Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Ya-Sin 36:66–83
36:66–70Page 444
وَلَوۡ نَشَآءُ لَطَمَسۡنَا عَلَىٰٓ أَعۡيُنِهِمۡ فَٱسۡتَبَقُواْ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبۡصِرُونَ ٦٦
And if We willed, We could have obliterated their eyes, and they would race to [find] the path, and how could they see?1
وَلَوۡ نَشَآءُ لَمَسَخۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمۡ فَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ مُضِيّٗا وَلَا يَرۡجِعُونَ ٦٧
And if We willed, We could have deformed them, [paralyzing them] in their places so they would not be able to proceed, nor could they return.1
وَمَن نُّعَمِّرۡهُ نُنَكِّسۡهُ فِي ٱلۡخَلۡقِۚ أَفَلَا يَعۡقِلُونَ ٦٨
And he to whom We grant long life We reverse in creation;1 so will they not understand?
وَمَا عَلَّمۡنَٰهُ ٱلشِّعۡرَ وَمَا يَنۢبَغِي لَهُۥٓۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ وَقُرۡءَانٞ مُّبِينٞ ٦٩
And We did not give him [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] knowledge of poetry, nor is it befitting for him. It is not but a message and a clear Qur’ān
لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّٗا وَيَحِقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧٠
To warn whoever is alive1 and justify the word [i.e., decree] against the disbelievers.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ فاسْتَبَقُوا الصِراطَ فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وَمَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ في الخَلْقِ أفَلا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ إنْ هو إلا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ ﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا ويَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾
الضَمِيرُ في "أعْيُنِهِمْ" مُرادٌ بِهِ كُفّارُ قُرَيْشٍ، ومَعْنى الآيَةِ يُبَيِّنُ أنَّهم في قَبْضَةِ القُدْرَةِ وبُرُوجِ العَذابِ إنْ شاءَهُ اللهُ لَهُمْ، وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: أرادَ الأعْيُنَ حَقِيقَةً، والمَعْنى: (p-٢٦٢)لَأعْمَيْناهم فَلا يَرَوْنَ كَيْفَ يَمْشُونَ، ويُؤَيِّدُ هَذا مُجانَسَةُ المَسْخِ الحَقِيقِيِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ أعْيُنَ البَصائِرِ، والمَعْنى: ولَوْ شِئْنا لَخَتَمْنا عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ فَلَمْ يَهْتَدِ مِنهم أحَدٌ. و"الطَمْسُ" إذْهابُ الآثارِ مِنَ المَشْيِ والهَيْئاتِ حَتّى كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ، أيْ: جَعَلْنا جُلُودَ وُجُوهِهِمْ مُتَّصِلَةً حَتّى كَأنَّهُ لَمْ تَكُنْ فِيها عَيْنٌ قَطُّ.
وقَوْلُهُ: ﴿فاسْتَبَقُوا الصِراطَ﴾ مَعْناهُ: عَلى الفَرْضِ، والتَقْدِيرِ: فَإنَّهُ ولَوْ شِئْنا لَأعْمَيْناهم فاحْسُبْ أو قَدِّرْ أنَّهم يَسْتَبِقُونَ الصِراطَ، أيِ: الطَرِيقَ، فَأنّى لَهم بِالإبْصارِ وقَدْ أعْمَيْناهُمْ؟ و"أنّى" لَفْظَةُ اسْتِفْهامٍ فِيهِ مُبالَغَةٌ، وقَدَّرَهُ سِيبَوَيْهِ، كَيْفَ؟ ومِن أيْنَ؟
و"مَسَخْناهُمْ" تَقْدِيرُهُ: تَبْدِيلُ خِلْقَتِهِمْ لِتَصِيرَ كالقِرَدَةِ والخَنازِيرِ ونَحْوٍ مِمّا تَقَدَّمَ في بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ، وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: لَجَعَلْناهم مُقْعَدِينَ مَبْطُولِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ تَصَرُّفًا، وقالَ ابْنُ سَلامٍ: هَذا التَوَعُّدُ كُلُّهُ يَوْمَ القِيامَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "مَكانَتِهِمْ"﴾ بِالإفْرادِ، بِمَعْنى المَكانِ، كَما يُقالُ دارٌ ودارَةٌ، وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ [مَكاناتِهِمْ] جَمْعًا، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وابْنِ أبِي إسْحَقَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مُضِيًّا" بِضَمِّ المِيمِ، وفَتَحَها أبُو حَيْوَةَ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى دَلِيلًا في تَنْكِيسِهِ المُعَمِّرِينَ، وأنَّ ذَلِكَ ما يَفْعَلُهُ إلّا اللهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "نُنَكِّسْهُ"﴾ بِفَتْحِ النُونِ الأولى وسُكُونِ الثانِيَةِ وضَمِّ الكافِ خَفِيفَةً، وقَرَأ عاصِمٌ - بِخِلافٍ عنهُ - وحَمْزَةُ بِضَمِّ الأُولى وفَتْحِ الثانِيَةِ وشَدِّ الكافِ المَكْسُورَةِ مُشَدَّدَةً عَلى المُبالَغَةِ، وأنْكَرَها أبُو عَمْرٍو عَلى الأعْمَشِ. ومَعْنى الآيَةِ: نُحَوِّلُ خَلْقَهُ مِنَ القُوَّةِ إلى الضَعْفِ، ومِنَ الفَهْمِ إلى البَلَهِ، ونَحْوُ ذَلِكَ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو - في رِوايَةِ عَبّاسٍ -: [تَعْقِلُونَ] بِالتاءِ، عَلى مَعْنى: قُلْ لَهُمْ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن حالِ نَبِيِّهِ ﷺ ورَدَّ قَوْلَ مَن قالَ مِنَ الكَفَرَةِ: إنَّهُ شاعِرٌ، وإنَّ القُرْآنَ شِعْرٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾، وكَذَلِكَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لا يَقُولُ الشِعْرَ ولا يَرْوِيهِ ولا يَزِنُهُ، وكانَ إذا حاوَلَ إنْشادَ بَيْتٍ قَدِيمٍ مُتَمَثِّلًا كَسَرَ وزْنَهُ، وإنَّما كانَ يُحْرِزُ المَعْنى فَقَطْ وأنْشَدَ يَوْمًا بَيْتَ طُرْفَةَ:
؎ سَتُبْدِي لَكَ الأيّامُ ما كُنْتَ جاهِلًا ∗∗∗ ويَأْتِيكَ مَن لَمْ تُزَوِّدْ بِالأخْبارِ
(p-٢٦٣)وَأنْشَدَ يَوْمًا - وقَدْ قِيلَ لَهُ: مَن أشْعَرُ الناسِ؟ - فَقالَ: الَّذِي يَقُولُ:
؎ ألَمْ تَرَيانِي كُلَّما جِئْتُ طارِقًا ∗∗∗ ∗∗∗ وُجِدَتْ بِها وإنْ لَمْ تَطَيَّبْ طِيبًا
وأنْشَدَ يَوْمًا:
؎ أتُجْعَلُ نَهْبِي ونَهْبَ العَبِيـ ∗∗∗ ∗∗∗ دِ بَيْنَ الأقْرَعِ وعُيَيْنَةَ
وقَدْ كانَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ رُبَّما أنْشَدَ البَيْتَ المُسْتَقِيمَ في النادِرِ، ورُوِيَ «أنَّهُ أنْشَدَ بَيْتَ ابْنِ رَواحَةَ:
؎ يَبِيتُ يُجافِي جَنْبَهُ عن فِراشِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ
»
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: «أنْشَدَ النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ:
؎ كَفى بِالإسْلامِ والشَيْبِ لِلْمَرْءِ ناهِيًا
فَقالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللهِ، إنَّما قالَ الشاعِرُ:
؎ كَفى الشَيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيًا
»
رَواهُ الثَعْلَبِيُّ: وإصابَتُهُ الوَزْنَ أحْيانًا لا يُوجِبُ أنَّهُ تَعَلَّمَ الشِعْرَ، ورُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أتى في نَثْرِ كَلامِهِ أحْيانًا ما يَدْخُلُ في وزْنٍ، كَقَوْلِهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ:
؎ أنا النَبِيُّ لا كَذِبَ ∗∗∗ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المَطْلَبِ
»
(p-٢٦٤)كَذَلِكَ يَأْتِي في آياتِ القُرْآنِ وفي كُلِّ كَلامٍ، ولَيْسَ كُلُّهُ بِشِعْرٍ ولا في مَعْناهُ.
وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي - عِنْدِي - غَضاضَةً عَلى الشِعْرِ ولا بُدَّ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ «قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: كانَ الشِعْرُ أبْغَضَ الحَدِيثِ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وكانَ يَتَمَثَّلُ بِشِعْرِ أخِي قَيْسٍ طُرْفَةَ فَيَعْكِسُهُ، فَقالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَيْسَ هَكَذا، فَقالَ: "ما أنا بِشاعِرٍ وما يَنْبَغِي لِي"،» وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الشِعْرَ لا غَضَّ عَلَيْهِ، وإنَّما مَنَعَهُ مِنَ التَحَلِّي بِهَذِهِ الحِلْيَةِ الرَفِيعَةِ لِيَجِيءَ القُرْآنُ مِن قَبْلِهِ أغْرَبُ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ إدْراكُ الشِعْرِ لَقِيلَ في القُرْآنِ: إنَّ هَذا مِن تِلْكَ القُوَّةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولَيْسَ الأمْرُ عِنْدِي كَذَلِكَ، وقَدْ كانَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِنَ الفَصاحَةِ والبَيانِ في النَثْرِ في الرُتْبَةِ العُلْيا، ولَكِنَّ كَلامَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى يَبِينُ بِإعْجازِهِ، ويَبْرُزُ بِرَصْفِهِ، ويُخْرِجُهُ إحاطَةُ عِلْمِ اللهِ مِن كُلِّ كَلامٍ، وإنَّما مَنَعَ اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ مِنَ الشِعْرِ تَرْفِيعًا لَهُ عَمّا في قَوْلِ الشُعَراءِ مِنَ التَخَيُّلِ وتَزْوِيقِ الكَلامِ، وأمّا القُرْآنُ فَهو ذِكْرُ الِحَقائِقِ والبَراهِينِ، فَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ، وهَكَذا كانَ أُسْلُوبُ كَلامِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ؛ لِأنَّهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى، والشِعْرُ نازِلُ الرُتْبَةِ عن هَذا كُلِّهِ.
والضَمِيرُ في ﴿ "عَلَّمْناهُ"﴾ عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ قَوْلًا واحِدًا، والضَمِيرُ في "لَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، أو يَعُودَ عَلى القُرْآنِ الكَرِيمِ، وإنْ كانَ لَمْ يُذْكَرْ لِدَلالَةِ المُجاوَرَةِ عَلَيْهِ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾.
(p-٢٦٥)وَقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "لِتُنْذِرَ" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ، أيْ: لِيُنْذِرَ القُرْآنُ، أو لِيُنْذِرَ مُحَمَّدٌ ﷺ، واللامُ مُتَعَلِّقَةٌ بـِ"مُبِينٌ"، وقَرَأ مُحَمَّدٌ اليَمانِيُّ: [لِيُنْذَرَ] عَلى الفِعْلِ المَجْهُولِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: ولَوْ قُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ والذالِ أيْ: لِيَتَحَفَّظَ ويَأْخُذَ بِحَظِّهِ - لَكانَ جائِزًا، وحَكاها أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ عن مُحَمَّدٍ اليَمانِيِّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ حَيًّا﴾ أيْ: حَيَّ القَلْبِ والبَصِيرَةِ، ولَمْ يَكُنْ مَيِّتًا لِكُفْرِهِ، وهَذِهِ اسْتِعارَةٌ، قالَ الضَحّاكُ: ﴿مَن كانَ حَيًّا﴾ مَعْناهُ: عاقِلًا، ﴿وَيَحِقَّ القَوْلُ﴾ مَعْناهُ: يَتَحَتَّمُ العَذابُ ويَجِبُ الخُلُودُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ [الزمر: ٧١].
36:71–76Page 445
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا خَلَقۡنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتۡ أَيۡدِينَآ أَنۡعَٰمٗا فَهُمۡ لَهَا مَٰلِكُونَ ٧١
Do they not see that We have created for them from what Our hands1 have made, grazing livestock, and [then] they are their owners?
وَذَلَّلۡنَٰهَا لَهُمۡ فَمِنۡهَا رَكُوبُهُمۡ وَمِنۡهَا يَأۡكُلُونَ ٧٢
And We have tamed them for them, so some of them they ride, and some of them they eat.
وَلَهُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ وَمَشَارِبُۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ ٧٣
And for them therein are [other] benefits and drinks, so will they not be grateful?
وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يُنصَرُونَ ٧٤
But they have taken besides Allāh [false] deities that perhaps they would be helped.
لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَهُمۡ وَهُمۡ لَهُمۡ جُندٞ مُّحۡضَرُونَ ٧٥
They are not able to help them, and they [themselves] are for them soldiers in attendance.1
فَلَا يَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡۘ إِنَّا نَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ ٧٦
So let not their speech grieve you. Indeed, We know what they conceal and what they declare.
قوله عزّ وجلّ:
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا خَلَقْنا لَهم مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا فَهم لَها مالِكُونَ﴾ ﴿وَذَلَّلْناها لَهم فَمِنها رَكُوبُهم ومِنها يَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَلَهم فِيها مَنافِعُ ومَشارِبُ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهم وهم لَهم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾
هَذِهِ مُخاطَبَةٌ في أمْرِ قُرَيْشٍ وإعْراضِها عَنِ الشَرْعِ وعِبادَتِها الأصْنامَ، فَنَبَّهَهُمُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَلى إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِبَهِيمَةِ الأنْعامِ. وقَوْلُهُ: ﴿ "أيْدِينا"﴾ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، عَبَّرَ عنها بـِ"يَدٍ" وبِـ"يَدَيْنِ" وبِـ"أيْدٍ"، وذَلِكَ مِن حَيْثُ كانَ البَشَرُ إنَّما يَفْهَمُونَ القُدْرَةَ والبَطْشَ بِاليَدِ، فَعَبَّرَ لَهم بِالجِهَةِ الَّتِي اقْتَرَبَتْ مِن أفْهامِهِمْ، واللهُ تَبارَكَ وتَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الجارِحَةِ والتَشْبِيهِ كُلِّهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم لَها مالِكُونَ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى النِعْمَةِ في أنَّ هَذِهِ الأنْعامَ لَيْسَتْ بِعاتِيَةٍ ولا مُبْتَزَّةٍ، بَلْ تُقْتَنى وتُقَرَّبُ مَنافِعُها.
وقَوْلُهُ: "ذَلَّلْناها" مَعْناهُ: سَخَّرْناها ذَلِيلَةً، و"الرَكُوبُ" المَرْكُوبُ، وهو فَعَوْلٌ (p-٢٦٦)بِمَعْنى مَفْعُولٌ، ولَيْسَ إلّا في ألْفاظٍ مَحْصُورَةٍ، كالرَكُوبِ، والحَلُوبِ، والقَدُوعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "رَكُوبُهُمْ"﴾ بِفَتْحِ الراءِ، وقَرَأ بِضَمِّها الحَسَنُ، والأعْمَشُ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: "رَكُوبَتُهُمْ". و"المَنافِعُ" إشارَةٌ إلى الأصْوافِ والأوبارِ وغَيْرِها، و"المَشارِبُ": الألْبانُ.
ثُمَّ عَنَّفَهم في اتِّخاذِ آلِهَةٍ طَلَبًا لِلِاسْتِنْصارِ بِها والتَعاضُدِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ فِيهِ لِلْكُفّارِ، وفي "نَصْرَهُمْ" لِلْأصْنامِ، ويُحْتَمَلُ عَكْسُ ذَلِكَ لِأنَّ الوَجْهَيْنِ صَحِيحانِ في المَعْنى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم لَهم جُنْدٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ الأوَّلُ لِلْكُفّارِ والثانِي لِلْأصْنامِ، عَلى مَعْنى: وهَؤُلاءِ الكُفّارُ مُجَنَّدُونَ مُتَحَزِّبُونَ لِهَذِهِ الأصْنامِ في الدُنْيا، لَكِنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ التَناصُرَ مَعَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ العَكْسُ، أيْ: يَحْضُرُونَ لَهم في الآخِرَةِ عِنْدَ الحِسابِ، عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ والنِقْمَةِ، وسَمّاهم جُنْدًا في هَذا التَأْوِيلِ إذْ هم عُدَّةٌ لِلنِّقْمَةِ مِنهم وتَوْبِيخِهِمْ، وجَرَتْ ضَمائِرُ الأصْنامِ في هَذِهِ الآيَةِ مَجْرى مَن يَعْقِلُ إذْ نَزَلَتْ في عِبادَتِها مَنزِلَةَ عَقْلٍ، فَعُومِلَتْ في العِبارَةِ بِذَلِكَ.
ثُمَّ آنَسَ نَبِيَّهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾، وتَوَعَّدَ الكَفّارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾.
36:77–80Page 445
أَوَلَمۡ يَرَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ ٧٧
Does man not consider that We created him from a [mere] sperm-drop - then at once1 he is a clear adversary?
وَضَرَبَ لَنَا مَثَلٗا وَنَسِيَ خَلۡقَهُۥۖ قَالَ مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ ٧٨
And he presents for Us an example1 and forgets his [own] creation. He says, "Who will give life to bones while they are disintegrated?"
قُلۡ يُحۡيِيهَا ٱلَّذِيٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلۡقٍ عَلِيمٌ ٧٩
Say, "He will give them life who produced them the first time; and He is, of all creation, Knowing."
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلۡأَخۡضَرِ نَارٗا فَإِذَآ أَنتُم مِّنۡهُ تُوقِدُونَ ٨٠
[It is] He who made for you from the green tree, fire, and then from it you ignite.
(p-٢٦٧)قوله عزّ وجلّ:
﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَجَرِ الأخْضَرِ نارًا فَإذا أنْتُمْ مِنهُ تُوقِدُونَ﴾
قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هَذِهِ الآياتُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ «أنَّ العاصَ بْنَ وائِلٍ السَهْمِيَّ جاءَ إلى النَبِيِّ ﷺ بِعَظْمٍ رَمِيمٍ، فَفَتَّهُ وقالَ: يا مُحَمَّدُ، مَن يُحْيِي هَذا؟» وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: إنَّ الَّذِي جاءَ بِالعَظْمِ النَخِرِ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وقالَهُ الحَسَنُ، ذَكَرَهُ الرُمّانِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبِيِّ بْنِ سَلُولٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهُوَ وهْمٌ مِمَّنْ نَسَبَهُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما؛ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ، والآيَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، ولِأنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمْ يُجاهِرْ قَطُّ هَذِهِ المُجاهَرَةَ، واسْمُ "أُبَيٍّ" هو الَّذِي خُلِطَ عَلى الرُواةِ؛ لِأنَّ الصَحِيحَ هو ما رَواهُ ابْنُ وهْبٍ عن مالِكٍ، وقالَهُ ابْنُ إسْحَقَ وغَيْرُهُ: «إنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ أخا أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ هو الَّذِي جاءَ بِالعَظْمِ الرَمِيمِ بِمَكَّةَ فَفَتَّهُ في وجْهِ النَبِيِّ ﷺ، وقالَ: مَن يُحْيِي هَذا يا مُحَمَّدُ؟» ولِأُبَيٍّ مَعَ النَبِيِّ ﷺ مَقاماتٌ ومَقالاتٌ إلى أنْ قَتَلَهُ بِيَدِهِ يَوْمَ أُحُدٍ بِالحَرْبَةِ بِجُرْحٍ في عُنُقِهِ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ لَهُ حِينَ فَتَّ العَظْمَ: "اللهُ يُحْيِيهِ ويُحْيِيكَ ويُدْخِلُكَ جَهَنَّمَ". ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَةُ» مُبِيِّنَةً الحُجَّةِ في أنَّ الإنْسانَ نُطْفَةٌ ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ خَصِيمًا مُبِينًا، فَهَلْ هَذا إلّا إحْياءٌ بَعْدَ مَوْتٍ وعَدَمِ حَياةٍ؟
وقَوْلُهُ: ﴿ "وَنَسِيَ"﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِسْيانَ الذُهُولِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نِسْيانَ التَرْكِ، و"الرَمِيمُ": البالِي المُفَتَّتُ، وهو الرُفاتُ.
(p-٢٦٨)ثُمَّ دَلَّهم تَبارَكَ وتَعالى عَلى الِاعْتِبارِ بِالنَشْأةِ الأُولى، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ تَعالى بِدَلِيلٍ ثالِثٍ في إيجادِ النارِ في العُودِ الأخْضَرِ المُرْتَوِي ماءً، وهَذا هو زِنادُ العَرَبِ، والنارُ مَوْجُودَةٌ في كُلِّ عُودٍ غَيْرَ أنَّها في المُتَخَلْخِلِ المَفْتُوحِ المَسامِّ أوجَدُ، وكَذَلِكَ هو المَرْخُ والعَفارُ، وأعادَ الضَمِيرَ عَلى الشَجَرِ مُذَكَّرًا مِن حَيْثُ راعى اللَفْظَ فَجاءَ كالتَمْرِ والحَصا وغَيْرِهِ.
36:81–83Page 445
أَوَلَيۡسَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۚ بَلَىٰ وَهُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ ٱلۡعَلِيمُ ٨١
Is not He who created the heavens and the earth Able to create the likes of them? Yes, [it is so]; and He is the Knowing Creator.
إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيۡـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٨٢
His command is only when He intends a thing that He says to it, "Be," and it is.
فَسُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡءٖ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٨٣
So exalted is He in whose hand is the realm of all things, and to Him you will be returned.
قوله عزّ وجلّ:
﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
هَذا تَقْرِيرٌ وتَوْقِيفٌ عَلى أمْرٍ تَدُلُّ صِحَّتُهُ عَلى جَوازِ بَعْثِ الأجْسادِ مِنَ القُبُورِ وإعادَةِ المَوْتى.
وجُمِعَ الضَمِيرُ جَمْعُ مَن يَعْقِلُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ "مِثْلَهُمْ"﴾ مِن حَيْثُ كانَتا مُتَضَمِّنَتَيْنِ مَن يَعْقِلُ مِنَ المَلائِكَةِ والثَقَلَيْنِ. هَذا تَأْوِيلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الرُمّانِيُّ وغَيْرُهُ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الناسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهم مِثالٌ لِلْبَعْثِ، وتَكُونُ الآيَةُ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ الناسِ﴾ [غافر: ٥٧]، وقَرَأ سَلامُ أبُو المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي إسْحَقَ، ويَعْقُوبُ، والأعْرَجُ: "وَيَقْدِرُ" عَلى الِاسْتِقْبالِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "بِقادِرٍ" عَلى اسْمِ الفاعِلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الخَلّاقُ"، وقَرَأ الحَسَنُ: "الخالِقُ".
ورَفَعَ "فَيَكُونُ" عَلى مَعْنى: فَهو يَكُونُ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والكِسائِيُّ: [فَيَكُونَ] بِالنَصْبِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: لا يَنْصِبُ الكِسائِيُّ إذا لَمْ تَتَقَدَّمْ (أنْ)، ونَصَبَ ابْنُ عامِرٍ وإنْ لَمْ تَتَقَدَّمْ (أنْ)، والنَصْبُ هاهُنا قِراءَةُ ابْنِ مُحُيْصِنٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٢٦٩)﴿ "كُنْ"﴾ أمْرٌ لِلشَّيْءِ المُخْتَرَعِ عِنْدَ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِهِ لا قَبْلَ ذَلِكَ ولا بَعْدَهُ، وإنَّما يُؤْمَرُ تَأْكِيدًا لِلْقُدْرَةِ وإشارَةً بِها، وهَذا أمْرٌ دُونَ حُرُوفٍ ولا أصْواتٍ، بَلْ مِن كَلامِهِ القائِمِ بِالذاتِ. ثُمَّ نَزَّهَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَفْسَهُ تَنْزِيهًا عامًّا مُطْلَقًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَلَكُوتُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ والتَيْمِيُّ: "مَلَكَةُ" ومَعْناهُ: ضَبْطُ كُلِّ شَيْءٍ والقُدْرَةُ عَلَيْهِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ يس والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences