Ibn 'AtiyyaAl‑Ahzab · 33:50–55

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:50–55

33:50Page 424

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحۡلَلۡنَا لَكَ أَزۡوَٰجَكَ ٱلَّٰتِيٓ ءَاتَيۡتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتۡ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّٰتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَٰلَٰتِكَ ٱلَّٰتِي هَاجَرۡنَ مَعَكَ وَٱمۡرَأَةٗ مُّؤۡمِنَةً إِن وَهَبَتۡ نَفۡسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنۡ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسۡتَنكِحَهَا خَالِصَةٗ لَّكَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۗ قَدۡ عَلِمۡنَا مَا فَرَضۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ لِكَيۡلَا يَكُونَ عَلَيۡكَ حَرَجٞۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٥٠

O Prophet, indeed We have made lawful to you your wives to whom you have given their due compensation1 and those your right hand possesses from what Allāh has returned to you [of captives] and the daughters of your paternal uncles and the daughters of your paternal aunts and the daughters of your maternal uncles and the daughters of your maternal aunts who emigrated with you and a believing woman if she gives herself to the Prophet [and] if the Prophet wishes to marry her; [this is] only for you, excluding the [other] believers. We certainly know what We have made obligatory upon them concerning their wives and those their right hands possess, [but this is for you] in order that there will be upon you no discomfort [i.e., difficulty]. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.

قوله عزّ وجلّ:

﴿يا أيُّها النَبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللهُ عَلَيْكَ وبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ وبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ اللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ وما مَلَكَتْ أيْمانُهم لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾

قَرَأ الجُمْهُورُ: "اللاتِي" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "اللايِيِ" بِياءٍ مِن تَحْتٍ. وذَهَبَ ابْنُ زَيْدٍ، والضَحاكُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ إلى أنَّ المَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى أحَلَّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ كُلَّ امْرَأةٍ يُؤْتِيها مَهْرَها، وأباحَ لَهُ تَعالى كُلَّ النِساءِ بِهَذا الوَجْهِ، وأباحَ لَهُ مِلْكَ اليَمِينِ، وبَناتَ العَمِّ والعَمَّةَ والخالَ والخالَةَ مِمَّنْ هاجَرَ مَعَهُ، وخَصَّصَ هَؤُلاءِ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا؛ مِنهُنَّ إذْ قَدْ تَناوَلَهُنَّ - عَلى تَأْوِيلِ ابْنِ زَيْدٍ - قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها النَبِيُّ إنّا أحْلَلْنا﴾، وأباحَ لَهُ الواهِباتِ خاصَّةً لَهُ، فَهَذِهِ - عَلى تَأْوِيلِ ابْنِ زَيْدٍ - إباحَةٌ مُطْلَقَةٌ في جَمِيعِ النِساءِ حاشى ذَواتِ المَحارِمِ، لا سِيَّما - عَلى ما ذَكَرَهُ الضَحّاكُ (p-١٣١)أنَّ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "وَبَناتُ خالاتِكَ واللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ". ثُمَّ قالَ - بَعْدَ هَذا - ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] أيْ: مِن هَذِهِ الأصْنافِ كُلِّها، ثُمَّ تَجْرِي الضَمائِرُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى العُمُومِ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ﴾ [الأحزاب: ٥٢] فَيَجِيءُ هَذا الضَمِيرُ مَقْطُوعًا مِنَ الأوَّلِ عائِدًا عَلى أزْواجِهِ التِسْعِ فَقَطْ، عَلى الخِلافِ في ذَلِكَ.

وتَأوَّلَ غَيْرَ ابْنِ زَيْدٍ قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها النَبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللاتِي﴾ أنَّ الإشارَةَ إلى حَفْصَةَ وعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما ومَن في عِصْمَتِهِ مِمَّنْ تَزَوَّجْنَ بِمَهْرٍ، وأنَّ مِلْكَ اليَمِينِ بَعْدَ حَلالٍ لَهُ، وأنَّ اللهَ تَعالى أباحَ لَهُ ﷺ مَعَ المَذْكُوراتِ بَناتِ عَمِّهِ وعَمّاتِهِ وخالِهِ وخالاتِهِ مِمَّنْ هاجَرَ مَعَهُ، والواهِباتُ خاصَّةً لَهُ ﷺ، فَيَجِيءُ الأمْرُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - أضْيَقَ عَلى النَبِيِّ ﷺ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلُ ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: « "كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَزَوَّجُ في أيِّ الناسِ شاءَ، وكانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى نِسائِهِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وحُرِّمَ عَلَيْهِ الناسُ إلّا مَن سُمِّيَ سُرَّ نِساؤُهُ بِذَلِكَ".»

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

لِأنَّ مِلْكَ اليَمِينِ إنَّما تَعَلُّقُهُ في النادِرِ مِنَ الأمْرِ، وبَناتُ العَمِّ والعَمّاتِ والخالِ والخالاتِ يَسِيرُ، ومَن يُمْكِنُ أنْ يَتَزَوَّجَ مِنهُنَّ مَحْصُورٌ عِنْدَ نِسائِهِ، لا سِيَّما وقَدْ قُيِّدَ ذَلِكَ شَرْطَ الهِجْرَةِ، وكَذا الواهِبَةُ مِنَ النِساءِ قَلِيلٌ، فَلِذَلِكَ سُرَّ أزْواجُهُ بِانْحِصارِ الأمْرِ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] إشارَةٌ إلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿وَلا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ﴾ [الأحزاب: ٥٢] إشارَةٌ إلى أزْواجِهِ اللَواتِي تَقَدَّمَ النَصُّ عَلَيْهِنَّ بِالتَحْلِيلِ، فَيَأْتِي الكَلامُ مُنَسَّقًا مُطَّرَدًا أكْثَرَ مِنَ اطِّرادِهِ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ. والأُجُورُ: المُهُورُ.

وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا أفاءَ اللهُ عَلَيْكَ﴾ أيْ رَدُّهُ إلَيْكَ في الغَنائِمِ، يُرِيدُ: أو عَلى أُمَّتِكَ لِأنَّهُ فَيْءٌ عَلَيْهِ. ومِلْكُ اليَمِينِ أصْلُهُ الفَيْءُ مِنَ الغَنائِمِ، أو ما تَناسَلَ مِمَّنْ سُبِيَ، والشِراءُ مِنَ (p-١٣٢)الحَرْبِيِّينَ كالسِباءِ، ويُباحُ السِباءُ مِنَ الحَرْبِيِّينِ، ولا يَجُوزُ سَبْيُ مَن لَهُ عَهْدٌ ولا تَمَلُّكُهُ، ويُسَمّى سَبْيُ الخِبْثَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَناتِ عَمِّكَ﴾ رُوِيَ «عن أُمِّ هانِئِ بِنْتِ أبِي طالِبٍ أنَّها قالَتْ: "خَطَبَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ، فاعْتَذَرَتْ إلَيْهِ فَعَذَرَنِي، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَحَرَّمَنِي عَلَيْهِ لِأنِّي لَمْ أُهاجِرْ مَعَهُ، وإنَّما كُنْتُ مِنَ الطُلَقاءِ".»

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "إنْ وهَبَتْ"﴾ بِكَسْرِ الألِفِ، وهَذا يَقْتَضِي اسْتِئْنافَ الأمْرِ، أيْ: إنْ وقَعَ فَهو حَلالٌ لَهُ، عَلى أنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: « "لَمْ تَكُنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ امْرَأةٌ إلّا بِعَقْدِ نِكاحٍ أو مِلْكِ يَمِينٍ. فَأمّا بِالهِبَةِ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنهُنَّ أحَدٌ".» وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والثَقَفِيُّ، والشَعْبِيُّ: "أنْ وهَبَتْ" بِفَتْحِ الألِفِ، فَهي إشارَةٌ إلى ما وقَعَ مِنَ الواهِباتِ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ، وكَسْرُ الألِفِ يَجْرِي مَعَ تَأْوِيلِ ابْنِ زَيْدٍ الَّذِي قَدَّمْناهُ، وفَتْحُها يَجْرِي مَعَ التَأْوِيلِ الآخَرِ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ قالَ: الإشارَةُ إلى مَن وهَبَ نَفْسَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنَ النِساءِ عَلى الجُمْلَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما - فِيما حَكى الطَبَرِيُّ -: هي مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: هي أمُّ شُرَيْكٍ.

وقالَ الشَعْبِيُّ وعُرْوَةُ: هي زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ أُمُّ المَساكِينِ، وقالَ أيْضًا عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمِ بْنِ الأوقَصِ السِلْمِيُّ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وامْرَأةٌ مُؤْمِنَةٌ وهَبَتْ"، دُونَ "إنْ".

(p-١٣٣)وَقَوْلُهُ: ﴿خالِصَةً لَكَ﴾ أيْ: هِبَةُ النِساءِ أنْفُسُهُنَّ خاصَّةٌ ومِزِيَّةٌ "لا تَجُوزُ"، فَلا يَجُوزُ أنْ تَهَبَ المَرْأةُ نَفْسَها لِرَجُلٍ، وأجْمَعَ الناسُ عَلى أنَّ ذَلِكَ غَيْرَ جائِزٍ؛ إلّا ما رُوِيَ عن أبِي حَنِيفَةَ، ومُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ، وأبِي يُوسُفَ أنَّهم قالُوا: إذا وهَبَتْ وأشْهَدَ هو عَلى نَفْسِهِ بِمَهْرٍ فَذَلِكَ جائِزٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَلَيْسَ في قَوْلِهِمْ إلّا تَجْوِيزَ العِبارَةِ وبِلَفْظَةِ الهِبَةِ، وإلّا فالأفْعالُ الَّتِي اشْتَرَطُوها هي أفْعالُ النِكاحِ بِعَيْنِهِ، ويَظْهَرُ مِن لَفْظِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿خالِصَةً لَكَ﴾ يُرادُ بِهِ جَمِيعُ هَذِهِ الإباحَةِ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ قَصَرُوا عَلى مَثْنى وثُلاثٍ ورُباعٍ.

وقَوْلُهُ: "قَدْ عَلِمْنا" الآيَةُ، يُرِيدُ: فَرَضْنا الوَلِيَّ والشاهِدَ والمَهْرَ والِاقْتِصارَ عَلى أرْبَعٍ، قالَهُ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: هو مَثْنى وثُلاثٌ ورُباعٌ. وقَوْلُهُ: "لِئَلّا يَكُونُ" أيْ: بَيَّنّا هَذا البَيانَ، وشَرَحْنا هَذا الشَرْحَ لِئَلّا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ويُظَنُّ بِكَ أنَّكَ قَدْ أثِمْتُ عِنْدَ رَبِّكِ في شَيْءٍ، ثُمَّ آنَسَ الجَمِيعَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِغُفْرانِهِ ورَحْمَتِهِ.

33:51–52Page 425

۞ تُرۡجِي مَن تَشَآءُ مِنۡهُنَّ وَتُـٔۡوِيٓ إِلَيۡكَ مَن تَشَآءُۖ وَمَنِ ٱبۡتَغَيۡتَ مِمَّنۡ عَزَلۡتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكَۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن تَقَرَّ أَعۡيُنُهُنَّ وَلَا يَحۡزَنَّ وَيَرۡضَيۡنَ بِمَآ ءَاتَيۡتَهُنَّ كُلُّهُنَّۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمٗا ٥١

You, [O Muḥammad], may put aside whom you will of them1 or take to yourself whom you will. And any that you desire of those [wives] from whom you had [temporarily] separated - there is no blame upon you [in returning her]. That is more suitable that they should be content and not grieve and that they should be satisfied with what you have given them - all of them. And Allāh knows what is in your hearts. And ever is Allāh Knowing and Forbearing.

لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعۡدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ حُسۡنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ يَمِينُكَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ رَّقِيبٗا ٥٢

Not lawful to you, [O Muḥammad], are [any additional] women after [this], nor [is it] for you to exchange them for [other] wives, even if their beauty were to please you, except what your right hand possesses. And ever is Allāh, over all things, an Observer.1

قوله عزّ وجلّ:

﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ واللهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكم وكانَ اللهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾

﴿ "تُرْجِي"﴾ مَعْناهُ: تُؤَخِّرُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "تُرْجِئُ" بِالهَمْزِ، وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ - وحَمْزَةَ، والكِسائِيِّ: "تُرْجِي" بِغَيْرِ هَمْزٍ، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنى. ﴿ "وَتُؤْوِي"﴾ مَعْناهُ: تَضُمُّ وتُقَرِّبُ، وقالَ المِبْرَدُ: هو مُعَدّى "رَجا يَرْجُو"، تَقُولُ: "رَجا الرَجُلُ وأرْجَيْتُهُ" جَعَلْتُهُ ذا رَجاءٍ.

ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى فَسَحَ لِنَبِيِّهِ فِيما يَفْعَلُهُ في جِهَةِ النِساءِ، والضَمِيرُ في "مِنهُنَّ" عائِدٌ عَلى مَن تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ مِنَ الأصْنافِ حَيْثُ الخِلافُ المَذْكُورُ في ذَلِكَ.

(p-١٣٤)وَهَذا الإرْجاءُ والإيواءُ يَحْتَمِلُ مَعانِي: مِنها في القَسْمِ، أيْ: تُقَرِّبُ مَن شِئْتُ في القِسْمَةِ لَها مِن نَفْسِكَ، وتُؤَخِّرُ عنكَ مَن شِئْتَ، وتُكْثِرُ لِمَن شِئْتَ، وتُقِلُّ لِمَن شِئْتَ، لا حَرَجَ عَلَيْكَ في ذَلِكَ، فَإذا عَلِمْنَ هُنَّ أنَّ هَذا هو حُكْمُ اللهِ تَعالى لَكَ وقَضاؤُهُ زالَتِ الأنَفَةُ والتَغايُرُ عنهُنَّ ورَضِينَ وقَرَّتْ أعْيُنُهُنَّ وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَحّاكِ ؛ لِأنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآياتِ إنَّما كانَ تَغايُرًا - وقَعَ بَيْنَ زَوْجاتِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - عَلَيْهِ، فَشَقِيَ بِذَلِكَ، فَفَسَحَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى لَهُ، وأنَّبَهُنَّ بِهَذِهِ الآياتِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: في طَلاقِ مَن شاءَ مِمَّنْ حَصَلَ في عِصْمَتِهِ، وإمْساكِ مَن شاءَ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: «وَكانَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قَدْ هَمَّ بِطَلاقِ بَعْضِ نِسائِهِ، فَقُلْنَ لَهُ: اقْسِمْ لَنا ما شِئْتَ، فَكانَ مِمَّنْ أرْجَأ سَوْدَةُ وجُوَيْرِيَّةُ وصَفِيَّةُ وأُمُّ حَبِيبَةَ ومَيْمُونَةُ، وآوى إلَيْهِ عائِشَةَ وأُمَّ سَلَمَةَ وحَفْصَةَ وزَيْنَبَ رَضِيَ اللهُ عنهُنَّ أجْمَعِينَ.»

وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: في تَزْوِيجِ مَن شاءَ مِنَ النِساءِ وتَرْكِ مَن شاءَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: في ضَمِّ مَن شاءَ مِنَ الواهِباتِ وتَأْخِيرِ مَن شاءَ.

وعَلى كُلِّ مَعْنى فالآيَةُ مَعْناها التَوْسِعَةُ عَلَيْهِ - ﷺ والإباحَةُ؛ «قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: لَمّا قَرَأ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ قُلْتُ: ما أرى رَبَّكَ إلّا يُسارِعُ في هَواكَ.»

وذَهَبَ هِبَةُ اللهِ في "الناسِخِ والمَنسُوخِ" لَهُ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ﴾ الآيَةُ ناسِخٌ قَوْلَهُ ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ﴾ الآيَةُ، وقالَ: لَيْسَ في كِتابِ اللهِ تَعالى ناسِخٌ تَقَدَّمَ المَنسُوخَ سِوى هَذا. وكَلامُهُ يَضْعُفُ مِن جِهاتٍ.

(p-١٣٥)وَقوله عزّ وجلّ: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ يَحْتَمِلُ مَعانِي: أحَدُهُما أنْ تَكُونَ "مَن" لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: مَن أرَدْتَهُ وطَلَبَتْهُ نَفْسُكَ مِمَّنْ كُنْتُ عَزَلْتَهُ وأخَّرَتْهُ فَلا جَناحَ في رَدِّهِ إلى نَفْسِكَ وإيوائِهِ إلَيْكَ بَعْدَ عُزْلَتِهِ. ووَجْهٌ ثانٍ وهو أنْ يَكُونَ مُقَوِّيًا ومُؤَكِّدًا لِقَوْلِهِ: ( تُرْجِي مَن تَشاءُ وتُؤْوِي مَن تَشاءُ )، فَيَقُولُ بَعْدُ: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ فَذَلِكَ سَواءٌ لا جُناحَ عَلَيْكَ في جَمِيعِهِ، وذَلِكَ كَما تَقُولُ: "مَن لَقِيَكَ مِمَّنْ لَمْ يَلْقَكَ جَمِيعُهم لَكَ شاكِرِينَ"، وأنْتَ تُرِيدُ: "مَن لَقِيَكَ ومَن لَمْ يَلْقَكَ"، وهَذا المَعْنى يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَعْنى القَسَمِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في الطَلاقِ والإمْساكِ، وفي الواهِباتِ، وبِكُلِّ واحِدٍ قالَتْ فِرْقَةٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ"﴾ بِرَفْعِ الأعْيُنِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "أنْ تُقِرَّ" بِضَمِّ التاءِ مِن "تُقِرَّ" وكَسْرِ القافِ "أعْيُنَهُنَّ" نَصْبًا. وقَوْلُهُ: ﴿ "بِما آتَيْتَهُنَّ"﴾ أيْ: مِن نَفْسِكَ ومالِكَ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "كُلُّهُنَّ"﴾ بِالرَفْعِ عَلى التَأْكِيدِ لِلضَّمِيرِ في "يَرْضَيْنَ"، ولَمْ يُجَوِّزُ الطَبَرِيُّ غَيْرَها، وقَرَأ جُوَيْرَةُ بْنُ عابِدٍ: "كُلَّهُنَّ" بِالنَصْبِ عَلى تَأْكِيدِ ضَمِيرِ "آتَيْتَهُنَّ"، والمَعْنى أنَّهُنَّ يُسَلِّمْنَ لِلَّهِ ولِحُكْمِهِ، وكُنْ قَبْلَ لا يَتَسامَحْنَ بَيْنَهُنَّ لِلْغَيْرَةِ، ولا يُسَلِّمْنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أنَفَةً، نَحا إلى هَذا المَعْنى ابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِكُمْ﴾ خَبَرٌ عامٌّ، والإشارَةُ إلى ما في قَلْبِ (p-١٣٦)رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن مَحَبَّةِ شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، وكَذَلِكَ يَدْخُلُ في المَعْنى أيْضًا المُؤْمِنُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿ "حَلِيمًا"﴾ صِفَةٌ تَقْتَضِي مِنهُ تَبارَكَ وتَعالى صَفْحًا وتَأْنِيسًا في هَذا المَعْنى؛ إذْ هي خَواطِرُ وفِكْرٌ لا يَمْلِكُها الإنْسانُ في الأغْلَبِ.

واتَّفَقَتِ الرِواياتُ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَدَلَ بَيْنَهُنَّ في القِسْمَةِ حَتّى ماتَ، ولَمْ يَمْتَثِلْ ما أُبِيحَ لَهُ مَعَهُنَّ ضَبَطا لِنَفْسِهِ، وأخْذًا بِالفَضْلِ، غَيْرَ أنَّ سَوْدَةً وهَبَتْ يَوْمَها لِعائِشَةَ تَوَصُّلًا لِمَسَرَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ مِن بَعْدُ﴾، قِيلَ كَما قَدَّمْنا: إنَّها خَطَرَتْ عَلَيْهِ النِساءُ إلّا التِسْعَ اللَواتِي كُنَّ عِنْدَهُ، فَكَأنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، لَمّا هَجَرَهُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهْرًا وآلى مِنهُنَّ، ثُمَّ خَرَجَ وخَيَّرَهُنَّ فاخْتَرْنَ اللهَ ورَسُولَهُ، جازاهُنَّ اللهُ بِأنَّ حَظَرَ عَلَيْهِ النِساءَ غَيْرَهُنَّ، وقَنَّعَهُ بِهِنَّ، وحَظَرَ عَلَيْهِ تَبْدِيلِهِنَّ، ونَسَخَ بِذَلِكَ ما أباحَهُ لَهُ مِن قَبْلُ مِنَ التَوْسِعَةِ في جَمِيعِ النِساءِ. وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وعِكْرِمَةُ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ مِن بَعْدُ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ الأصْنافِ المُسَمّاهٍ. ومَن قالَ بِأنَّ الإباحَةَ كانَتْ لَهُ مُطْلَقَةً قالَ هُنا: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ﴾ مَعْناهُ: لا يَحِلُّ لَكَ اليَهُودِيّاتِ ولا النَصْرانِيّاتِ، وهَذا تَأْوِيلٌ فِيهِ بُعْدٌ وإنْ كانَ رُوِيَ عن مُجاهِدٍ، وكَذَلِكَ قَدَّرَ: ولا أنْ تُبَدِّلَ اليَهُودِيّاتِ والنَصْرانِيّاتِ بِالمُسْلِماتِ، وهَذا قَوْلُ أبِي رَزِينٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِساءُ مِن بَعْدُ﴾ يَعْنِي: لا يَحِلُّ لَكَ العَمّاتُ ولا الخالاتُ ونَحْوَهُنَّ، وأمَرَ مَعَ ذَلِكَ بِأنْ لا يَتَبَدَّلُ بِأزْواجِهِ التِسْعِ، ومُنِعَ أنْ يُطَلِّقَ مِنهُنَّ ويَتَزَوَّجَ غَيْرَهُنَّ، قالَهُ الضَحّاكُ. وقِيلَ: بِمَن تَزَوَّجَ وحَصَلَ في عِصْمَتِهِ، أيْ: لا يُبَدِّلُها بِأنْ يَأْخُذَ زَوْجَةَ إنْسانٍ ويُعْطِيَهُ هو زَوْجَتَهُ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: وهَذا شَيْءٌ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ. وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ أنْكَرَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرَهُ في مَعْنى الآيَةِ، وما فَعَلَتِ العَرَبُ هَذا قَطُّ، وما رُوِيَ مِن حَدِيثِ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ «أنَّهُ دَخَلَ عَلى النَبِيِّ ﷺ وعِنْدَهُ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها فَقالَ: "مَن هَذِهِ الحُمَيْراءُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: هَذِهِ عائِشَةُ، فَقالَ عُيَيْنَةُ: يا رَسُولَ اللهِ، إنْ شِئْتَ نَزَلْتُ لَكَ عن سَيِّدَةِ العَرَبِ جَمالًا ونَسَبًا"» فَلَيْسَ بِتَبْدِيلٍ ولا أرادَ ذَلِكَ، وإنَّما احْتَقَرَ عائِشَةَ لِأنَّها كانَتْ صَبِيَّةً فَقالَ هَذا القَوْلَ. وقَرَأ أبُو عَمْرُو - بِخِلافٍ -: "تَحِلُّ" (p-١٣٧)بِالتاءِ عَلى مَعْنى: جَماعَةِ النِساءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ مِن تَحْتٍ، عَلى مَعْنى: جَمِيعِ النِساءِ، وهُما حُسْنانِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ لَفْظِ النِساءِ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾، «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ أسْماءِ بِنْتِ عُمَيْسٍ، أعْجَبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ حُسْنُها حِينَ ماتَ عنها جَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ، [فَأرادَ أنْ يَتَزَوَّجَها]،» وفي هَذِهِ اللَفْظَةِ: ﴿أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ أنْ يَنْظُرَ الرَجُلُ إلى مَن يُرِيدُ زَواجَها، وقَدْ «أرادَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ زَواجَ امْرَأةٍ فَقالَ لَهُ النَبِيُّ ﷺ: "انْظُرْ إلَيْها فَإنَّهُ أجْدَرُ أنْ يُؤْدِمَ بَيْنَكُما"،» وقالَ ﷺ لِآخَرَ: « "انْظُرْ إلَيْها فَإنَّ في أعْيُنِ الأنْصارِ شَيْئًا"،» قالَ الحَمِيدِيُّ: يَعْنِي: صَفْراءَ، وقالَ سَهْلُ بْنُ أبِي حَثْمَةَ: (p-١٣٨)«رَأيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ يُطارِدُ بُيَيْتَةَ بِنْتَ الضَحّاكِ عَلى إجّارٍ مِن أجاجِيرِ المَدِينَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: أتَفْعَلُ هَذا؟ فَقالَ: نَعَمَ: قالَ النَبِيُّ ﷺ: "إذا ألْقى اللهُ في قَلْبِ أحَدِكم خُطْبَةَ امْرَأةٍ فَلا بَأْسَ أنْ يَنْظُرَ إلَيْها".»

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾. "ما" في مَوْضِعِ رَفْعِ بَدَلٍ مِنَ "النِساءُ"، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وفي النَصْبِ ضَعْفٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، والتَقْدِيرُ: إلّا مِلْكَ يَمِينِكَ، بِمَعْنى "مَمْلُوكَ"، وهو في مَوْضِعِ نَصْبٍ لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن غَيْرِ الجِنْسِ الأوَّلِ. و"الرَقِيبُ" فَعِيلُ بِمَعْنى فاعِلٍ، أيْ: راقَبَ.

33:53Page 425

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلَّآ أَن يُؤۡذَنَ لَكُمۡ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيۡرَ نَٰظِرِينَ إِنَىٰهُ وَلَٰكِنۡ إِذَا دُعِيتُمۡ فَٱدۡخُلُواْ فَإِذَا طَعِمۡتُمۡ فَٱنتَشِرُواْ وَلَا مُسۡتَـٔۡنِسِينَ لِحَدِيثٍۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ يُؤۡذِي ٱلنَّبِيَّ فَيَسۡتَحۡيِۦ مِنكُمۡۖ وَٱللَّهُ لَا يَسۡتَحۡيِۦ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ وَإِذَا سَأَلۡتُمُوهُنَّ مَتَٰعٗا فَسۡـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٖۚ ذَٰلِكُمۡ أَطۡهَرُ لِقُلُوبِكُمۡ وَقُلُوبِهِنَّۚ وَمَا كَانَ لَكُمۡ أَن تُؤۡذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓاْ أَزۡوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦٓ أَبَدًاۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمًا ٥٣

O you who have believed, do not enter the houses of the Prophet except when you are permitted for a meal, without awaiting its readiness. But when you are invited, then enter; and when you have eaten, disperse without seeking to remain for conversation. Indeed, that [behavior] was troubling the Prophet, and he is shy of [dismissing] you. But Allāh is not shy of the truth. And when you ask [his wives] for something, ask them from behind a partition. That is purer for your hearts and their hearts. And it is not [conceivable or lawful] for you to harm the Messenger of Allāh or to marry his wives after him, ever. Indeed, that would be in the sight of Allāh an enormity.

قوله عزّ وجلّ:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَبِيِّ فَيَسْتَحْيِي مِنكم واللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِنَ وراءِ حِجابٍ ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِنَ بَعْدِهِ أبَدًا إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمًا﴾

هَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ قِصَّتَيْنِ: إحْداهُما الأدَبُ في أمْرِ الطَعامِ والجُلُوسِ، والثانِيَةُ في أمْرِ الحِجابِ.

فَأمًّا الأُولى فالجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ سَبَبَها «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا تَزَوَّجَ زَيْنَبَ بِنْتَ (p-١٣٩)جَحْشٍ أولَمَ عَلَيْها، فَدَعا الناسَ، فَلَمّا طُعِمُوا قَعَدَ نَفَرٌ في طائِفَةٍ مِنَ البَيْتِ، فَثَقُلَ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَكانُهُمْ، فَخَرَجَ لِيَخْرُجُوا بِخُرُوجِهِ، ومَرَّ عَلى حُجَرِ نِسائِهِ، ثُمَّ عادَ فَوَجَدَهم في مَكانِهِمْ وزَيْنَبُ في البَيْتِ مَعَهُمْ، فَلَمّا دَخَلَ ورَآهُمُ انْصَرَفَ، فَخَرَجُوا عِنْدَ ذَلِكَ، قالَ أنَسُ: فَأُعْلِمُ أو أعْلَمْتُهُ بِانْصِرافِهِمْ فَجاءَ، فَلَمّا وصَلَ الحُجْرَةَ أرْخى السِتْرَ بَيْنِي وبَيْنَهُ ودَخَلَ، ونَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.» وقالَ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ - في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: إنَّ هَذا السَبَبَ جَرى في بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، والأوَّلُ أشْهَرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا يَتَحَيَّنُونَ طَعامَ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، فَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِ قَبْلَ الطَعامِ إلى أنْ يُدْرِكَ، ثُمَّ يَأْكُلُونَ ولا يَخْرُجُونَ، وقالَ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي حَكِيمٍ: هَذا أدَبٌ أدَّبَ اللهُ تَعالى بِهِ الثُقَلاءَ، وقالَ ابْنُ أبِي عائِشَةَ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: بِحَسْبِكَ مِنَ الثُقَلاءِ أنَّ الشَرْعَ لَمْ يَحْتَمِلْهم.

وأمّا آيَةُ الحِجابِ فَقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ وجَماعَةٌ: سَبَبُها أمْرُ القُعُودِ في بَيْتِ زَيْنَبَ، القِصَّةُ المَذْكُورَةُ آنِفًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ في بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها وجَماعَةٌ: سَبَبُ الحِجابِ «كَلامُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأنَّهُ كَلَّمَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِرارًا في أنْ يَحْجُبَ نِساءَهُ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لا يَفْعَلُ، وكانَ عُمَرُ يُتابِعُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ لَيْلًا لِحاجَتِها - وكانَتِ امْرَأةً تَفْرُعُ النِساءَ طُولًا - فَناداها عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: قَدْ عَرِفْناكِ يا سَوْدَةَ - حِرْصًا عَلى الحِجابِ - وقالَتْ لَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ: عَجِبْنا لَكَ يا ابْنَ الخَطّابِ، تَغارُ عَلَيْنا والوَحْيُ يَنْزِلُ في بُيُوتِنا؟ فَما زالَ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ يُتابِعُ حَتّى نَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ.»

(p-١٤٠)وَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: وافَقْتُ رَبِّي في ثَلاثٍ: مِنها الحِجابُ، ومَقامُ إبْراهِيمَ، و﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]. الحَدِيثُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وكانَتْ سِيرَةُ القَوْمِ إذا كانَ لَهم طَعامُ ولِيمَةٍ أو نَحْوَهُ أنْ يُبَكِّرَ مَن شاءَ إلى دارِ الدَعْوَةِ، يَنْتَظِرُ طَبْخَ الطَعامِ ونُضْجَهُ في حَدِيثٍ وأُنْسٍ، وكَذَلِكَ إذا انْتَهَوْا مِنهُ جَلَسُوا كَذَلِكَ، فَنَهى اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عن أمْثالِ ذَلِكَ في بَيْتِ النَبِيِّ ﷺ، ودَخَلَ في النَهْيِ سائِرُ المُؤْمِنِينَ، والتَزَمَ الناسُ أدَبَ اللهِ تَعالى لَهم في ذَلِكَ، فَمَنَعَهم مِنَ الدُخُولِ إلّا بِإذْنٍ عِنْدَ الأكْلِ، لا قَبْلَهُ لِانْتِظارِ نُضْجِ الطَعامِ.

و"ناظِرِينَ" مَعْناهُ: مُنْتَظَرِينَ، و"إناهُ" مَصْدَرُ أنى الشَيْءُ يَأْنِي إذا فَرَغَ وحانَ إنّى، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ تَمَخَّضَتِ المَنُونُ لَهُ بِيَوْمٍ ∗∗∗ أنى ولِكُلِّ حامِلَةٍ تَمامُ

وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ النُونِ مِن "إنّاهُ"، وأمالَها حَمْزَةُ والكِسائِيُّ.

(p-١٤١)ثُمَّ أكَّدَ المَنعَ وحَصَرَ وقْتَ الدُخُولِ بِأنْ يَكُونَ عِنْدَ الإذْنِ، ثُمَّ أمَرَ بَعْدَ الطَعامِ بِأنْ يَفْتَرِقَ جَمْعُهم ويَنْتَشِرَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ﴾، و"غَيْرٌ" مَنصُوبَةٌ عَلى الحالِ مِنَ الكافِ والمِيمِ في "لَكم أيْ: غَيْرَ ناظِرِينَ ولا مُسْتَأْنِسِينَ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "غَيْرِ" بِكَسْرِ الراءِ، وجَوازُهُ عَلى تَقْدِيرِ: غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ أنْتُمْ. وقَرَأ الأعْمَشُ: "إناهُ" عَلى جَمْعِ "إنّى" بِمَدَّةٍ بَعْدِ النُونِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَيَسْتَحْيِي" بِإظْهارِ الياءِ المَكْسُورَةِ قَبْلَ الساكِنَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "فَيَسْتَحِي" بِسُكُونِ الياءِ دُونَ ياءٍ مَكْسُورَةٍ قَبْلَها. وقَوْلُهُ: ﴿واللهُ لا يَسْتَحْيِي﴾ مَعْناهُ: لا يَقَعُ مِنهُ تَرْكُ قَوْلِ الحَقِّ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَقَعُ مِنَ البَشَرِ لِعِلَّةِ الِاسْتِحْياءِ نَفى عَنِ اللهِ تَعالى العِلَّةَ المُوجِبَةَ لِذَلِكَ في البَشَرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا﴾ الآيَةُ هي آيَةُ الحِجابِ، و"المَتاعُ" عامٌّ في جَمِيعِ ما يُمْكِنُ أنْ يُطْلَبَ عَلى عُرْفِ السُكْنى والمُجاوَرَةِ مِنَ المَواعِينِ وسائِرِ المَرافِقِ لِلدِّينِ والدُنْيا. ﴿ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ﴾ يُرِيدُ مِنَ الخَواطِرِ الَّتِي تُعْرَضُ لِلنِّساءِ في أمْرِ الرِجالِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ «أنَّ بَعْضَ الصَحابَةِ قالَ: "لَوْ ماتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَتَزَوَّجَتْ عائِشَةُ "، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَتَأذّى بِهِ،» هَكَذا كَنّى عنهُ ابْنُ عَبّاسٍ بِـ"بَعْضِ الصَحابَةِ"، وحَكى مَكِّيُّ عن مَعْمَرٍ أنَّهُ قالَ: "هُوَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ ".

(p-١٤٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

لِلَّهِ دُرُّ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عَلى طَلْحَةَ، اللهُ عاصِمُهُ مِنهُ، ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ حِينَ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أُمَّ سَلَمَةَ بَعْدَ أبِي سَلَمَةَ، وحَفْصَةَ بَعْدَ خُنَيْسِ بْنِ حُذافَةَ. "ما بالُ مُحَمَّدٍ يَتَزَوَّجُ نِساءَنا، واللهِ لَوْ قَدْ ماتَ لَأجَّلْنا السِهامَ عَلى نِسائِهِ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في هَذا،» وحَرَّمَ اللهُ نِكاحَ أزْواجِهِ بَعْدَهُ، وجَعَلَ لَهُنَّ حُكْمَ الأُمَّهاتِ، ولَمّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وارْتَدَّتِ العَرَبُ ثُمَّ رَجَعَتْ تَزَوَّجُ عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ قَتِيلَةَ بِنْتَ الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ تَزَوَّجَها ولَمْ يَبِنْ بِها، فَصَعُبَ ذَلِكَ عَلى أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقَلِقَ لَهُ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَهْلًا، إنَّها لَيْسَتْ مِن نِسائِهِ، إنَّهُ لَمْ يُخَيِّرْها ولا أرْخى عَلَيْها حِجابًا، وقَدْ أبانَتْها مِنهُ رَدَّتُها مَعَ قَوْمِها، فَسَكَنَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَهَبَ عُمَرُ إلى ألّا يَشْهَدَ جِنازَةَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ إلّا ذُو مَحْرَمٍ مِنها مُراعاةً لِلْحِجابِ فَدَلَّتْهُ أسْماءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ عَلى سَتْرِها في النَعْشِ بِالقُبَّةِ، وأعْلَمَتْهُ أنَّها رَأتْ ذَلِكَ في بِلادِ الحَبَشَةِ فَصَنَعَهُ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ صُنِعَ في جِنازَةِ فاطِمَةَ بِنْتِ النَبِيِّ ﷺ.

33:54–55Page 425

إِن تُبۡدُواْ شَيۡـًٔا أَوۡ تُخۡفُوهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٥٤

Whether you reveal a thing or conceal it, indeed Allāh is ever, of all things, Knowing.

لَّا جُنَاحَ عَلَيۡهِنَّ فِيٓ ءَابَآئِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآئِهِنَّ وَلَآ إِخۡوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ إِخۡوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ أَخَوَٰتِهِنَّ وَلَا نِسَآئِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّۗ وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا ٥٥

There is no blame upon them [i.e., women] concerning their fathers or their sons or their brothers or their brothers' sons or their sisters' sons or their women or those their right hands possess [i.e., slaves].1 And fear Allāh. Indeed Allāh is ever, over all things, Witness.

(p-١٤٣)قوله عزّ وجلّ:

﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا أو تُخْفُوهُ فَإنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ ولا إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ إخْوانِهِنَّ ولا أبْناءِ أخَواتِهِنَّ ولا نِسائِهِنَّ ولا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ واتَّقِينَ اللهَ إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا أو تُخْفُوهُ﴾ الآيَةُ... وعِيدٌ وتَوْبِيخٌ ووَعِيدٌ لِمَن تَقَدَّمُ بِهِ التَعْرِيضُ في الآيَةِ قَبْلَها، مِمَّنْ أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، ومَن أُشِيرُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، فَقِيلَ لَهم في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تُخْفُونَهُ مِن هَذِهِ المُعْتَقَداتِ والخَواطِرِ المَكْرُوهَةِ، ويُجازِيكم عَلَيْها، ثُمَّ ذَكَرَ تَبارَكَ وتَعالى الإباحَةَ فِيمَن سَمّى مِنَ القَرابَةِ؛ إذْ لا تَقْضِي أحْوالُ البَشَرِ إلّا مُداخَلَةَ مَن ذَكَرَ، وكَثْرَةَ تِرْدادِهِ، وسَلامَةَ نَفْسِهِ مِن أمْرِ الغَزْلِ؛ لِما تَتَحاشاهُ النُفُوسُ مِن ذَواتِ المَحارِمِ، فَمِن ذَلِكَ الآباءُ والأولادُ والإخْوَةُ وأبْناؤُهم وأبْناءُ الأخَواتِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا نِسائِهِنَّ﴾ دَخَلَ فِيهِ الأخَواتُ والأُمَّهاتُ وسائِرُ القَراباتِ ومَن يَتَّصِلُ مِنَ المُنْصَرِفاتِ لَهُنَّ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، ويُؤَيِّدُ قَوْلُهم هَذِهِ الإضافَةَ المُخَصَّصَةَ في قَوْلِ: ﴿ "نِسائِهِنَّ"،﴾ وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: إنَّما أرادَ جَمِيعَ النِساءِ المُؤْمِناتِ، وتَخْصِيصُ الإضافَةِ إنَّما هي في الإيمانِ.

وقَوْلُهُ: ﴿أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١] قالَتْ طائِفَةٌ: مِنَ الإماءِ دُونَ العَبِيدِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: مِنَ العَبِيدِ والإماءِ، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الطائِفَةُ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: ما مَلَكَتْهُ مِنَ العَبِيدِ دُونَ مِن مَلَكَ سِواهُنَّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ مِن جَمِيعِ العَبِيدِ، كانَ في مِلْكِهِنَّ أو في مِلْكِ غَيْرِهِنَّ، والمُكاتَبُ إذا كانَ عِنْدَهُ ما يُؤَدِّي فَقَدْ أمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِضَرْبِ الحِجابِ دُونَهُ، وفَعَلَتْ ذَلِكَ أُمُّ سَلَمَةَ مَعَ مُكاتَبِها نَبْهانِ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: دَخَلَ الأعْمامُ في الآباءِ، وقالَ الشَعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ: لَمْ يَذْكُرْهم لِإمْكانِ أنْ يَصْفُوا لِأبْنائِهِمْ، وكَذَلِكَ الأخْوالُ، وكَرِهُوا أنْ تَضَعَ المَرْأةُ خِمارَها عِنْدَ عَمِّها أو خالِها.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المَعْنى الَّذِي رُفِعَ فِيهِ الجُناحُ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَتادَةُ: هو الحِجابُ، أيْ: أُبِيحُ لِهَذِهِ الأصْنافِ الدُخُولَ عَلى النِساءِ دُونَ الحِجابِ ورُؤْيَتِهِنَّ، وقالَ مُجاهِدٌ ؛ ذَلِكَ في رَفْعِ الجِلْبابِ وإبْداءِ الزِينَةِ.

(p-١٤٤)وَلَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى الرُخْصَةَ في هَذِهِ الأصْنافِ، وانْجَزَمَتِ الإباحَةُ، عَطَفَ فَأمَرَهُنَّ بِالتَقْوى عَطْفَ جُمْلَةٍ، عَلى جُمْلَةٍ وهَذا في غايَةِ البَلاغَةِ والإيجازِ، كَأنَّهُ قالَ: اقْتَصَرْنَ عَلى هَذا واتَّقِينَ اللهَ فِيهِ أنْ تَتَعَدَّيْنَهُ إلى غَيْرِهِ، ثُمَّ تَوَعَّدَ تَبارَكَ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском