعِلٍ وإنْ كانَ لَمْ يُسْتَعْمَلْ مِنهُ فاعِلٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ تَقِيٍّ وجُعِلَ فَعِيلٌ بِمَنزِلَةِ فاعِلٍ.
(p-١٩٣)وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَحّاكُ وأبُو رَجاءٍ والجَحْدَرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ "تَقِيَّةً" - بِفَتْحِ التاءِ وشَدِّ الياءِ - عَلى وزْنِ فَعِيلَةٍ، وكَذَلِكَ رَوى المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، وأمالَ الكِسائِيُّ القافَ في "تُقاةً" في المَوْضِعَيْنِ، وأمالَ حَمْزَةُ في هَذِهِ الآيَةِ ولَمْ يُمِلْ في قَوْلِهِ: ﴿حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، وفَتَحَ سائِرُ القُرّاءِ القافَ إلّا أنَّ نافِعًا كانَ يَقْرَؤُها بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ.
وذَهَبَ قَتادَةُ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: ﴿إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ مِن جِهَةِ صِلَةِ الرَحِمِ أيْ: مَلامَةً، فَكَأنَّ الآيَةَ عِنْدَهُ مُبِيحَةٌ الإحْسانَ إلى القَرابَةِ مِنَ الكُفّارِ. وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: إلّا أنْ تَخافُوا مِنهم خَوْفًا، وهَذا هو مَعْنى التَقِيَّةِ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في التَقِيَّةِ مِمَّنْ تَكُونُ؟ وبِأيِّ شَيْءٍ تَكُونُ؟ وأيَّ شَيْءٍ تُبِيحُ؟ فَأمّا الَّذِي تَكُونُ مِنهُ التَقِيَّةُ؛ فَكُلُّ قادِرٍ غالِبٍ يُكْرِهُ بِجَوْرٍ مِنهُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الكُفّارُ إذا غَلَبُوا وجَوَرَةُ الرُؤَساءِ والسَلّابَةُ، وأهْلُ الجاهِ في الحَواضِرِ. قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: وزَوْجُ المَرْأةِ قَدْ يُكْرِهُ.
وأمّا بِأيِّ شَيْءٍ تَكُونُ التَقِيَّةُ ويَتَرَتَّبُ حُكْمُها؟ فَذَلِكَ بِخَوْفِ القَتْلِ، وبِالخَوْفِ عَلى الجَوارِحِ، وبِالضَرْبِ بِالسَوْطِ، وبِسائِرِ التَعْذِيبِ، فَإذا فُعِلَ بِالإنْسانِ شَيْءٌ مِن هَذا أو خافَهُ خَوْفًا مُتَمَكِّنًا؛ فَهو مُكْرَهٌ ولَهُ حُكْمُ التَقِيَّةِ. والسَجْنُ إكْراهٌ، والتَقْيِيدُ إكْراهٌ، والتَهْدِيدُ والوَعِيدُ إكْراهٌ، وعَداوَةُ أهْلِ الجاهِ الجَوَرَةِ تَقِيَّةٌ. وهَذِهِ كُلُّها بِحَسَبِ حالِ المُكْرَهِ وبِحَسَبِ الشَيْءِ الَّذِي يُكْرَهُ عَلَيْهِ، فَكَمْ مِنَ الناسِ لَيْسَ السَجْنُ فِيهِمْ بِإكْراهٍ، وكَذَلِكَ الرَجُلُ العَظِيمُ يُكْرَهُ بِالسَجْنِ والضَرْبِ غَيْرِ المُتْلِفِ لِيَكْفُرَ، فَهَذا لا تُتَصَوَّرُ تَقِيَّتُهُ مِن جِهَةِ عِظَمِ الشَيْءِ الَّذِي طُلِبَ مِنهُ، ومَسائِلُ الإكْراهِ هي مِنَ النَوْعِ الَّذِي يَدْخُلُهُ فِقْهُ الحالِ.
وأمّا أيَّ شَيْءٍ تُبِيحُ؟ فاتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى إباحَتِها لِلْأقْوالِ بِاللِسانِ؛ مِنَ الكُفْرِ وما دُونَهُ، ومِن بَيْعٍ وهِبَةٍ وطَلاقٍ، وإطْلاقِ القَوْلِ بِهَذا كُلِّهِ، ومِن مُداراةٍ ومُصانَعَةٍ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ما مِن كَلامٍ يَدْرَأُ عَنِّي سَوْطَيْنِ مِن ذِي سُلْطانٍ إلّا كُنْتُ مُتَكَلِّمًا بِهِ. واخْتَلَفَ الناسُ في الأفْعالِ، فَقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ مِنهُمُ الحَسَنُ ومَكْحُولٌ ومَسْرُوقٌ: (p-١٩٤)يَفْعَلُ المُكْرَهُ كُلَّ ما حُمِلَ عَلَيْهِ مِمّا حَرَّمَ اللهُ فِعْلَهُ، ويُنْجِي نَفْسَهُ بِذَلِكَ. وقالَ مَسْرُوقٌ: فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتّى ماتَ دَخَلَ النارَ. وقالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهم سَحْنُونُ: بَلْ إنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتّى ماتَ فَهو مَأْجُورٌ، وتَرْكُهُ ذَلِكَ المُباحَ أفْضَلُ مِنَ اسْتِعْمالِهِ. ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ في رَجُلٍ يُقالُ لَهُ: نَهِيتُ بْنُ الحارِثِ، أخَذَتْهُ الفُرْسُ أسِيرًا، فَعُرِضَ عَلَيْهِ شُرْبُ الخَمْرِ وأكْلُ الخِنْزِيرِ وهُدِّدَ بِالنارِ فَلَمْ يَفْعَلْ فَقَذَفُوهُ فِيها، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَقالَ: وما كانَ عَلى نَهِيتٍ أنْ يَأْكُلَ؟ وقالَ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: التَقِيَّةُ إنَّما هي مُبِيحَةٌ لِلْأقْوالِ، فَأمّا الأفْعالُ فَلا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والرَبِيعِ والضَحّاكِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن سَحْنُونٍ، وقالَ الحَسَنُ في الرَجُلِ يُقالُ لَهُ: اسْجُدْ لِصَنَمٍ وإلّا قَتَلْناكَ، قالَ: إنْ كانَ الصَنَمُ مُقابِلَ القِبْلَةِ فَلْيَسْجُدْ ويَجْعَلْ نِيَّتَهُ لِلَّهِ، فَإنْ كانَ إلى غَيْرِ القِبْلَةِ فَلا وإنْ قَتَلُوهُ، قالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وما يَمْنَعُهُ أنْ يَجْعَلَ نِيَّتَهُ لِلَّهِ وإنْ كانَ لِغَيْرِ قِبْلَةٍ، وفي كِتابِ اللهِ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. وفي الشَرْعِ إباحَةُ التَنَفُّلِ لِلْمُسافِرِ إلى غَيْرِ القِبْلَةِ. هَذِهِ قَواعِدُ مَسْألَةِ التَقِيَّةِ، وأمّا تَشَعُّبُ مَسائِلِها فَكَثِيرٌ لا يَقْتَضِي الإيجازُ جَمْعَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾... إلى آخِرِ الآيَةِ، وعِيدٌ وتَنْبِيهٌ ووَعْظٌ وتَذْكِيرٌ بِالآخِرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:" نَفْسَهُ" نائِبَةٌ عن إيّاهُ، وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ عَلى مَعْهُودِ ما يَفْهَمُهُ البَشَرُ، والنَفْسُ في مِثْلِ هَذا راجِعٌ إلى الذاتِ، وفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ لِأنَّ التَحْذِيرَ إنَّما هو مِن عِقابٍ وتَنْكِيلٍ ونَحْوِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: ويُحَذِّرُكُمُ اللهُ عِقابَهُ..
3:29–30Page 53
قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٩
Say, "Whether you conceal what is in your breasts or reveal it, Allāh knows it. And He knows that which is in the heavens and that which is on the earth. And Allāh is over all things competent.
يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٣٠
The Day every soul will find what it has done of good present [before it] and what it has done of evil, it will wish that between itself and that [evil] was a great distance. And Allāh warns you of Himself, and Allāh is Kind to [His] servants."
قوله عزّ وجلّ:
﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أو تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ ويَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا ويُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ واللهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾
الضَمِيرُ في "تُخْفُوا" هو لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ نُهُوا عَنِ اتِّخاذِ الكافِرِينَ أولِياءً، (p-١٩٥)والمَعْنى: إنَّكم إنْ أبْطَنْتُمُ الحِرْصَ عَلى إظْهارِ مُوالاتِهِمْ؛ فَإنَّ اللهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ ويَكْرَهُهُ مِنكم. وقَوْلُهُ: ﴿وَيَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ﴾ مَعْناهُ: عَلى التَفْصِيلِ. وقَوْلُهُ: ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عُمُومٌ، والشَيْءُ في كَلامِ العَرَبِ: المَوْجُودُ.
و"يَوْمَ" نُصِبَ عَلى الظَرْفِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في العامِلِ فِيهِ، فَقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: العامِلُ فِيهِ "قَدِيرٌ"، وقالَ الطَبَرِيُّ: العامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ: ﴿وَإلى اللهِ المَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٢٨]، وقالَهُ الزَجّاجُ، وقالَ أيْضًا: العامِلُ فِيهِ ( ويُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ يَوْم ) ورَجَّحَهُ، وقالَ مَكِّيٌّ حِكايَةً: العامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: "اذْكُرْ يَوْمَ" و"ما" بِمَعْنى الَّذِي، و"مُحْضَرًا" قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: مُوَفَّرًا، وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، والحُضُورُ أبْيَنُ مِن أنْ يُفَسَّرَ بِلَفْظٍ آخَرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَعْطُوفَةً عَلى "ما" الأُولى فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ وتَكُونَ "تَوَدُّ" في مَوْضِعِ الحالِ، وإلى هَذا العَطْفِ ذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، ويَكُونَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ "تَوَدُّ" وما بَعْدَهُ، كَأنَّهُ قالَ: وعَمَلُها السَيِّءُ مَرْدُودٌ عِنْدَها، إنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا.
وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "مِن سُوءٍ ودَّتْ"، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَجُوزُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ تَكُونَ "ما" شَرْطِيَّةً، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى قِراءَةِ "تَوَدُّ" لِأنَّ الفِعْلَ مُسْتَقْبَلٌ مَرْفُوعٌ، والشَرْطُ يَقْتَضِي جَزْمَهُ، اللهُمَّ إلّا أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ "فَهِيَ تَوَدُّ" وفي ذَلِكَ ضَعْفٌ. والأمَدُ: الغايَةُ المَحْدُودَةُ مِنَ المَكانِ أوِ الزَمانِ. قالَ النابِغَةُ:
؎ ....................... سَبْقَ الجَوادِ إذا اسْتَوْلى عَلى الأمَدِ
فَهَذِهِ غايَةٌ في المَكانِ. وقالَ الطِرِمّاحُ:
؎ كُلُّ حَيٍّ مُسْتَكْمِلٌ عِدَّةَ العُمْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـرِ ومُودٍ إذا انْقَضى أمَدُهُ
فَهَذِهِ غايَةٌ في الزَمانِ.
(p-١٩٦)وَقالَ الحَسَنُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يَسُرُّ أحَدَهم أنْ لا يَلْقى عَمَلَهُ ذَلِكَ أبَدًا، ذَلِكَ مُناهُ، وأمّا في الدُنْيا فَقَدْ كانَتْ خَطِيئَتُهُ يَسْتَلِذُّها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى التَحْذِيرِ، لِأنَّ تَحْذِيرَهُ وتَنْبِيهَهُ عَلى النَجاةِ؛ رَأْفَةٌ مِنهُ بِعِبادِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ إعْلامٍ بِهَذِهِ الصِفَةِ، فَمُقْتَضى ذَلِكَ التَأْنِيسُ لِئَلّا يَفْرُطَ الوَعِيدُ عَلى نَفْسِ مُؤْمِنٍ، وتَجِيءُ الآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ( إنَّ رَبَّكَ شَدِيدُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ مَعْناهُ: واللهُ مَحْذُورُ العِقابِ.
3:31–32Page 54
قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣١
Say, [O Muḥammad], "If you should love Allāh, then follow me, [so] Allāh will love you and forgive you your sins. And Allāh is Forgiving and Merciful."
قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٢
Say, "Obey Allāh and the Messenger. But if you turn away - then indeed, Allāh does not like the disbelievers."
قوله عزّ وجلّ:
﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهَ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿قُلْ أطِيعُوا اللهَ والرَسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنْ اللهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾
اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيمَن أُمِرَ مُحَمَّدٌ ﷺ أنْ يَقُولَ لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وابْنُ جُرَيْجٍ: «إنَّ قَوْمًا عَلى عَهْدِ النَبِيِّ ﷺ قالُوا: يا مُحَمَّدُ إنّا نُحِبُّ رَبَّنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَوْلِهِمْ،» جَعَلَ اللهُ فِيها اتِّباعَ مُحَمَّدٍ عَلَمًا لِحُبِّهِ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرَ بْنِ الزُبَيْرِ: أُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَقُولَ هَذا القَوْلَ لِنَصارى نَجْرانَ، أيْ: إنْ كانَ قَوْلُكم في عِيسى وغُلُوُّكم في أمْرِهِ حُبًّا لِلَّهِ، فاتَّبِعُونِي. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ عامَّةً لِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودِ والنَصارى لِأنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم يُحِبُّونَ اللهَ ويُحِبُّهم. ألا تَرى أنَّ جَمِيعَهم قالُوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، ولَفْظُ "أحِبّاؤُهُ" إنَّما يُعْطِي أنَّ اللهَ يُحِبُّهُمْ، لَكِنْ يَعْلَمُ أنَّ مُرادَهم "وَمُحِبُّوهُ" فَيَحْسُنُ أنْ يُقالَ لَهُمْ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ﴾.
وقَرَأ الزُهْرِيُّ "فاتَّبِعُونِي" بِتَشْدِيدِ النُونِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ "يَحْبُبْكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الباءِ الأُولى مِن "حَبَّ" وهي لُغَةٌ، قالَ الزَجّاجُ: حَبُبْتُ قَلِيلَةٌ في اللُغَةِ، وزَعَمَ (p-١٩٧)الكِسائِيُّ أنَّها لُغَةٌ قَدْ ماتَتْ، وعَلَيْها اسْتُعْمِلَ مَحْبُوبٌ.
والمَحَبَّةُ إرادَةٌ يَقْتَرِنُ بِها إقْبالٌ مِنَ النَفْسِ ومَيْلٌ بِالمُعْتَقَدِ. وقَدْ تَكُونُ الإرادَةُ المُجَرَّدَةُ فِيما يَكْرَهُ المُرِيدُ، واللهُ تَعالى يُرِيدُ وُقُوعَ الكُفْرِ ولا يُحِبُّهُ، ومَحَبَّةُ العَبْدِ لِلَّهِ تَعالى يَلْزَمُ عنها ولا بُدَّ أنْ يُطِيعَهُ، وتَكُونُ أعْمالُهُ بِحَسَبِ إقْبالِ النَفْسِ، وقَدْ تَمَثَّلَ بَعْضُ العُلَماءِ حِينَ رَأى الكَعْبَةَ فَأنْشَدَ:
؎ هَذِهِ دارُهُ وأنْتَ مُحِبٌّ ∗∗∗ ما بَقاءُ الدُمُوعِ في الآماقِ
ومَحَبَّةُ اللهِ لِلْعَبْدِ أمارَتُها لِلْمُتَأمِّلِ؛ أنْ يَرى العَبْدَ مَهْدِيًّا مُسَدَّدًا ذا قَبُولٍ في الأرْضِ، فَلُطْفُ اللهِ بِالعَبْدِ ورَحْمَتُهُ إيّاهُ، هي ثَمَرَةُ مَحَبَّتِهِ، وبِهَذا النَظَرِ يَتَفَسَّرُ لَفْظُ المَحَبَّةِ حَيْثُ وقَعَتْ مِن كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
وذَكَرَ الزَجّاجُ: أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأ: "وَيَغْفِر لَّكُمْ" بِإدْغامِ الراءِ في اللامِ، وخَطَّأ القُرّاءَ، وغَلَّطَ مَن رَواها عن أبِي عَمْرٍو فِيما حَسِبْتُ.
وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللهَ والرَسُولَ﴾ خِطابٌ لِنَصارى نَجْرانَ وفي قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ وعِيدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ الصَدْعِ بِالقِتالِ.
3:33–35Page 54
۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٣
Indeed, Allāh chose Adam and Noah and the family of Abraham and the family of ʿImrān over the worlds -
ذُرِّيَّةَۢ بَعۡضُهَا مِنۢ بَعۡضٖۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٣٤
Descendants, some of them from others. And Allāh is Hearing and Knowing.
إِذۡ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ عِمۡرَٰنَ رَبِّ إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا فَتَقَبَّلۡ مِنِّيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٥
[Mention, O Muḥammad], when the wife of ʿImrān said, "My Lord, indeed I have pledged to You what is in my womb, consecrated [for Your service], so accept this from me. Indeed, You are the Hearing, the Knowing."
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَمِيعُ العَلِيمُ﴾
لَمّا مَضى صَدْرٌ مِن مُحاجَّةِ نَصارى نَجْرانَ والرَدِّ عَلَيْهِمْ وبَيانِ فَسادِ ما هم عَلَيْهِ، جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُعْلِمَةً بِصُورَةِ الأمْرِ الَّذِي قَدْ ضَلُّوا فِيهِ، ومُنْبِئَةً عن حَقِيقَتِهِ كَيْفَ كانَتْ، فَبَدَأ تَعالى بِذِكْرِ فَضْلِهِ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ إلى آلِ عِمْرانَ مِنها، ثُمَّ خَصَّ امْرَأةَ عِمْرانَ بِالذِكْرِ، لِأنَّ القَصْدَ وصْفُ قِصَّةِ القَوْمِ إلى أنْ يَبِينَ أمْرُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وكَيْفَ كانَ.
و"اصْطَفى" مَعْناهُ: اخْتارَ صَفْوَ الناسِ، فَكانَ ذَلِكَ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ وبَقِيَ الكُفّارُ (p-١٩٨)كَدَرًا. و"آدَمَ" هو أبُونا عَلَيْهِ السَلامُ، اصْطَفاهُ اللهُ تَعالى بِالإيجادِ والرِسالَةِ إلى بَنِيهِ والنُبُوَّةِ والتَكْلِيمِ، حَسْبَما ورَدَ في الحَدِيثِ، وحَكى الزَجّاجُ عن قَوْمٍ إنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ بِالرِسالَةِ إلى المَلائِكَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣] وهَذا ضَعِيفٌ؛ ونُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ هو أبُونا الأصْغَرُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وهو أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ إلى الكُفّارِ، وانْصَرَفَ نُوحٌ مَعَ عُجْمَتِهِ وتَعْرِيفِهِ لِخِفَّةِ الِاسْمِ، كَهُودٍ ولُوطٍ. "وَآلَ إبْراهِيمَ" يَعْنِي بِإبْراهِيمَ الخَلِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، والآلُ في اللُغَةِ: الأهْلُ والقَرابَةُ، ويُقالُ لِلْأتْباعِ وأهْلِ الطاعَةِ: آلٌ، فَمِنهُ آلُ فِرْعَوْنَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو أراكَةُ الثَقَفِيُّ في رِثاءِ النَبِيِّ ﷺ وهو يُعَزِّي نَفْسَهُ في أخِيهِ عَمْرٍو:
؎ فَلا تَبْكِ مَيْتًا بَعْدَ مَيْتٍ أجَنَّهُ ∗∗∗ عَلِيٌّ وعَبّاسٌ وآلُ أبِي بَكْرِ
أرادَ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ. والآلُ في هَذِهِ الآيَةِ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، فَإذا قُلْنا أرادَ بِالآلِ القَرابَةَ والبَيْتِيَّةَ، فالتَقْدِيرُ: إنَّ اللهَ اصْطَفى هَؤُلاءِ عَلى عالِمِي زَمانِهِمْ، أو عَلى العالَمِينَ عامًّا بِأنْ يُقَدِّرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَلامُ مِن آلِ إبْراهِيمَ؛ وإنْ قُلْنا: أرادَ بِالآلِ الأتْباعَ فَيَسْتَقِيمُ دُخُولُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ في الآلِ لِأنَّها عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ.
وذَهَبَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ إلى أنَّ ذِكْرَ آدَمَ يَتَضَمَّنُ الإشارَةَ إلى المُؤْمِنِينَ بِهِ مِن بَنِيهِ، وكَذَلِكَ ذِكْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّ الآلَ الأتْباعُ، فَعَمَّتِ الآيَةُ جَمِيعَ مُؤْمِنِي العالَمِ، فَكانَ المَعْنى: أنَّ اللهَ اصْطَفى المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ، وخَصَّ هَؤُلاءِ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لَهُمْ، ولِأنَّ الكَلامَ في قِصَّةِ بَعْضِهِمْ.
﴿وَآلَ عِمْرانَ﴾ أيْضًا يَحْتَمِلُ مِنَ التَأْوِيلِ ما تَقَدَّمَ في آلَ إبْراهِيمَ. وعِمْرانُ هو رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ فِيما حَكى الطَبَرِيُّ؛ قالَ مَكِّيٌّ: هو (p-١٩٩)عِمْرانُ بْنُ ماثالَ، وقالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ذَكَرَ اللهُ تَعالى أهْلَ بَيْتَيْنِ صالِحَيْنِ ورَجُلَيْنِ صالِحَيْنِ، فَفَضَّلَهم عَلى العالَمِينَ، فَكانَ مُحَمَّدٌ مِن آلِ إبْراهِيمَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اصْطَفى اللهُ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِالدِينِ والنُبُوَّةِ والطاعَةِ لَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ذُرِّيَّةً" نُصِبَ عَلى البَدَلِ، وقِيلَ عَلى الحالِ لِأنَّ مَعْنى ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ مُتَشابِهُونَ في الدِينِ والحالِ، وهَذا أظْهَرُ مِنَ البَدَلِ. والذُرِّيَّةُ في عُرْفِ الِاسْتِعْمالِ تَقَعُ لِما تَناسَلَ مِنَ الأولادِ سِفْلًا، واشْتِقاقُ اللَفْظَةِ في اللُغَةِ يُعْطِي أنْ تَقَعَ عَلى جَمِيعِ الناسِ، أيْ كُلُّ أحَدٍ ذُرِّيَّةٌ لِغَيْرِهِ، فالناسُ كُلُّهم ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وهَكَذا اسْتُعْمِلَتِ الذُرِّيَّةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] أيْ ذُرِّيَّةَ هَذا الجِنْسِ، ولا يَسُوغُ أنْ يَقُولَ في والِدٍ: هَذا ذُرِّيَّةٌ لِوَلَدِهِ وإذِ اللَفْظَةُ مِن "ذَرَّ" إذا بَثَّ، فَهَكَذا يَجِيءُ مَعْناها، وكَذَلِكَ إنْ جَعَلْناها مِن "ذَرا"، وكَذَلِكَ إنْ جُعِلَتْ مِن "ذَرَأ" أو مِنَ الذَرِّ الَّذِي هو صِغارُ النَمْلِ.. قالَ أبُو الفَتْحِ: الذُرِّيَّةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُشْتَقَّةً مِن هَذِهِ الحُرُوفِ الأرْبَعَةِ، ثُمَّ طَوَّلَ أبُو الفَتْحِ القَوْلَ في وزْنِها عَلى كُلِّ اشْتِقاقٍ مِن هَذِهِ الأرْبَعَةِ الأحْرُفِ تَطْوِيلًا لا يَقْتَضِي هَذا الإيجازُ ذِكْرَهُ، وذَكَرَها أبُو عَلِيٍّ في الأعْرافِ في تَرْجَمَةِ: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] قالَ الزَجّاجُ: أصْلُها فُعْلِيَّةٌ مِنَ الذَرِّ، لِأنَّ اللهَ أخْرَجَ الخَلْقَ مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَرِّ. قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذِهِ نِسْبَةٌ إلى الذَرِّ غُيِّرَ أوَّلُها، كَما قالُوا في النِسْبَةِ إلى الحَرَمِ: حِرْمِيٌّ - بِكَسْرِ الحاءِ - وغَيْرِ ذَلِكَ مِن تَغْيِيرِ النَسَبِ، قالَ الزَجّاجُ: وقِيلَ أصْلُ "ذُرِّيَّةً" ذُرُّورَةٌ، وزْنُها فُعْلُولَةٌ، فَلَمّا كَثُرَتِ الراءاتُ أبْدَلُوا مِنَ الأخِيرَةِ ياءً فَصارَتْ ذُرُّويَةً، ثُمَّ أُدْغِمَتِ الواوُ في الياءِ فَجاءَتْ ذُرِّيَّةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهَذا اشْتِقاقٌ مِن ذَرَّ يَذُرُّ، أو مِن ذَرى، وإذا كانَتْ مِن ذَرَأ فَوَزْنُها فَعِيلَةٌ كَمَرِيقَةٍ، (p-٢٠٠)أصْلُها ذَرِيئَةٌ، فَأُلْزِمَتِ البَدَلَ والتَخْفِيفَ،كَما فَعَلُوا في البَرِيَّةِ في قَوْلِ مَن رَآها مِن بَرَأ اللهُ الخَلْقَ، وفي كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ، في قَوْلِ مَن رَآهُ مِن "دَرَأ" لِأنَّهُ يَدْفَعُ الظُلْمَةَ بِضَوْئِهِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "ذُرِّيَّةً" بِضَمِّ الذالِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ والضَحّاكُ: "ذِرِّيَّةً" - بِكَسْرِ الذالِ - وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ أيْ في الإيمانِ والطاعَةِ وإنْعامِ اللهِ عَلَيْهِمْ بِالنُبُوَّةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في العامِلِ في قَوْلِهِ: "إذْ قالَتِ"، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ: "إذْ" زائِدَةٌ، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ، وقالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "اذْكُرْ إذْ" وقالَ الزَجّاجُ: العامِلُ مَعْنى الِاصْطِفاءِ، التَقْدِيرُ: "واصْطَفى آلَ عِمْرانَ إذْ".
وعَلى هَذا القَوْلِ يَخْرُجُ عِمْرانُ مِنَ الاصْطِفاءِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ ما مَعْناهُ: إنَّ العامِلَ في "إذْ" قَوْلُهُ "سَمِيعٌ".
وامْرَأةُ عِمْرانَ اسْمُها حِنَةُ بِنْتُ قاذُوذَ فِيما ذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وهي أُمُّ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ أيْ: جَعَلْتُ نَذْرًا أنْ يَكُونَ هَذا الوَلَدُ الَّذِي في بَطْنِي حَبِيسًا عَلى خِدْمَةِ بَيْتِكَ مُحَرَّرًا مِن كُلِّ خِدْمَةٍ وشُغْلٍ مِن أشْغالِ الدُنْيا، أيْ: عَتِيقًا مِن ذَلِكَ، فَهو مِن لَفْظِ الحُرِّيَّةِ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ. قالَ مَكِّيٌّ: فَمَن نَصَبَهُ عَلى النَعْتِ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ يُقَدِّرُهُ: غُلامًا مُحَرَّرًا، وفي هَذا نَظَرٌ، والبَيْتُ الَّذِي نَذَرَتْهُ لَهُ، هو بَيْتُ المَقْدِسِ.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَ سَبَبُ نَذْرِ حِنَةَ، أنَّها كانَتْ قَدْ أُمْسِكَ عنها الوَلَدُ حَتّى أسَنَّتْ، فَبَيْنَما هي في ظِلِّ شَجَرَةٍ، إذْ رَأتْ طائِرًا يَزُقُّ فَرْخًا لَهُ فَتَحَرَّكَتْ نَفْسُها لِلْوَلَدِ، فَدَعَتِ اللهَ أنْ يَهَبَ لَها ولَدًا، فَحَمَلَتْ بِمَرْيَمَ، وهَلَكَ عِمْرانُ، فَلَمّا عَلِمَتْ أنَّ في بَطْنِها (p-٢٠١)جَنِينًا؛ جَعَلَتْهُ نَذِيرَةً لِلَّهِ أنْ يَخْدُمَ الكَنِيسَةَ، لا يُنْتَفَعُ بِهِ في شَيْءٍ مِن أمْرِ الدُنْيا.
وقالَ مُجاهِدٌ: "مُحَرَّرًا" مَعْناهُ: خادِمًا لِلْكَنِيسَةِ، وقالَ مِثْلَهُ الشَعْبِيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وكانَ هَذا المَعْنى مِنَ التَحْرِيرِ لِلْكَنائِسِ عُرْفًا في الذُكُورِ خاصَّةً، وكانَ فَرْضًا عَلى الأبْناءِ التِزامُ ذَلِكَ فَقالَتْ: "ما في بَطْنِي" ولَمْ تَنُصَّ عَلى ذُكُورَتِهِ لِمَكانِ الإشْكالِ، ولَكِنَّها جَزَمَتِ الدَعْوَةَ رَجاءً مِنها أنْ يَكُونَ ذَكَرًا. وتَقَبُّلُ الشَيْءِ وقَبُولُهُ: أخْذُهُ حَيْثُ يُتَصَوَّرُ الأخْذُ والرِضى بِهِ في كُلِّ حالٍ، فَمَعْنى قَوْلِها "فَتَقَبَّلْ مِنِّي": أيِ ارْضَ عَنِّي في ذَلِكَ، واجْعَلْهُ فِعْلًا مَقْبُولًا مُجازىً بِهِ، و"السَمِيعُ" إشارَةٌ إلى دُعائِها، "العَلِيمُ" إشارَةٌ إلى نِيَّتِها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences