Ibn 'AtiyyaSad · 38:30–44

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Sad 38:30–44

38:30–35Page 455

وَوَهَبۡنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيۡمَٰنَۚ نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ٣٠

And to David We gave Solomon. An excellent servant, indeed he was one repeatedly turning back [to Allāh].

إِذۡ عُرِضَ عَلَيۡهِ بِٱلۡعَشِيِّ ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلۡجِيَادُ ٣١

[Mention] when there were exhibited before him in the afternoon the poised [standing] racehorses.

فَقَالَ إِنِّيٓ أَحۡبَبۡتُ حُبَّ ٱلۡخَيۡرِ عَن ذِكۡرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتۡ بِٱلۡحِجَابِ ٣٢

And he said, "Indeed, I gave preference to the love of good [things] over the remembrance of my Lord until it [i.e., the sun] disappeared into the curtain [of darkness]."

رُدُّوهَا عَلَيَّۖ فَطَفِقَ مَسۡحَۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلۡأَعۡنَاقِ ٣٣

[He said], "Return them to me," and set about striking1 [their] legs and necks.

وَلَقَدۡ فَتَنَّا سُلَيۡمَٰنَ وَأَلۡقَيۡنَا عَلَىٰ كُرۡسِيِّهِۦ جَسَدٗا ثُمَّ أَنَابَ ٣٤

And We certainly tried Solomon and placed on his throne a body;1 then he returned.2

قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ٣٥

He said, "My Lord, forgive me and grant me a kingdom such as will not belong to anyone after me. Indeed, You are the Bestower."

(p-٣٤٤)قوله عزّ وجلّ:

﴿وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصافِناتُ الجِيادُ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عن ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ ﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُوقِ والأعْناقِ﴾ ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾

الهِبَةُ والعَطِيَّةُ بِمَعْنًى واحِدٍ، فَوَهَبَ اللهُ سُلَيْمانَ لِداوُدَ ولَدًا، وأثْنى تَعالى عَلَيْهِ بِأوصافٍ مِنَ المَدْحِ تَضَمَّنَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾ و"أوّابٌ" مَعْناهُ: رَجّاعٌ، ولَفْظَةُ ﴿ "أوّابٌ"﴾ هو العامِلُ في "إذْ"؛ لِأنَّ أمْرَ الخَيْلِ مُقْتَضٍ أوبَةً عَظِيمَةً.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَصَصِ هَذِهِ الخَيْلِ المَعْرُوضَةِ، فَقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ عُرِضَتْ عَلَيْهِ آلافٌ مِنَ الخَيْلِ تَرَكَها أبُوهُ لَهُ، وقِيلَ: ألْفٌ واحِدٌ فَأُجْرِيَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ عِشاءً، فَتَشاغَلَ بِحُسْنِها وجَرْيِها ومَحَبَّتِها حَتّى فاتَهُ وقْتُ صَلاةِ العِشاءِ، قالَ قَتادَةُ: صَلاةُ العَصْرِ، ونَحْوُهُ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَأسِفَ لِذَلِكَ، وقالَ: رُدُّوا عَلَيَّ الخَيْلَ، قالَ الحَسَنُ: فَطَفِقَ يَضْرِبُ أعْناقَها وعَراقِيبَها بِالسَيْفِ عَقْرًا لَها لَمّا كانَتْ سَبَبَ فَوْتِ الصَلاةِ، فَأبْدَلَهُ اللهُ أسْرَعَ مِنها الرِيحَ، وقالَ قَوْمٌ - مِنهُمُ الثَعْلَبِيُّ -: كانَتْ بِالناسِ مَجاعَةٌ، ولُحُومُ الخَيْلِ لَهم حَلالٌ، فَإنَّما عَقَرَها لِتُؤْكَلَ عَلى وجْهِ القُرْبَةِ بِها، كالهَدْيِ عِنْدَنا، ونَحْوُ هَذا ما فَعَلَهُ أبُو طَلْحَةَ الأنْصارِيُّ بِحائِطِهِ؛ إذْ تَصَدَّقَ بِهِ لَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ الدُبْسِيُّ في الصَلاةِ فَشَغَلَهُ.

و"الصافِنُ": الفَرَسُ الَّذِي يَرْفَعُ إحْدى يَدَيْهِ ويَقِفُ عَلى طَرَفِ سُنْبُكِهِ، وقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِرِجْلِهِ، وهي عَلامَةُ الفَراهَةِ، وأنْشَدَ الزَجّاجُ:

؎ ألِفَ الصُفُونَ فَلا يَزالُ كَأنَّهُ ∗∗∗ مِمّا يَقُومُ عَلى الثَلاثِ كَسِيرًا

(p-٣٤٥)وَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الصافِنُ: الَّذِي يَجْمَعُ يَدَيْهِ ويُسَوِّيها، وأمّا الَّذِي يَقِفُ عَلى طَرَفِ السُنْبُكِ فَهو المُخَيَّمُ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "الصَوافِنُ الجِيادُ"، والجِيادُ: جَمْعُ جَوْدٍ، كَثَوْبِ وثِيابٍ، وسُمِّي بِهِ لِأنَّهُ يَجُودُ بِجَرْيِهِ.

وقالَ بَعْضُ الناسِ: "الخَيْرُ" هُنا أرادَ بِهِ: الخَيْلُ، والعَرَبُ تُسَمِّي الخَيْلَ الخَيْرَ، وكَذَلِكَ «قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِزَيْدِ الخَيْلِ: "أنْتَ زَيْدُ الخَيْرِ"،» و"حُبَّ" مَفْعُولٌ بِهِ نُصِبَ لِذَلِكَ عِنْدَ فِرْقَةٍ، كَأنَّ ﴿ "أحْبَبْتُ"﴾ بِمَعْنى: آثَرْتُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَفْعُولُ بـِ "أحْبَبْتُ" مَحْذُوفٌ، و"حُبَّ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: أحْبَبْتُ هَذِهِ الخَيْلَ حُبَّ الخَيْرِ، وتَكُونُ "الخَيْرِ" - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - غَيْرَ الخَيْلِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "حُبَّ الخَيْلِ" بِاللامِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أحْبَبْتُ" مَعْناهُ: سَقَطْتُ إلى الأرْضِ لِذَنْبِي، مَأْخُوذٌ مِن: أحَبَّ البَعِيرُ إذا أعْيا وسَقَطَ هُزالًا، و"حُبَّ" - عَلى هَذا - مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ.

والضَمِيرُ في ﴿ "تَوارَتْ"﴾ لِلشَّمْسِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ صَرِيحٌ، إلّا أنَّ المَعْنى يَقْتَضِيها مَذْكُورَةً ويَتَضَمَّنُها؛ ولِأنَّ العَشِيَّ يَقْتَضِي لَها ذِكْرًا إذْ هو مُقَدَّرٌ مُتَوَهَّمٌ بِها. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ يُرِيدُ بِهِ الخَيْلَ، أيْ: دَخَلَتِ اصْطَبْلاتِها.

(p-٣٤٦)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والزَهْراوِيُّ: إنَّ مَسْحَهُ بِالسُوقِ والأعْناقِ لَمْ يَكُنْ بِالسَيْفِ، بَلْ بِيَدِهِ تَكْرِيمًا لَها ومَحَبَّةً، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ غَسْلًا بِالماءِ، وقَدْ يُقالُ لِلْغَسْلِ مَسْحٌ، لِأنَّ المَسْحَ بِالأيْدِي يَقْتَرِنُ بِهِ. وهَذِهِ الأقْوالُ عِنْدِي إنَّما تَتَرَتَّبُ عَلى نَحْوٍ مَنِ التَفْسِيرِ في هَذِهِ الآيَةِ، ورُوِيَ عن بَعْضِ الناسِ. وذَلِكَ أنَّهُ رَأى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ لَمْ يَكُنْ فِيها فَوْتُ صَلاةٍ، ولا تَضَمَّنُ أمْرَ الخَيْلِ أوبَةً ولا رُجُوعًا. فالعامِلُ فِي: "إذْ" فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ إذْ عُرِضَ، وقالُوا: عُرِضَ عَلى سُلَيْمانَ الخَيْلُ وهو في الصَلاةِ، فَأشارَ إلَيْهِمْ، أيْ: إنِّي في الصَلاةِ، فَأزالُوها عنهُ حَتّى أدْخَلُوها في الِاصْطَبْلاتِ، فَقالَ هو لَمّا فَرَغَ مِن صِلاتِهِ: ﴿إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ﴾، أيِ الَّذِي عِنْدَ اللهِ في الآخِرَةِ، بِسَبَبِ ذِكْرِ رَبِّي، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: فَشَغَلَنِي ذَلِكَ عن رُؤْيَةِ الخَيْلِ، حَتّى أُدْخِلَتِ اصْطَبْلاتِها، رُدُّوها عَلَيَّ، فَطَفِقَ يَمْسَحُ أعْناقَها وسُوقَها مَحَبَّةً لَها. وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ أنَّ هَذا المَسْحَ إنَّما كانَ وسْمًا في السُوقِ والأعْناقِ بِوَسْمِ حَبْسٍ في سَبِيلِ اللهِ تَعالى. وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّها كانَتْ خَيْلًا مَوْرُوثَةً. قالَ بَعْضُهُمْ: قَتَلَها حَتّى لَمْ يَبْقَ مِنها أكْثَرُ مِن مِائَةِ فَرَسٍ، فَمِن نَسْلِ تِلْكَ المِائَةِ كُلُّ ما يُوجَدُ اليَوْمَ مِنَ الخَيْلِ. وهَذا بَعِيدٌ. وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَتْ خَيْلًا أخْرَجَها الشَياطِينُ لَهُ مِنَ البَحْرِ، وكانَتْ ذَواتَ أجْنِحَةٍ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّها كانَتْ عِشْرِينَ فَرَسًا، و"طَفِقَ" مَعْناهُ: دامَ يَفْعَلُ، كَما تَقُولُ: جَعَلَ يَفْعَلُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "بِالسُوقِ"﴾ بِواوٍ ساكِنَةٍ، وهو جَمْعُ ساقٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ بِالهَمْزِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهي ضَعِيفَةٌ، لَكِنَّ وجْهَها في القِياسِ أنَّ الضَمَّةَ لَمّا كانَتْ تَلِي الواوَ، قُدِّرَ أنَّها عَلَيْها فَهُمِزَتْ كَما يَفْعَلُونَ بِالواوِ المَضْمُومَةِ، وهَذا نَظِيرُ إمالَتِهِمْ ألِفَ "مِقْلاتٍ" مِن حَيْثُ ولِيَتِ الكَسْرَةَ القافُ، قَدَّرُوا أنَّ القافَ هي المَكْسُورَةُ.

(p-٣٤٧)وَوَجْهُ هَمْزَةِ "السُوقِ" مِنَ السَماعِ أنَّ أبا حَيَّةَ النُمَيْرِيَّ كانَ يَهْمِزُ كُلَّ واوٍ ساكِنَةٍ قَبْلَها ضَمَّةٌ، وكانَ يَنْشُدُ:

؎ أحَبَّ المُؤْقِدانِ إلَيْكَ مُؤْسى

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "بِالسُؤُوقِ" بِهَمْزَةٍ بَعْدَها الواوُ. وقَوْلُهُ: ﴿عن ذِكْرِ رَبِّي﴾ عَلى كُلِّ تَأْوِيلٍ فَإنَّ "عن" هُنا لِلْمُجاوَزَةِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، فَتَدَبَّرْهُ فَإنَّهُ مُطَّرِدٌ.

ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن فِتْنَتِهِ لِسُلَيْمانَ، وامْتِحانِهِ إيّاهُ لِزَوالِ مُلْكِهِ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ قالَتْ لَهُ حَظِيَّةٌ مِن حَظاياهُ: إنْ أخِي لَهُ خُصُومَةٌ، فَأرْغَبُ أنْ تَقْضِيَ لَهُ بِكَذا وكَذا، لِشَيْءٍ غَيْرِ الحَقِّ، فَقالَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ: أفْعَلُ، فَعاقَبَهُ اللهُ (p-٣٤٨)تَعالى بِأنْ سَلَّطَ عَلى خاتَمَهُ جِنِّيًّا، وذَلِكَ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ لا يَدْخُلُ الخَلاءَ بِخاتَمِ المُلْكِ، تَوْقِيرًا لِاسْمِ اللهِ تَعالى، فَكانَ يَضَعُهُ عِنْدَ امْرَأةٍ مِن نِسائِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ يَوْمًا، فَألْقى اللهُ شَبَهَهُ عَلى جَنِّيٍ اسْمُهُ صَخْرٌ - فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما - وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا اخْتَصَرْناهُ لِعَدَمِ الصِحَّةِ، فَجاءَ إلى المَرْأةِ فَدَفَعَتْ إلَيْهِ الخاتَمَ، فاسْتَوْلى عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، وبَقِيَ فِيهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وطَرَحَ خاتَمَ سُلَيْمانَ في البَحْرِ، وجَعَلَ يَعْبَثُ في بَنِي إسْرائِيلَ وشَبَهُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ، حَتّى أنْكَرُوا أفْعالَهُ، ومَكَّنَهُ اللهُ تَعالى مِن جَمِيعِ المُلْكِ، قالَ مُجاهِدٌ: إلّا مِن نِساءِ سُلَيْمانَ فَإنَّهُ لَمْ يَكْشِفْهُنَّ، وكانَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ خِلالَ ذَلِكَ قَدْ خَرَجَ فارًّا عَلى وجْهِهِ مُنْكَرًا، لا يَنْتَسِبُ لِقَوْمٍ إلّا ضَرَبُوهُ، وأدْرَكَهُ جُوعٌ وفاقَةٌ، فَمَرَّ يَوْمًا بِامْرَأةٍ تَغْسِلُ حُوتًا مَيِّتًا، فَسَألَها مِنهُ لِجُوعِهِ، وقِيلَ: بَلِ اشْتَراهُ فَأعْطَتْهُ حُوتَيْنِ، فَجَعَلَ يَفْتَحُ أجْوافَها، وإذا خاتَمُهُ في جَوْفِ أحَدِهِما، فَعادَ إلَيْهِ مُلْكُهُ، وسُخِّرَتْ لَهُ الجِنُّ والرِيحُ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ، وفَّرَ صَخْرٌ الجِنِّيُّ، فَأمَرَ سُلَيْمانُ بِهِ فَسِيقَ إلَيْهِ، فَأطْبَقَ عَلَيْهِ في حِجارَةٍ، وسَجَنَهُ في البَحْرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَهَذِهِ هي الفِتْنَةُ الَّتِي فُتِنَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ وامْتُحِنَ بِها.

واخْتَلَفَ الناسُ في الجَسَدِ الَّذِي أُلْقِيَ عَلى كُرْسِيِّهِ، فَقالَ الجُمْهُورُ: هو الجِنِّيُّ المَذْكُورُ، سَمّاهُ ﴿ "جَسَدًا"﴾ لِأنَّهُ كانَ قَدْ تَمَثَّلَ في جَسَدِ سُلَيْمانَ ولَيْسَ بِهِ، وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ وأبْيَنُها مَعْنًى. وقالَتْ فِرْقَةٌ. بَلْ أُلْقِيَ عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدُ ابْنٍ لَهُ مَيِّتٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ شِقُّ الوَلَدِ الَّذِي وُلِدَ لَهُ حِينَ أقْسَمَ لَيَطُوفَنَّ عَلى نِسائِهِ ولَمْ يَسْتَثْنِ في قِسْمِهِ، وقالَ قَوْمٌ: مَرِضَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ مَرَضًا كالإغْماءِ حَتّى صارَ عَلى كُرْسِيِّهِ كانَ بِلا رُوحٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ

وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أنابَ"﴾ مَعْناهُ: ارْعَوى وانْثَنى وأجابَ إلى طاعَةِ رَبِّهِ، ومَعْنى هَذا: مِن تِلْكَ الحَوْبَةِ الَّتِي وقَعَتِ الفِتْنَةُ بِسَبَبِها.

ثُمَّ إنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ اسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، واسْتَوْهَبَهُ مُلْكًا، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في (p-٣٤٩)مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ فَقالَ الجُمْهُورُ: أرادَ أنْ يُفْرِدَهُ بَيْنَ البَشَرِ لِتَكُوُنَ خاصَّةً لَهُ وكَرامَةً، وهَذا هو الظاهِرُ مِن «قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في خَبَرِ العِفْرِيتِ الَّذِي عَرَضَ لَهُ في صَلاتِهِ، فَأخَذَهُ وأرادَ أنْ يُوثِقَهُ بِسارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ، قالَ: "ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ أخِي سُلَيْمانَ: رَبِ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي فَأرْسَلْتُهُ"،» وقالَ قَتادَةُ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: إنَّما أرادَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ: لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي مُدَّةَ حَياتِي، أيْ: لا أُسْلَبُهُ ويَصِيرُ إلى أحَدٍ كَما صارَ إلى الجِنِّيِّ.

ورُوِيَ في مَثالِبِ الحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ أنَّهُ لَمّا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: "لَقَدْ كانَ حَسُودًا"، وهَذا مِن فِسْقِ الحَجّاجِ، وسُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ مَقْطُوعٌ بِأنَّهُ إنَّما قَصَدَ بِذَلِكَ قَصْدًا بَرًّا جائِزًا؛ لِأنَّ لِلْإنْسانِ أنْ يَرْغَبَ مِن فَضْلِ اللهِ فِيما لا يَنالُهُ أحَدٌ، لا سِيَّما بِحَسَبِ المَكانَةِ والنُبُوَّةِ، وانْظُرْ إلى قَوْلِهُ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ "لا يَنْبَغِي"،﴾ فَإنَّما هي لَفْظَةٌ مُحْتَمَلَةٌ لَيْسَتْ بِقَطْعٍ في أنَّهُ لا يُعْطِي اللهُ نَحْوَ ذَلِكَ المُلْكِ لِأحَدٍ، ومُحَمَّدٌ ﷺ لَوْ رَبَطَ الجِنِّيَّ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْصًا لَما أُوتِيهِ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ، لَكِنْ لَمّا كانَ فِيهِ بَعْضُ الشَبَهِ تَرَكَهُ جَرْيًا مِنهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَلى اخْتِيارِهِ أبَدًا أيْسَرَ الأمْرَيْنِ وأقْرَبَهُما إلى التَواضُعِ.

38:36–40Page 455

فَسَخَّرۡنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦ رُخَآءً حَيۡثُ أَصَابَ ٣٦

So We subjected to him the wind blowing by his command, gently, wherever he directed,

وَٱلشَّيَٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٖ وَغَوَّاصٖ ٣٧

And [also] the devils [of jinn] - every builder and diver

وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ ٣٨

And others bound together in irons.

هَٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمۡنُنۡ أَوۡ أَمۡسِكۡ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٣٩

[We said], "This is Our gift, so grant or withhold without account."

وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٤٠

And indeed, for him is nearness to Us and a good place of return.

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ ﴿والشَياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ ﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أو أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿وَإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾

قَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءَ: "الرِياحَ"، والجُمْهُورُ عَلى الإفْرادِ، وسَخَّرَ اللهُ تَعالى الرِيحَ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ، وكانَ لَهُ كُرْسِيٌّ عَظِيمٌ، يُقالُ: يَحْمِلُ أرْبَعَةَ آلافِ فارِسٍ، ويُقالُ: أكْثَرَ، وفِيهِ الشَياطِينُ، وتُظِلُّهُ الطَيْرُ، وتَأْتِي عَلَيْهِ الرِيحُ الإعْصارُ فَتُقِلُّهُ مِنَ الأرْضِ حَتّى يَحْصُلَ في الهَواءِ، ثُمَّ يَتَوَلّاهُ الرَخاءُ، وهي اللَيِّنَةُ القَوِيَّةُ المُتَشابِهَةُ (p-٣٥٠)لا تَأْتِي فِيها دَفْعٌ مُفْرِطَةٌ، فَتَحْمِلُهُ، غُدُوُّها شَهْرٌ، ورَواحُها شَهْرٌ و ﴿حَيْثُ أصابَ﴾ أيْ: أرادَ، قالَهُ وهْبٌ وغَيْرُهُ، وأنْشَدَ الثَعْلَبِيُّ:

؎ أصابَ الكَلامَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ ∗∗∗ فَأخْطا الجَوابَ لَدى المِفْصَلِ

ويُشْبِهُ أنَّ "أصابَ" مُعَدّى: صابَ يَصُوبُ، أيْ: حَيْثُ وجَّهَ جُنُودَهِ وجَعَلَهم يَصُوبُونَ صَوْبَ السَحابِ والمَطَرِ. قالَ الزَجّاجُ: مَعْناهُ: قَصَدَ، وكَذَلِكَ قَوْلُكَ لِلْمُتَكَلِّمِ: "أصَبْتَ": مَعْناهُ: قَصَدْتَ الحَقَّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ "الشَياطِينَ"، والمَعْنى: كُلَّ مَن بَنى مَصانِعَهُ لِلْحُرُوبِ. و"مُقَرَّنِينَ" مَعْناهُ: مُوثَقِينِ، قَدْ قُرِنَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، و"الأصْفادُ": القُيُودُ والأغْلالُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا عَطاؤُنا﴾، فَقالَ قَتادَةُ: إشارَةٌ إلى ما فَعَلَهُ بِالجِنِّ، فامْنُنْ عَلى مَن شِئْتَ مِنهُمْ، وأطْلِقْهُ مِن وثاقِهِ وسَرِّحْهُ مِن خِدْمَتِهِ، أو أمْسِكْ أمْرَهُ كَما تُرِيدُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أشارَ إلى ما وهَبَهُ مِنَ النِساءِ وأقْدَرَهُ عَلَيْهِ مِن جِماعِهِنَّ، وقالَ الحَسَنُ: أشارَ إلى جَمِيعِ ما أعْطاهُ مِنَ المُلْكِ، وأمَرَهُ بِأنْ يَمُنَّ عَلى مَن يَشاءُ ويُمْسِكَ عَمَّنْ يَشاءُ، فَكَأنَّهُ وقَفَهُ عَلى قَدْرِ النِعْمَةِ ثُمَّ أباحَ لَهُ التَصَرُّفَ فِيهِ بِمَشِيئَتِهِ، وهو تَعالى قَدْ عَلِمَ مِنهُ أنَّ مَشِيئَتَهُ إنَّما تَتَصَرَّفُ بِحُكْمِ طاعَةِ اللهِ. وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ وأجْمَعُها لِتَفْسِيرِ الآيَةِ. وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

38:41–44Page 455

وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَآ أَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِنُصۡبٖ وَعَذَابٍ ٤١

And remember Our servant Job, when he called to his Lord, "Indeed, Satan has touched me with hardship and torment."

ٱرۡكُضۡ بِرِجۡلِكَۖ هَٰذَا مُغۡتَسَلُۢ بَارِدٞ وَشَرَابٞ ٤٢

[So he was told], "Strike [the ground] with your foot; this is a [spring for a] cool bath and drink."

وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٤٣

And We granted him his family and a like [number] with them as mercy from Us and a reminder for those of understanding.

وَخُذۡ بِيَدِكَ ضِغۡثٗا فَٱضۡرِب بِّهِۦ وَلَا تَحۡنَثۡۗ إِنَّا وَجَدۡنَٰهُ صَابِرٗاۚ نِّعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٞ ٤٤

[We said], "And take in your hand a bunch [of grass] and strike with it and do not break your oath."1 Indeed, We found him patient, an excellent servant. Indeed, he was one repeatedly turning back [to Allāh].

قوله عزّ وجلّ:

﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾ ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾ ﴿وَوَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهم رَحْمَةً مِنّا وذِكْرى لأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ إنّا وجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾

أيُّوبُ هو نَبِيٌّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، مِن ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ، وهو المُبْتَلى في (p-٣٥١)جَسَدِهِ ومالِهِ وأهْلِهِ، وسَلِمَ مُعْتَقَدُهُ ودِينُهُ.

ورُوِيَ في ذَلِكَ أنَّ اللهَ سَلَّطَ الشَيْطانَ عَلَيْهِ لِيَفْتِنَهُ عن دِينِهِ، فَأصابَهُ في مالِهِ، وقالَ لَهُ: إنْ أطَعْتَنِي رَجَعَ مالُكَ، فَلَمْ يُطِعْهُ، فَأصابَهُ في أهْلِهِ ووَلَدِهِ، فَهَلَكُوا عن آخِرِهِمْ، وقالَ لَهُ: لَوْ أطَعْتَنِي رَجَعُوا، فَلَمْ يُطِعْهُ، فَأصابَهُ في جَسَدِهِ، فَثَبَتَ أيُّوبُ عَلى أمْرِ اللهِ سَبْعَ سِنِينَ وسَبْعَةَ أشْهُرٍ. قالَهُ قَتادَةُ، ورَوى أنَسٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَلامُ بَقِيَ في مِحْنَتِهِ ثَمانِيَ عَشَرَ سَنَةً يَتَساقَطُ لَحْمُهُ حَتّى مَلَّهُ العالَمُ، ولَمْ يَصْبِرْ عَلَيْهِ إلّا امْرَأتُهُ.» ورُوِيَ أنَّ السَبَبَ الَّذِي امْتَحَنَهُ اللهُ تَعالى مِن أجْلِهِ هُوَ: أنَّهُ دَخَلَ عَلى بَعْضِ المُلُوكِ فَرَأى مُنْكَرًا فَلَمْ يُغَيِّرْهُ. ورُوِيَ أنَّ السَبَبَ أنَّهُ ذَبَحَ شاةً وطَبَخَها وأُكِلَتْ عِنْدَهُ وجارُهُ جائِعٌ لَمْ يُعْطِهِ مِنها شَيْئًا، ورُوِيَ أنَّ أيُّوبَ لَمّا تَناهى بَلاؤُهُ وصَبْرُهُ، مَرَّ بِهِ رَجُلانِ مِمَّنْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُما مَعْرِفَةٌ فَقَرَّعاهُ وقالا لَهُ: لَقَدْ أذْنَبَتْ ذَنْبًا ما أذْنَبَ أحَدٌ مِثْلَهُ، وفَهِمَ مِنهُما شَماتًا بِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعا ونادى رَبَّهُ.

وقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿مَسَّنِيَ الشَيْطانُ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُشِيرَ إلى مَسِّهِ حِينَ سَلَّطَهُ اللهُ عَلَيْهِ حَسْبَما ذَكَرْنا، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ مَسَّهُ إيّاهُ حِينَ حَمَلَهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أنْ يُواقِعَ الذَنْبَ الَّذِي مِن أجْلِهِ كانَتِ المِحْنَةُ: إمّا تَرْكُ التَغْيِيرِ عِنْدَ المَلِكِ، وإمّا تَرْكُ مُواساةِ الجارِ، وقِيلَ: أشارَ إلى مَسِّهِ إيّاهُ في تَعَرُّضِهِ لِأهْلِهِ، وطَلَبِهِ مِنهُ أنْ يُشْرِكَ بِاللهِ، فَكانَ أيُّوبُ قَدْ تَشَكّى هَذا الفِعْلَ، وكانَ أشَدَّ عَلَيْهِ مِن مَرَضِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ (أنِّي)﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وكَسَرَها عِيسى بْنُ عُمَرَ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "بِنُصْبٍ"﴾ بِضَمِّ النُونِ وسُكُونِ الصادِ، وقَرَأ هُبَيْرَةُ عن حَفْصٍ عن عاصِمٍ بِفَتْحِها، وهي قِراءَةُ الجَحْدَرِيِّ، ويَعْقُوبَ، (p-٣٥٢)وَرُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وقَرَأ أبُو عُمارَةَ عن حَفْصٍ عن عاصِمٍ "بِنُصُبٍ" بِضَمِّ النُونِ والصادِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ والحَسَنِ - بِخِلافٍ عنهُ - ورَوى أيْضًا هُبَيْرَةُ عن حَفْصٍ عن عاصِمٍ بِفَتْحِ النُونِ وسُكُونِ الصادِ. وذَلِكَ كُلُّهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، مَعْناهُ: المَشَقَّةُ، وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ "النَصَبُ" في مَشَقَّةِ الإعْياءِ. وفَرَّقَ بَعْضُ الناسِ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ، والصَوابُ أنَّها لُغاتٌ مِن قَوْلِهِمْ: "أنْصَبَنِي الأمْرُ ونَصَبَنِي" إذا شَقَّ عَلَيَّ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ تَعَنّاكَ نَصْبٌ مِن أُمَيْمَةَ مُنْصِبٌ

ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:

؎ كِلِينِي لِهَمٍّ يا أُمَيْمَةُ ناصِبِ

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقَدْ قِيلَ في هَذا البَيْتِ: إنَّ "ناصِبًا" بِمَعْنى "مُنْصِبٍ"، وأنَّهُ عَلى النَسَبِ، أيْ ذا نَصْبٍ.

وهُنا في الآيَةِ مَحْذُوفٌ كَثِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: فاسْتَجابَ لَهُ وقالَ لَهُ: " ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ "﴾، (p-٣٥٣)والرَكْضُ: الضَرْبُ بِالرِجْلِ، والمَعْنى: ارْكُضِ الأرْضَ، ورُوِيَ عن قَتادَةَ أنَّ هَذا الأمْرَ كانَ في الجابِيَةِ مِن أرْضِ الشامِ، ورُوِيَ أنَّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَلامُ أُمِرَ بِرَكْضِ الأرْضِ فَرَكَضَ فِيها فَنَبَعَتْ لَهُ عَيْنُ ماءٍ صافِيَةٌ بارِدَةٌ، فَشَرِبَ مِنها، فَذَهَبَ كُلُّ مَرَضٍ في داخِلِ جَسَدِهِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ فَذَهَبَ ما كانَ في ظاهِرِ بَدَنِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ رَكَضَ مَرَّتَيْنِ، ونَبَعَ لَهُ عَيْنانِ: شَرِبَ مِن إحْداهُما واغْتَسَلَ في الأُخْرى. وقَرَأ نافِعٌ، وشَيْبَةُ، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ: "وَعَذابٌ ارْكُضْ" بِضَمِّ نُونِ التَنْوِينِ، وقَرَأ عامَّةُ قُرّاءِ البَصْرَةِ بِكَسْرِها. و"مُغْتَسَلٌ" مَعْناهُ: مَوْضِعُ غُسْلٍ، وماءُ غُسْلٍ، كَما تَقُولُ: هَذا الأمْرُ مُعْتَبَرٌ، وهَذا الماءُ مُغْتَسَلٌ مِثْلُهُ

ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى وهَبَ لَهُ أهْلَهُ ومالَهُ في الدُنْيا، ورَدَّ مَن ماتَ مِنهُمْ، وما هَلَكَ مِن ماشِيَتِهِ، وحالِهِ ثُمَّ بارَكَ في جَمِيعِ ذَلِكَ، ووُلِدَ لَهُ الأولادُ حَتّى تَضاعَفَ الحالُ، ورُوِيَ أنَّ هَذا كُلَّهُ وعْدٌ في الآخِرَةِ، أيْ: يَفْعَلُ اللهُ لَهُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ. والأوَّلُ أكْثَرُ في قَوْلِ المُفَسِّرِينَ. و"رَحْمَةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَذِكْرى"﴾ مَعْناهُ: مَوْعِظَةً وتَذْكِرَةً يَعْتَبِرُ بِها أُولُو العُقُولِ، ويَتَأسَّوْنَ بِصَبْرِهِ في الشَدائِدِ، ولا يَيْأسُونَ مِن رَحْمَةِ اللهِ عَلى حالٍ. ورُوِيَ أنَّ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَتْ زَوْجَتُهُ مُدَّةَ مَرَضِهِ تَخْتَلِفُ إلَيْهِ فَيَلْقاها الشَيْطانُ في صُورَةِ طَبِيبٍ، ومَرَّةً في هَيْئَةِ ناصِحٍ، وعَلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَيَقُولُ لَها: لَوْ سَجَدَ هَذا المَرِيضُ لِلصَّنَمِ الفُلانِيِّ لَبَرِئَ، لَوْ ذَبَحَ عَناقًا لِلصَّنَمِ الفُلانِيِّ لَبَرِئَ، ويَعْرِضُ عَلَيْها وُجُوهًا مِنَ الكُفْرِ، فَكانَتْ هي رُبَّما عَرَضَتْ ذَلِكَ عَلى أيُّوبَ، فَيَقُولُ لَها: ألَقِيتِ عَدُوَّ اللهِ في طَرِيقِكِ؟ فَلَمّا أغْضَبَتْهُ بِهَذا ونَحْوِهِ، حَلَفَ لَها لَئِنْ بَرِئَ مِن مَرَضِهِ لِيَضْرِبَنَّها مِئَةَ سَوْطٍ، فَلَمّا بَرِئَ أمَرَهُ اللهُ أنْ يَأْخُذَ ضِغْثًا فِيهِ مِئَةُ قَضِيبٍ. و"الضِغْثُ": القَبْضَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ القُضْبانِ ونَحْوِها مِنَ الشَجَرِ الرَطْبِ، قالَهُ الضَحّاكُ وأهْلُ اللُغَةِ، فَيَضْرِبَ بِهِ ضَرْبَةً واحِدَةً فَتَبَرَّ يَمِينُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "ضِغْثٌ عَلى إبّالَةٍ"، والإبّالَةُ: الحُزْمَةُ مِنَ الحَطَبِ، قالَ الشاعِرُ:(p-٣٥٤)

؎ وأسْفَلَ مِنِّي نَهْدَةٌ قَدْ رَبَطْتُها ∗∗∗ ∗∗∗ وألْقَيْتُ ضِغْثًا مِن خَلًا مُتَطَيِّبِ

هَذا حُكْمٌ قَدْ ورَدَ في شَرْعِنا عَنِ النَبِيِّ مِثْلُهُ في حَدِّ رَجُلٍ زَمِنٍ بِالزِنى، فَأمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِعِذْقِ نَخْلَةٍ فِيهِ مِئَةُ شِمْراخٍ أو نَحْوُها، فَضُرِبَ بِهِ ضَرْبَةً، ذَكَرَ الحَدِيثَ أبُو داوُدَ، وقالَ بِهَذا بَعْضُ فُقَهاءِ الأُمَّةِ، ولَيْسَ يَرى ذَلِكَ مالِكٌ وأصْحابُهُ، وكَذَلِكَ جُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى تَرْكِ القَوْلِ بِهِ، وأنَّ الحُدُودَ والبِرَّ في الأيْمانِ لا يَقَعُ إلّا بِتَمامِ عَدَدِ الضَرَباتِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском