Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Ya-Sin 36:22–46
36:22–27Page 441
وَمَالِيَ لَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٢
And why should I not worship He who created me and to whom you will be returned?
ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدۡنِ ٱلرَّحۡمَٰنُ بِضُرّٖ لَّا تُغۡنِ عَنِّي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يُنقِذُونِ ٢٣
Should I take other than Him [false] deities [while], if the Most Merciful intends for me some adversity, their intercession will not avail me at all, nor can they save me?
إِنِّيٓ إِذٗا لَّفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٢٤
Indeed, I would then be in manifest error.
إِنِّيٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمۡ فَٱسۡمَعُونِ ٢٥
Indeed, I have believed in your Lord, so listen to me."
قِيلَ ٱدۡخُلِ ٱلۡجَنَّةَۖ قَالَ يَٰلَيۡتَ قَوۡمِي يَعۡلَمُونَ ٢٦
It was said, "Enter Paradise."1 He said, "I wish my people could know
بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ ٢٧
Of how my Lord has forgiven me and placed me among the honored."
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ:
﴿وَما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿أأتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إنْ يُرِدْنِ الرَحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهم شَيْئًا ولا يُنْقِذُونِ﴾ ﴿إنِّي إذًا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾ ﴿قِيلَ ادْخُلِ الجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾
قَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "وَما لِيَ"﴾ بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ بِسُكُونِ الياءِ، وقَدْ تَقَدَّمُ مِثْلُ هَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَما لِيَ" تَقْرِيرٌ لَهم - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ - في هَذا الأمْرِ الَّذِي يَشْهَدُ العَقْلُ بِصِحَّتِهِ، إنَّ مَن فَطَرَ واخْتَرَعَ وأخْرَجَ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبُدَ، ثُمَّ أخْبَرَهم بِأنَّهم يُحْشَرُونَ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ. ثُمَّ وقَّفَهم أيْضًا - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ - عَلى اتِّخاذِ الآلِهَةِ مِن دُونِ اللهِ، وهي لا تَرُدُّ عنهُمُ المَقادِيرَ الَّتِي يُرِيدُها اللهُ بِهِمْ، لا بِقُوَّةٍ مِنها ولا بِشَفاعَةٍ. وقَرَأ طَلْحَةُ السَمّانُ، وعِيسى الهَمَدانِيُّ: "يَرُدْنِي" بِياءٍ (p-٢٤٣)مَفْتُوحَةٍ،، ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ، ونافِعٍ، وأبِي عَمْرٍو.
ثُمَّ صَدَعَ بِإيمانِهِ وأعْلَنَ فَقالَ: ﴿إنِّي آمَنتُ بِرَبِّكم فاسْمَعُونِ﴾، واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وكَعْبٌ، ووَهْبٌ: خاطَبَ بِها قَوْمَهُ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ والتَنْبِيهِ، وقِيلَ: خاطَبَ بِها الرُسُلَ عَلى جِهَةِ الإشْهادِ بِهِمْ، والِاسْتِحْفاظِ لِلْأمْرِ عِنْدَهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ النُونِ عَلى نِيَّةِ الياءِ بَعْدَها، ورَوى أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ فَتْحَها، قالَ أبُو حاتِمٍ: هَذا خَطَأٌ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ، فَإمّا حَذْفُ النُونِ أو كَسْرُها عَلى نِيَّةِ الياءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهُنا مَحْذُوفٌ تَواتَرَتْ بِهِ الأحادِيثُ والرِواياتُ، وهو أنَّهم قَتَلُوهُ، واخْتُلِفَ، كَيْفَ؟ فَقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: رَجَمُوهُ بِالحِجارَةِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَشَوْا عَلَيْهِ بِأقْدامِهِمْ حَتّى خَرَجَ قَصَبُهُ مِن دُبُرِهِ، فَقِيلَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ: ﴿ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾ وذَلِكَ - واللهَ أعْلَمُ - بِأنْ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ مِنها، وتَحَقَّقَ أنَّهُ مِن سُكّانِها بِرُؤْيَتِهِ ما أقَرَّ عَيْنَهُ، فَلَمّا تَحَصَّلَ لَهُ ذَلِكَ تَمَنّى أنْ يَعْلَمَ قَوْمُهُ بِذَلِكَ، فَقِيلَ: أرادَ بِذَلِكَ الإشْفاقِ والنُصْحَ لَهُمْ، أيْ: لَوْ عَلِمُوا بِذَلِكَ لَآمَنُوا بِاللهِ، وقِيلَ: أرادَ أنْ يَنْدَمُوا عَلى فِعْلِهِمْ بِهِ ويُحْزِنَهم ذَلِكَ، وهَذا مَوْجُودٌ في جِبِلَّةِ البَشَرِ، إذا نالَ خَيْرًا في أرْضِ غُرْبَةِ وِدَّ أنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ جِيرانُهُ وأتْرابُهُ الَّذِينَ نَشَأ فِيهِمْ؛ ولا سِيَّما في الكَراماتِ، ونَحْوٌ مَن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ والعِزُّ مَطْلُوبٌ ومُلْتَمَسٌ ∗∗∗ وأحَبُّهُ ما نِيلَ في الوَطَنِ
والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أشْبَهُ بِهَذا العَبْدِ الصالِحِ، وفي ذَلِكَ قالَ النَبِيُّ ﷺ: « "نَصَحَ قَوَّمَهُ حَيًّا ومَيِّتًا"،» وقالَ قَتادَةُ بْنُ دِعامَةَ: نَصَحَهم عَلى حالَةِ الغَضَبِ والرِضى، وكَذَلِكَ المُؤْمِنُ لا تَجِدُهُ إلّا ناصِحًا لِلنّاسِ.
و"ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِما غَفَرَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، أيْ: بِغُفْرانِ رَبِّي لِي، (p-٢٤٤)وَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، وفي "غَفَرَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ، قالَ الزُهْرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامًا، ثُمَّ ضَعَّفَهُ.
36:28–32Page 442
۞ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِن جُندٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ٢٨
And We did not send down upon his people after him any soldiers from the heaven, nor would We have done so.
إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ خَٰمِدُونَ ٢٩
It was not but one shout,1 and immediately they were extinguished.
يَٰحَسۡرَةً عَلَى ٱلۡعِبَادِۚ مَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٣٠
How regretful for the servants. There did not come to them any messenger except that they used to ridicule him.
أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ أَنَّهُمۡ إِلَيۡهِمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ٣١
Have they not considered how many generations We destroyed before them - that they to them1 will not return?
وَإِن كُلّٞ لَّمَّا جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ ٣٢
And indeed, all of them will yet be brought present before Us.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُنْدٍ مِن السَماءِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ ﴿إنْ كانَتْ إلا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم خامِدُونَ﴾ ﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وَإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾
هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ فِيها تَوَعُّدٌ لِقُرَيْشٍ، إذْ هَذا هو المُرَوِّعُ لَهم مِنَ المِثالِ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِن عَذابِ اللهِ ما نَزَلَ بِقَوْمِ حَبِيبٍ النَجّارِ، فَنَفى عَزَّ وجَلَّ، أيْ أنَّهُ ما أنْزَلَ عَلى قَوْمِ هَذا الرَجُلِ جُنْدًا مِنَ السَماءِ، قالَ مُجاهِدٌ: أرادَ أنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ رَسُولًا ولا اسْتَعْتَبَهُمْ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أرادَ لَمْ يَحْتَجْ في تَعْذِيبِهِمْ إلى جُنْدٍ مِن جُنْدِ اللهِ كالحِجارَةِ والغَرَقِ والرِيحِ وغَيْرِ ذَلِكَ بَلْ كانَتْ صَيْحَةٌ واحِدَةٌ؛ لِأنَّهم كانُوا أيْسَرَ وأهْوَنَ مِن ذَلِكَ، قالَ قَتادَةُ: واللهِ ما عاتَبَ اللهُ قَوْمَهُ بَعْدَ قَتْلِهِ حَتّى أهْلَكَهم.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" نافِيَةٌ، وهَذا يَجْرِي مَعَ التَأْوِيلِ الثانِي في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُنْدٍ﴾. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" عَطْفٌ عَلى "جُنْدٍ"، أيْ: "مِن جُنْدٍ ومِنَ الَّذِي كُنّا مُنْزِلِينَ عَلى الأُمَمِ مِثْلِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ".
(p-٢٤٥)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "إلّا صَيْحَةً" بِالنَصْبِ عَلى خَبَرِ (كانَ)، أيْ: ما كانَ عَذابُهم إلّا صَيْحَةً واحِدَةً، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ومُعاذُ بْنُ الحارِثِ: "إلّا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ" بِالرَفْعِ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ، والوَجْهُ فِيها أنَّها لَيْسَتْ (كانَ) الَّتِي تَطْلُبُ الِاسْمَ والخَبَرَ، وإنَّما التَقْدِيرُ: ما وقَعَتْ أو حَدَثَتْ إلّا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ الأسْوَدِ: "إلّا زَقْيَةً واحِدَةً" وهي الصَيْحَةُ مِنَ الدِيكِ ونَحْوِهِ مِنَ الطَيْرِ.
(p-٢٤٦)وَ"خامِدُونَ": ساكِتُونَ مَوْتى لاطُّونَ بِالأرْضِ، شُبِّهُوا بِالرَمادِ الَّذِي خَمَدَتْ نارُهُ وطُفِئَتْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يا حَسْرَةً"﴾ نِداءٌ لَها عَلى مَعْنى: هَذا وقْتُ حُضُورِكِ وظُهُورِكِ، هَذا تَقْدِيرُ نِداءِ مِثْلِ هَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وهو مَعْنى قَوِيمٌ في نَفْسِهِ، وهو مُنادى مَنكُورٌ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ. قالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: يا حَسْرَةَ العِبادِ عَلى أنْفُسِهِمْ، وذَكَرَ أنَّها في بَعْضِ القِراءاتِ كَذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: يا ويْلًا لِلْعِبادِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، ومُجاهِدٌ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "يا حَسْرَةَ العِبادِ"، بِالإضافَةِ. وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ حَسَنٌ مَعَ قِراءَتِهِ، وتَأْوِيلُ الطَبَرِيِّ في ذَلِكَ القِراءَةَ الأولى لَيْسَ بِالبَيِّنِ، وإنَّما يَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَلَهُّفًا عَلى العِبادِ كانَ الحالُ يَقْتَضِيهِ، وطِباعُ كُلِّ بَشَرٍ تُوجِبُ عِنْدَ سَماعِهِ حالَهم وعَذابَهَمْ عَلى الكُفْرِ وتَضْيِيعَهم أمْرَ اللهِ تَعالى أنْ يُشْفِقَ ويَتَحَسَّرَ عَلى العِبادِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: المُرادُ ب العِبادِ الرُسُلُ الثَلاثَةُ، فَكَأنَّ هَذا التَحَسُّرَ هو مِنَ الكُفّارِ، حِينَ رَأوا عَذابَ اللهِ تَلَهَّفُوا عَلى ما فاتَهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ﴾ الآيَةُ، يَدْفَعُ هَذا التَأْوِيلَ.
والحَسْرَةُ: التَلَهُّفاتُ الَّتِي تَتْرُكُ صاحِبَها حَسِيرًا، وقَرَأ الأعْرَجُ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ وأبُو الزِنادِ: "يا حَسْرَهْ" بِالوَقْفِ عَلى الهاءِ، وذَلِكَ لِلْحِرْصِ عَلى بَيانِ مَعْنى التَحَسُّرِ وتَقْرِيرِهِ لِلنَّفْسِ، والنُطْقُ بِالهاءِ في مِثْلِ هَذا أبْلَغُ في التَشْفِيقِ وهَزِّ النَفْسِ، كَقَوْلِهِمْ: أوِّهِ ونَحْوِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ﴾ الآيَةُ، تَمْثِيلٌ لِفِعْلِ قُرَيْشٍ.
(p-٢٤٧)ثُمَّ عَناهم بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا﴾، و"كَمْ" هُنا خَبَرِيَّةٌ، و"أنَّهُمْ" بَدَلٌ مِنها، و"الرُؤْيَةُ" رُؤْيَةُ البَصَرِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "أولَمَ يَرَوْا مَن أهْلَكَنا"، وقَرَأ الجُمْهُورُ "أنَّهُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ، وكَسَرَها الحَسَنُ البَصْرِيُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِما" بِتَخْفِيفِ المِيمِ، وذَلِكَ عَلى زِيادَةِ (ما) لِلتَّأْكِيدِ، والمَعْنى، "لِجَمِيعِ"، وشَدَّدَها الحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعاصِمٌ، قالُوا: هي مُنَزَّلَةٌ مَنزِلَةَ (إلّا)، وقِيلَ: المُرادُ: (لَمِمّا) حُذِفَتْ إحْداهُما، وفِيهِ ضَعْفٌ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: [وَإنْ مِنهم إلّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ]، قالَ قَتادَةُ: مَحْشُورُونَ يَوْمَ القِيامَةِ.
36:33–36Page 442
وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلۡأَرۡضُ ٱلۡمَيۡتَةُ أَحۡيَيۡنَٰهَا وَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهَا حَبّٗا فَمِنۡهُ يَأۡكُلُونَ ٣٣
And a sign for them is the dead earth. We have brought it to life and brought forth from it grain, and from it they eat.
وَجَعَلۡنَا فِيهَا جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ وَفَجَّرۡنَا فِيهَا مِنَ ٱلۡعُيُونِ ٣٤
And We placed therein gardens of palm trees and grapevines and caused to burst forth therefrom some springs -
لِيَأۡكُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتۡهُ أَيۡدِيهِمۡۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ ٣٥
That they may eat of His fruit.1 And their hands have not produced it,2 so will they not be grateful?
سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ وَمِنۡ أَنفُسِهِمۡ وَمِمَّا لَا يَعۡلَمُونَ ٣٦
Exalted is He who created all pairs1 - from what the earth grows and from themselves and from that which they do not know.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ وفَجَّرْنا فِيها مِن العُيُونِ﴾ ﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ ومِن أنْفُسِهِمْ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾
"آيَةٌ" مَعْناهُ: عَلامَةٌ عَلى الحَشْرِ وبَعْثِ الأجْسادِ، والضَمِيرُ في "لَهُمُ" يُرادُ بِهِ كُفّارُ قُرَيْشٍ، وقَرَأ نافِعٌ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "المَيِّتَةَ" بِكَسْرِ الياءِ وشَدِّها، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ بِسُكُونِ الياءِ خَفِيفَةً، وإحْياؤُها بِالمَطَرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "ثَمَرِهِ" بِفَتْحِ الثاءِ والمِيمِ، وقَرَأ طَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِضَمِّهِما، وقَرَأ الأعْمَشُ بِضَمِّ الثاءِ وسُكُونِ المِيمِ، والضَمِيرُ فِيهِ قالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى الماءِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ العُيُونِ﴾ ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: "ما" وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مُجْمَلًا، كَأنَّهُ قالَ: "مِن ثَمَرِ ما ذَكَرْنا"، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِن بابِ أنْ يَذْكُرَ الإنْسانُ شَيْئَيْنِ أو ثَلاثَةً ثُمَّ يُعِيدَ الضَمِيرَ عَلى واحِدٍ ويُكَنِّي عنهُ، كَما قالَ الأزْرَقُ بْنُ طَرَفَةَ بْنِ العَمَرَّدِ الفِراصِيِّ الباهِلِيِّ:(p-٢٤٨)
؎ رَمانِي بِذَنْبٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي ∗∗∗ بَرِيئًا، ومِن أجْلِ الطَوِيِّ رَمانِي
وهَذا الوَجْهُ في الآيَةِ ضَعِيفٌ.
و"ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ﴾، قالَ الطَبَرِيُّ: هي اسْمٌ مَعْطُوفٌ عَلى "الثَمَرِ"، أيْ: ويَقَعُ الأكْلُ مِنَ الثَمَرِ ومِمّا عَمِلَتْهُ الأيْدِي بِالغَرْسِ والزِراعَةِ ونَحْوِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَصْدَرِيَّةٌ، وقِيلَ: هي نافِيَةٌ، والتَقْدِيرُ: إنَّهم يَأْكُلُونَ مِن ثَمَرِهِ وهو شَيْءٌ لَمْ تَعْمَلْهُ أيْدِيهِمْ، بَلْ هي نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيْهِمْ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "عُمْلَتْهُ" بِالهاءِ الضَمِيرِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -، وطَلْحَةُ، وعِيسى: "عَمِلَتْ" بِغَيْرِ ضَمِيرٍ.
ثُمَّ نَزَّهَ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهَ تَنْزِيهًا مُطْلَقًا في كُلِّ ما يُلْحِدُ بِهِ مُلْحِدٌ، أو يُشْرِكُ مُشْرِكٌ. و"الأزْواجَ": الأنْواعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨].
36:37–40Page 442
وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلَّيۡلُ نَسۡلَخُ مِنۡهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظۡلِمُونَ ٣٧
And a sign for them is the night. We remove1 from it the [light of] day, so they are [left] in darkness.
وَٱلشَّمۡسُ تَجۡرِي لِمُسۡتَقَرّٖ لَّهَاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٣٨
And the sun runs [on course] toward its stopping point. That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.
وَٱلۡقَمَرَ قَدَّرۡنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلۡعُرۡجُونِ ٱلۡقَدِيمِ ٣٩
And the moon - We have determined for it phases, until it returns [appearing] like the old date stalk.
لَا ٱلشَّمۡسُ يَنۢبَغِي لَهَآ أَن تُدۡرِكَ ٱلۡقَمَرَ وَلَا ٱلَّيۡلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِۚ وَكُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ ٤٠
It is not allowable [i.e., possible] for the sun to reach the moon, nor does the night overtake the day, but each, in an orbit, is swimming.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ﴾ ﴿والشَمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ ﴿لا الشَمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ولا اللَيْلُ سابِقُ النَهارِ وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾
هَذِهِ الآياتُ جَعَلَها اللهُ تَعالى أدِلَّةً عَلى القُدْرَةِ ووُجُوبِ الأُلُوهِيَّةِ لَهُ، و"نَسْلَخُ" (p-٢٤٩)مَعْناهُ: نَكْشِطُ ونُقَشِّرُ، فَهي اسْتِعارَةٌ، و"مُظْلِمُونَ": داخِلُونَ في الظَلامِ، واسْتَدَلَّ قَوْمٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَيْلَ أصْلٌ والنَهارَ فَرْعٌ طارِئٌ عَلَيْهِ، وفي ذَلِكَ نَظَرٌ.
و"مُسْتَقَرُّ الشَمْسِ" - عَلى ما رُوِيَ في الحَدِيثِ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِن طَرِيقٍ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ - «بَيْنَ يَدَيِ العَرْشِ، تَسْجُدُ فِيهِ كُلَّ لَيْلَةٍ بَعْدَ غُرُوبِها،» وفي حَدِيثٍ آخَرَ «أنَّها تَسْجُدُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ولَها ثَمَّ وجْبَةٌ عَظِيمَةٌ.» وقالَتْ فِرْقَةٌ: مُسْتَقَرُّها هو في يَوْمِ القِيامَةِ حِينَ تُكَوَّرُ، فَهي تَجْرِي لِذَلِكَ المُسْتَقَرِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مُسْتَقَرُّها كِنايَةٌ عن غُيُوبِها؛ لِأنَّها تَجْرِي كُلَّ وقْتٍ إلى حَدٍّ مَحْدُودٍ تَغْرُبُ فِيهِ. وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها آخِرُ مَطالِعِها في المُنْقَلَبَيْنِ لِأنَّهُما نِهايَتا مَطالِعِها، فَإذا اسْتَقَرَّ وُصُولُها كَرَّتْ راجِعَةً، وإلّا فَهي لا تَسْتَقِرُّ عن حَرَكَتِها طَرْفَةَ عَيْنٍ، ونَحا إلى هَذا ابْنُ قُتَيْبَةَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مُسْتَقَرُّها وُقُوفُها عِنْدَ الزَوالِ في كُلِّ يَوْمٍ، ودَلِيلُ اسْتِقْرارِها وُقُوفُ ظِلالِ الأشْياءِ حِينَئِذٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعِكْرِمَةُ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وأبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَلامُ. "لا مُسْتَقَرَّ لَها".
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "والقَمَرَ" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى "اللَيْلُ"، عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ، ويَصِحُّ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾ ابْتِداءً وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قالَ: في الوُجُودِ وفي المُشاهَدَةِ، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِجُمْلَتَيْنِ مِنَ ابْتِداءٍ وخَبَرٍ وابْتِداءٍ وخَبَرٍ، اللَيْلُ واحِدَةٌ، والقَمَرُ ثانِيَةٌ. وقَرَأ الباقُونَ "القَمَرَ" عَلى إضْمارِ فَعْلٍ يُفَسِّرُهُ ﴿ "قَدَّرْناهُ"،﴾ وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، والحَسَنِ - بِخِلافٍ عنهُ -. و"مَنازِلَ" نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، وهَذِهِ المَنازِلُ المَعْرُوفَةُ عِنْدَ العَرَبِ، وهي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلَةً، يَقْطَعُ القَمَرُ مِنها كُلَّ لَيْلَةٍ أقَلَّ مِن واحِدَةٍ فِيما يَزْعُمُونَ، وعَوْدَتُهُ (p-٢٥٠)هِيَ اسْتِهْلالُهُ رَقِيقًا، وحِينَئِذٍ يُشْبِهُ العُرْجُونَ، وهو الغُصْنُ مِنَ النَخْلَةِ الَّذِي فِيهِ شَمارِيخُ الثَمَرِ، فَإنَّهُ يَنْحَنِي ويَصْفَرُّ إذا قَدُمَ، ويَجِيءُ أشْبَهَ شَيْءٍ بِالهِلالِ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، والوُجُودُ يَشْهَدُ بِهِ، وقَرَأ سُلَيْمانُ التَيْمِيُّ: "كالعِرْجُونِ" بِكَسْرِ العَيْنِ. و"القَدِيمِ" مَعْناهُ: العَتِيقُ الَّذِي قَدْ مَرَّ عَلَيْهِ زَمَنٌ طَوِيلٌ.
و"يَنْبَغِي" هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ فِيما لا يُمْكِنُ خِلافُهُ؛ لِأنَّها لا قُدْرَةَ لَها عَلى غَيْرِ ذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "سابِقُ النَهارِ"﴾ بِالإضافَةِ، وقَرَأ عُبادَةُ: "سابِقُ النَهارَ" دُونَ تَنْوِينٍ في القافِ وبِنَصْبِ "النَهارَ"، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ وقالَ: حَذَفَ التَنْوِينَ تَخْفِيفًا. و"الفَلَكُ" - فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما - مُتَحَرِّكٌ مُسْتَدِيرٌ كَفَلْكَةِ المِغْزَلِ، فِيهِ جَمِيعُ الكَواكِبِ. و"يَسْبَحُونَ" مَعْناهُ: يَجْرُونَ ويَعُومُونَ، قالَ مَكِّيٌّ: لَمّا أُسْنِدَ إلَيْها فِعْلُ مَن يَعْقِلُ جُمِعَتْ بِالواوِ والنُونِ.
36:41–46Page 443
وَءَايَةٞ لَّهُمۡ أَنَّا حَمَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ٤١
And a sign for them is that We carried their forefathers1 in a laden ship.
وَخَلَقۡنَا لَهُم مِّن مِّثۡلِهِۦ مَا يَرۡكَبُونَ ٤٢
And We created for them from the likes of it that which they ride.
وَإِن نَّشَأۡ نُغۡرِقۡهُمۡ فَلَا صَرِيخَ لَهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنقَذُونَ ٤٣
And if We should will, We could drown them; then no one responding to a cry would there be for them, nor would they be saved
إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ ٤٤
Except as a mercy from Us and provision for a time.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيكُمۡ وَمَا خَلۡفَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٤٥
But when it is said to them, "Beware of what is before you and what is behind you;1 perhaps you will receive mercy..."2
وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٤٦
And no sign comes to them from the signs of their Lord except that they are from it turning away.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿وَخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ ﴿وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهم ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ ﴿إلا رَحْمَةً مِنّا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم وما خَلْفَكم لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلا كانُوا عنها مُعْرِضِينَ﴾
"وَآيَةٌ" مَعْناهُ: عَلامَةٌ ودَلِيلٌ، ورَفْعُها بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُها في قَوْلِهِ: "لَهُمْ"، و"أنّا" بَدَلٌ مِن "آيَةٌ"، وفِيهِ نَظَرٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةً لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. و"الحَمْلُ": مَنعُ الشَيْءِ أنْ يَذْهَبَ سُفْلًا، وذَكَرَ الذُرِّيَّةَ لِضَعْفِهِمْ عَنِ السَفَرِ فالنِعْمَةُ فِيهِمْ أمْكَنُ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والأعْمَشُ: "ذُرِّيّاتِهِمْ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالإفْرادِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، وعِيسى، والضَمِيرُ المُتَّصِلُ بِالذُرِّيّاتِ هو ضَمِيرُ الجِنْسِ، كَأنَّهُ قالَ: ذُرِّيّاتُ جِنْسِهِمْ أو نَوْعِهِمْ، هَذا أصَحُّ ما يَتَّجِهُ في هَذا، وخَلَطَ بَعْضُ الناسِ في هَذا حَتّى قالُوا. الذُرِّيَّةُ تَقَعُ عَلى الآباءِ، وهَذا لا يُعْرَفُ لُغَةً.
وأمّا مَعْنى الآيَةِ؛ فَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وجَماعَةٌ، وهو أنْ يُرِيدَ بِالذُرِّيّاتِ المَحْمُولِينَ أصْحابَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ في السَفِينَةِ، ويُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿ "مِن مِثْلِهِ"﴾ السُفُنَ المَوْجُودَةَ في جِنْسِ بَنِي آدَمَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وإيّاها ٠ (p-٢٥١)أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾، والتَأْوِيلُ الثانِي قالَهُ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، هو أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآيَةُ، السُفُنَ المَوْجُودَةَ في بَنِي آدَمَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَخَلَقْنا لَهُمْ﴾ الآيَةُ، الإبِلَ وسائِرَ ما يُرْكَبُ، فَتَكُونُ المُماثَلَةُ في أنَّهُ مَرْكُوبٌ مُبَلِّغٌ إلى الأقْطارِ فَقَطْ، ويَعُودُ قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ عَلى السُفُنِ المَوْجُودَةِ في الناسِ، وأمّا مَن خَلَطَ القَوْلَيْنِ فَجَعَلَ الذُرِّيَّةَ في الفَلَكِ في قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ في سَفِينَتِهِ، وجَعَلَ ﴿ "مِن مِثْلِهِ"﴾ في الإبِلِ، فَإنَّ هَذا نَظَرٌ فاسِدٌ يَقْطَعُ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾، فَتَأمَّلْهُ.
و"الفُلْكُ" جَمْعٌ، والإفْرادُ عَلى وزْنِهِ، ولَكِنْ لَيْسَتْ حَرَكاتُ الجَمْعِ حَرَكاتُ الإفْرادِ. و"المَشْحُونُ": المُوقَرُ، و"مِن" في قَوْلِهِ: "مِن مِثْلِهِ" يَتَّجِهُ عَلى أحَدِ التَأْوِيلَيْنِ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، وعَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ، فانْظُرْهُ، ويُقالُ: الإبِلُ مَراكِبُ البَرِّ.
و"الصَرِيخُ" هُنا بِناءُ الفاعِلِ، بِمَعْنى: المُصْرِخِ، وذَلِكَ أنَّكَ تَقُولُ: صارِخٌ بِمَعْنى مُسْتَغِيثٌ، ومُصْرِخٌ بِمَعْنى مُغِيثٌ، ويَجِيءُ صَرِيخٌ مَرَّةً بِمَعْنى هَذا ومَرَّةً بِمَعْنى هَذا؛ لِأنَّ فَعِيلًا مِن أبْنِيَةِ اسْمِ الفاعِلِ، فَمَرَّةً: يَجِيءُ مِن صَرَخَ إذا اسْتَغاثَ، ومَرَّةً: يَجِيءُ مِن أصْرَخَ إذا أغاثَ.
وقَوْلُهُ: ﴿إلا رَحْمَةً﴾ قالَ الكِسائِيُّ: نَصْبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ، كَأنَّهُ قالَ: إلّا أنْ نَرْحَمَهُمْ، وقالَ الزَجّاجُ: نَصَبَ رَحْمَةً عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، كَأنَّهُ قالَ: إلّا لِأجْلِ رَحْمَتِنا إيّاهم. وقَوْلُهُ: "مَتاعًا" عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ "رَحْمَةً"،﴾ و"إلى حِينٍ" يُرِيدُ إلى آجالِهِمُ المَضْرُوبَةِ لَهم.
والكَلامُ تامٌّ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنِ السائِرِينَ في البَحْرِ، ناجِينَ كانُوا أو مُغْرَقِينَ، فَهم بِهَذِهِ لا نَجاةَ لَهم إلّا بِرَحْمَةِ اللهِ ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ مَرْبُوطًا بِالمُغْرَقِينَ، وقَدْ يَصِحُّ رَبْطُهُ بِهِ، والأوَّلُ أحْسَنُ فَتَأمَّلْ.
ثُمَّ ابْتَدَأ الإخْبارَ عن عُتُوِّ قُرَيْشٍ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ﴾ الآيَةُ. و"ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ" قالَ مُقاتِلٌ، وقَتادَةُ: هو عَذابُ الأُمَمِ الَّذِي قَدْ سَبَقَهم في الزَمَنِ، و"ما خَلْفَهُمْ" هو عَذابُ الآخِرَةِ الَّتِي تَأْتِي مِن بَعْدِهِمْ في الزَمَنِ، وهَذا هو النَظَرُ، وقالَ الحَسَنُ: خُوِّفُوا بِما مَضى مِن (p-٢٥٢)ذُنُوبِهِمْ وبِما يَأْتِي مِنها، وهَذا نَحْوُ الأوَّلِ في المَعْنى؛ لِأنَّ التَخْوِيفَ بِالذَنْبِ إنَّما هو مِن عِقابِهِ والمُجازاةِ عَلَيْهِ. "ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ" هو الآخِرَةُ، و"ماخَلْفَهُمْ" عَذابُ الأُمَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَجَعَلَ التَرْتِيبَ كَأنَّهم يَسِيرُونَ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، ولَمْ يَعْتَبِرْ وُجُودَ الأشْياءِ في الزَمَنِ، وهَذا النَظَرُ يُكْرِهُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَوْراةِ﴾ [المائدة: ٤٦]، وإنَّما المُطَّرِدُ أنْ يُقاسَ ما بَيْنَ اليَدِ والخَلْفِ بِما يَسُوقُهُ الزَمَنُ، فَتَأمَّلْهُ. وجَوابُ "إذا" في هَذِهِ الآيَةِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أعْرَضُوا، ويُفَسِّرُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إلا كانُوا عنها مُعْرِضِينَ﴾، و"الآياتُ" العَلاماتُ والدَلائِلُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences