Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Saba 34:14–22
34:14Page 429
فَلَمَّا قَضَيۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَوۡتَ مَا دَلَّهُمۡ عَلَىٰ مَوۡتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلۡأَرۡضِ تَأۡكُلُ مِنسَأَتَهُۥۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلۡجِنُّ أَن لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٱلۡغَيۡبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ ١٤
And when We decreed for him [i.e., Solomon] death, nothing indicated to them [i.e., the jinn] his death except a creature of the earth eating his staff.1 But when he fell, it became clear to the jinn that if they had known the unseen, they would not have remained in humiliating punishment.2
(p-١٦٩)قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ المَوْتَ ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ إلا دابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾
الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، و"قَضَيْنا" بِمَعْنى: أنَفَذْنا وأخْرَجْناهُ إلى حَيِّزِ الوُجُودِ، وإلّا فالقَضاءُ الأخِيرُ بِهِ مُتَقَدِّمٌ في الأزَلِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في قَصَصِهِما أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يَتَعَبَّدُ في بَيْتِ المَقْدِسِ، وكانَ يَنْبُتُ في مِحْرابِهِ كُلَّ سَنَةٍ شَجَرَةٌ، فَكانَ يَسْألُها عن مَنافِعِها ومَضارِّها وسائِرِ شَأْنِها فَتُخْبِرُهُ، ويَأْمُرُ بِها فَتُقْلَعُ فَتُصْرَفُ في مَنافِعِها، أو تُغْرَسُ لِتَتَناسَلَ، فَلَمّا كانَ عِنْدَ مَوْتِهِ خَرَجَتْ شَجَرَةٌ فَقالَ لَها: ما أنْتِ؟ فَقالَتْ: أنا الخَرُّوبُ، خَرَجْتُ لِخَرابِ مُلْكِكَ هَذا، فَقالَ: ما كانَ اللهُ لِيُخَرِّبَهُ وأنا حَيٌّ، ولَكِنَّهُ لا شَكَّ حُضُورُ أجَلِي، فاسْتَعَدَّ عَلَيْهِ السَلامُ وغَرَسَها، وصَنَعَ مِنها عَصًا لِنَفْسِهِ، وجَدَّ في عِبادَتِهِ، وجاءَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَلَكُ المَوْتِ، فَأخْبَرَهُ أنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِقَبْضِ رُوحِهِ، وأنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا مُدَّةً يَسِيرَةً، فَرُوِيَ أنَّهُ أمَرَ الجِنَّ حِينَئِذٍ فَصُنِعَتْ لَهُ قُبَّةٌ مِن زُجاجٍ تَشِفُّ، وحَصَلَ فِيها يَتَعَبَّدُ، ولَمْ يَجْعَلْ لَها بابًا، وتَوَكَّأ عَلى عَصاهُ عَلى وضْعٍ يَتَماسَكُ مَعَهُ وإنْ ماتَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ ﷺ عَلى تِلْكَ الحالَةِ، ورُوِيَ أنَّهُ اسْتَعَدَّ في تِلْكَ القُبَّةِ بِزادِ سَنَةٍ، وكانَ الجِنُّ يَتَوَهَّمُونَ أنَّهُ يَتَغَذّى بِاللَيْلِ، وكانُوا لا يَقْرَبُونَ مِنَ القُبَّةِ، ولا يَدْخُلُونَ مِن كُوًى كانَتْ في أعالِيها، ومَن رامَ ذَلِكَ مِنهُمُ احْتَرَقَ قَبْلَ الوُصُولِ إلَيْها، هَذا في المُدَّةِ الَّتِي كانَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ في القُبَّةِ، فَلَمّا ماتَ بَقِيَتْ تِلْكَ الهَيْبَةُ عَلى الجِنِّ، ورُوِيَ أنَّ القُبَّةَ كانَ لَها بابٌ، وأنَّ سُلَيْمانَ أمَرَ بَعْضَ أهْلِهِ بِكِتْمانِ مَوْتِهِ عَلى الجِنِّ والإنْسِ، وأنْ يُتْرَكَ عَلى حالِهِ تِلْكَ سَنَةً، وكانَ غَرَضُهُ في هَذِهِ السَنَةِ أنْ يَعْمَلَ الجِنُّ عَمَلًا كانَ قَدْ بُدِئَ في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ وقُدِّرَ أنَّهُ بَقِيَ مِنهُ عَمَلُ سَنَةٍ، فَأحَبَّ الفَراغَ مِنهُ، فَلَمّا مَضى لِمَوْتِهِ سَنَةٌ خَرَّ عن عَصاهُ، والعَصا قَدْ أكَلَتْهُ الأرَضُ، وهي الدُودَةُ الَّتِي تَأْكُلُ العُودَ، فَرَأتِ الجِنُّ انْحِدارَهُ، فَتَوَهَّمَتْ مَوْتَهُ، فَجاءَ جَسُورٌ مِنهم فَقَرُبَ فَلَمْ يَحْتَرِقْ، ثُمَّ خَطَرَ فَعادَ فَقَرُبَ أكْثَرَ، ثُمَّ قَرُبَ حَتّى دَخَلَ مِن بَعْضِ تِلْكَ الكُوى فَوَجَدَ سُلَيْمانَ مَيِّتًا فَأخْبَرَ بِمَوْتِهِ، فَنُظِرَ ذَلِكَ الأجَلُ فَقُدِّرَ أنَّهُ سَنَةٌ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: جُعِلَتِ الأرَضَةُ فَأكَلَتْ يَوْمًا ولَيْلَةً، ثُمَّ قِيسَ ذَلِكَ بِأكْلِها في العَصا فَعُلِمَ أنَّها أكَلَتْ مُنْذُ سَنَةٍ، فَهَكَذا كانَتْ دَلالَةُ دابَّةِ الأرْضِ عَلى مَوْتِهِ. ولِلْمُفَسِّرِينَ: في هَذِهِ القَصَصِ إكْثارٌ عُمْدَتُهُ (p-١٧٠)ما ذَكَرْناهُ. وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ ﴿دابَّةُ الأرْضِ﴾: سُوسَةُ العُودِ، وهي الأرَضَةُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والعَبّاسُ بْنُ الفَضْلِ: "الأرَضُ" بِفَتْحِ الراءِ، جَمْعُ أرَضَةٍ، فَهَذا يُقَوِّي ذَلِكَ التَأْوِيلَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿دابَّةُ الأرْضِ﴾: حَيَوانٌ مِنَ الأرْضِ، شَأْنُهُ أنْ يَأْكُلَ العُودَ، وذَلِكَ مَوْجُودٌ، ولَيْسَتِ السُوسَةُ مِن دَوابِّ الأرْضِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنها أبُو حاتِمٍ اللُغَوِيُّ: "الأرْضِ" هُنا مَصْدَرُ "أُرِضَتِ الأثْوابُ والخَشَبُ" إذا أكَلَتْها الأرَضَةُ، كَأنَّهُ قالَ: دابَّةُ الأكْلِ الَّذِي هو بِتِلْكَ الصُورَةِ، عَلى جِهَةِ التَسَوُّسِ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "أكَلَتْ مِنسَأتَهُ"، والمِنسَأةُ هي العَصا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إذا دَبَبْتَ عَلى المِنساةِ مِن كِبَرٍ ∗∗∗ فَقَدْ تَباعَدَ عنكَ اللهْوُ والغَزَلُ
وكَذا قَرَأتْ جَماعَةٌ مِنَ القُرّاءِ بِغَيْرِ هَمْزٍ، مِنها أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، قالَ أبُو عَمْرٍو: لا أعْرِفُ لَها اشْتِقاقًا، فَأنا لا أهْمِزُها؛ لِأنَّها إنْ كانَتْ مِمّا يُهْمَزُ فَقَدِ احْتَطْتُ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِي هَمْزُ ما لا يُهْمَزُ، وقالَ غَيْرُهُ: أصْلُها الهَمْزُ، وهي مِنَ المِنسَأةِ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ، مِن: "نَسَأْتَ الإبِلَ والغَنَمَ والناقَةَ" إذا سُقْتَها، ومِنهُ قَوْلُ طُرْفَةَ:
؎ أمُونٍ كَعِيدانِ الإرانِ نَسَأْتُها ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى لاحِبٍ كَأنَّهُ ظَهْرُ بُرْجُدِ
(p-١٧١)وَيُرْوى: "وَعنسٍ" كَألْواحٍ وخُفِّفَتْ هَمْزَتُها جُمْلَةً، وكانَ القِياسُ أنْ تَخَفَّفَ بَيْنَ بَيْنَ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ عَلى الأصْلِ بِالهَمْزِ. وقَرَأ حَمْزَةُ: "مَنساتَهُ" بِفَتْحِ المِيمِ وبِغَيْرِ هَمْزٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مِنسَأْتَهُ" بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ وهَذا لا وجْهَ لَهُ إلّا التَخْفِيفَ في تَسْكِينِ المُتَحَرِّكِ لِغَيْرِ عِلَّةٍ، كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎ فاليَوْمَ أشْرَبُ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللهِ ولا واغِلِ
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "مِن سَأتِهِ" بِفَصْلِ "مِن" وكَسْرِ التاءِ في " سَأتِهِ"، وهَذِهِ تَنْحُو إلى: سِيَةِ القَوْسِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: سِيَةٌ وساةٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: "مِن سَأتِهِ" ثُمَّ سَكَّنَ الهَمْزَةَ، ومَعْناها: مِن طَرَفِ عَصاهُ، أنْزَلَ العَصا مَنزِلَةَ القَوْسِ.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَمُتْ إلّا في سَفَرٍ مُضْطَجِعًا، ولَكِنَّهُ كانَ في بَيْتٍ مَبْنِيٍّ عَلَيْهِ، وأكَلَتِ الأرَضَةُ عَتَبَةَ البابِ حَتّى خَرَّ البَيْتُ فَعُلِمَ مَوْتُهُ، وهَذا ضَعِيفٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَبَيَّنَتِ الجِنُّ" بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْها، أيْ: بانَ أمْرُها، كَأنَّهُ قالَ: افْتَضَحَتِ الجِنُّ، أيْ لِلْإنْسِ، هَذا تَأْوِيلٌ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ بِمَعْنى: عَلِمَتِ الجِنُّ وتَحَقَّقَتْ، ويُرِيدُ بِالجِنُّ: جُمْهُورَهم والفَعَلَةُ مِنهم والخَدَمَةُ، ويُرِيدُ بِالضَمِيرِ في "كانُوا" رُؤَساءَهم وكِبارَهُمْ؛ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَدَّعُونَ عِلْمَ الغَيْبِ لِأتْباعِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ ويُوهِمُونَهم ذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ، فَيَتَبَيَّنُ الأتْباعُ أنَّ الرُؤُوسَ لَوْ (p-١٧٢)كانُوا عالِمِينَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا. و"أنْ" - عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ - بَدَلٌ مِنَ "الجِنُّ"، وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي مَفْعُولَةٌ مَحْضَةٌ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: "تُبُيِّنَتِ الجِنُّ" عَلى الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ، أيْ: تَبَيَّنَها الناسُ، و"أنْ" - عَلى هَذِهِ القِراءَةِ - بَدَلٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: بِأنْ، عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ مِنَ القِراءَةِ الأُولى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
مَذْهَبُ سِيبَوَيْهٍ أنَّ "أنْ" في هَذِهِ الآيَةِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وإنَّما هي مُؤْذِنَةٌ بِجَوابِ ما تُنَزَّلُ مَنزِلَةَ القَسَمِ مِنَ الفِعْلِ الَّذِي مَعْناهُ التَحَقُّقُ واليَقِينُ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأفْعالَ الَّتِي هِيَ: تَبَيَّنْتُ وتَحَقَّقْتُ وعَلِمْتُ وتَيَقَّنْتُ ونَحْوَها تَحِلُّ مَحَلَّ القَسَمِ في قَوْلِكَ: عَلِمْتُ أنْ لَوْ قامَ زَيْدٌ ما قامَ عَمْرٌو، فَكَأنَّكَ قُلْتَ: واللهِ لَوْ قامَ زَيْدٌ ما قامَ عَمْرٌو، فَقَوْلُهُ: ﴿ "ما لَبِثُوا"﴾ - عَلى هَذا القَوْلِ - جَوابُ ما تُنَزَّلُ مَنزِلَةَ القَسَمِ لا جَوابُ "لَوْ"، وعَلى الأقْوالِ الأُوَلِ جَوابُ "لَوْ"، وفي كِتابِ النَحّاسِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَقْرَأُ بِنَصْبِ [الجِنَّ] أيْ: تَبَيَّنَتِ الإنْسُ الجِنَّ، و﴿العَذابِ المُهِينِ﴾ هو العَمَلُ في تِلْكَ السُخْرَةِ، والمَعْنى أنَّ الجِنَّ لَوْ كانَتْ تَعْلَمُ الغَيْبَ لَما خَفِيَ عَلَيْها أمْرُ مَوْتِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَدْ ظَهَرَ أنَّهُ خَفِيَ عَلَيْها بِدَوامِها في الخِدْمَةِ الصَعْبَةِ وهو مَيِّتٌ، فالمُهِينِ: المُذِلِّ، مِنَ الهَوانِ. قالَ الطَبَرِيُّ: وفي بَعْضِ القِراءاتِ ["فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الإنْسُ أنَّ الجِنَّ لَوْ كانُوا"]، وحَكاها أبُو الفَتْحِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَحّاكِ، وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، وذَكَرَ أبُو حاتِمٍ أنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأكْثَرَ المُفَسِّرُونَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ بِما لا صِحَّةَ لَهُ، ولا تَقْتَضِيهِ ألْفاظُ القُرْآنِ، وفي مَعانِيهِ بَعْدُ، فاخْتَصَرْتُهُ لِذَلِكَ.
34:15–17Page 430
لَقَدۡ كَانَ لِسَبَإٖ فِي مَسۡكَنِهِمۡ ءَايَةٞۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٖ وَشِمَالٖۖ كُلُواْ مِن رِّزۡقِ رَبِّكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥۚ بَلۡدَةٞ طَيِّبَةٞ وَرَبٌّ غَفُورٞ ١٥
There was for [the tribe of] Saba’ in their dwelling place a sign: two [fields of] gardens on the right and on the left. [They were told], "Eat from the provisions of your Lord and be grateful to Him. A good land [have you], and a forgiving Lord."
فَأَعۡرَضُواْ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سَيۡلَ ٱلۡعَرِمِ وَبَدَّلۡنَٰهُم بِجَنَّتَيۡهِمۡ جَنَّتَيۡنِ ذَوَاتَيۡ أُكُلٍ خَمۡطٖ وَأَثۡلٖ وَشَيۡءٖ مِّن سِدۡرٖ قَلِيلٖ ١٦
But they turned away [refusing], so We sent upon them the flood of the dam,1 and We replaced their two [fields of] gardens with gardens of bitter fruit, tamarisks and something of sparse lote trees.
ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِمَا كَفَرُواْۖ وَهَلۡ نُجَٰزِيٓ إِلَّا ٱلۡكَفُورَ ١٧
[By] that We repaid them because they disbelieved. And do We [thus] repay except the ungrateful?
قوله عزّ وجلّ:
﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ في مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عن يَمِينٍ وشِمالٍ كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ ﴿فَأعْرَضُوا فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وأثْلٍ وشَيْءٍ مِن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ ﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا وهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ﴾
هَذا مَثَلٌ لِقُرَيْشٍ بِقَوْمٍ أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ وأرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُسُلَ فَكَفَرُوا وأعْرَضُوا فانْتَقَمَ اللهُ مِنهُمْ، أيْ: فَأنْتُمْ أيُّها القَوْمُ مِثْلُهم. وسَبَإٍ: هُنا أرادَ بِهِ القَبِيلَ، واخْتُلِفَ، لِمَ سُمِّيَ القَبِيلُ بِذَلِكَ؟ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو اسْمُ امْرَأةٍ كانَتْ أمَّ القَبِيلِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ في كِتابِ الرُمّانِيِّ: هو اسْمُ مَوْضِعٍ، فَسُمِّيَ القَبِيلُ بِهِ، وقالَ الجُمْهُورُ: هو اسْمُ رَجُلٍ كانَ (p-١٧٣)هُوَ أبًا لِلْقَبِيلِ كُلِّهِمْ، قِيلَ: هو ابْنُ يَشْجُبِ بْنِ يَعْرُبَ، ورُوِيَ في هَذا القَوْلِ حَدِيثٌ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ سَألَهُ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ عن سَبَإٍ، ما هُوَ؟ فَقالَ: "هُوَ اسْمُ رَجُلٍ مِنهُ تَناسَلَتْ قَبائِلُ اليَمَنِ".»
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ، والأعْرَجُ: "لِسَبَإٍ" بِهَمْزَةٍ مُنَوَّنَةٍ مَكْسُورَةٍ، عَلى مَعْنى الحَيِّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ: "لِسَبَأ" بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ غَيْرِ مَصْرُوفٍ، عَلى مَعْنى القَبِيلَةِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "مَساكِنَهُمْ"؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ لَهُ مَسْكَنٌ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "فِي مَسْكِنِهِمْ" بِكَسْرِ الكافِ، أيْ: في مَوْضِعِ سُكْناهُمْ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وعَلْقَمَةَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: والفَتْحُ حَسَنٌ أيْضًا، لَكِنَّ هَذا كَما قالُوا: "مَسْجِدٌ"، وإنْ كانَ سِيبَوَيْهِ يَرى هَذا اسْمَ البَيْتِ، ولَيْسَ مَوْضِعَ السُجُودِ، قالَ: هي لُغَةُ الناسِ اليَوْمَ، والفَتْحُ هي لُغَةُ الحِجازِ، وهي اليَوْمَ قَلِيلَةٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفَصٌ: "مَسْكَنَهُمْ" بِفَتْحِ الكافِ، عَلى المَصْدَرِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، وهي قِراءَةُ إبْراهِيمَ النَخَعِيِّ، وهَذا الإفْرادُ هو كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَخِفُّوا
(p-١٧٤)وَكَما قالَ الآخَرُ:
؎ قَدْ عَضَّ أعْناقَهم جِلْدُ الجَوامِيسِ
و"آيَةٌ" مَعْناها: عِبْرَةٌ وعَلامَةٌ عَلى فَضْلِ اللهِ وقُدْرَتِهِ، و"جَنَّتانِ" ابْتِداءٌ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿عن يَمِينٍ وشِمالٍ﴾، أو خَبَرُ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: هي جَنَّتانِ، وهي جُمْلَةٌ بِمَعْنى: هَذِهِ حالُهُمْ، والبَدَلُ مِن "آيَةٌ" ضَعِيفٌ، وقَدْ قالَهُ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ["آيَةٌ جَنَّتَيْنِ"] بِالنَصْبِ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في ناحِيَةِ اليَمَنِ وادٍ عَظِيمٌ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، وكانَتْ حُقَّتا الوادِي عِنْدَ أوَّلِ الجَبَلَيْنِ جِسْرٌ عَظِيمٌ مِن حِجارَةٍ مِنَ الجَبَلِ فارْتَدَعَ الماءُ فِيهِ وصارَ بُحَيْرَةً عَظِيمَةً، وأخَذَ الماءُ مِن جَنْبَتَيْها فَمَشى مُرْتَفِعًا يَسْقِي جَنّاتِ جَنْبَتَيِ الوادِي، قِيلَ: بَنَتْهُ بَلْقِيسُ، وقِيلَ: بَناهُ حِمْيَرُ أبُو القَبائِلِ اليَمَنِيَةِ كُلِّها، وكانُوا بِهَذِهِ الحالِ في أرْغَدِ نِعَمٍ، وكانَتْ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ قُرًى ظاهِرَةٌ مُتَّصِلَةٌ مِنَ اليَمَنِ إلى الشامِ، وكانُوا أرْبابَ تِلْكَ البِلادِ في ذَلِكَ الزَمانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ["كُلُوا"]﴾ فِيهِ حَذْفٌ، كَأنَّهُ قالَ: قِيلَ لَهُمْ: كُلُوا، و["طَيِّبَةٌ"] مَعْناهُ: كَرِيمَةُ التُرْبَةِ، حَسَنَةُ الهَواءِ، رَغْدَةٌ مِنَ النِعَمِ، سَلِيمَةُ مِنَ الهَوامِّ والمَضارِّ، هَذِهِ عِباراتُ المُفَسِّرِينَ، وكانَ ذَلِكَ الوادِي - فِيما رُوِيَ عن عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ - لا يَدْخُلُهُ بَرْغُوثٌ ولا قَمْلَةٌ ولا بَعُوضَةٌ ولا عَقْرَبٌ ولا شَيْءٌ مِنَ الحَيَوانِ الضارِّ، وإذا جاءَ بِهِ أحَدٌ مِن سَفَرٍ سَقَطَ عِنْدَ أوَّلِ الوادِي، ورُوِيَ أنَّ الماشِيَ بِمِكْتَلٍ (p-١٧٥)فَوْقَ رَأْسِهِ بَيْنَ أشْجارِهِ كانَ يَمْتَلِئُ مِكْتَلُهُ دُونَ أنْ يَمُدَّ يَدًا، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ مِنَ الأمْرِ بِالأكْلِ والشُرْبِ والتَوْقِيفِ عَلى طِيبِ البَلَدِ والغُفْرانِ مِنَ الرَبِّ مَعَ الإيمانِ هي مِن قَوْلِ الأنْبِياءِ لَهم. وقَرَأ رُوَيْسٌ عن يَعْقُوبَ: ["بَلْدَةً طَيِّبَةً ورَبًّا غَفُورًا"] بِالنَصْبِ في الكُلِّ، وبَعَثَ إلَيْهِمْ - فِيما رُوِيَ - ثَلاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا فَكَفَرُوا بِهِمْ وأعْرَضُوا، فَبَعَثَ اللهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ السَدِّ جَرادًا أعْمى تَوالَدَ فِيهِ وخَرَّقَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وأرْسَلَ سَيْلًا في ذَلِكَ الوادِي فَحَمَلَ ذَلِكَ السَدَّ، فَيُرْوى أنَّهُ كانَ مِنَ العِظَمِ وكَثْرَةِ الماءِ بِحَيْثُ مَلَأ ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، وحَمَلَ الجَنّاتِ وكَثِيرًا مِنَ الناسِ مِمَّنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الفِرارُ، ويُرْوى أنَّهُ لَمّا خُرِقَ السَدُّ كانَ ذَلِكَ سَبَبُ يُبْسِ الجَنّاتِ فَهَلَكَتْ بِهَذا الوَجْهِ، ورُوِيَ أنَّهُ صَرَّفَ الماءَ مِن مَوْضِعِهِ الَّذِي كانَ فِيهِ أوَّلًا فَتَعَطَّلَ سَقْيُ الجَنّاتِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في لَفْظَةِ ﴿ ["العَرِمِ"]،﴾ فَقالَ المُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ، وأبُو مَيْسَرَةَ: العَرِمُ في لُغَةِ اليَمَنِ جَمْعُ عَرِمَةٍ، وهو كُلُّ ما بُنِيَ أو سُنِّمَ لِيُمْسِكَ الماءَ، ويُقالُ ذَلِكَ بِلُغَةِ أهْلِ الحِجازِ: المُسَنّاةُ. كَأنَّها الجُسُورُ والسِدادُ ونَحْوُها، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الأعْشى:
؎ وفي ذَلِكَ لِلْمُؤْتَسِي أُسْوَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ ومَأْرَبُ عَضَّ عَلَيْها العَرِمْ
؎ رِخامٌ بَناهُ لَهم حِمْيَرُ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا جاءَ مَوّارُهُ لَمْ يَرِمْ
(p-١٧٦)وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ مِن سَبَأ الحاضِرِينَ مَأْرِبَ إذْ ∗∗∗ ∗∗∗ يَبْنُونَ مِن دُونِ سَيْلِها العَرِما
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ: اسْمُ وادِي ذَلِكَ الماءِ بِعَيْنِهِ الَّذِي كانَ السَدُّ يُبْنى لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - أيْضًا: إنَّ سَيْلَ ذَلِكَ الوادِي أبَدًا كانَ يَصِلُ إلى مَكَّةَ ويُنْتَفَعُ بِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: العَرِمُ: الشَدِيدُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وكَأنَّهُ صِفَةٌ لِلسَّيْلِ، مِنَ العَرامَةِ، والإضافَةُ إلى الصِفَةِ مُبالَغَةٌ، وهي كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: العَرِمُ: اسْمُ الجُرَذِ، وهَذا ضَعِيفٌ. وقِيلَ: العَرِمُ: صِفَةٌ لِلْمَطَرِ الشَدِيدِ الَّذِي كانَ عِنْدَ ذَلِكَ السَيْلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ قَوْلٌ فِيهِ تَجَوُّزٌ واسْتِعارَةٌ؛ وذَلِكَ أنَّ البَدَلَ مِنَ الخَمْطِ والأثْلِ لَمْ يَكُنْ جَنّاتٍ، لَكِنَّ هَذا كَما تَقُولُ لِمَن جُرِّدَ ثَوْبًا جَيِّدًا وضُرِبَ ظَهْرُهُ: "هَذا الضَرْبُ ثَوْبٌ صالِحٌ لَكَ"، ونَحْوَ هَذا. وقَوْلُهُ: ﴿ "ذَواتَيْ"﴾ تَثْنِيَةُ "ذاتٍ". و"الخَمْطُ": شَجَرُ الأراكِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ، وقِيلَ: "الخَمْطُ" كُلُّ شَجَرٍ لَهُ شَوْكٌ وثَمَرَتُهُ كَرِيهَةُ الطَعْمِ بِمَرارَةٍ، أو حُمَّصَةٌ، أو نَحْوُهُ، ومِنهُ: تَخَمَّطَ اللَبَنُ: إذا تَغَيَّرَ طَعْمُهُ. و"الأثْلُ" ضَرْبٌ مِنَ الطَرْفاءِ، هَذا هو الصَحِيحُ، وكَذا قالَ أبُو حَنِيفَةَ في كِتابِ النَباتِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وقِيلَ: هو شَجَرٌ شَبِيهٌ بِالطَرْفاءِ، وقِيلَ: إنَّهُ السَمُرُ. و"السِدْرُ" مَعْرُوفٌ، ولَهُ نَبَقٌ شَبِيهُ العُنّابِ، لَكِنَّهُ دُونَهُ في الطَعْمِ بِكَثِيرٍ. و"لِلْخَمْطِ" ثَمَرٌ غَثٌّ هو البَرِيرُ، و"لِلْأثْلِ" ثَمَرٌ قَلِيلُ الغِناءِ غَيْرُ حَسَنِ الطَعْمِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعُ: "أُكْلِ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكافِ. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وضَمِّ الكافِ، ورُوِيَ أيْضًا عن أبِي عَمْرٍو سُكُونُ الكافِ، وهُما بِمَعْنى (p-١٧٧)الجَنى والثَمَرَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها﴾ [إبراهيم: ٢٥] أيْ: جَناها. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ بِتَنْوِينِ ﴿ "أُكُلٍ"﴾ وصِفَتِهُ "خَمْطٍ" وما بَعْدَهُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: البَدَلُ هَذا لا يَحْسُنُ؛ لِأنَّ "الخَمْطَ" لَيْسَ بِالأكْلِ، و"الأكْلُ" لَيْسَ بِالخَمْطِ نَفْسِهِ، والصِفَةُ أيْضًا كَذَلِكَ؛ لِأنَّ الخَمْطَ اسْمٌ لا صِفَةٌ، وأحْسَنُ ما فِيهِ عَطْفُ البَيانِ، كَأنَّهُ بَيَّنَ أنَّ "الأُكُلَ" هَذِهِ الشَجَرَةَ ومِنها، ويُحَسِّنُ قِراءَةَ الجُمْهُورِ أنَّ هَذا الِاسْمَ قَدْ جاءَ مَجِيءَ الصِفَةِ في قَوْلِ الهُذَلِيِّ:
؎ عُقارٌ كَماءِ النِيءِ لَيْسَتْ بِخَمْطَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا خَلَّةٍ يَكْوِي الشَرُوبَ شِهابُها
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإضافَةِ "أكْلٍ" إلى "خَمْطٍ" وبِضَمِّ الكافِ، أيْ: "أُكُلِ خَمْطٍ"، ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ القِراءَةَ أبُو عَلِيٍّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى ما أجْراهُ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿وَهَلْ نُجازِي﴾، أيْ: يُناقَشُ ويُعارَضُ بِمِثْلِ فِعْلِهِ، قَدْرًا بِقَدْرٍ؛ لِأنَّ جَزاءَ المُؤْمِنِ إنَّما هو بِتَفَضُّلٍ وتَضْعِيفٍ، وأمّا الَّذِي لا يُزادُ ولا يُنْقَصُ فَهو الكَفُورُ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقالَ طاوُسُ: هي المُناقَشَةُ، وكَذَلِكَ إنْ كانَ المُؤْمِنُ ذا ذُنُوبٍ فَقَدْ يُغْفَرُ لَهُ ولا يُجازى، والكافِرُ يُجازى ولا بُدَّ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ"،» وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يُجازى" بِالياءِ وفَتْحِ الزايِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نُجازِي" بِالنُونِ وكَسْرِ الزايِ ﴿ "الكَفُورَ"﴾ بِالنَصْبِ، وقَرَأ مُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ: "وَهَلْ يُجْزى"، وحَكى عنهُ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ أنَّهُ قَرَأ "يُجْزِي" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ. قالَ (p-١٧٨)الزَجّاجُ: يُقالُ: جَزَيْتُ في الخَيْرِ، وجازَيْتُ في الشَرِّ. فَتُرَجِّحُ هَذِهِ قِراءَةَ الجُمْهُورِ.
34:18–19Page 430
وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ ٱلۡقُرَى ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا قُرٗى ظَٰهِرَةٗ وَقَدَّرۡنَا فِيهَا ٱلسَّيۡرَۖ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ ١٨
And We placed between them and the cities which We had blessed1 [many] visible cities. And We determined between them the [distances of] journey,2 [saying], "Travel between them by night or by day in safety."
فَقَالُواْ رَبَّنَا بَٰعِدۡ بَيۡنَ أَسۡفَارِنَا وَظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَ وَمَزَّقۡنَٰهُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ ١٩
But [insolently] they said, "Our Lord, lengthen the distance between our journeys," and wronged themselves, so We made them narrations1 and dispersed them in total dispersion. Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرًى ظاهِرَةً وقَدَّرْنا فِيها السَيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأيّامًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا وظَلَمُوا أنْفُسَهم فَجَعَلْناهم أحادِيثَ ومَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾
هَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها وصْفٌ لِحالِهِمْ قَبْلَ مَجِيءِ السَيْلِ، وهي أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى - مَعَ ما كانَ مِنهم - مَنَحَهم مِنَ الجَنَّتَيْنِ والنِعْمَةِ الخاصَّةِ بِهِمْ، كانَ قَدْ أصْلَحَ لَهُمُ البِلادَ المُتَّصِلَةَ بِهِمْ وعَمَّرَها، وجَعَلَهم أرْبابَها، وقَدَّرَ فِيها السَيْرَ بِأنْ قَرَّبَ القُرى بَعْضَها مِن بَعْضٍ، حَتّى كانَ المُسافِرُ مِن مَأْرَبَ إلى الشامِ لَيَبِيتُ في قَرْيَةٍ ويَقِيلُ في قَرْيَةٍ، أُخْرى، فَلا يَحْتاجُ إلى حَمْلِ زادٍ، و"القُرى": المُدُنُ، ويُقالُ لِلْجَمْعِ الصَغِيرِ قَرْيَةٌ أيْضًا، وكُلُّها مِن: قَرَيْتُ، أيْ جَمَعْتُ، والقُرى الَّتِي بُورِكَ فِيها هي قُرى الشامِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، والقُرى الظاهِرَةُ هي الَّتِي بَيْنَ الشامِ ومَأْرَبَ، وهي الصِغارُ الَّتِي هي البَوادِي. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي قُرًى عَرَبِيَّةٌ بَيْنَ المَدِينَةِ والشامِ، وقالَهُ الضَحّاكُ، واخْتُلِفَ في مَعْنى "ظاهِرَةً"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مُسْتَعْلِيَةً مُرْتَفِعَةً في الإكامِ والظِرابِ، وهي أشْرَفُ القُرى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَظْهَرُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، فَهي أبَدًا في قَبْضَةِ عَيْنِ المُسافِرِ، لا يَخْلُو مِن رُؤْيَةِ شَيْءٍ مِنها بِهَذا الوَجْهِ. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ مَعْنى "ظاهِرَةً": خارِجَةً عَنِ المُدُنِ، فَهي عِبارَةٌ عَنِ القُرى الصِغارِ الَّتِي هي في ظَواهِرِ المُدُنِ، فَإنَّما فَصَلَ بِهَذِهِ الصِفَةِ بَيْنَ القُرى الصِغارِ وبَيْنَ القُرى المُطْلَقَةِ الَّتِي هي المُدُنُ؛ لِأنَّ ظَواهِرَ المُدُنِ ما خَرَجَ عنها في الفَيافِي والفُحُوصِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: نَزَلْنا بِظاهِرِ فُلانَةٍ، أيْ: خارِجًا عنها. وقَوْلُهُ: "ظاهِرَةً" نَظِيرُ تَسْمِيَةِ الناسِ إيّاها البادِيَةَ والضاحِيَةَ، ومِن هَذا قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلَوْ شَهِدَتْنِي مِن قُرَيْشٍ عِصابَةٌ ∗∗∗ قُرَيْشُ البِطاحِ لا قُرَيْشُ الظَواهِرِ
(p-١٧٩)يَعْنِي الخارِجِينَ عن بَطْحاءِ مَكَّةَ، وفي حَدِيثِ الِاسْتِسْقاءِ: « "وَجاءَ أهْلُ الضَواحِي يَشْتَكُونَ: الغَرَقُ الغَرَقُ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدَّرْنا فِيها السَيْرَ﴾، هو ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المُسافِرَ فِيها كانَ يَبِيتُ في قَرْيَةٍ ويَقِيلُ في أُخْرى عَلى أيِّ طَرِيقٍ سَلَكَ، لا يُعْوِزُهُ ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سِيرُوا فِيها﴾ مَعْناهُ: قُلْنا لَهم. و[آمِنِينَ] مَعْناهُ: مِنَ الخَوْفِ مِنَ الناسِ المُفْسِدِينَ، وآمِنِينَ مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ وآفاتِ المُسافِرِ.
ثُمَّ حَكى عنهم مَقالَةً قالُوها عَلى جِهَةِ البَطَرِ والأشَرِ، وهي طَلَبُ البُعْدِ بَيْنَ الأسْفارِ، والإخْبارُ بِأنَّها بَعِيدَةٌ عَلى القِراءاتِ الأُخْرى، وذَلِكَ أنَّ نافِعًا، وعاصِمًا، وحَمْزَةَ، والكِسائِيَّ قَرَؤُوا: "باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا" بِكَسْرِ العَيْنِ عَلى مَعْنى الطَلَبِ أيْضًا، فَهاتانِ مَعْناهُما الأشَرُ بِأنَّهم مَلُّوا النِعْمَةَ بِالقُرْبِ، وطَلَبُوا اسْتِبْدالَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ. وفي كِتابِ الرُمّانِيِّ أنَّهم قالُوا: لَوْ كانَ جَنْيُ ثِمارِنا أبْعَدَ لَكانَ أشْهَرَ وأكْثَرَ قِيمَةً، وقَرَأ ابْنُ السَمَيْفَعِ، وسُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ، وسَعِيدُ بْنُ أبِي الحَسَنِ - أخُو الحَسَنِ - وابْنُ الحَنَفِيَّةِ: "رَبَّنا" بِالنَصْبِ "بَعُدَ بَيْنَ أسْفارِنا" بِفَتْحِ الباءِ وضَمِّ العَيْنِ، ونَصْبِ "بَيْنَ" (p-١٨٠)أيْضًا. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ أبِي الحَسَنِ - مِن هَذِهِ الفِرْقَةِ -: "بَيْنُ" بِالرَفْعِ وإضافَتِهِ إلى الأسْفارِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ: أيْضًا "رَبُّنا" بِالرَفْعِ "باعَدَ" بِفَتْحِ العَيْنِ والدالِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الحَنَفِيَّةِ أيْضًا، وعَمْرُو بْنُ فايِدٍ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: "رَبُّنا" بِالرَفْعِ "بَعَّدَ" بِفَتْحِ العَيْنِ وشَدِّها وفَتْحِ الدالِ. فَهَذِهِ القِراءَةُ مَعْناها الإخْبارُ بِأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا القَرِيبَ، ورَأوا أنَّ ذَلِكَ غَيْرَ مُقْنِعٍ لَهُمْ، حَتّى كَأنَّهم أرادُوها مُتَّصِلَةً بِالدُورِ، وفي هَذا تَعَسُّفٌ وتَسَخُّطٌ عَلى أقْدارِ اللهِ تَعالى وإرادَتِهِ، وقِلَّةُ شُكْرٍ عَلى نِعْمَتِهِ، بَلْ هي مُقابَلَةُ النِعْمَةِ بِالتَشَكِّي. وفي هَذا المَعْنى ونَحْوِهِ مِمّا اقْتَرَنَ بِكُفْرِهِمْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَفَرَّقَهُمُ اللهُ تَعالى، وخَرَّبَ بِلادَهُمْ، وجَعَلَهم أحادِيثَ، ومِنهُ المَثَلُ السائِرُ: "تَفَرَّقُوا أيادِي سَبَأٍ"، و"أيْدِي سَبَأٍ" ويُقالُ المَثَلُ بِالوَجْهَيْنِ، وهَذا هو تَمَزُّقُهم كُلَّ مُمَزَّقٍ، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "إنَّ سَبَأً أبُو عَشْرِ قَبائِلَ"،» فَلَمّا جاءَ السَيْلُ عَلى مَأْرَبَ وهو اسْمُ بَلَدِهِمْ تَيامَنَ مِنهم سِتَّةُ قَبائِلَ، أيْ: إذْ تَبَدَّدَتْ في بِلادِ اليَمَنِ، وتَشاءَمَتْ مِنها أرْبَعَةٌ، فالمُتَيامِنَةُ كِنْدَةُ والأزْدُ وأشْعَرُ ومَذْحِجٌ وأنْمارٌ الَّتِي مِنها بَجِيلَةُ وخَثْعَمٌ، وطائِفَةٌ قِيلَ لَها: حِمْيَرٌ، بَقِيَ عَلَيْها اسْمُ الأبِ الأوَّلِ، والَّتِي تَشاءَمَتْ لَخْمٌ وجُذامٌ وغَسّانُ وخُزاعَةُ، نَزَلَتْ تِهامَةَ، ومِن هَذِهِ المُتَشائِمَةِ أولادُ قَيْلَةَ، وهُمُ الأوسُ والخَزْرَجُ، ومِنها عامِلَةُ وغَيْرُ ذَلِكَ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأُمَّتَهُ - عَلى جِهَةِ التَنْبِيهِ - أنَّ هَذِهِ القَصَصَ فِيها آياتٌ وعِبَرٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ عَلى الكَمالِ، ومَنِ اتَّصَفَ بِالصَبْرِ والشُكْرِ فَهو المُؤْمِنُ الَّذِي لا تَنْقُصُهُ خَلَّةٌ جَمِيلَةٌ بِوَجْهٍ.
34:20–22Page 430
وَلَقَدۡ صَدَّقَ عَلَيۡهِمۡ إِبۡلِيسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٠
And Iblees had already confirmed through them1 his assumption,2 so they followed him, except for a party of believers.
وَمَا كَانَ لَهُۥ عَلَيۡهِم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يُؤۡمِنُ بِٱلۡأٓخِرَةِ مِمَّنۡ هُوَ مِنۡهَا فِي شَكّٖۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَفِيظٞ ٢١
And he had over them no authority except [it was decreed] that We might make evident who believes in the Hereafter from who is thereof in doubt. And your Lord, over all things, is Guardian.1
قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا لَهُمۡ فِيهِمَا مِن شِرۡكٖ وَمَا لَهُۥ مِنۡهُم مِّن ظَهِيرٖ ٢٢
Say, [O Muḥammad], "Invoke those you claim [as deities] besides Allāh." They do not possess an atom's weight [of ability] in the heavens or on the earth, and they do not have therein any partnership [with Him], nor is there for Him from among them any assistant.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ إلا لِنَعْلَمَ مِن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ ورَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَماواتِ ولا في الأرْضِ وما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ﴾
(p-١٨١)قَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَلَقَدْ صَدَقَ" بِتَخْفِيفِ الدالِّ "إبْلِيسُ" رَفْعًا "ظَنَّهُ" بِالنَصْبِ عَلى المَصْدَرِ، وقِيلَ: عَلى الظَرْفِيَّةِ، أيْ: في ظَنِّهِ، وقِيلَ: عَلى المَفْعُولِ، عَلى مَعْنى أنَّهُ لَمّا ظَنَّ عَمِلَ عَمَلًا يُصَدِّقُ بِهِ ذَلِكَ الظَنَّ، فَكَأنَّهُ إنَّما أرادَ أنْ يَصْدُقَ ظَنُّهُ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِكَ: "أخْطَأْتُ ظَنِّي وأصَبْتُ ظَنِّي". وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "صَدَّقَ" بِتَشْدِيدِ الدالِّ، و"الظَنُّ" - عَلى هَذا - مَفْعُولٌ بِـ"صَدَّقَ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وطَلْحَةَ، [ وعاصِمٍ ] والأعْمَشِ. وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وأبُو الهَجْهاجِ، وبِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ: "صَدَقَ" بِتَخْفِيفِ الدالِّ "إبْلِيسَ" نَصْبًا "ظَنُّهُ" رَفْعًا. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "صَدَقَ" بِتَخْفِيفِ الدالِّ "إبْلِيسُ" بِالرَفْعِ "ظَنُّهُ" بِالرَفْعِ عَلى البَدَلِ، وهو بَدَلُ الِاشْتِمالِ.
ومَعْنى الآيَةِ أنَّ ما قالَ إبْلِيسُ مِن أنَّهُ سَيَفْتِنُ بَنِي آدَمَ ويُغْوِيهِمْ، وما قالَ مِن أنَّ اللهَ لا يَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ، وغَيْرِ ذَلِكَ كانَ ظَنًّا مِنهُ وصَدَقَ فِيهِمْ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهُمُ اتَّبَعُوهُ وهو اتِّباعٌ في كُفْرٍ؛ لِأنَّهُ في قِصَّةِ قَوْمٍ كُفّارٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، و"مِنَ" في قَوْلِهِ: ﴿ "مِنَ المُؤْمِنِينَ"﴾ لِبَيانِ الجِنْسِ لا لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ التَبْعِيضَ يَقْتَضِي أنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ اتَّبَعَ إبْلِيسَ.
و"السُلْطانُ": الحُجَّةُ، وقَدْ يَكُونُ الِاسْتِعْلاءَ والِاسْتِقْدارَ؛ إذِ اللَفْظُ مِنَ التَسَلُّطِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: واللهِ ما كانَ لَهُ سَوْطٌ ولا سَيْفٌ ولَكِنَّهُ اسْتَمالَهم فَمالُوا بِتَزْيِينِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا لِنَعْلَمَ﴾ أيْ: لِنَعْلَمَهُ مَوْجُودًا؛ لِأنَّ العِلْمَ بِهِ مُتَقَدِّمٌ أوَّلًا. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "إلّا لِيَعْلَمَ" بِالياءِ عَلى المَجْهُولِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ آيَةُ تَعْجِيزٍ وإقامَةِ حُجَّةٍ، ويُرْوى أنَّ ذَلِكَ نَزَلَ عِنْدَ الجُوعِ الَّذِي أصابَ قُرَيْشًا. والجُمْهُورُ عَلى "قُلُ ادْعُوا" بِضَمِّ اللامِ، ورَوى عَبّاسٌ عن أبِي عَمْرٍو: "قُلِ ادْعُوا" بِكَسْرِ اللامِ "الَّذِينَ" يُرِيدُ المَلائِكَةَ والأصْنامَ؛ وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا والعَرَبَ كانَ مِنهم مَن يَعْبُدُ المَلائِكَةَ، ومِنهم مَن يَقُولُ: نَعْبُدُها لِتَشْفَعَ لَنا، ونَحْوَ (p-١٨٢)هَذا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُعْجِزَةً لِكُلٍّ مِنهم. ثُمَّ جاءَ بِصِفَةِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَدْعُونَهم آلِهَةً، مِن أنَّهم لا يَمْلِكُونَ مِلْكَ الِاخْتِراعِ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَماءِ ولا في الأرْضِ، وأنَّهم لا شِرْكَ لَهم فِيها، وهَذانِ فِيهِما نَوْعا المِلْكِ: إمّا اسْتِبْدادًا وإمّا مُشارَكَةً، فَنَفى عنهم جَمِيعَ ذَلِكَ، ونَفى أنْ يَكُونَ مِنهم لِلَّهِ مُعِينٌ في شَيْءٍ مِن قُدْرَتِهِ، و"الظَهِيرُ": المُعِينُ. ثُمَّ تَقَرَّرَ في الآيَةِ بَعْدُ أنَّ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم يَشْفَعُونَ لَهم لا تَصِحُّ مِنهم شَفاعَةٌ لَهُمْ؛ إذْ هَؤُلاءِ كَفَرَةٌ، ولا يَأْذَنُ اللهُ في الشَفاعَةِ في كافِرٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences