Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Az-Zumar 39:33–55
39:33–37Page 462
وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدۡقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ٣٣
And the one who has brought the truth [i.e., the Prophet (ﷺ)] and [they who] believed in it - those are the righteous.
لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٤
They will have whatever they desire with their Lord. That is the reward of the doers of good -
لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٣٥
That Allāh may remove from them the worst of what they did and reward them their due for the best of what they used to do.
أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُۥۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٦
Is not Allāh sufficient for His Servant [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)]? And [yet], they threaten you with those [they worship] other than Him. And whoever Allāh leaves astray - for him there is no guide.
وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّضِلٍّۗ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٖ ذِي ٱنتِقَامٖ ٣٧
And whoever Allāh guides - for him there is no misleader. Is not Allāh Exalted in Might and Owner of Retribution?
قوله عزّ وجلّ:
﴿والَّذِي جاءَ بِالصِدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ ﴿لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾ ﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عنهم أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا ويَجْزِيَهم أجْرَهم بِأحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿ألَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ ويُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ومَن يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿وَمَن يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ألَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِدْقِ﴾ مُعادِلٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللهِ وكَذَّبَ بِالصِدْقِ﴾ [الزمر: ٣٢] فَـ"مَن" هُنالِكَ لِلْجَمِيعِ والعُمُومِ، و[الَّذِي] هُنا لِلْجِنْسِ أيْضًا، كَأنَّهُ قالَ: والفَرِيقُ الَّذِي جاءَ بَعْضُهُ بِالصِدْقِ، وصَدَّقَ بِهِ بَعْضُهُ، ويَسْتَقِيمُ اللَفْظُ والمَعْنى عَلى هَذا التَرْتِيبِ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: [والَّذِينَ جاءُوا بِالصِدْقِ وصَدَّقُوا بِهِ]، وهو هُنا القُرْآنُ وأنْباؤُهُ، والشَرْعُ بِجُمْلَتِهِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الَّذِي" يُرادُ بِهِ: الَّذِينَ، وحُذِفَتِ النُونُ لِطُولِ الكَلامِ، وهَذا غَيْرُ جَيِّدٍ، وتَرْكِيبُ "جاءَ" عَلَيْهِ يَرُدُّ ذَلِكَ، ولَيْسَ كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
؎ إنَّ عَمَّيَّ اللَذّا ∗∗∗ قَتَلا المُلُوكَ....
(p-٣٩٥)وَنَظِيرُ الآيَةِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهم ∗∗∗ ∗∗∗ هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أمَّ خالِدِ
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: والَّذِي جاءَ بِالصِدْقِ هو مُحَمَّدٌ ﷺ، وهو الَّذِي صَدَّقَ بِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الَّذِي جاءَ بِالصِدْقِ هو جِبْرِيلُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ، هو مُحَمَّدٌ ﷺ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأبُو العالِيَةِ، والكَلْبِيُّ، وجَماعَةٌ: الَّذِي جاءَ بِالصِدْقِ هو مُحَمَّدٌ ﷺ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ هو أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: الَّذِي جاءَ بِالصِدْقِ هو مُحَمَّدٌ ﷺ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، قالَ مُجاهِدٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ، وقالَ أبُو الأسْوَدِ ومُجاهِدٌ وجَماعَةٌ: الَّذِي صَدَّقَ هو عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ بِالعُمُومِ الَّذِي ذَكَرْناهُ أوَّلًا، وهو أصْوَبُ الأقْوالِ.
وقَرَأ أبُو صالِحٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ جُحادَةَ، وعِكْرِمَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: [وَصَدَقَ بِهِ] بِالتَخْفِيفِ في الدالِ، بِمَعْنى: اسْتَحَقَّ بِهِ اسْمَ الصِدْقَ، فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَكُونُ إسْنادُ الأفْعالِ كُلِّها إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وكَأنَّ أُمَّتَهُ في ضِمْنِ القَوْلِ، وهو الَّذِي يُحَسِّنُ: ﴿أُولَئِكَ (p-٣٩٦)هُمُ المُتَّقُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: اتَّقَوُا الشِرْكَ.
واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عنهُمْ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿المُحْسِنِينَ﴾، أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا لِكَيْ يُكَفِّرَ، وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ مَقْطُوعٍ مِمّا قَبْلَهُ، كَأنَّكَ قُلْتَ: "بَشَّرَهُمُ اللهُ تَعالى بِذَلِكَ لِيَكَفِّرَ" لِأنَّ التَكْفِيرَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ التَيْسِيرِ لِلْخَيْرِ، و﴿أسْوَأ الَّذِي عَمِلُوا﴾ هو كُفْرُ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ ومَعاصِي أهْلِ الإسْلامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ تَقْوِيَةٌ لِنَفْسِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ كانَتْ خَوَّفَتْهُ مِنَ الأصْنامِ، وقالُوا: أنْتَ تَسُبُّها ونَخافُ أنْ تُصِيبَكَ بِجُنُونٍ أو عِلَّةٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: [عِبادَهُ] يُرِيدُ الأنْبِياءَ المُخْتَصِّينَ بِهِ، وأنْتَ أحَدُهُمْ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ المُطِيعُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُتَوَكِّلُونَ عَلى اللهِ تَعالى، وهَذِهِ قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ. وقَرَأ الباقُونَ: "عَبْدَهُ" وهو اسْمُ جِنْسٍ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وشَيْبَةَ، وأهْلِ المَدِينَةِ، ويُقَوِّي أنَّ الإشارَةَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾ ؛ وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِهِ﴾ يُرِيدُ: بِالَّذِينِ يُعْبَدُونَ مِن دُونِهِ، ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إلى كَسْرِ العُزّى، فَقالَ سادِنُها: يا خالِدُ، إنِّي أخافُ عَلَيْكَ مِنها، فَلَها قُوَّةٌ لا يَقُومُ لَها شَيْءٌ، فَأخَذَ خالِدُ الفَأْسَ فَهَشَّمَ بِهِ وجْهَها وانْصَرَفَ.»
ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى أنَّ الهِدايَةَ والإضْلالَ مِن عِنْدِهِ بِالخَلْقِ والِاخْتِراعِ، وأنَّ ما أرادَ مِن ذَلِكَ لا رادَّ لَهُ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِعِزَّتِهِ وانْتِقامِهِ، فَكانَ ذَلِكَ، وانْتَقَمَ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ وما بَعْدَهُ.
39:38–40Page 462
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلۡ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوۡ أَرَادَنِي بِرَحۡمَةٍ هَلۡ هُنَّ مُمۡسِكَٰتُ رَحۡمَتِهِۦۚ قُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُۖ عَلَيۡهِ يَتَوَكَّلُ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ٣٨
And if you asked them, "Who created the heavens and the earth?" they would surely say, "Allāh." Say, "Then have you considered1 what you invoke besides Allāh? If Allāh intended me harm, are they removers of His harm; or if He intended me mercy, are they withholders of His mercy?" Say, "Sufficient for me is Allāh; upon Him [alone] rely the [wise] reliers."
قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَٰمِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٣٩
Say, "O my people, work according to your position, [for] indeed, I am working; and you are going to know
مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ ٤٠
To whom will come a torment disgracing him and on whom will descend an enduring punishment."
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ إنْ أرادَنِيَ اللهِ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أو أرادَنِيَ بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهِ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾ ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾
هَذا ابْتِداءُ احْتِجاجٍ عَلَيْهِمْ بِحُجَّةٍ أُخْرى، وجُمْلَتُها أنْ وُقِفُوا عَلى الخالِقِ المُخْتَرِعِ، (p-٣٩٧)فَإذا قالُوا إنَّهُ اللهُ؛ لَمْ يَبْقَ لَهم في الأصْنامِ غَرَضٌ إلّا أنْ يَقُولُوا: إنَّها تَضُرُّ وتَنْفَعُ، فَلَمّا تَقَعَّدَ مِن قَوْلِهِمْ إنَّ اللهَ هو الخالِقُ قِيلَ لَهُمْ: أفَرَأيْتُمْ هَؤُلاءِ إذا أرادَ اللهُ أمْرًا، أبِهِمْ قُدْرَةٌ عَلى نَقْضِهِ؟ وحَذَفَ الجَوابَ عن هَذا، لِأنَّهُ مِنَ البَيِّنِ أنَّهُ لا يُجِيبُ أحَدٌ؛ إلّا أنَّهُ لا قُدْرَةَ لِلْأصْنامِ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. وقَرَأ: ﴿ "إنْ أرادَنِيَ"﴾ بِياءٍ مَفْتُوحَةٍ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسُ، وقَرَأ الأعْمَشُ: [إنْ أرادَنِ اللهُ] بِحَذْفِ الياءِ في الوَصْلِ، ورَوى خارِجَةُ بِغَيْرِ ياءٍ أصْلًا. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والأعْمَشُ، وعِيسى، وابْنُ وثّابٍ: ﴿ "كاشِفاتُ ضُرِّهِ"﴾ بِالإضافَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: [كاشِفاتٌ ضُرَّهُ] بِالتَنْوِينِ ونَصْبِ [ضُرَّهُ]، وهي قِراءَةُ شَيْبَةَ، والحَسَنِ، وعِيسى - بِخِلافٍ عنهُ - وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وهَذا هو الوَجْهُ فِيما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، وكَذَلِكَ الخِلافُ في ﴿مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَصْدَعَ بِالِاتِّكالِ عَلى اللهِ تَعالى، وأنَّهُ حَسْبُهُ مَن كُلِّ شَيْءٍ ومِن كُلِّ ناصِرٍ. ثُمَّ أمَرَهُ بِتَوَعُّدِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾، أيْ: عَلى ما رَأيْتُمُوهُ مُتَمَكِّنًا لَكُمْ، وعَلى حالَتِكُمُ الَّتِي اسْتَقَرَّ رَأْيُكم عَلَيْها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَكانَتِكُمْ" بِالإفْرادِ، وقَرَأها بِالجَمْعِ: الحَسَنُ وعاصِمٌ. وقَوْلُهُ: ﴿ "اعْمَلُوا"﴾ لَفَظٌ بِمَعْنى الوَعِيدِ، و"العَذابُ المُخْزِي": هو عَذابُ الدُنْيا يَوْمَ بَدْرٍ وغَيْرُهُ، "والعَذابُ المُقِيمُ" هو عَذابُ الآخِرَةِ.
39:41–42Page 463
إِنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٍ ٤١
Indeed, We sent down to you the Book for the people in truth. So whoever is guided - it is for [the benefit of] his soul; and whoever goes astray only goes astray to its detriment. And you are not a manager [i.e., authority] over them.
ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا وَٱلَّتِي لَمۡ تَمُتۡ فِي مَنَامِهَاۖ فَيُمۡسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيۡهَا ٱلۡمَوۡتَ وَيُرۡسِلُ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٤٢
Allāh takes the souls at the time of their death, and those that do not die [He takes] during their sleep. Then He keeps those for which He has decreed death and releases the others for a specified term. Indeed in that are signs for a people who give thought.
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ لِلنّاسِ بِالحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿اللهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها (p-٣٩٨)فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
هَذا إعْلامٌ بِعُلُوِّ مَكانَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ واصْطِفاءِ رَبِّهِ لَهُ. و"الكِتابَ": القُرْآنُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "بِالحَقِّ"﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يُرِيدَ: مُضَمَّنًا الحَقَّ في أخْبارِهِ وأحْكامِهِ، والآخَرُ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ أنْزَلَهُ بِالواجِبِ مِن إنْزالِهِ، وبِالِاسْتِحْقاقِ لِذَلِكَ، لِما فِيهِ مِن مَصْلَحَةِ العالَمِ وهِدايَةِ الناسِ، وكَأنَّ هَذا الَّذِي فَعَلَ اللهُ تَعالى مِن إنْزالِ كِتابٍ إلى عَبْدِهِ هو إقامَةُ حُجَّةٍ عَلَيْهِمْ، وبَقِيَ تَكَسُّبُهم بَعْدُ إلَيْهِمْ، فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ عَمِلَ وسَعى، ومَن ضَلَّ فَعَلَيْها جَنى. والهُدى والضَلالُ إنَّما لِلَّهِ تَعالى فِيهِما خَلْقٌ واخْتِراعٌ، ولِلْعَبْدِ تَكَسُّبٌ، عَلَيْهِ يَقَعُ الثَوابُ أوِ العِقابُ. وأخْبَرَ نَبِيَّهُ أنَّهُ لَيْسَ بِوَكِيلٍ عَلَيْهِمْ ولا مُسَيْطِرٍ، و"الوَكِيلُ": القائِمُ عَلى الأمْرِ حَتّى يُكْمِلَهُ.
ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى عَلى آيَةٍ مِن آياتِهِ الكُبْرى تَدُلُّ الناظِرَ عَلى الوِحْدانِيَّةِ، وأنَّ ذَلِكَ لا شِرْكَ فِيهِ لِصَنَمٍ، وهي حالَةُ التَوَفِّي، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى ما تَوَفّاهُ عَلى الكَمالِ فَهو الَّذِي يَمُوتُ، وما تَوَفّاهُ تَوَفِّيًا غَيْرَ مُكْمَلٍ فَهو الَّذِي يَكُونُ في النَوْمِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: النَوْمُ وفاةٌ، والمَوْتُ وفاةٌ، وكَثَّرَتْ فِرْقَةٌ في هَذِهِ الآيَةِ وهَذا المَعْنى، فَفَرَّقَتْ بَيْنَ النَفْسِ والرُوحِ، وفَرَّقَ قَوْمٌ أيْضًا بَيْنَ نَفْسِ التَمْيِيزِ ونَفْسِ التَخَيُّلِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي هي غَلَبَةُ ظَنٍّ، وحَقِيقَةُ الأمْرِ في هَذا هي مِمّا اسْتَأْثَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِ وغَيَّبَهُ عن عِبادِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلِ الرُوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]، ويَكْفِيكَ أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿ "يَتَوَفّى الأنْفُسَ"،﴾ وفي الحَدِيثِ الصَحِيحِ «إنَّ اللهَ قَبَضَ أرْواحَنا حِينَ شاءَ، ورَدَّها عَلَيْنا حِينَ شاءَ،» في حَدِيثِ بِلالٍ في الوادِي، فَقَدْ نَطَقَتِ الشَرِيعَةُ بِقَبْضِ الرُوحِ والنَفْسِ في النَوْمِ، وقَدْ قالَ اللهُ (p-٣٩٩)تَعالى: ﴿قُلِ الرُوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]، فَظاهِرٌ أنَّ التَفْصِيلَ والخَوْضَ في هَذا كُلِّهُ عَناءٌ، وإنْ كانَ قَدْ تَعَرَّضَ لِلْقَوْلِ في هَذا ونَحْوِهِ الأئِمَّةُ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: في ابْنِ آدَمَ نَفْسٌ بِها العَقْلُ والتَمْيِيزُ، وفِيهِ رُوحٌ بِها التَنَفُّسُ والتَحَرُّكُ، فَإذا نامَ العَبْدُ قَبَضَ اللهُ نَفْسَهُ ولَمْ يَقْبِضْ رُوحَهُ. و"الأجَلُ المُسَمّى" في هَذِهِ الآيَةِ: هو عُمْرُ كُلِّ إنْسانٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿قَضى عَلَيْها﴾ بِفَتْحِ القافِ والضادِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: [قُضِيَ عَلَيْها] بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الضادِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، وعِيسى.
ثُمَّ أحالَ أهْلَ الفِكْرَةَ عَلى النَظَرِ في هَذا ونَحْوِهِ، فَإنَّهُ مِنَ البَيِّنِ أنَّ هَذِهِ القُدْرَةَ لا يَمْلِكُها إلّا الواحِدُ الصَمَدُ.
39:43–45Page 463
أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَۚ قُلۡ أَوَلَوۡ كَانُواْ لَا يَمۡلِكُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَعۡقِلُونَ ٤٣
Or have they taken other than Allāh as intercessors? Say, "Even though they do not possess [power over] anything, nor do they reason?"
قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَٰعَةُ جَمِيعٗاۖ لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٤٤
Say, "To Allāh belongs [the right to allow] intercession entirely. To Him belongs the dominion of the heavens and the earth. Then to Him you will be returned."
وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُ ٱشۡمَأَزَّتۡ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِۖ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٤٥
And when Allāh is mentioned alone, the hearts of those who do not believe in the Hereafter shrink with aversion, but when those [worshipped] other than Him are mentioned, immediately they rejoice.
قوله عزّ وجلّ:
﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿وَإذا ذُكِرَ اللهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إذا هم يَسْتَبْشِرُونَ﴾
[أمْ] هُنا مَقْطُوعَةٌ مِمّا قَبْلَها، وهي مُقَدَّرَةٌ بِالألِفِ وبَلْ، وهَذا تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنْ يُوقِفَهم عَلى الأمْرِ، وعَلى أنَّهم يَرْضَوْنَ بِهَذا مَعَ كَوْنِ الأصْنامِ بِصُورَةِ كَذا وكَذا مِن عَدَمِ المِلْكِ والعَقْلِ.
والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "أوَلَوْ"﴾ واوُ عَطْفٍ دَخَلَتْ عَلَيْها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، ومَتى دَخَلَتْ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى واوِ العَطْفِ أو فائِهِ أحْدَثَتْ مَعْنى التَقْرِيرِ.
ثُمَّ أمَرَهُ بِأنْ يُخْبِرَ بِأنَّ جَمِيعَ الشَفاعَةِ إنَّما هي لِلَّهِ تَعالى، و"جَمِيعًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، والمَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى يَشْفَعُ ثُمَّ لا يَشْفَعُ أحَدٌ قَبْلَ شَفاعَتِهِ إلّا بِإذْنِهِ، فَمِن حَيْثُ شَفاعَةُ غَيْرِهِ مَوْقُوفَةٌ عَلى إذْنِهِ فالشَفاعَةُ كُلُّها لَهُ ومِن عِنْدِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا ذُكِرَ اللهُ وحْدَهُ﴾ الآيَةَ، قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: «نَزَلَتْ في قِراءَةِ النَبِيِّ ﷺ سُورَةَ النَجْمِ عِنْدَ الكَعْبَةِ بِمَحْضَرٍ مِنَ الكُفّارِ، وعِنْدَ ذَلِكَ ألْقى الشَيْطانُ في (p-٤٠٠)أُمْنِيَّتِهِ، فَقالَ: "إنَّهُنَّ الغَرانِيقُ العُلى، وإنَّ شَفاعَتَهم لِتُرْتَجى"،» فاسْتَبْشَرَ الكَفّارُ بِذَلِكَ وسُرُّوا، فَلَمّا أذْهَبَ اللهُ ما ألْقى الشَيْطانُ أنِفُوا واسْتَكْبَرُوا واشْمَأزَّتْ نُفُوسُهُمْ، ومَعْناهُ: تَقَبَّضَتْ كِبْرًا وأنَفَةً وكَراهِيَةً ونُفُورًا، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومَ:
؎ إذا عَضَّ الثِقافُ بِها اشْمَأزَّتْ ∗∗∗ ووَلَّتْهم عَشَوْزَنَةً زَبُونا
و﴿الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ يُرِيدُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مَن دُونِهِ، وجاءَتِ العِبارَةُ في هَذِهِ الآياتِ عَنِ الأصْنامِ كَما تَجِيءُ عَمَّنْ يَفْعَلُ، مِن حَيْثُ صارَتْ في حَيِّزٍ مَن يَعْقِلُ، ونُسِبَ إلَيْها الضُرُّ والنَفْعُ والأُلُوهِيَّةُ، ونُفِيَ ذَلِكَ عنها، فَعُومِلَتْ مُعامَلَةَ مَن يَعْقِلُ. و"وَحْدَهُ" مَنصُوبٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ عَلى المَصْدَرِ، وعِنْدَ الفَرّاءِ عَلى الحالِ.
39:46–48Page 463
قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ عَٰلِمَ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ أَنتَ تَحۡكُمُ بَيۡنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٤٦
Say, "O Allāh, Creator of the heavens and the earth, Knower of the unseen and the witnessed, You will judge between your servants concerning that over which they used to differ."
وَلَوۡ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفۡتَدَوۡاْ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلۡعَذَابِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يَكُونُواْ يَحۡتَسِبُونَ ٤٧
And if those who did wrong had all that is in the earth entirely and the like of it with it, they would [attempt to] ransom themselves thereby from the worst of the punishment on the Day of Resurrection. And there will appear to them from Allāh that which they had not taken into account.1
وَبَدَا لَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٤٨
And there will appear to them the evils they had earned, and they will be enveloped by what they used to ridicule.
قوله عزّ وجلّ:
﴿قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَهادَةِ أنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ في ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿وَلَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ وبَدا لَهم مِن اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ ﴿وَبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾
أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالدُعاءِ إلَيْهِ، ورَدِّ الحُكْمِ إلى عَدْلِهِ، ومَعْنى هَذا الأمْرِ تَضَمُّنُ إجابَةٍ، و"اللهُمَّ" عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مُنادى، وكَذَلِكَ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، إلّا أنَّهُ خالَفَهم في هَذِهِ المِيمِ المُشَدَّدَةِ، فَقالَ سِيبَوَيْهِ: هي عِوَضٌ مِن حَرْفِ النِداءِ المَحْذُوفِ إيجازًا، وهي (p-٤٠١)دِلالَةٌ عَلى أنَّ ثَمَّ ما حَذْفٌ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: بَلْ هو فِعْلٌ اتَّصَلَ بِالمَكْتُوبَةِ، وهو "أمَّ" ثُمَّ حُذِفَتِ الهَمْزَةُ تَخْفِيفًا، فَكَأنَّ مَعْنى اللهُمَّ: يا اللهُ أُمَّ بِرَحْمَتِكَ وفَضْلِكَ و"فاطِرَ" مُنادى مُضافٌ، أيْ: يا فاطِرَ السَماواتِ، و"الغَيْبِ": ما غابَ عَنِ البَشَرِ، و"الشَهادَةِ"؛ ما شاهَدُوهُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن سُوءِ حالِ الكَفَرَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، وأنَّ ما يَنْزِلُ بِهِمْ لَوْ قَدَرُوا عَلى الِافْتِداءِ مِنهُ بِضَعْفِ الدُنْيا بِأسْرِها لَفَعَلُوا، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿وَبَدا لَهم مِنَ اللهِ﴾ الآيَةُ. أيْ: كانَتْ ظُنُونُهم في الدُنْيا مُتَفَرِّقَةً مُتَنَوِّعَةً حَسْبَ ضَلالَتِهِمْ وتَخَيُّلاتِهِمْ فِيما يَعْتَقِدُونَهُ، فَإذا عايَنُوا العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ وقَصُرَتْ بِهِ حالاتُهم ظَهَرَ لِكُلِّ واحِدٍ خِلافُ ما كانَ يَظُنُّ. وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ ؛ ويْلٌ لِأهْلِ الرِياءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ، وقالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمّارٍ: جَزِعَ ابْنُ المُنْكَدِرِ عِنْدَ المَوْتِ، فَقِيلَ لَهُ: ما هَذا؟ فَقالَ: أخافُ هَذِهِ الآيَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿ "وَحاقَ"﴾ مَعْناهُ: نَزَلَ وثَبَتَ ولَزِمَ، وقَوْلُهُ: ﴿ما كانُوا﴾ هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: وحاقَ بِهِمْ جَزاءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون.
39:49–52Page 464
فَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلۡنَٰهُ نِعۡمَةٗ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ بَلۡ هِيَ فِتۡنَةٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٩
And when adversity touches man, he calls upon Us; then when We bestow on him a favor from Us, he says, "I have only been given it because of [my] knowledge." Rather, it is a trial, but most of them do not know.
قَدۡ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٥٠
Those before them had already said it, but they were not availed by what they used to earn.
فَأَصَابَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْۚ وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ هَٰٓؤُلَآءِ سَيُصِيبُهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ ٥١
And the evil consequences of what they earned struck them. And those who have wronged of these [people] will be struck [i.e., afflicted] by the evil consequences of what they earned; and they will not cause failure.1
أَوَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥٢
Do they not know that Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]? Indeed in that are signs for a people who believe.
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هي فِتْنَةٌ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عنهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
هَذِهِ حُجَّةٌ تُلْزِمُ عُبّادَ الأوثانِ التَناقُضَ في أعْمالِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهم يَعْبُدُونَ الأوثانَ ويَعْتَقِدُونَ تَعْظِيمَها، فَإذا أزِفَتْ آزِفَةٌ أو نالَتْ شِدَّةٌ نَبَذُوها ونَسَوْها ودَعَوُا الخالِقَ المُخْتَرِعَ رَبَّ السَماواتِ والأرْضِ، و"الإنْسانَ" في هَذِهِ الآيَةِ لِلْجِنْسِ، و"خَوَّلْناهُ" مَعْناهُ: مَلَّكْناهُ، قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: التَخْوِيلُ: العَطاءُ عن غَيْرِ مُجازاةٍ، و"النِعْمَةُ" هُنا عامٌّ في جَمِيعِ ما يُسْدِيهِ اللهُ إلى العَبْدِ، فَمِن ذَلِكَ إزالَةُ الضُرِّ المَذْكُورِ، ومِن ذَلِكَ الصِحَّةُ والأمْنُ والمالُ، وتَقْوى الإشارَةُ إلَيْهِ في الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾، وبُقُولِهِ تَعالى أخِيرًا: ﴿يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ وبِذِكْرِ الكَسْبِ.
وذَّكَّرَ تَعالى الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ "أُوتِيتُهُ"،﴾ وذَلِكَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا: مِنها أنْ يُرِيدَ بِالنِعْمَةِ المالَ كَما قَدَّمْناهُ، ومِنها أنْ يُعِيدَ الضَمِيرَ عَلى المَذْكُورِ، إذِ اسْمُ النِعْمَةِ يَعُمُّ ما هو مُذَكَّرٌ ويَعُمُّ ماهُّو مُؤَنَّثٌ، ومِنها أنْ يَكُونَ (ما) في قَوْلِهِ: ﴿ "إنَّما"﴾ بِمَعْنى "الَّذِي"، وعَلى (p-٤٠٢)الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنَ [ما] كافَّةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، مَعَ أنْ تَكُونُ "ما" كافَّةٌ، وأمّا إذا كانَتْ بِمَعْنى الَّذِي، فَإنَّ "عَلى عِلْمٍ "فِي مَوْضِعِ خَبَرِ [إنَّ]، ودالٌ عَلى الخَبَرِ المَحْذُوفِ، كَأنَّهُ قالَ: هو عَلى عِلْمٍ،وَقَوْلُهُ ﴿ "عَلى عِلْمٍ "﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلى عِلْمٍ مِنِّي بِوَجْهِ المَكاسِبَ والتِجاراتِ وغَيْرِ ذَلِكَ، قالَهُ قَتادَةُ، فَفي هَذا التَأْوِيلِ إعْجابٌ بِالنَفْسِ وتَعاطٍ مُفْرِطٍ، ونَحْوِ هَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلى عِلْمٍ مِنَ اللهِ فِيَّ، وشَيْءٍ سَبَقَ لِي، واسْتِحْقاقٍ حُزْتُهُ عِنْدَ اللهِ تَعالى، لا يَضُرُّنِي مَعَهُ شَيْءٌ، وفي هَذا التَأْوِيلِ اغْتِرارٌ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى وعَجْزٌ وتَمَنٍّ عَلى اللهِ تَعالى. ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما قالَ، بَلْ هَذِهِ الغَفْلَةُ بِهِ فِتْنَةٌ لَهُ وابْتِلاءٌ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَمَّنْ سَلَفَ مِنَ الكَفَرَةِ أنَّهم قَدْ قالُوا نَحْوَ هَذِهِ المَقالَةَ، كَقارُونَ وغَيْرِهِ، وأنَّهم ما أغْنى عنهم كَسْبُهم واحْتِجابُهم لِلْأمْوالِ، فَكَذَلِكَ لا يُغْنِي عن هَؤُلاءِ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى - عَلى جِهَةِ التَوَعُّدِ لِهَؤُلاءِ في نَفْسِ المِثالِ - أنَّ أُولَئِكَ أصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا، وأنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِالكُفْرِ مِن هَؤُلاءِ المُعاصِرِينَ لَكَ سَيُصِيبُهم ما أصابَ المُتَقَدِّمِينَ، وهَذا خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى أبْرَزَهُ الوُجُودَ في يَوْمِ بَدْرٍ وغَيْرِهِ، و"مُعْجِزِينَ" مَعْناهُ: مُفْلِتِينَ وناجِينَ بِأنْفُسِهِمْ.
ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى عَلى الحَقِيقَةِ في أمْرِ الكَسْبِ وسَعَةِ النِعَمِ فَقالَ: أوَلَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللهَ هو الَّذِي يَبْسُطُ الرِزْقَ لِقَوْمٍ ويُضَيِّقُهُ عَلى قَوْمٍ بِمَشِيئَتِهِ وسابِقِ عِلْمِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِكَيْسِ أحَدٍ ولا لِعَجْزِهِ، ﴿ "وَيَقْدِرُ"﴾ مَعْناهُ: يَضِيقُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦].
39:53–55Page 464
۞ قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٥٣
Say, "O My servants who have transgressed against themselves [by sinning], do not despair of the mercy of Allāh. Indeed, Allāh forgives all sins.1 Indeed, it is He who is the Forgiving, the Merciful."
وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ٥٤
And return [in repentance] to your Lord and submit to Him before the punishment comes upon you; then you will not be helped.
وَٱتَّبِعُوٓاْ أَحۡسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ بَغۡتَةٗ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٥٥
And follow the best of what was revealed to you from your Lord [i.e., the Qur’ān] before the punishment comes upon you suddenly while you do not perceive,
قوله عزّ وجلّ:
﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللهِ إنَّ اللهِ يَغْفِرُ الذُنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَحِيمُ﴾ ﴿وَأنِيبُوا إلى رَبِّكم وأسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾
(p-٤٠٣)هَذِهِ الآيَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ الناسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، في كافِرٍ ومُؤْمِنٍ، أيْ أنَّ تَوْبَةَ الكافِرِ تَمْحُو كُفْرَهُ، وتَوْبَةَ العاصِي تَمْحُو ذَنْبَهُ، واخْتُلِفَ - هَلْ يَكُونُ في المَشِيئَةِ أو هو مَغْفُورٌ لَهُ ولابُدَّ؟ - فَقالَتْ فِرْقَةٌ مِن أهْلِ السُنَّةِ: هو مَغْفُورٌ لَهُ ولابُدَّ، وهَذا مُقْتَضى ظَواهِرِ القُرْآنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: التائِبُ في المَشِيئَةِ، لَكِنْ يَغْلِبُ الرَجاءُ في ناحِيَتِهِ، والعاصِي في المَشِيئَةِ، لَكِنْ يَغْلِبُ الخَوْفُ في ناحِيَتِهِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: نَزَلَتْ في وحْشَيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ، وقالَ السُدِّيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ أبِي إسْحَقَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ بِمَكَّةَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا، وفَتَنَتْهم قُرَيْشٌ فافْتَتَنُوا، ثُمَّ نَدِمُوا وظَنُّوا أنَّهم لا تَوْبَةَ لَهُمْ، فَنَزَلَتْ، مِنهُمُ الوَلِيدُ، وهُشامُ بْنُ العاصِي، وهَذا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأنَّهُ كَتَبَها بِيَدِهِ إلى هِشامِ بْنِ العاصِي، الحَدِيثُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ كُفّارٍ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، قالُوا: وما يَنْفَعُنا الإسْلامُ ونَحْنُ قَدْ زَنَيْنا وقَتَلْنا الناسَ وأتَيْنا كُلَّ كَبِيرَةٍ، فَنَزَلَتْ، وقالَ عَلَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: هَذِهِ أرْجى آيَةٍ في القُرْآنِ، ورَوى ثَوْبانِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "ما أحَبَّ أنَّ لِي الدُنْيا بِما فِيها بِهَذِهِ الآيَةِ: يا عِبادِيَ".»
و"أسْرَفُوا" مَعْناهُ: أفْرَطُوا وتَعَدُّوا الطَوْرَ، و"القُنُوطُ": أعْظَمُ اليَأْسِ. وقَرَأ نافِعٌ (p-٤٠٤)وَجُمْهُورُ الناسِ: ﴿ (تَقْنَطُوا)﴾ بِفَتْحِ النُونِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: "يَلْزَمُهم أنْ يَقْرَؤُوا: "مِن بَعْدِ ما قَنِطُوا" بِالكَسْرِ، ولَمْ يَقْرَأْ بِهِ أحَدٌ"، وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ بِضَمِّ النُونِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ بِكَسْرِها، وهي لُغاتٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُنُوبَ جَمِيعًا﴾ عُمُومٌ بِمَعْنى الخُصُوصِ؛ لِأنَّ الشِرْكَ لَيْسَ بِداخِلٍ في الآيَةِ إجْماعًا، وهي أيْضًا في المَعاصِي مُقَيَّدَةٌ بِالمَشِيئَةِ، و"جَمِيعًا" نُصِبَ عَلى الحالِ. ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَرَأ: [إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُنُوبَ جَمِيعًا ولا يُبالِي]» وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُنُوبَ جَمِيعًا لِمَن يَشاءُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَأنِيبُوا"﴾ مَعْناهُ: ارْجِعُوا ومِيلُوا بِنُفُوسِكُمْ، و"الإنابَةُ": الرُجُوعُ بِالنَفْسِ إلى الشَيْءِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ﴾ تَوَعُّدٌ بِعَذابِ الدُنْيا والآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ مَعْناهُ أنَّ القُرْآنَ العَزِيزَ تَضَمَّنَ عَقائِدَ نَيِّرَةٍ، وأوامِرَ ونَواهِيَ مُنْجِيَةٍ، وعِدِاتٍ عَلى الطاعاتِ والبِرِّ، وحُدُودًا عَلى المَعاصِي ووَعِيدًا عَلى بَعْضِها، فالأحْسَنُ أنْ يَسْلُكَ الإنْسانُ طَرِيقَ التَفَهُّمِ والتَحْصِيلِ والطاعَةِ والِانْتِهاءِ والعَفْوِ في الأُمُورِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَهو أحْسَنُ مِن أنْ يَسْلُكَ طَرِيقَ الغَفْلَةِ والمَعْصِيَةِ فَيُجْزى أو يَقَعُ تَحْتَ الوَعِيدِ، فَهَذا المَعْنى هو المَقْصُودُ بـِ[أحْسَنَ]، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ بَعْضَ القُرْآنِ أحْسَنُ مِن بَعْضٍ مِن حَيْثُ هو قُرْآنٌ، وإنَّما هو أحْسَنُ كُلُّهُ بِالإضافَةِ إلى أفْعالِ الإنْسانِ وما يَلْقى مِن عَواقِبِها، قالَ السُدِّيُّ: الأحْسَنُ هو ما أمَرَ اللهُ تَعالى بِهِ في كِتابِهِ. و[بَغْتَةً] مَعْناهُ: فَجْأةً وعَلى غَيْرِ مَوْعِدٍ، و"تَشْعُرُونَ" مُشْتَقٌّ مِنَ الشِعارِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences