Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:35–70
37:35–40Page 447
إِنَّهُمۡ كَانُوٓاْ إِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ يَسۡتَكۡبِرُونَ ٣٥
Indeed they, when it was said to them, "There is no deity but Allāh," were arrogant
وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوٓاْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٖ مَّجۡنُونِۭ ٣٦
And were saying, "Are we to leave our gods for a mad poet?"
بَلۡ جَآءَ بِٱلۡحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٣٧
Rather, he [i.e., the Prophet (ﷺ)] has come with the truth and confirmed the [previous] messengers.
إِنَّكُمۡ لَذَآئِقُواْ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَلِيمِ ٣٨
Indeed, you [disbelievers] will be tasters of the painful punishment,
وَمَا تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٣٩
And you will not be recompensed except for what you used to do -
إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٤٠
But not the chosen servants of Allāh.
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلا اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ أإنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ ﴿وَما تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إلا عِبادَ اللهِ المُخْلَصِينَ﴾
هَؤُلاءِ أهْلُ الجُرْمِ الَّذِينَ جَهِلُوا اللهَ سُبْحانَهُ، وعَظَّمُوا أصْنامًا وأوثانًا، فَإذا قِيلَ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ" - وهي كَلِمَةُ الحَقِّ والعُرْوَةِ الوُثْقى - أصابَهم كِبْرٌ، وعَظُمَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتْرُكُوا أصْنامَهم وأصْنامَ آبائِهِمْ، ونَحْوُ هَذا كانَ قِيلَ «عن أبِي طالِبٍ إذْ قالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "أيْ (p-٢٨١)عَمِّ، قُلْ لا إلَهَ إلّا اللهُ كَلِمَةً أشْهَدُ لَكَ بِها عِنْدَ اللهِ"، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: أتَرْغَبُ عن مِلَّةِ عَبْدِ المَطَّلِبِ؟ فَقالَ آخِرَ ما قالَ: أنا عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المَطَّلِبِ.» وبِعَرْضِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قَوْلَ لا إلَهَ إلّا اللهُ جَرَتِ السُنَّةُ في تَلْقِينِ المَوْتى المُحْتَضَرِينَ لِيُخالِفُوا الكَفَرَةَ ويَخْضَعُوا لَها.
وأمّا الطائِفَةُ الَّتِي قالَتْ: ﴿أإنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ فَهي مِن قُرَيْشٍ، وإشارَتُهم بِالشاعِرِ المَجْنُونِ هي إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما قالُوا مِن أنَّهُ شاعِرٌ، بَلْ جاءَ بِالحَقِّ مِن عِنْدِ اللهِ، وصَدَّقَ الرُسُلَ المُتَقَدِّمَةَ لَهُ كَمُوسى وعِيسى وإبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى مُخاطِبًا لَهم - ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَأْوِيلُ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ -: ﴿إنَّكم لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾، وقَرَأ قَوْمٌ (العَذابَ)، نَصْبًا ووَجْهُها أنَّهُ أرادَ: "لَذائِقُونَ"، فَحَذَفَ النُونَ تَخْفِيفًا، وهي قِراءَةٌ قَدْ لُحِنَتْ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: [لَذائِقٌ] بِالتَنْوِينِ، [العَذابَ] بِالنَصْبِ. و"الألِيمُ": المُؤْلِمُ.
ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ ذَلِكَ جَزاءً لَهم بِأعْمالِهِمْ واكْتِسابِهِمْ، ثُمَّ اسْتَثْنى عِبادَ اللهِ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، وهُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللهُ تَعالى لِنَفْسِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللامِ مِنَ "المُخْلَصِينَ"، وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءَ، وأبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ اللامِ، وقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الَّتِي في الصافّاتِ عَنِ الحَسَنِ بِفَتْحِ اللامِ.
37:41–49Page 447
أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ رِزۡقٞ مَّعۡلُومٞ ٤١
Those will have a provision determined -
فَوَٰكِهُ وَهُم مُّكۡرَمُونَ ٤٢
Fruits;1 and they will be honored
فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٤٣
In gardens of pleasure
عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ ٤٤
On thrones facing one another.
يُطَافُ عَلَيۡهِم بِكَأۡسٖ مِّن مَّعِينِۭ ٤٥
There will be circulated among them a cup [of wine] from a flowing spring,
بَيۡضَآءَ لَذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ ٤٦
White and delicious to the drinkers;
لَا فِيهَا غَوۡلٞ وَلَا هُمۡ عَنۡهَا يُنزَفُونَ ٤٧
No bad effect is there in it, nor from it will they be intoxicated.
وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ عِينٞ ٤٨
And with them will be women limiting [their] glances,1 with large, [beautiful] eyes,
كَأَنَّهُنَّ بَيۡضٞ مَّكۡنُونٞ ٤٩
As if they were [delicate] eggs, well-protected.
(p-٢٨٢)قوله عزّ وجلّ:
﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عنها يُنْزَفُونَ﴾ ﴿وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَرْفِ عِينٌ﴾ ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾
﴿ "أُولَئِكَ"﴾ إشارَةٌ إلى العِبادِ المُخْلَصِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿ "مَعْلُومٌ"،﴾ مَعْناهُ: عِنْدَهُمْ، فَقَدْ قَرَّتْ عُيُونُهم بِعِلْمِ ما يَسْتَدِرُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِزْقِ، وبِأنَّ شَهَواتِهِمْ تَأْتِيهِمْ لِحِينِها، وإلّا فَلَوْ كانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا عِنْدَ اللهِ تَعالى فَقَطْ لَما تَخَصَّصَ أهْلُ الجَنَّةِ بِشَيْءٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وَهم مُكْرَمُونَ﴾ تَتْمِيمٌ بَلِيغٌ لِلنَّعِيمِ؛ لِأنَّهُ رُبَّ مَرْزُوقٍ غَيْرُ مُكْرَمٍ، وذَلِكَ أعْظَمُ التَنْكِيلِ.
و"السُرُرُ": جَمْعُ سَرِيرٍ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ بِفَتْحِ الراءِ الأُولى، وفي هَذا التَقابُلِ حَدِيثٌ مَرْوِيٌّ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهم في الجِنانِ وتُرْفَعُ عنهم سُتُورٌ فَيَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، ولا مَحالَةَ أنَّ بَعْضَ أحْيانِهِمْ فِيها مُتَخَيِّرُونَ في قُصُورِهِمْ.
و"يُطافُ" مَعْناهُ: يَطُوفُ الوِلْدانِ، حَسْبَما فَسَّرَتْهُ آيَةٌ أُخْرى، و"الكَأْسُ" قالَ الزَجّاجُ، والطَبَرِيُّ، وغَيْرُهُما: هو الإناءُ الَّذِي فِيهِ خَمْرٌ أو ما يَجْرِي مَجْراهُ مِنَ الأنْبِذَةِ ونَحْوِها، ولا تُسَمّى كَأْسًا إلّا وفِيها هَذا المَشْرُوبُ المَذْكُورُ، وقالَ الضَحّاكُ: كُلُّ كَأْسٍ في القُرْآنِ فَهو خَمْرٌ، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ الكَأْسَ آنِيَةٌ مَخْصُوصَةٌ في الأوانِي، وهو كُلُّ ما اتَّسَعَ فَمُهُ ولَمْ يَكُنْ لَهُ مِقْبَضٌ، ولا يُراعى في ذَلِكَ كَوْنُهُ بِخَمْرٍ أمْ لا. وقَوْلُهُ: ﴿مِن مَعِينٍ﴾ يُرِيدُ: مِن جارٍ مُطَّرِدٍ، فالمِيمُ في مَعِينٍ أصْلِيَّةٌ؛ لِأنَّهُ مِنَ الماءِ المَعِينِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ العَيْنِ فَتَكُونُ المِيمُ زائِدَةً، أيْ: مِمّا يُعَيَّنُ بِالعَيْنِ غَيْرَ مَسْتُورٍ ولا في حِرْزٍ، وخَمْرُ الدُنْيا إنَّما هي مَعْصُورَةٌ مُخْتَزَنَةٌ، وخَمْرُ الآخِرَةِ جارِيَةٌ أنْهارًا.
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لا فِيها﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الكَأْسِ أو عَلى الخَمْرِ، وهو الأظْهَرُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: خَمْرُ الجَنَّةِ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَبَنِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: [صَفْراءَ]، فَهَذا مَوْصُوفٌ بِهِ الخَمْرُ وحْدَها، و ﴿لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ أيْ: ذاتُ لَذَّةٍ، فَوَصَفَها بِالمَصْدَرِ اتِّساعًا، وقَدِ اسْتُعْمِلَ هَذا حَتّى قِيلَ: لَذَّ بِمَعْنى: لَذِيذٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:(p-٢٨٣)
؎ بِحَدِيثِكَ اللَذِّ الَّذِي لَوْ كُلِّمَتْ ∗∗∗ أسْدُ الفَلاةِ بِهِ أتَيْنَ سِراعًا
وقَوْلُهُ: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ لَمْ تَعْمَلْ "لا"؛ لِأنَّ الظَرْفَ حالَ بَيْنَها وبَيْنَ ما شَأْنُها أنْ تَعْمَلَ فِيهِ. و"الغَوْلُ": اسْمٌ عامٌّ في الأذى، تَقُولُ: غالَهُ كَذا إذا أضَرَّهُ في خَفاءٍ، ومِنهُ الغِيلَةُ في القَتْلِ، «وَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الرَضاعِ: "لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أنْهى عَنِ الغِيلَةِ"،» ومِنَ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ مَضى أوَّلُونا ناعِمِينِ بِعَيْشِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ جَمِيعًا وغالَتْنِي بِمَكَّةَ غُولُ
أيْ: عاقَتْنِي عَوائِقٌ، فَهَذا مَعْنًى مِن مَعانِي "الغَوْلِ"، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ في مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ: "ما لَهُ عَمَلٌ ما أغالَهُ"، يُضْرَبُ لِلرَّجُلِ الحَدِيدِ الَّذِي لا يَقُومُ لِأمْرٍ إلّا أغْنى فِيهِ، أوِ الرَجُلِ يُدْعى لَهُ بِأنْ يُؤَدِّيَ ما أدّاهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسِ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: الغَوْلُ وجَعٌ في البَطْنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسِ أيْضًا، وقَتادَةُ: هو صُداعٌ في الرَأْسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والِاسْمُ أعَمُّ مِن هَذا كُلِّهِ، فَنَفى عن خَمْرِ الجَنَّةِ جَمِيعَ أنْواعِ الأذى، إذْ هي مَوْجُودَةٌ في خَمْرِ الدُنْيا، وقَدْ نَحا إلى هَذا العُمُومِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وما زالَتِ الخَمْرُ تَغْتالُنا ∗∗∗ ∗∗∗ وتَذْهَبُ بِالأوَّلِ الأوَّلِ
(p-٢٨٤)أيْ: تُؤْذِينا بِذَهابِ العَقْلِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "يُنْزَفُونَ" بِفَتْحِ الزايِ، وكَذَلِكَ في الواقِعَةِ، مِن قَوْلِكَ: نَزَفَ الرَجُلُ إذا سَكِرَ، ونَزَفَتْهُ الخَمْرُ، والنَزِيفُ: السَكْرانُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَلَثَمْتُ فاها آخِذًا بِقُرُونِها ∗∗∗ ∗∗∗ شُرْبَ النَزِيفِ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ
وبِإذْهابِ العَقْلِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ "يُنْزِفُونَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِكَسْرِ الزايِ، وكَذَلِكَ في الواقِعَةِ، مِن: أنْزَفَ بِمَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما سَكِرَ، ومِنهُ قَوْلُ الأُبَيْرِدِ الرِياحَيِّ:
؎ لَعَمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أو صَحَوْتُمْ ∗∗∗ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَدامى كُنْتُمُ آلَ أبْجَرا
(p-٢٨٥)والثانِي: بَعُدَ شَرابُهُ، يُقالُ: أنْزَفَ الرَجُلُ إذا تَمَّ شَرابُهُ، فَهَذا كُلُّهُ مَنفِيٌّ عن أهْلِ الجَنَّةِ، وقَرَأ عاصِمٌ هُنا بِفَتْحِ الزايِ، وفي الواقِعَةِ بِكَسْرِ الزايِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحَقَ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الزايِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاصِراتُ الطَرْفِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: عَلى أزْواجِهِنَّ، أيْ لا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِهِمْ، ولا يَمْتَدُّ طَرْفُ إحْداهُنَّ إلى أجْنَبِيٍّ، فَهَذا هو قَصْرُ الطَرْفِ. و"عِينٌ": جُمَعُ عَيْناءَ، وهي الكَبِيرَةُ العَيْنَيْنِ في جَمالٍ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ فاخْتَلَفَ الناسُ، ما هُوَ؟ فَقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ: شِبَّهَ ألْوانَهُنَّ بِلَوْنِ قِشْرِ البَيْضَةِ الداخِلِيِّ، وهو الغِرْقِئُ، وهو المَكْنُونُ، أيِ: المَصُونُ في كِنٍّ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، قالَ: وأمّا خارِجُ قِشْرِ البَيْضَةِ فَلَيْسَ بِمَكْنُونٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: شَبَّهَ ألْوانَهُنَّ بِلَوْنِ قِشْرِ بَيْضِ النَعامِ، وهو بَياضٌ قَدْ خالَطَ صُفْرَةً حَسَنَةً، قالُوا: والبَيْضُ نَفْسُهُ في الأغْلَبِ هو المَكْنُونُ بِالرِيشِ، ومَتى شَذَّتْ بِهِ حالٌ فَلَمْ يَكُنْ مَكْنُونًا خَرَجَ عن أنْ يُشَبَّهَ بِهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ زَيْدٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ كَبَكْرِ المُقاناةِ البَياضِ بِصُفْرَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ غَذاها نَمِيرُ الماءِ غَيْرُ المُحَلَّلِ
(p-٢٨٦)وَهَذِهِ المَعْنى كَثِيرٌ في أشْعارِ العَرَبِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما - فِيما حَكى الطَبَرِيُّ -: البِيضُ المَكْنُونُ أرادَ بِهِ الجَوْهَرَ المَصُونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا لا يَصِحُّ عِنْدِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما؛ لِأنَّهُ تَرُدُّهُ اللَفْظَةُ مِنَ الآيَةِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما شَبَّهَهُنَّ تَعالى بِالبَيْضِ المَكْنُونِ تَشْبِيهًا عامًّا، جُمْلَةِ المَرْأةِ بِجُمْلَةِ البَيْضَةِ، وأرادَ بِذَلِكَ: تَناسُبَ أجْزاءِ المَرْأةِ، وأنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنها نِسْبَتُهُ في الجَوْدَةِ إلى نَوْعِهِ نِسْبَةُ الآخَرِ مِن أجْزائِهِ إلى نَوْعِهِ، فَنِسْبَةُ شَعْرِها إلى عَيْنِها مُسْتَوِيَةٌ إذْ هُما غايَةٌ في نَوْعِهِما، والبَيْضَةُ أشَدُّ الأشْياءِ تَناسُبَ أجْزاءٍ؛ لِأنَّكَ مِن حَيْثُ جِئْتَها فالنَظَرُ فِيها واحِدٌ.
37:50–53Page 447
فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٥٠
And they will approach one another, inquiring of each other.
قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٞ ٥١
A speaker among them will say, "Indeed, I had a companion [on earth].
يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُصَدِّقِينَ ٥٢
Who would say, 'Are you indeed of those who believe
أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ٥٣
That when we have died and become dust and bones, we will indeed be recompensed?'"
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ ﴿يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَدِينُونَ﴾
هَذا التَساؤُلُ الَّذِي بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ هو تَساؤُلُ راحَةٍ وتَنَعُّمٍ، يَتَذَكَّرُونَ أُمُورَهم في الجَنَّةِ وأمْرَ الدُنْيا وحالَ الطاعَةِ والإيمانِ فِيها، ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن قَوْلِ قائِلٍ مِنهم في قِصَّتِهِ، فَهو مِثالٌ لِكُلِّ مَن لَهُ قَرِينُ سُوءٍ، يُعْطِي هَذا المِثالُ التَحَفُّظَ مِن قُرَناءِ السُوءِ، واسْتِشْعارَ مَعْصِيَتِهِمْ، وعَبَّرَ عن قَوْلِ هَذا الرَجُلِ بِالمُضِيِّ مِن حَيْثُ كانَ أمْرًا مُتَيَقَّنًا حاصِلًا لا مَحالَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: كانَ هَذانَ مِنَ البَشَرِ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هُما اللَذانِ ذَكَرَ اللهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا﴾ [الفرقان: ٢٨]، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ إنْسِيًّا وجِنِّيًّا مِنَ الشَياطِينِ الكَفَرَةِ، والأوَّلُ أصْوَبُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِنَ المُصَدِّقِينَ" بِتَخْفِيفِ الصادِ، مِنَ التَصْدِيقِ، وقَرَأتْ فَرْقَةٌ بِالتَشْدِيدِ لِلصّادِ، مِنَ التَصَدُّقِ.
وقالَ فُراتُ بْنُ ثَعْلَبَةَ البَهْرانِيُّ في قَصَصِ هَذَيْنِ: إنَّهُما كانا شَرِيكَيْنِ بِثَمانِيَةِ آلافِ (p-٢٨٧)دِينارٍ، فَكانَ أحَدُهُما يَعْبُدُ اللهَ ويَقْصِدُ مِنَ التِجارَةِ والنَظَرِ، وكانَ الآخَرُ كافِرًا مُقْبِلًا عَلى مالِهِ، فَحَلَّ الشَرِكَةَ مَعَ المُؤْمِنِ وبَقِيَ وحْدَهُ لِتَقْصِيرِ المُؤْمِنِ، ثُمَّ إنَّهُ جَعَلَ كُلَّما اشْتَرى - شَيْئًا مِن دارٍ وجارِيَةٍ وبُسْتانٍ ونَحْوِهِ - عَرَضَهُ عَلى ذَلِكَ المُؤْمِنِ وفَخَرَ عَلَيْهِ، فَيَمْضِي المُؤْمِنُ عِنْدَ ذَلِكَ ويَتَصَدَّقُ بِنَحْوِ ذَلِكَ الثَمَنِ لِيَشْتَرِيَ بِهِ مِنَ اللهِ في الجَنَّةِ، فَكانَ مِن أمْرِهِما في الآخِرَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ الطَبَرِيُّ: وهَذا الحَدِيثُ يُؤَيِّدُ قِراءَةَ التَشْدِيدِ. و"مَدِينُونَ" مَعْناهُ: مُجازَوْنَ مُحاسَبُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والسُدِّيُّ. والدِينُ: الجَزاءُ، وقَدْ تَقَدَّمَ.
37:54–61Page 448
قَالَ هَلۡ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ ٥٤
He will say,1 "Would you [care to] look?"
فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِي سَوَآءِ ٱلۡجَحِيمِ ٥٥
And he will look and see him1 in the midst of the Hellfire.
قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرۡدِينِ ٥٦
He will say, "By Allāh, you almost ruined me.
وَلَوۡلَا نِعۡمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِينَ ٥٧
If not for the favor of my Lord, I would have been of those brought in [to Hell].
أَفَمَا نَحۡنُ بِمَيِّتِينَ ٥٨
Then, are we not to die
إِلَّا مَوۡتَتَنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ٥٩
Except for our first death, and we will not be punished?"
إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٦٠
Indeed, this is the great attainment.
لِمِثۡلِ هَٰذَا فَلۡيَعۡمَلِ ٱلۡعَٰمِلُونَ ٦١
For the like of this let the workers [on earth] work.
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿قالَ تاللهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ ﴿إلا مَوْتَتَنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾
فِي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَقالَ لِهَذا الرَجُلِ حاضِرُونَ مِنَ المَلائِكَةِ: إنَّ قَرِينَكَ هَذا في جَهَنَّمَ يُعَذِّبُ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾. ويُحْتَمَلُ أنْ يُخاطِبَ بِـ"أنْتُمْ" المَلائِكَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُخاطِبَ رُفَقاءَهُ في الجَنَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُخاطِبَ خَدَمَتَهُ، وكُلُّ هَذا حَكى المَهْدَوِيُّ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "مُطَّلِعُونَ"﴾ بِفَتْحِ الطاءِ مُشَدَّدَةً، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو - في رِوايَةِ حُسَيْنٍ - بِسُكُونِها مَعَ فَتْحِ النُونِ، وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ بِسُكُونِها وكَسْرِ النُونِ عَلى أنَّها ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ، ورَدَّ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ وغَيْرُهُ ولَحَّنُوها؛ وذَلِكَ أنَّها جَمَعَتْ بَيْنَ ياءِ الإضافَةِ ونُونِ المُتَكَلِّمِ، والوَجْهُ أنْ تَقُولَ: "مَطْلِعِيَّ"، ووَجَّهَ القِراءَةَ أبُو الفَتْحِ بْنُ جِنِّيٍّ وقالَ: أنْزَلَ الفاعِلَ مُنْزِلَ الفِعْلِ المُضارِعِ، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ عَلى هَذا:
؎ وما أدْرِي وظَنِّي كُلُّ ظَنٍّ ∗∗∗ أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِي
(p-٢٨٨)وَقالَ الفَرّاءُ: يُرِيدُ شَراحِيلَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "فاطَّلَعَ"﴾ بِصِلَةِ الألِفِ وشَدِّ الطاءِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الحُسَيْنِ: بِضَمِّ الألْفِ وسُكُونِ الطاءِ وكَسْرِ اللامَ، وهي قِراءَةُ أبِي البَرَهْسَمِ. قالَ الزَجّاجُ: هي قِراءَةُ مَن قَرَأ: "مُطْلِعُونِ" بِكَسْرِ النُونِ، ورُوِيَ أنْ لِأهْلِ الجَنَّةِ كُوىً وطاقاتٍ يُشْرِفُونَ مِنها عَلى أهْلِ النارِ إذا شاؤُوا عَلى جِهَةِ النِقْمَةِ والعِبْرَةِ؛ لِأنَّهم لَهم في عَذابِ أهْلِ النارِ وتَوْبِيخِهِمْ سُرُورٌ وراحَةٌ، حَكاهُ الرُمّانِيُّ عن أبِي عَلِيٍّ.
و"سَواءُ الجَحِيمِ" وسَطُهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والناسُ، وسُمِّيَ سَواءً لِاسْتِواءِ المَسافَةِ مِنهُ إلى الجَوانِبِ، والجَحِيمُ مُتَراكَمُ جَمْرِ النارِ، ورُوِيَ عن مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وخُلَيْدٍ العَصَرِيِّ أنَّهُ رَآهُ قَدْ تَغَيَّرَ حِبَرَهُ وسِبْرَهُ، أيْ: تَبَدَّلَتْ (p-٢٨٩)حالُهُ، ولَوْلا ما عَرَّفَهُ اللهُ إيّاهُ لَمْ يُمَيِّزْهُ، فَقالَ لَهُ المُؤْمِنُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿تاللهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾، أيْ: تُهْلِكَنِي بِإغْوائِكَ، والرَدى: الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ أفِي الطَوْفِ خِفْتِ عَلَيَّ الرَدى ∗∗∗ ∗∗∗ وكَمْ مِن رَدٍ أهْلَهُ لَمْ يَرِمْ
وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: [إنْ كِدْتَّ لَتُغْوِينِ] بِالواوِ، مِنَ الغَيِّ، وذَكَرَها أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ بِالراءِ، مِنَ الإغْراءِ، والتاءُ في هَذا كُلِّهِ مَضْمُومَةٌ.
ورَفَعَ ﴿نِعْمَةُ رَبِّي﴾ بِالِابْتِداءِ، وهو إعْرابُ ما كانَ بَعْدَ "لَوْلا" عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تَدارَكَتْهُ ونَحْوَهُ، و﴿المُحْضَرِينَ﴾ مَعْناهُ: في العَذابِ.
وقَوْلُ المُؤْمِنِ: ﴿أفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةً لِرُفَقائِهِ، في الجَنَّةِ لَمّا رَأى ما نَزَلَ بِقَرِينِهِ، ونَظَرَ إلى حالِهِ في الجَنَّةِ وحالِ رُفَقائِهِ قَدَّرَ النِعْمَةَ قَدْرَها، فَقالَ لَهم - عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ ما قالَ ويَجِيءُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - قَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ وما بَعْدَهُ مُتَّصِلًا بِكَلامِهِ، خِطابًا لِرُفَقائِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ
﴿أفَما نَحْنُ﴾ إلى قَوْلِهِ [بِمُعَذَّبِينَ] مُخاطَبَةً لِقَرِينِهِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أيْنَ الَّذِي كُنْتَ تَقُولُ مِن أنّا نَمَوْتُ ولَيْسَ بَعْدَ المَوْتِ عِقابٌ ولا عَذابٌ؟ ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن خِطابِ المُؤْمِنِ لِقَرِينِهِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ قَتادَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن خِطابِ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ، ويَقْوى هَذا لِأنَّ قَوْلَ المُؤْمِنِ ﴿لِمِثْلِ هَذا فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾ والآخِرَةُ لَيْسَتْ بِدارِ عَمَلٍ، يَقْلَقُ إلّا عَلى تَجَوُّزٍ، كَأنَّهُ يَقُولُ: لِمِثْلِ هَذا كانَ يَنْبَغِي أنْ يَعْمَلَ العامِلُونَ.
37:62–70Page 448
أَذَٰلِكَ خَيۡرٞ نُّزُلًا أَمۡ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ ٦٢
Is that [i.e., Paradise] a better accommodation or the tree of zaqqūm?
إِنَّا جَعَلۡنَٰهَا فِتۡنَةٗ لِّلظَّٰلِمِينَ ٦٣
Indeed, We have made it a torment for the wrongdoers.
إِنَّهَا شَجَرَةٞ تَخۡرُجُ فِيٓ أَصۡلِ ٱلۡجَحِيمِ ٦٤
Indeed, it is a tree issuing from the bottom of the Hellfire,
طَلۡعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَٰطِينِ ٦٥
Its emerging fruit as if it was heads of the devils.
فَإِنَّهُمۡ لَأٓكِلُونَ مِنۡهَا فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ ٦٦
And indeed, they will eat from it and fill with it their bellies.
ثُمَّ إِنَّ لَهُمۡ عَلَيۡهَا لَشَوۡبٗا مِّنۡ حَمِيمٖ ٦٧
Then indeed, they will have after it a mixture of scalding water.
ثُمَّ إِنَّ مَرۡجِعَهُمۡ لَإِلَى ٱلۡجَحِيمِ ٦٨
Then indeed, their return will be to the Hellfire.
إِنَّهُمۡ أَلۡفَوۡاْ ءَابَآءَهُمۡ ضَآلِّينَ ٦٩
Indeed they found their fathers astray.
فَهُمۡ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ يُهۡرَعُونَ ٧٠
So they hastened [to follow] in their footsteps.
(p-٢٩٠)قوله عزّ وجلّ:
﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلا أمْ شَجَرَةُ الزَقُّومِ﴾ ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَياطِينِ﴾ ﴿فَإنَّهم لآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهم لإلى الجَحِيمِ﴾ ﴿إنَّهم ألْفَوْا آباءَهم ضالِّينَ﴾ ﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾
الألِفُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "أذَلِكَ"﴾ لِلتَّقْرِيرِ، والمُرادُ تَقْرِيرُ قُرَيْشٍ والكُفّارِ، وجاءَ ﴿خَيْرٌ نُزُلا﴾ بِلَفْظَةِ التَفْضِيلِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ لا اشْتِراكَ بَيْنَهُما مِن حَيْثُ كانَ الكَلامُ تَقْرِيرًا، والِاحْتِجاجُ يَقْتَضِي أنْ يُوقِفَ المُتَكَلِّمُ خَصْمَهُ عَلى قِسْمَيْنِ أحَدُهُما فاسِدٌ، ويَحْمِلَهُ بِالتَقْرِيرِ عَلى اخْتِيارِ أحَدِهِما، ولَوْ كانَ الكَلامُ خَبَرًا لَمْ يَجُزْ ولا أفادَ أنْ يَقُولَ: الجَنَّةُ خَيْرٌ مِن شَجَرَةِ الزَقُّومِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤] فَهَذا عَلى اعْتِقادِهِمْ في أنَّ لَهم مُسْتَقَرًّا خَيْرًا، وقَدْ تَقَدَّمَ إيعابُ هَذا المَعْنى. وفي بَعْضِ البِلادِ الجَدْبَةِ المُجاوِرَةِ لِلصَّحارى شَجَرَةٌ مُرَّةٌ مَسْمُومَةٌ لَها لَبَنٌ إنْ مَسَّ جِسْمَ أحَدٍ تَوَرَّمَ وماتَ مِنهُ في أغْلَبَ الأمْرُ، تُسَمّى شَجَرَةَ الزَقُّومِ، والتَزَقُّمُ في كَلامِ العَرَبِ: البَلْعُ عَلى شِدَّةٍ وجَهْدٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾، قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: يُرِيدُ أبا جَهْلٍ ونُظَراءَهُ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ قالَ الكُفّارُ: وكَيْفَ يُخْبِرُ مُحَمَّدٌ عَنِ النارِ أنَّها تُنْبِتُ الأشْجارَ وهي تَأْكُلُها وتُذْهِبُها؟ فَفَتَنُوا بِذَلِكَ أنْفُسَهم وجَهَلَةً مِن أتْباعِهِمْ، وقالَ أبُو جَهْلٍ: إنَّما الزَقُّومُ التَمْرُ بِالزُبْدِ، ونَحْنُ نَتَزَقَّمُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي أصْلِ الجَحِيمِ﴾ مَعْناهُ مُلاصِقٌ نِهاياتِها الَّتِي لَها كالجُدْرانِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: [إنَّها شَجَرَةٌ ثابِتَةٌ في أصْلِ الجَحِيمِ].
وقَوْلُهُ: ﴿كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَياطِينِ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْناهُ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: شُبِّهَ بِثَمَرِ شَجَرَةٍ مَعْرُوفَةٍ يُقالُ لَها: رُؤُوسُ الشَياطِينِ، وهي بِناحِيَةِ اليَمَنِ، يُقالُ لَها: أسْتَنٌ، وهي الَّتِي ذَكَرَ النابِغَةُ في قَوْلِهِ:(p-٢٩١)
؎ مِن أسْتَنٍ سُودٍ أسافِلُهُ
ويُقالُ: إنَّهُ الشَجَرُ الَّذِي يُقالُ لَهُ: الصَوْمُ، وهو الَّذِي يَعْنِي ساعِدَةُ بْنُ جُؤَيَّةَ في قَوْلِهِ:
؎ مُوَكَّلٌ بِشُدُوفِ الصَوْمِ يَرْقُبُها ∗∗∗ ∗∗∗ مِنَ المَعازِبِ مَخْطُوفُ الحَشا زَرِمُ
وقالَتْ فِرْقَةٌ: شُبِّهَ بِرُؤُوسِ صِنْفٍ مِنَ الحَيّاتِ يُقالُ لَهُ: الشَياطِينُ، وهي ذَواتُ أعْرافٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ عنجَرِدٌ تَحْلِفُ حِينَ أحْلِفُ ∗∗∗ ∗∗∗ كَمِثْلِ شَيْطانِ الحَماطِ أعْرَفُ
وقالَتْ فِرْقَةٌ: شُبِّهَ بِما اسْتَقَرَّ في النُفُوسِ مِن كَراهَةِ رُؤُسِ الشَياطِينِ وقُبْحِها وإنْ (p-٢٩٢)كانَتْ لَمْ تُرَ، وهَذا كَما تَقُولُ لِلْأشْعَثِ المُنْتَفِشِ الشَعْرِ الكَرِيهِ المَنظَرِ: هَذا وجْهُ شَيْطانٍ، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ الكَنَدِيِّ:
؎ أيَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعِي ∗∗∗ ∗∗∗ ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ
فَإنَّما شَبَّهَ بِما اسْتَقَرَّ في النُفُوسِ مِن هَيْئَتِها.
و"الشَوْبُ": المِزاجُ والخَلْطُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ. وقَرَأ شَيْبانُ النَحْوِيُّ بِضَمِّ الشِينِ، قالَ الزَجّاجُ: فَتْحُ الشِينِ المَصْدَرُ وضَمُّها الِاسْمُ. و"الحَمِيمُ": السُخْنُ جِدًّا مِنَ الماءِ ونَحْوِهُ، فَيُرِيدُ بِهِ هاهُنا شَرابَهُمُ الَّذِي هو طِينَةُ الخَبالِ صَدِيدُهم وما يَنْماعُ مِنهُمْ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لَهُمُ انْتِقالُ أجْسادٍ في وقْتِ الأكْلِ والشُرْبِ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى مُعْظَمِ الجَحِيمِ، ذَكَرَهُ الرُمّانِيُّ، وشُبِّهَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الرُجُوعُ إنَّما هو مِن حالِ ذَلِكَ الأكْلِ المُعَذِّبِ إلى حالِ الِاحْتِراقِ دُونَ أكْلٍ، وبِكُلِّ احْتِمالٍ قِيلَ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: [وَأنَّ مُنْقَلَبَهم لَإلى الجَحِيمِ]، وفي كِتابِ أبِي حاتِمٍ عنهُ: "مَقِيلَهُمْ"، مِنَ القائِلَةِ.
(p-٢٩٣)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم ألْفَوْا﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ تَمْثِيلٌ لِقُرَيْشٍ، و"يُهْرَعُونَ"، قالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: يُسْرِعُونَ كَأنَّهم يُساقُونَ بِعَجَلَةٍ، وهَذا تَكَسُّبُهم لِلْكُفْرِ وحِرْصُهم عَلَيْهِ، والإهْراعُ: سَيْرٌ شَدِيدٌ، قالَ مُجاهِدٌ، كَهَيْئَةِ الهَرْوَلَةِ فِيهِ شِبْهُ رَعْدَةٍ، وكَأنَّهُ أيْضًا شِبْهُ سَيْرِ الفازِعِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences