Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Sad 38:75–88
38:75–81Page 457
قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسۡجُدَ لِمَا خَلَقۡتُ بِيَدَيَّۖ أَسۡتَكۡبَرۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡعَالِينَ ٧٥
[Allāh] said, "O Iblees, what prevented you from prostrating to that which I created with My hands?1 Were you arrogant [then], or were you [already] among the haughty?"
قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ ٧٦
He said, "I am better than him. You created me from fire and created him from clay."
قَالَ فَٱخۡرُجۡ مِنۡهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٞ ٧٧
[Allāh] said, "Then get out of it [i.e., Paradise], for indeed, you are expelled.
وَإِنَّ عَلَيۡكَ لَعۡنَتِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ ٧٨
And indeed, upon you is My curse until the Day of Recompense."
قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ٧٩
He said, "My Lord, then reprieve me until the Day they are resurrected."
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ٨٠
[Allāh] said, "So indeed, you are of those reprieved
إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ ٨١
Until the Day of the time well-known."
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وَإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾
القائِلُ لِإبْلِيسَ هو اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وقَوْلُهُ: ﴿ما مَنَعَكَ﴾ تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ، وقَرَأ عاصِمٌ والجَحْدَرِيُّ: "لَمّا خَلَقْتُ" بِفَتْحِ اللامِ مِن (لَمّا) وشَدِّ المِيمِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "بِيَدَيَّ"﴾ بِالتَثْنِيَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "بِيَدِيَ" بِفَتْحِ الياءِ، وقَدْ جاءَ في كِتابِ اللهِ تَعالى: ﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] بِالجَمْعِ، وهَذِهِ كُلُّها عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وعَبَّرَ عن هَذا المَعْنى بِذِكْرِ اليَدِ تَقْرِيبًا عَلى السامِعِينَ؛ إذِ المُعْتادُ عِنْدَ البَشَرِ أنَّ القُوَّةَ والبَطْشَ والِاقْتِدارَ إنَّما هو بِاليَدِ، وقَدْ كانَتْ جَهالَةُ العَرَبِ بِاللهِ تَعالى تَقْتَضِي أنْ تُنْكِرَ نُفُوسُها أنْ يَكُونَ خَلْقٌ بِغَيْرِ مُماسَّةٍ ونَحْوَ هَذا مِنَ المَعانِي المَعْقُولَةِ. وذَهَبَ القاضِي ابْنُ الطَيِّبِ إلى أنَّ اليَدَ والعَيْنَ والوَجْهَ صِفاتُ ذاتٍ زائِدَةٌ عَلى القُدْرَةِ والعِلْمِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُتَقَرَّرِ صِفاتِهِ تَعالى، وذَلِكَ قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عنهُ، ويُسَمِّيها الصِفاتِ الخَبَرِيَّةَ. ورُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ أرْبَعَةَ أشْياءَ بِيَدِهِ، وهِيَ: العَرْشُ، والقَلَمُ، وجَنَّةُ عَدْنٍ، وآدَمُ، وسائِرَ المَخْلُوقاتِ بِقَوْلِهِ: كُنْ، وهَذا - إنْ صَحَّ - فَإنَّما ذُكِرَ عَلى جِهَةِ التَشْرِيفِ لِلْأرْبَعَةِ والتَنْبِيهِ مِنها، وإلّا فَإذا حُقِّقَ النَظَرُ فَكُلُّ مَخْلُوقٍ فَهو بِالقُدْرَةِ الَّتِي بِها يَقَعُ الإيجادُ بَعْدَ العَدَمِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "اسْتَكْبَرْتَ" بِصِلَةِ الألِفِ، عَلى الخَبَرِ عن إبْلِيسَ، وتَكُونُ "أمْ" بِنِيَّةِ (p-٣٦٥)الِانْقِطاعِ لا مُعادِلَةً لَها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أسْتَكْبَرْتَ" بِقَطْعِ الألِفِ، عَلى الِاسْتِفْهامِ، فَـ"أمْ" - عَلى هَذا - مُعادِلَةٌ لِلْألِفِ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ النَحْوِيِّينَ إلى أنَّ "أمْ" لا تَكُونُ مُعادِلَةً لِلْألِفِ مَعَ اخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ، وإنَّما تَكُونُ مُعادِلَةً إذا أُدْخِلَتا عَلى فِعْلٍ واحِدٍ، كَقَوْلِكَ؛ أزَيْدٌ قامَ أمْ عَمْرٌو ؟ وقالُوا: وإذا اخْتَلَفَ الفِعْلانِ كَهَذِهِ الآيَةِ فَلَيْسَتْ أمْ مُعادِلَةً. ومَعْنى الآيَةِ: أحَدَثَ لَكَ الِاسْتِكْبارُ الآنَ أمْ كُنْتَ قَدِيمًا مِمَّنْ لا يَلِيقُ أنَّ تُكَلَّفَ مِثْلَ هَذا لِعُلُوِّ مَكانِكَ؟ وهَذا عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ.
وقَوْلُ إبْلِيسَ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ قِياسٌ أخْطَأ فِيهِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا تَوَهَّمَ أنَّ النارَ أفْضَلُ مِنَ الطِينِ قاسَ أنَّ ما يُخْلَقُ مِنَ الأفْضَلِ فَهو أفْضَلُ مِنَ الَّذِي يُخْلَقُ مِنَ المَفْضُولِ، ولَمْ يَدْرِ أنَّ الفَضائِلَ تَخْصِيصاتٌ مِنَ اللهِ تَعالى يَسِمُ بِها مَن يَشاءُ، وفي قَوْلِهِ رَدٌّ عَلى حِكْمَةِ اللهِ تَعالى وتَجْوِيرٌ، وذَلِكَ بَيِّنٌ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ﴾ [الإسراء: ٦٢]، ثُمَّ قالَ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾، وعِنْدَ هَذِهِ المَقالَةِ اقْتَرَنَ كُفْرُ إبْلِيسَ بِهِ، إمّا عِنادًا - عَلى قَوْلِ مَن يُجِيزُهُ -، وإمّا بِأنْ سُلِبَ المَعْرِفَةَ، وظاهِرُ أمْرِهِ أنَّهُ كَفَرَ عِنادًا؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ كافِرٌ، ونَحْنُ نَجِدُهُ خِلالَ القِصَّةِ يَقُولُ: "يا رَبِّ، وبِعِزَّتِكَ، وإلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ"، فَهَذا كُلُّهُ يَقْتَضِي المَعْرِفَةَ، وإنْ كانَ لِلتَّأْوِيلِ فِيهِ مُزاحَمٌ، فَتَأمَّلْهُ.
ثُمَّ أمْرَ اللهَ تَعالى إبْلِيسَ بِالخُرُوجِ عَلى جِهَةِ الدُخُورِ لَهُ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أمَرَهُ بِالخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مِنَ السَماءِ. وحَكى الثَعْلَبِيُّ عَنِ الحَسَنِ، وأبِي العالِيَةِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "مِنها" يُرِيدُ تَعالى: مِنَ الخِلْقَةِ الَّتِي أنْتَ فِيها، ومِن صِفاتِ الكَرامَةِ الَّتِي كانَتْ لَهُ، قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: ورَجَعَتْ لَهُ أضْدادُها، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ فَإنَّما أمَرَهُ أمْرًا يَقْتَضِي بُعْدَهُ عَنِ السَماءِ، ولا خِلافَ أنَّهُ أُهْبِطُ إلى الأرْضِ.
(p-٣٦٦)وَ"الرَجِيمُ": المَرْجُومُ بِالقَوْلِ السَيِّءِ، و"اللَعْنَةُ": الإبْعادُ. و"يَوْمُ الدِينِ": يَوْمُ القِيامَةِ. و"الدِينِ": الجَزاءُ.
وإنَّما حَدَّ لَهُ اللَعْنَةَ بِيَوْمِ الدِينِ، ولَعْنَتُهُ إنَّما هي مُخَلَّدَةٌ، لِيَحْصُرَ لَهُ أمَدَ التَوْبَةِ؛ لِأنَّ امْتِناعَ تَوْبَتِهِ بَعْدَ يَوْمِ القِيامَةِ بَيِّنٌ؛ إذْ لَيْسَتِ الآخِرَةُ دارَ عَمَلٍ.
ثُمَّ إنَّ إبْلِيسَ سَألَ النَظِرَةَ وتَأْخِيرَ الأجَلِ إلى يَوْمِ بَعْثِ الأجْسادِ مِنَ القُبُورِ، فَأعْطاهُ اللهُ تَعالى الإبْقاءَ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ، واخْتَلَفَ الناسُ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقالَ الجُمْهُورُ: أسْعَفَهُ اللهُ في طِلْبَتِهِ وأخَّرَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهو الآنَ حَيٌّ مُغْوٍ مُضِلٌّ - وهَذا هو الأصَحُّ مِنَ القَوْلَيْنِ -، وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَمْ يُسْعَفْ بِطِلْبَتِهِ، وإنَّما أُسْعِفَ إلى الوَقْتِ الَّذِي سَبَقَ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يَمُوتَ إبْلِيسُ فِيهِ. وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: ماتَ إبْلِيسُ يَوْمَ بَدْرٍ.
38:82–88Page 457
قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٨٢
[Iblees] said, "By Your might, I will surely mislead them all
إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٨٣
Except, among them, Your chosen servants."
قَالَ فَٱلۡحَقُّ وَٱلۡحَقَّ أَقُولُ ٨٤
[Allāh] said, "The truth [is My oath], and the truth I say -
لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٨٥
[That] I will surely fill Hell with you and those of them that follow you all together."
قُلۡ مَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُتَكَلِّفِينَ ٨٦
Say, [O Muḥammad], "I do not ask you for it [i.e., the Qur’ān] any payment, and I am not of the pretentious.
إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٨٧
It is but a reminder to the worlds.
وَلَتَعۡلَمُنَّ نَبَأَهُۥ بَعۡدَ حِينِۭ ٨٨
And you will surely know [the truth of] its information after a time."
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِن المُتَكَلِّفِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾
القائِلُ هو إبْلِيسُ، أقْسَمَ بِعِزَّةِ اللهِ تَعالى، قالَ قَتادَةُ: عَلِمَ عَدُوٌّ اللهِ أنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ عِزَّةٌ فَأقْسَمَ بِعِزَّةِ اللهِ أنَّهُ يُغْوِي ذُرِّيَّةَ آدَمَ أجْمَعَ، إلّا مَن أخْلَصَهُ اللهُ لِلْإيمانِ بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا اسْتِثْناءُ الأقَلِّ عَنِ الأكْثَرِ، عَلى بابِ الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ أقَلُّ مِنَ الكَفَرَةِ بِكَثِيرٍ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ بَعْثِ النارِ وغَيْرِهِ، وجَوَّزَ قَوْمٌ أنْ يُسْتَثْنى الكَثِيرُ مِنَ الجُمْلَةِ ويُتْرَكَ الأقَلُّ (p-٣٦٧)عَلى الحُكْمِ الأوَّلِ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مَنِ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] وقالَ مَن ناقَضَهُمُ: العِبادُ هُنا يَعُمُّ البَشَرَ والمَلائِكَةَ، فَبَقِيَ الِاسْتِثْناءُ عَلى بابِهِ في أنَّ الأقَلَّ هو المُسْتَثْنى. وفَتْحُ اللامِ وكَسْرُها في "المُخْلَصِينَ" تَقَدَّمَ.
والقائِلُ: ﴿فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ هو اللهُ تَعالى، قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: فالحَقُّ أنا. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالنَصْبِ في الِاثْنَيْنِ، فَأمّا الثانِي فَمَنصُوبٌ بِـ"أقُولُ"، وأمّا الأوَّلُ فَيَحْتَمِلُ الإغْراءَ، أوِ القَسَمَ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ القَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: "فَوَ الحَقِّ"، ثُمَّ حُذِفَ الحَرْفُ، كَما تَقُولُ: "اللهَ لَأفْعَلَنَّ"، تُرِيدُ: واللهِ، ويُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ: "لَأمْلَأنَّ"، وقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ: قُلْتُ لِلْخَلِيلِ: ما مَعْنى "لَأفْعَلَنَّ" إذا جاءَتْ مُبْتَدَأً؟ فَقالَ: هي بِتَقْدِيرِ قَسَمٍ مَنوِيٍّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الأوَّلُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ بِرَفْعِ الِاثْنَيْنِ، فَأمّا الأوَّلُ فَبِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: "لَأمْلَأنَّ"؛ لِأنَّ المَعْنى: أنْ أمْلَأ، وأمّا الثانِي فَيُرْفَعُ عَلى الِابْتِداءِ أيْضًا. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِالرَفْعِ في الأوَّلِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، والأعْمَشِ، وأبانَ بْنِ تَغْلِبٍ، وإعْرابُ هَذِهِ بَيِّنٌ. وقَرَأ الحَسَنُ: "فالحَقِّ والحَقِّ" بِخَفْضِ القافِ فِيهِما عَلى القَسَمِ، وذَكَرَها أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُخْبِرَهم بِأنَّهُ لَيْسَ بِسائِلِ أجْرٍ ولا مالٍ، وأنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ (p-٣٦٨)يَتَكَلَّفُ ما لَمْ يُجْعَلْ إلَيْهِ، ولا يَتَحَلّى بِغَيْرِ ما هو فِيهِ. وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ [الشورى: ٢٣]، وقالَ الزُبَيْرُ بْنُ العَوّامِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «نادى مُنادِي النَبِيِّ ﷺ: "اللهُمَّ اغْفِرْ لِلَّذِينِ لا يَدَّعُونَ ولا يَتَكَلَّفُونَ، ألا إنِّي بَرِيءٌ مِنَ التَكَلُّفِ، وصالِحُو أُمَّتِي".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ يُرِيدُ: بِهِ القُرْآنَ، و﴿إلا ذِكْرٌ﴾ أيْ: تَذْكِرَةٌ. ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾، وهَذا عَلى حَذْفٍ تَقْدِيرُهُ: ولَتَعْلَمُنَّ صِدْقَ نَبَئِهِ بَعْدَ حِينٍ مِن تَوَعُّدِكم.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ إلى أيِّ وقْتٍ أشارَ؟ لِأنَّ "الحِينَ" في اللُغَةِ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ مِنَ الوَقْتِ، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أشارَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: في اللُغَةِ أشارَ إلى الآجالِ الَّتِي لَهُمْ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يَعْرِفُ الحَقائِقَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وقالَ السُدِّيُّ: أشارَ إلى يَوْمِ بَدْرٍ؛ لِأنَّهُ يَوْمٌ عَرَفَ الكُفّارُ فِيهِ صِدْقَ وعِيدِ القُرْآنِ لَهم.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ (ص) والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences