Ibn 'AtiyyaAn‑Nisa · 4:15–18

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:15–18

4:15–16Page 80

وَٱلَّٰتِي يَأۡتِينَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمۡ فَٱسۡتَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِنَّ أَرۡبَعَةٗ مِّنكُمۡۖ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمۡسِكُوهُنَّ فِي ٱلۡبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلۡمَوۡتُ أَوۡ يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلٗا ١٥

Those who commit immorality [i.e., unlawful sexual intercourse] of your women - bring against them four [witnesses] from among you. And if they testify,1 confine them [i.e., the guilty women] to houses until death takes them or Allāh ordains for them [another] way.2

وَٱلَّذَانِ يَأۡتِيَٰنِهَا مِنكُمۡ فَـَٔاذُوهُمَاۖ فَإِن تَابَا وَأَصۡلَحَا فَأَعۡرِضُواْ عَنۡهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابٗا رَّحِيمًا ١٦

And the two1 who commit it [i.e., unlawful sexual intercourse] among you - punish [i.e., dishonor] them both. But if they repent and correct themselves, leave them alone. Indeed, Allāh is ever Accepting of Repentance and Merciful.

قوله عزّ وجلّ:

﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكم فَإنْ شَهِدُوا فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ أو يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾ ﴿واللَذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما فَإنْ تابا وأصْلَحا فَأعْرِضُوا عنهُما إنَّ اللهَ كانَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾

قَوْلُهُ: "واللاتِي": اسْمُ جَمْعِ "الَّتِي"، وتُجْمَعُ أيْضًا عَلى اللَواتِي، ويُقالُ: اللائِي بِالياءِ، و"الفاحِشَةَ" في هَذا المَوْضِعِ: الزِنى وكُلُّ مَعْصِيَةٍ فاحِشَةٍ، لَكِنَّ الألِفَ واللامَ هُنا لِلْعَهْدِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "بِالفاحِشَةِ" بِبِناءِ الجَرِّ وقَوْلُهُ: ﴿مِن نِسائِكُمْ﴾ إضافَةٌ في مَعْنى الإسْلامِ، لِأنَّ الكافِرَةَ قَدْ تَكُونُ مِن نِساءِ المُسْلِمِينَ بِنَسَبٍ، ولا يَلْحَقُها هَذا الحُكْمُ، وجَعَلَ اللهُ الشَهادَةَ عَلى الزِنى خاصَّةً لا تَتِمُّ إلّا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ، تَغْلِيظًا عَلى (p-٤٩٠)المُدَّعِي وسَتْرًا عَلى العِبادِ، وقالَ قَوْمٌ: ذَلِكَ لِيَتَرَتَّبَ شاهِدانِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الزانِيَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ. وكانَتْ هَذِهِ أوَّلَ عُقُوباتِ الزُناةِ: الإمْساكُ في البُيُوتِ. قالَ عُبادَةُ بْنُ الصامِتِ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ: حَتّى نُسِخَ بِالأذى الَّذِي بَعْدَهُ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ النُورِ وبِالرَجْمِ في الثَيِّبِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَ الأذى هو الأوَّلَ، ثُمَّ نُسِخَ بِالإمْساكِ، ولَكِنَّ التِلاوَةَ أخَّرَتْ وقَدَّمَتْ، ذَكَرَهُ ابْنُ فُورَكٍ. و"سَبِيلًا" مَعْناهُ: مَخْرَجًا بِأمْرٍ مِن أوامِرِ الشَرْعِ، ورَوى حِطّانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرَقاشِيُّ عن عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنَّهُ قالَ: «كُنّا عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، ثُمَّ أقْلَعَ عنهُ ووَجْهُهُ مُحْمَرٌّ، فَقالَ: "قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، والثَيِّبُ بِالثَيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ والرَجْمُ".»

"واللَذانِ" تَثْنِيَةُ "الَّذِي"، وكانَ القِياسُ أنْ يُقالَ: اللَذَيانِ كَرَحَيانِ قالَ سِيبَوَيْهِ: حُذِفَتِ الياءُ لِيُفَرَّقَ بَيْنَ الأسْماءِ المُتَمَكِّنَةِ وبَيْنَ الأسْماءِ المُبْهَماتِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: حُذِفَتِ الياءُ تَخْفِيفًا إذْ قَدْ أُمِنَ مِنَ اللَبْسِ في "اللَذانِ"؛ لِأنَّ النُونَ لا تَنْحَذِفُ ونُونُ التَثْنِيَةِ في الأسْماءِ المُتَمَكِّنَةِ قَدْ تَنْحَذِفُ مَعَ الإضافَةِ في رَحَياكَ ومُصْطَفَيا القَوْمِ، فَلَوْ حُذِفَتِ الياءُ لاشْتَبَهَ المُفْرَدُ بِالِاثْنَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "اللَذانِّ" بِشَدِّ النُونِ، وتِلْكَ عِوَضٌ مِنَ الياءِ المَحْذُوفَةِ، وكَذَلِكَ قَرَأ: "هَذانِّ"، و"فَذانِّكَ"، و"هاتَيَنِّ"، بِالتَشْدِيدِ في جَمِيعِها، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: بِتَخْفِيفِ جَمِيعِ ذَلِكَ، وشَدَّدَ أبُو عَمْرٍو "فَذانِّكَ" وحْدَها ولَمْ يُشَدِّدْ غَيْرَها.

"واللَذانِ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وقِيلَ عَلى مَعْنى: فِيما يُتْلى عَلَيْكُمُ اللَذانِ. واخْتُلِفَ في الأذى، فَقالَ عُبادَةُ والسُدِّيُّ: هو التَعْيِيرُ والتَوْبِيخُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو السَبُّ والجَفاءُ دُونَ تَعْيِيرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو النَيْلُ بِاللِسانِ واليَدِ وضَرْبِ النِعالِ وما أشْبَهَهُ.

قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: الآيَةُ الأُولى في النِساءِ عامَّةٌ لَهُنَّ، مُحْصَناتٍ وغَيْرِ مُحْصَناتٍ، (p-٤٩١)والآيَةُ الثانِيَةُ في الرِجالِ، وبَيَّنَ بِلَفْظِ التَثْنِيَةِ صِنْفَيِ الرِجالِ مِمَّنْ أُحْصِنَ ومِمَّنْ لَمْ يُحْصَنْ، فَعُقُوبَةُ النِساءِ الحَبْسُ، وعُقُوبَةُ الرِجالِ الأذى، وهَذا قَوْلٌ يَقْتَضِيهِ اللَفْظُ، ويَسْتَوْفِي نَصُّ الكَلامِ أصْنافَ الزُناةِ عَلَيْهِ، ويُؤَيِّدُهُ مِن جِهَةِ اللَفْظِ قَوْلُهُ في الأُولى: ﴿مِن نِسائِكُمْ﴾ وقَوْلُهُ في الثانِيَةِ: "مِنكُمْ"، وقالَ السُدِّيُّ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: الآيَةُ الأُولى في النِساءِ المُحْصَناتِ، يُرِيدُ ويَدْخُلُ مَعَهُنَّ مَن أُحْصِنَ مِنَ الرِجالِ بِالمَعْنى، والآيَةُ الثانِيَةُ هي في الرَجُلِ والمَرْأةِ البِكْرَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ومَعْنى هَذا القَوْلِ تامٌّ، إلّا أنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَقْلَقُ عنهُ، وقَدْ رَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ "والَّذِينَ يَفْعَلُونَهُ مِنكُمْ".

وأجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مَنسُوخَتانِ بِآيَةِ الجَلْدِ في سُورَةِ النُورِ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما، إلّا مَن قالَ: إنَّ الأذى والتَعْيِيرَ باقٍ مَعَ الجَلْدِ لِأنَّهُما لا يَتَعارَضانِ بَلْ يَتَحَمَّلانِ عَلى شَخْصٍ واحِدٍ. أمّا الحَبْسُ فَمَنسُوخٌ بِإجْماعٍ. وآيَةُ الجَلْدِ عامَّةٌ في الزُناةِ مُحْصَنِهِمْ وغَيْرِ مُحْصَنِهِمْ، وكَذَلِكَ عَمَّمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ في حَدِيثِ حِطّانِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الرَقاشِيِّ الَّذِي ذَكَرْتُهُ آنِفًا، وإنْ كانَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ فَهو خَبَرُ آحادٍ. ثُمَّ ورَدَ بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجَمَ ولَمْ يَجْلِدْ،» فَمَن قالَ: إنَّ السُنَّةَ المُتَواتِرَةَ تَنْسَخُ القُرْآنَ، جَعَلَ رَجْمَ الرَسُولِ دُونَ جَلْدٍ ناسِخًا لِجَلْدِ الثَيِّبِ، وهَذا الَّذِي عَلَيْهِ الأئِمَّةُ؛ أنَّ السُنَّةَ المُتَواتِرَةَ تَنْسَخُ القُرْآنَ، إذْ هُما جَمِيعًا وحْيٌ مِنَ اللهِ، ويُوجِبانِ جَمِيعًا العِلْمَ والعَمَلَ، وإنَّما اخْتَلَفا في أنَّ السُنَّةَ نَقَصَ مِنها الإعْجازُ، وصَحَّ ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ في خَبَرِ ماعِزٍ، وفي حَدِيثِ الغامِدِيَّةِ، وفي حَدِيثَ المَرْأةِ الَّتِي بَعَثَ إلَيْها أُنَيْسَ. ومَن قالَ: إنَّ السُنَّةَ المُتَواتِرَةَ لا تَنْسَخُ القُرْآنَ قالَ: إنَّما يَكُونُ حُكْمُ القُرْآنِ مُوقَنًا، ثُمَّ تَأْتِي السُنَّةُ مُسْتَأْنِفَةً مِن غَيْرِ أنْ تَتَناوَلَ نَسْخًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

(p-٤٩٢)وَهَذا تَخَيُّلٌ لا يَسْتَقِيمُ لِأنّا نَجِدُ السُنَّةَ تَرْفَعُ بِحُكْمِها ما اسْتَقَرَّ مِن حُكْمِ القُرْآنِ عَلى حَدِّ النَسْخِ، ولا يَرُدُّ ذَلِكَ نَظَرٌ، ولا يَنْخَرِمُ مِنهُ أصْلٌ. أمّا أنَّ هَذِهِ النازِلَةَ بِعَيْنِها يَتَوَجَّهُ عِنْدِي أنْ يُقالَ فِيها: إنَّ الناسِخَ لِحُكْمِ الجَلْدِ هو القُرْآنُ المُتَّفَقُ عَلى رَفْعِ لَفْظِهِ وبَقاءِ حُكْمِهِ، في قَوْلِهِ تَعالى: "الشَيْخُ والشَيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ" وهَذا نَصٌّ في الرَجْمِ، وقَدْ قَرَّرَهُ عُمَرُ عَلى المِنبَرِ بِمَحْضَرِ الصَحابَةِ، وذَكَرَ أنَّهم قَرَؤُوهُ عَلى عَهْدِ النَبِيِّ ﷺ، والحَدِيثُ بِكَمالِهِ في مُسْلِمٍ. وأيْضًا فَيُعَضِّدُ أنَّ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي قالَ لَهُ: «فاقْضِ بَيْنَنا يا رَسُولَ اللهِ بِكِتابِ اللهِ، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ ﷺ: لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتابِ اللهِ، ثُمَّ أمَرَ أُنَيْسًا بِرَجْمِ المَرْأةِ إنْ هي اعْتَرَفَتْ،» فَدَلَّ هَذا الظاهِرُ عَلى أنَّ الرَجْمَ كانَ في القُرْآنِ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى رَفْعِ لَفْظِهِ. وهاتانِ الآيَتانِ أعْنِي الجَلْدَ والرَجْمَ لَوْ لَمْ يَقَعْ بَيانٌ مِنَ الرَسُولِ لَمْ يَجِبْ أنْ تَنْسَخَ إحْداهُما الأُخْرى، إذْ يَسُوغُ اجْتِماعُهُما عَلى شَخْصٍ واحِدٍ، وحَدِيثُ عُبادَةَ المُتَقَدِّمُ يُقَوِّي جَمِيعَهُما، وقَدْ أخَذَ بِهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ في شُراحَةَ: جَلَدَها ثُمَّ رَجَمَها، وقالَ: أجْلِدُها بِكِتابِ اللهِ وأرْجُمُها بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، ولَكِنْ لَمّا بَيَّنَ الرَسُولُ بِرَجْمِهِ دُونَ جَلْدٍ كانَ فِعْلُهُ بِمَثابَةِ قَوْلِهِ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ: انْفُوا ولا تَجْلِدُوا فَيَكُونُ القُرْآنُ هو الناسِخَ والسُنَّةُ هي المُبَيِّنَةَ؛ ويَصِحُّ أنْ نَعْتَرِضَ مَن يَنْسَخُ بِالسُنَّةِ في هَذِهِ النازِلَةِ فَنَقُولَ: الناسِخُ مِن شُرُوطِهِ أنْ يَسْتَقِلَّ في البَيانِ بِنَفْسِهِ، وإذا لَمْ يَسْتَقِلَّ فَلَيْسَ بِناسِخٍ، وآيَةُ الرَجْمِ بَعْدَ أنْ يَسْلَمَ ثُبُوتُها لا تَسْتَقِلُّ في النَسْخِ بِنَفْسِها، بَلْ تَنْبَنِي مَعَ الجَلْدِ وتَجْتَمِعُ، كَما تَضَمَّنَ حَدِيثُ عُبادَةَ بْنِ الصامِتِ، لَكِنَّ إسْقاطَ الرَسُولِ الجَلْدَ هو الناسِخُ، لِأنَّ فِعْلَهُ في ذَلِكَ هو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: لا تَجْلِدُوا الثَيِّبَ، وأمّا البِكْرُ فَلا خِلافَ أنَّهُ يُجْلَدُ، واخْتُلِفَ في نَفْيِهِ، فَقالَ الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ وابْنُ عُمَرَ ومالِكٌ والشافِعِيُّ وجَماعَةٌ: لا نَفْيَ اليَوْمِ، وقالَتْ جَماعَةٌ: يُنْفى، وقِيلَ: نَفْيُهُ سَجْنُهُ، ولا تُنْفى المَرْأةُ ولا العَبْدُ، هَذا مَذْهَبُ مالِكٍ وجَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ.

وقَوْلُهُ ﴿فَأعْرِضُوا عنهُما﴾ كانَتْ هَذِهِ العُقُوبَةُ مِنَ الإمْساكِ والأذى إرادَةَ أنْ يَتُوبَ (p-٤٩٣)الزُناةُ، وهو الرُجُوعُ عَنِ الزِنا والإصْرارِ عَلَيْهِ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ إذا تابَ الزانِيانِ وأصْلَحا في سائِرِ أعْمالِهِما أنْ يُكَفَّ عنهُما الأذى، وجاءَ الأمْرُ بِهَذا الكَفِّ الَّذِي هو "أعْرِضُوا". وفي قُوَّةِ اللَفْظِ غَضٌّ مِنَ الزُناةِ وإنْ تابُوا، لِأنَّ تَرْكَهم إنَّما هو إعْراضٌ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] ولَيْسَ الإعْراضُ في الآيَتَيْنِ أمْرًا بِهِجْرَةٍ، ولَكِنَّها مُتارَكَةُ مُعْرِضٍ، وفي ذَلِكَ احْتِقارٌ لَهم بِحَسَبِ المَعْصِيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، وبِحَسَبِ الجَهالَةِ في الآيَةِ الأُخْرى، واللهُ تَعالى تَوّابٌ، أيْ: راجِعٌ بِعِبادِهِ عَنِ المَعاصِي إلى تَرْكِها ولُزُومِ الطاعَةِ.

4:17–18Page 80

إِنَّمَا ٱلتَّوۡبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٖ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١٧

The repentance accepted by Allāh is only for those who do wrong in ignorance [or carelessness] and then repent soon [after].1 It is those to whom Allāh will turn in forgiveness, and Allāh is ever Knowing and Wise.

وَلَيۡسَتِ ٱلتَّوۡبَةُ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ إِنِّي تُبۡتُ ٱلۡـَٰٔنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمۡ كُفَّارٌۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٨

But repentance is not [accepted] of those who [continue to] do evil deeds up until, when death comes to one of them, he says, "Indeed, I have repented now," or of those who die while they are disbelievers. For them We have prepared a painful punishment.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّما التَوْبَةُ عَلى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهِ عَلَيْهِمْ وكانَ اللهِ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿وَلَيْسَتِ التَوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾

إنَّما حاصِرَةٌ، وهو مَقْصِدُ المُتَكَلِّمِ بِها أبَدًا، فَقَدْ تُصادِفُ مِنَ المَعْنى ما يَقْتَضِي العَقْلُ فِيهِ الحَصْرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما اللهُ إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] وقَدْ تُصادِفُ مِنَ المَعْنى ما لا يَقْتَضِي العَقْلُ فِيهِ الحَصْرَ، كَقَوْلِهِ: إنَّما الشُجاعُ عنتَرَةُ: فَيَبْقى الحَصْرُ في مَقْصِدِ المادِحِ، ويَتَحَصَّلُ مِن ذَلِكَ لِكُلِّ سامِعٍ تَحْقِيقُ هَذِهِ الصِفَةِ لِلْمَوْصُوفِ بِمُبالَغَةٍ.

وهَذِهِ الآيَةُ مِمّا يُوجِبُ النَظَرُ فِيها أنَّها حاصِرَةٌ لِلتَّوْبَةِ، وهي في عُرْفِ الشَرْعِ: الرُجُوعُ مِن شَرٍّ إلى خَيْرٍ، وحَدُّ التَوْبَةِ: النَدَمُ عَلى فارِطِ فِعْلٍ، مِن حَيْثُ هو مَعْصِيَةُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وإنْ كانَ النَدَمُ مِن حَيْثُ أضَرَّ ذَلِكَ الفِعْلُ في بَدَنٍ أو مِلْكٍ فَلَيْسَ بِتَوْبَةٍ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ الفِعْلُ مِمّا يُمْكِنُ هَذا النادِمُ فِعْلَهُ في المُسْتَأْنَفِ فَمِن شُرُوطِ التَوْبَةِ العَزْمُ عَلى تَرْكِ ذَلِكَ الفِعْلِ في المُسْتَأْنَفِ، وإلّا فَثَمَّ إصْرارٌ لا تَوْبَةَ مَعَهُ، وإنْ كانَ ذَلِكَ الفِعْلُ لا يُمْكِنُهُ، مِثْلُ أنْ يَتُوبَ مِنَ الزِنا فَيُجَبَّ بِأثَرِ ذَلِكَ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذا لا يَحْتاجُ إلى شَرْطِ (p-٤٩٤)العَزْمِ عَلى التَرْكِ. والتَوْبَةُ فَرْضٌ عَلى المُؤْمِنِينَ بِإجْماعِ الأُمَّةِ، والإجْماعُ هي القَرِينَةُ الَّتِي حُمِلَ بِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتُوبُوا إلى اللهِ جَمِيعًا﴾ [النور: ٣١] عَلى الوُجُوبِ، وتَصِحُّ التَوْبَةُ مِن ذَنْبٍ مَعَ الإقامَةِ عَلى غَيْرِهِ مِن غَيْرِ نَوْعِهِ، خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ: لا يَكُونُ تائِبًا مَن أقامَ عَلى ذَنْبٍ، وتَصِحُّ التَوْبَةُ وإنْ نَقَضَها التائِبُ في ثانِي حالٍ بِمُعاوَدَةِ الذَنْبِ، فَإنَّ التَوْبَةَ الأُولى طاعَةٌ قَدِ انْقَضَتْ وصَحَّتْ، وهو مُحْتاجٌ بَعْدَ مُواقَعَةِ الذَنْبِ إلى تَوْبَةٍ أُخْرى مُسْتَأْنِفَةٍ، والإيمانُ لِلْكافِرِ لَيْسَ نَفْسَ تَوْبَتِهِ، وإنَّما تَوْبَتُهُ نَدَمُهُ عَلى سالِفِ كُفْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "عَلى اللهِ" فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: عَلى فَضْلِ اللهِ ورَحْمَتِهِ لِعِبادِهِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ لِمُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: « "يا مُعاذُ أتَدْرِي ما حَقُّ اللهِ عَلى العِبادِ؟ قالَ اللهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: أنْ يَعْبُدُوهُ ولا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ثُمَّ سَكَتَ قَلِيلًا، ثُمَّ قالَ: يا مُعاذُ أتَدْرِي ما حَقُّ العِبادِ عَلى اللهِ؟ قالَ اللهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: أنْ يُدْخِلَهُمُ الجَنَّةَ"» فَهَذا كُلُّهُ إنَّما مَعْناهُ: ما حَقُّهم عَلى فَضْلِ اللهِ ورَحْمَتِهِ، والعَقِيدَةُ أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللهِ تَعالى شَيْءٌ عَقْلًا، لَكِنَّ إخْبارَهُ تَعالى عن أشْياءَ أوجَبَها عَلى نَفْسِهِ يَقْتَضِي وُجُوبَ تِلْكَ الأشْياءِ سَمْعًا، فَمِن ذَلِكَ تَخْلِيدُ الكُفّارِ في النارِ، ومِن ذَلِكَ قَبُولُ إيمانِ الكافِرِ، والتَوْبَةُ لا يَجِبُ قَبُولُها عَلى اللهِ تَعالى عَقْلًا، فَأمّا السَمْعُ فَظاهِرُهُ قَبُولُ تَوْبَةِ التائِبِ؛ قالَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ: فَهَذِهِ الظَواهِرُ إنَّما تُعْطِي غَلَبَةَ ظَنٍّ لا قَطْعًا عَلى اللهِ بِقَبُولِ التَوْبَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقَدْ خُولِفَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ في هَذا المَعْنى. فَإذا فَرَضْنا رَجُلًا قَدْ تابَ تَوْبَةً نَصُوحًا تامَّةَ الشُرُوطِ، فَقَوْلُ أبِي المَعالِي: يَغْلِبُ عَلى الظَنِّ قَبُولُ تَوْبَتِهِ، وقالَ غَيْرُهُ: يُقْطَعُ عَلى اللهِ تَعالى بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ، كَما أخْبَرَ عن نَفْسِهِ عَزَّ وجَلَّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وكانَ أبِي رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ يَمِيلُ إلى هَذا القَوْلِ ويُرَجِّحُهُ، وبِهِ أقُولُ، واللهُ تَعالى أرْحَمُ بِعِبادِهِ مِن أنْ يَنْخَرِمَ في هَذا التائِبِ المَفْرُوضِ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَوْبَةَ عن (p-٤٩٥)عِبادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] وقَوْلِهِ: ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ﴾ [طه: ٨٢] والسُوءُ في هَذِهِ الآيَةِ يَعُمُّ الكُفْرَ والمَعاصِيَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِجَهالَةٍ" مَعْناهُ: بِسَفاهَةٍ وقِلَّةِ تَحْصِيلٍ أدّى إلى المَعْصِيَةِ، ولَيْسَ المَعْنى أنْ تَكُونَ الجَهالَةُ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ مَعْصِيَةٌ، لِأنَّ المُتَعَمِّدَ لِلذُّنُوبِ كانَ يَخْرُجُ مِنَ التَوْبَةِ، وهَذا فاسِدٌ إجْماعًا، وبِما ذَكَرْتُهُ في الجَهالَةِ قالَ أصْحابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ذَكَرَ ذَلِكَ عنهم أبُو العالِيَةِ، وقالَ قَتادَةُ: اجْتَمَعَ أصْحابُ النَبِيِّ ﷺ عَلى أنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ فَهي بِجَهالَةٍ، عَمْدًا كانَتْ أو جَهْلًا، وقالَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والسُدِّيُّ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ والضَحّاكِ أنَّهُما قالا: الجَهالَةُ هُنا العَمْدُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: أُمُورُ الدُنْيا كُلُّها جَهالَةٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

يُرِيدُ الخاصَّةَ بِها الخارِجَةَ عن طاعَةِ اللهِ. وهَذا المَعْنى عِنْدِي جارٍ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما الحَياةُ الدُنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ [محمد: ٣٦] وقَدْ تَأوَّلَ قَوْمٌ قَوْلَ عِكْرِمَةَ بِأنَّهُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُوءَ في الدُنْيا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَكَأنَّ الجَهالَةَ اسْمٌ لِلْحَياةِ الدُنْيا، وهَذا عِنْدِي ضَعِيفٌ، وقِيلَ: "بِجَهالَةٍ"، أيْ: لا يَعْلَمُ كُنْهَ العُقُوبَةِ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ فُورَكٍ ورُدَّ عَلَيْهِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن قَرِيبٍ"؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُدِّيُّ: مَعْنى ذَلِكَ: قَبْلَ المَرَضِ والمَوْتِ، وقالَ أبُو مِجْلَزٍ ومُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ والضَحّاكُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُمْ: مَعْنى ذَلِكَ: قَبْلَ المُعايَنَةِ لِلْمَلائِكَةِ والسَوْقِ، وأنْ يُغْلَبَ المَرْءُ عَلى نَفْسِهِ. ورَوى أبُو قِلابَةَ: "أنَّ اللهَ تَعالى لَمّا خَلَقَ آدَمَ فَرَآهُ إبْلِيسُ أجْوَفَ، ثُمَّ جَرى لَهُ ما جَرى ولُعِنَ وأُنْظِرَ، قالَ: وعِزَّتِكَ لا بَرِحْتُ مِن قَلْبِهِ ما دامَ فِيهِ الرُوحُ، فَقالَ اللهُ تَعالى: وعِزَّتِي لا أحْجُبُ عنهُ التَوْبَةَ ما دامَ فِيهِ الرُوحُ."

(p-٤٩٦)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ ذَكَرَ أحْسَنَ أوقاتِ التَوْبَةِ، والجُمْهُورُ حَدَّدُوا آخِرَ وقْتِها. وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: كانَ يُقالُ: التَوْبَةُ مَبْسُوطَةٌ لِأحَدِكم ما لَمْ يُؤْخَذْ بِكَظْمِهِ. ورَوى بَشِيرُ بْنُ كَعْبٍ والحَسَنُ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ ما لَمْ يُغَرْغِرْ ويُغْلَبْ عَلى عَقْلِهِ".»

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

لِأنَّ الرَجاءَ فِيهِ باقٍ، ويَصِحُّ مِنهُ النَدَمُ والعَزْمُ عَلى تَرْكِ الفِعْلِ في المُسْتَأْنَفِ، فَإذا غُلِبَ تَعَذَّرَتِ التَوْبَةُ لِعَدَمِ النَدَمِ والعَزْمِ عَلى التَرْكِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن قَرِيبٍ" إنَّما مَعْناهُ: مِن قَرِيبٍ إلى وقْتِ الذَنْبِ. ومُدَّةُ الحَياةِ كُلُّها قَرِيبٌ، والمُبادِرُ في الصِحَّةِ أفْضَلُ وأحَقُّ لِأمَلِهِ مِنَ العَمَلِ الصالِحِ، والبُعْدُ كُلُّ البُعْدِ المَوْتُ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكِ بْنِ الرَيْبِ:

؎ ......... ∗∗∗....... وأيْنَ مَكانُ البُعْدِ إلّا مَكانِيا؟

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أيْ: بِمَن يَتُوبُ ويُيَسِّرُهُ هو لِلتَّوْبَةِ، حَكِيمًا فِيما يُنْفِذُهُ مِن ذَلِكَ، وفي تَأْخِيرِ مَن يُؤَخِّرُ حَتّى يَهْلِكَ.

ثُمَّ نَفى بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَلَيْسَتِ التَوْبَةُ".... الآيَةِ أنْ يَدْخُلَ في حُكْمِ التائِبِينَ مَن حَضَرَهُ مَوْتُهُ وصارَ في حَيِّزِ اليَأْسِ، وحُضُورُ المَوْتِ هو كَما كانَ فِرْعَوْنُ حِينَ صارَ في غَمْرَةِ الماءِ والغَرَقِ، فَلَمْ يَنْفَعْهُ ما أظْهَرَ مِنَ الإيمانِ، وبِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةُ المُفَسِّرِينَ.

وقالَ الرَبِيعُ: الآيَةُ الأُولى قَوْلُهُ: ﴿إنَّما التَوْبَةُ عَلى اللهِ﴾ هي في المُؤْمِنِينَ، والآيَةُ (p-٤٩٧)الثانِيَةُ قَوْلُهُ: ﴿وَلَيْسَتِ التَوْبَةُ﴾... الآيَةُ نَزَلَتْ في المُسْلِمِينَ ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَحَتَمَ ألّا يَغْفِرَ لِلْكافِرِ وأرْجَأ المُؤْمِنِينَ إلى مَشِيئَتِهِ، لَمْ يُيْئِسْهم مِنَ المَغْفِرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وطَعَنَ بَعْضُ الناسِ في هَذا القَوْلِ بِأنَّ الآيَةَ خَبَرٌ، والأخْبارُ لا تُنْسَخُ. وهَذا غَيْرُ لازِمٍ، لِأنَّ الآيَةَ لَفْظُها الخَبَرُ، ومَعْناهُ تَقْرِيرُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، فَهي نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أو تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] ونَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] وإنَّما يَضْعُفُ القَوْلُ بِالنَسْخِ مِن حَيْثُ تَنْبَنِي الآيَتانِ ولا يُحْتاجُ إلى تَقْرِيرِ نَسْخٍ، لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمْ تَنْفِ أنْ يُغْفَرَ لِلْعاصِي الَّذِي لَمْ يَتُبْ مِن قَرِيبٍ، فَنَحْتاجُ أنْ نَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ٤٨] نَسَخَها، وإنَّما نَفَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنْ يَكُونَ تائِبًا مَن لَمْ يَتُبْ إلّا مَعَ حُضُورِ المَوْتِ. فالعَقِيدَةُ عِنْدِي في هَذِهِ الآياتِ: أنَّ مَن تابَ مِن قَرِيبٍ فَلَهُ حُكْمُ التائِبِ فَيَغْلِبُ الظَنُّ عَلَيْهِ أنَّهُ يُنَعَّمُ ولا يُعَذَّبُ، هَذا مَذْهَبُ أبِي المَعالِي وغَيْرِهِ، وقالَ غَيْرُهُمْ: بَلْ هو مَغْفُورٌ لَهُ قَطْعًا، لِإخْبارِ اللهِ تَعالى بِذَلِكَ، وأبُو المَعالِي يَجْعَلُ تِلْكَ الأخْبارَ ظَواهِرَ مَشْرُوطَةً بِالمَشِيئَةِ، ومَن لَمْ يَتُبْ حَتّى حَضَرَهُ المَوْتُ فَلَيْسَ في حُكْمِ التائِبِينَ، فَإنْ كانَ كافِرًا فَهو يَخْلُدُ، وإنْ كانَ مُؤْمِنًا فَهو عاصٍ في المَشِيئَةِ، لَكِنْ يَغْلِبُ الخَوْفُ عَلَيْهِ، ويَقْوى الظَنُّ في تَعْذِيبِهِ، ويُقْطَعُ مِن جِهَةِ السَمْعِ أنَّ مِن هَذِهِ الصَنِيفَةِ مَن يَغْفِرُ اللهُ لَهُ تَعالى تَفَضُّلًا مِنهُ ولا يُعَذِّبُهُ.

وأعْلَمَ اللهُ تَعالى أيْضًا أنَّ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ فَلا مُسْتَعْتَبَ لَهم ولا تَوْبَةَ في الآخِرَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾، إنْ كانَتِ الإشارَةُ إلى الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ فَقَطْ، فالعَذابُ عَذابُ خُلُودٍ، وإنْ كانَتِ الإشارَةُ إلَيْهِمْ وإلى مَن يَنْفُذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ، مِمَّنْ لا يَتُوبُ إلّا مَعَ حُضُورِ المَوْتِ مِنَ العُصاةِ فَهو في جِهَةِ هَؤُلاءِ، عَذابٌ ولا خُلُودَ مَعَهُ، و"أعْتَدْنا" مَعْناهُ: يَسَّرْناهُ وأحْضَرْناهُ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ النارَ مَخْلُوقَةٌ بَعْدُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском