Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:22–24
4:22–23Page 81
وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَمَقۡتٗا وَسَآءَ سَبِيلًا ٢٢
And do not marry those [women] whom your fathers married, except what has already occurred.1 Indeed, it was an immorality and hateful [to Allāh] and was evil as a way.
حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمۡ أُمَّهَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُمۡ وَعَمَّٰتُكُمۡ وَخَٰلَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُ ٱلۡأَخِ وَبَنَاتُ ٱلۡأُخۡتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِيٓ أَرۡضَعۡنَكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمۡ وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِي دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمۡ تَكُونُواْ دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ وَحَلَٰٓئِلُ أَبۡنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنۡ أَصۡلَٰبِكُمۡ وَأَن تَجۡمَعُواْ بَيۡنَ ٱلۡأُخۡتَيۡنِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٢٣
Prohibited to you [for marriage] are your mothers, your daughters, your sisters, your father's sisters, your mother's sisters, your brother's daughters, your sister's daughters, your [milk] mothers who nursed you, your sisters through nursing, your wives' mothers, and your step-daughters under your guardianship [born] of your wives unto whom you have gone in. But if you have not gone in unto them, there is no sin upon you. And [also prohibited are] the wives of your sons who are from your [own] loins, and that you take [in marriage] two sisters simultaneously, except for what has already occurred.1 Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلا﴾ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَضاعَةِ وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾.
هَذِهِ الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ العَرَبِ في مُدَّةِ نُزُولِ الآيَةِ، ومَعْنى الآيَةِ والتَحْرِيمِ الَّذِي بَعْدَها مُسْتَقِرٌّ عَلى المُؤْمِنِينَ أجْمَعُ. وسَبَبُ الآيَةِ أنَّ العَرَبَ كانَ مِنهم قَبائِلُ قَدِ اعْتادَتْ أنْ يَخْلُفَ الرَجُلُ عَلى امْرَأةِ أبِيهِ، عَلى ما ذَكَرْناهُ مِن أمْرِ أبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، ومِن ذَلِكَ خَبَرُ أبِي قَيْسِ بْنِ الأسْلَتِ، ومِن ذَلِكَ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، تَزَوَّجَ بَعْدَ أبِيهِ فاخِتَةَ بِنْتَ الأسْوَدِ بْنِ المُطَّلِبِ بْنِ أسَدٍ، وكانَتِ امْرَأةَ أبِيهِ قُتِلَ عنها، ومِن ذَلِكَ مَنظُورُ بْنُ زَبّانَ، خَلَفَ عَلى مُلَيْكَةَ بِنْتِ خارِجَةَ، وكانَتْ عِنْدَ أبِيهِ زَبّانَ بْنِ سَيّارٍ، إلى كَثِيرٍ مِن هَذا. وقَدْ كانَ في العَرَبِ مَن تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ، وهو حاجِبُ بْنُ زُرارَةَ، (p-٥٠٦)تَمَجَّسَ وفَعَلَ هَذِهِ الفَعْلَةَ، ذَكَرَ ذَلِكَ النَضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ في كِتابِ المَثالِبِ، فَنَهى اللهُ المُؤْمِنِينَ عَمّا كانَ عَلَيْهِ آباؤُهم مِن هَذِهِ السِيَرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ ما يَحْرُمُ، إلّا امْرَأةَ الأبِ والجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مُقْتَضى ألْفاظِ الآيَةِ فَقالَ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ: "ما نَكَحَ" يُرادُ بِهِ النِساءُ، أيْ: لا تَنْكِحُوا النِساءَ اللَواتِي نَكَحَ آباؤُكُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ مَعْناهُ: لَكِنْ ما قَدْ سَلَفَ فَدَعُوهُ، وقالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى: لَكِنْ ما قَدْ سَلَفَ فَهو مَعْفُوٌّ عنكم لِمَن كانَ واقَعَهُ، فَكَأنَّهُ قالَ تَعالى: "وَلا تَفْعَلُوا حاشا ما قَدْ سَلَفَ"، فَـ "ما" عَلى هَذا القَوْلِ واقِعَةٌ عَلى مَن يَعْقِلُ مِن حَيْثُ هَؤُلاءِ النِساءُ صِنْفٌ مِن أصْنافِ مَن يَعْقِلُ، و"ما" تَقَعُ لِلْأصْنافِ والأوصافِ مِمَّنْ يَعْقِلُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ: "ما نَكَحَ" يُرادُ بِهِ فِعْلُ الآباءِ، أيْ: لا تَنْكِحُوا كَما نَكَحَ آباؤُكم مِن عُقُودِهِمُ الفاسِدَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ مَعْناهُ: إلّا ما تَقَدَّمَ مِنكم ووَقَعَ مِن تِلْكَ العُقُودِ الفاسِدَةِ فَمُباحٌ لَكُمُ الإقامَةُ عَلَيْهِ في الإسْلامِ، إذا كانَ مِمّا يُقْدَرُ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ القَرابَةِ، ويُجَوِّزُهُ الشَرْعُ إنْ لَوِ ابْتُدِئَ نِكاحُهُ في الإسْلامِ عَلى سُنَّتِهِ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ أيْ: فَهو مَعْفُوٌّ عنكم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
و"ما" عَلى هَذا مَصْدَرِيَّةٌ، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "إلّا ما قَدْ سَلَفَ إلّا مَن تابَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وكَذَلِكَ حَكاهُ أبُو عَمْرٍو الدانِي.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ: النَهْيُ عن أنْ يَطَأ الرَجُلُ امْرَأةً وطِئَها الآباءُ، إلّا ما قَدْ سَلَفَ مِنَ الآباءِ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ الزِنى، لا عَلى وجْهِ المُناكَحَةِ، فَذَلِكَ جائِزٌ لَكم زَواجُهم في الإسْلامِ، لِأنَّ ذَلِكَ الزِنى كانَ فاحِشَةً، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَزادَ في هَذِهِ الآيَةِ المَقْتَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ: كُلُّ امْرَأةٍ تَزَوَّجَها أبُوكَ أوِ ابْنُكَ دَخَلَ أو لَمْ يَدْخُلْ فَهي عَلَيْكَ حَرامٌ. و"كانَ" في هَذِهِ الآيَةِ تَقْتَضِي الماضِيَ (p-٥٠٧)والمُسْتَقْبَلَ، وقالَ المُبَرِّدُ: هي زائِدَةٌ، وذَلِكَ خَطَأٌ يَرُدُّ عَلَيْهِ وُجُودُ الخَبَرِ مَنصُوبًا؛ والمَقْتُ: البُغْضُ والِاحْتِقارُ بِسَبَبِ رَذِيلَةٍ يَفْعَلُها، فَسَمّى تَعالى هَذا النِكاحَ مَقْتًا إذْ هو ذُو مَقْتٍ يَلْحَقُ فاعِلَهُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: كانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي الوَلَدَ الَّذِي يَجِيءُ مِن زَوْجِ الوالِدِ المَقْتِيَّ، وقَوْلُهُ: "وَساءَ سَبِيلًا" أيْ: بِئْسَ الطَرِيقُ والمَنهَجُ لِمَن يَسْلُكُهُ، إذْ عاقِبَتُهُ إلى عَذابِ اللهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ".... الآيَةُ، حُكْمٌ حَرَّمَ اللهُ بِهِ سَبْعًا مِنَ النَسَبِ، وسِتًّا مِن بَيْنِ رَضاعٍ وصِهْرٍ، وألْحَقَتِ السُنَّةُ المَأْثُورَةُ سابِعَةً، وذَلِكَ الجَمْعُ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها، ومَضى عَلَيْهِ الإجْماعُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: حُرِّمَ مِنَ النَسَبِ سَبْعٌ، ومِنَ الصِهْرِ سَبْعٌ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ عَمْرُو بْنُ سالِمٍ مَوْلى الأنْصارِ: مِثْلَ ذَلِكَ، وجَعَلَ السابِعَةَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِساءِ﴾ [النساء: ٢٤]. وتَحْرِيمُ الأُمَّهاتِ عامٌّ في كُلِّ حالٍ لا يَتَخَصَّصُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ويُسَمِّيهِ أهْلُ العِلْمِ "المُبْهَمَ" أيْ لا بابَ فِيهِ، ولا طَرِيقَ إلَيْهِ لِانْسِدادِ التَحْرِيمِ وقُوَّتِهِ، وكَذَلِكَ تَحْرِيمُ البَناتِ والأخَواتِ، فالأُمُّ كُلُّ مَن ولَدَتِ المَرْءَ وإنْ عَلَتْ، والبِنْتُ كُلُّ مَن ولَدَها وإنْ سَفَلَتْ، أمّا الأُخْتُ لِأبَوَيْنِ أو لِأبٍ أو لِأُمٍّ فَهي الَّتِي قَدْ جَمَعَهُ وإيّاها صُلْبٌ أو بَطْنٌ، والعَمَّةُ أُخْتُ الأبِ، والخالَةُ أُخْتُ الأُمِّ، كَذَلِكَ فِيهِما العُمُومُ والإبْهامُ، وكَذَلِكَ عَمَّةُ الأبِ وخالَتُهُ، وعَمَّةُ الأُمِّ وخالَتُها، وكَذَلِكَ عَمَّةُ العَمَّةِ، وأمّا خالَةُ العَمَّةِ فَيَنْظُرُ، فَإنْ كانَتِ العَمَّةُ أُخْتَ أبٍ لِأُمٍّ أو لِأبٍ وأُمٍّ فَلا تَحِلُّ خالَةُ العَمَّةِ، لِأنَّها أُخْتُ الجَدَّةِ، وإنْ كانَتِ العَمَّةُ إنَّما هي أُخْتُ أبٍ لِأبٍ فَقَطْ فَخالَتُها أجْنَبِيَّةٌ مِن بَنِي أخِيها، تَحِلُّ لِلرِّجالِ، ويُجْمَعُ بَيْنَها وبَيْنَ النِساءِ؛ وكَذَلِكَ عَمَّةُ الخالَةِ يَنْظُرُ، فَإنْ كانَتِ الخالَةُ أُخْتَ أُمٍّ لِأبٍ، فَعَمَّتُها حَرامٌ، لِأنَّها أُخْتُ جَدٍّ، وإنْ كانَتِ الخالَةُ أُخْتَ أُمٍّ لِأُمٍّ فَقَطْ فَعَمَّتُها أجْنَبِيَّةٌ مِن بَنِي أُخْتِها، وكَذَلِكَ في بَناتِ الأخِ وبَناتِ الأُخْتِ العُمُومُ والإبْهامُ، سَواءٌ كانَتِ الأُخُوَّةُ أشِقّاءَ، أو لِأبٍ أو لِأُمٍّ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "مِنَ الرِضاعَةِ" بِكَسْرِ الراءِ. والرَضاعُ يُحَرِّمُ ما يُحَرِّمُ النَسَبُ، والمُرْضِعَةُ أُمٌّ، وما تَقَدَّمَ مِن أولادِها وتَأخَّرَ إخْوَةٌ، وفَحْلُ اللَبَنِ أبٌ، وما تَقَدَّمَ مِن أولادِهِ وتَأخَّرَ إخْوَةٌ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "اللايِ" بِكَسْرِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: "وَأُمَّهاتُكُمُ الَّتِي" بِالإفْرادِ، كَأنَّهُ مِن جِهَةِ الإبْهامِ يَقَعُ مَعَ الواحِدِ والجَماعَةِ.
(p-٥٠٨)واخْتَلَفَ الناسُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾: فَقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: هي تامَّةُ العُمُومِ فِيمَن دَخَلَ بِها أو لَمْ يَدْخُلْ، فَبِالعَقْدِ عَلى الِابْنَةِ حُرِّمَتِ الأُمُّ، وهَذا مَذْهَبُ جُمْلَةِ الصَحابَةِ والتابِعِينَ وفُقَهاءِ الأمْصارِ، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ في رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأةً فَطَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها أيَتَزَوَّجُ أُمَّها؟ قالَ: نَعَمْ، هي بِمَنزِلَةِ الرَبِيبَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
يُرِيدُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ شَرْطٌ في هَذِهِ وفي الرَبِيبَةِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ عنهُ كَقَوْلِ الجُمْهُورِ. ورُوِيَ عن زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إذا ماتَتْ عِنْدَهُ فَأخَذَ مِيراثَها كُرِهَ أنْ يَخْلُفَ عَلى أُمِّها، وإنْ طَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها، فَإنْ شاءَ فَعَلَ. وقالَ مُجاهِدٌ: الدُخُولُ مُرادٌ في النازِلَتَيْنِ، وقَوْلُ جُمْهُورِ الناسِ مُخالِفٌ لِهَذا القَوْلِ. ورُوِيَ في ذَلِكَ عن زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ قالَ: ( أُمَّهاتُ نِسائِكم ) مُبْهَمَةٌ، وإنَّما الشَرْطُ في الرَبائِبِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: أكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ: "وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ" ؟ فَقالَ: لا تَتَرَأَّ، قالَ حَجّاجٌ: قُلْتُ لِابْنِ جُرَيْجٍ: ما تَتَرَأَّ؟ قالَ: كَأنَّهُ قالَ: لا لا. ويَرُدُّ هَذا القَوْلَ مِن جِهَةِ الإعْرابِ أنَّ المَجْرُورَيْنِ إذا اخْتَلَفا لَمْ يَكُنْ نَعْتُهُما واحِدًا، ومَعْناهُ: إذا اخْتَلَفا في العامِلِ، وهَذِهِ الآيَةُ قَدِ اخْتَلَفَ فِيها جِنْسُ العامِلِ.
**
قوله عزّ وجلّ: ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكم وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِن أصْلابِكم وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ إنَّ اللهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
الرَبِيبَةُ: بِنْتُ امْرَأةِ الرَجُلِ مِن غَيْرِهِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُرَبِّيها في حِجْرِهِ فَهي مَرْبُوبَتُهُ. ورَبِيبَةٌ: فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللاتِي في حُجُورِكُمْ﴾ ذَكَرَ الأغْلَبَ في هَذِهِ الأُمُورِ، إذْ هي حالَةُ الرَبِيبَةِ في الأكْثَرِ، وهي مُحَرَّمَةٌ وإنْ كانَتْ في غَيْرِ الحِجْرِ، لِأنَّها في حُكْمِ أنَّها في الحِجْرِ، إلّا ما رُوِيَ عن عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: تَحِلُّ إذا لَمْ تَكُنْ في الحِجْرِ وإنْ دَخَلَ بِالأُمِّ، إذا كانَتْ بَعِيدَةً عنهُ، ويُقالُ: حَجْرٌ بِكَسْرِ الحاءِ وفَتْحِها، وهو مُقَدَّمُ ثَوْبِ الإنْسانِ وما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنهُ في حالَةِ اللُبْسِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتِ اللَفْظَةُ في (p-٥٠٩)الحِفْظِ والسَتْرِ، لِأنَّ اللابِسَ إنَّما تَحْفَظُ طِفْلًا وما أشْبَهَهُ بِذَلِكَ المَوْضِعِ مِنَ الثَوْبِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وطاوُسُ وابْنُ دِينارٍ: الدُخُولُ في هَذا المَوْضِعِ: الجِماعُ، فَإنْ طَلَّقَ الرَجُلُ بَعْدَ البِناءِ وقَبْلَ الوَطْءِ فَإنَّ ابْنَتَها لَهُ حَلالٌ. وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ مِنهم مالِكُ بْنُ أنَسٍ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ وغَيْرُهُمْ: إنَّ التَجْرِيدَ والتَقْبِيلَ والمُضاجَعَةَ وجَمِيعَ أنْواعِ التَلَذُّذِ يُحَرِّمُ الِابْنَةَ كَما يُحَرِّمُها الوَطْءُ؛ والحَلائِلُ: جَمْعُ حَلِيلَةٍ، وهي الزَوْجَةُ، لِأنَّها تَحِلُّ مَعَ الرَجُلِ حَيْثُ حَلَّ، فَهي فَعِيلَةٌ بِمَعْنى فاعِلَةٍ. وذَهَبَ الزَجّاجُ وقَوْمٌ إلى أنَّها مِن لَفْظَةِ الحَلالِ، فَهي حَلِيلَةٌ بِمَعْنى مُحَلَّلَةٌ. وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾ تَخْصِيصٌ لِيَخْرُجَ عنهُ كُلُّ مَن كانَتِ العَرَبُ تَتَبَنّاهُ مِمَّنْ لَيْسَ لِلصُّلْبِ، وكانَ عِنْدَهم أمْرًا كَثِيرًا قَوِيَّ الحُكْمِ.
قالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: يُتَحَدَّثُ واللهُ أعْلَمُ أنَّها نَزَلَتْ في مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ حِينَ تَزَوَّجَ امْرَأةَ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ تَزَوَّجَ امْرَأةَ ابْنِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وحُرِّمَتْ حَلِيلَةُ الِابْنِ مِنَ الرَضاعِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لِلصُّلْبِ؛ بِالإجْماعِ المُسْتَنِدِ إلى قَوْلِهِ ﷺ: « "يَحْرُمُ مِنَ الرَضاعَةِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَسَبِ"» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ لَفْظٌ يَعُمُّ الجَمْعَ بِنِكاحٍ وبِمِلْكِ يَمِينٍ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى مَنعِ جَمْعِهِما بِنِكاحٍ، وأمّا بِمِلْكِ يَمِينٍ، فَقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أحَلَّتْهُما آيَةٌ، وحَرَّمَتْهُما آيَةٌ. فَأمّا أنا في خاصَّةِ نَفْسِي فَلا أرى الجَمْعَ بَيْنَهُما حَسَنًا. ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ المُنْذِرِ، وذَكَرَ أنَّ إسْحاقَ بْنَ راهَوَيْهِ حَرَّمَ الجَمْعَ بَيْنَهُما بِالوَطْءِ، وأنَّ جُمْهُورَ أهْلِ العِلْمِ كَرِهُوا ذَلِكَ، وجَعَلَ مالِكًا فِيمَن كَرِهَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولا خِلافَ في جَوازِ جَمْعِهِما في المِلْكِ، وكَذَلِكَ الأُمُّ وبِنْتُها، ويَجِيءُ مِن قَوْلِ إسْحاقَ أنْ يُرْجَمَ الجامِعُ بَيْنَهُما بِالوَطْءِ، وتُسْتَقْرَأُ الكَراهِيَةُ مِن قَوْلِ مالِكٍ: إنَّهُ إذا وطِئَ واحِدَةً ثُمَّ وطِئَ أُخْرى؛ وقَفَ عنهُما حَتّى يُحَرِّمَ إحْداهُما، فَلَمْ يُلْزِمْهُ حَدًّا.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ بَعْدَ القَوْلِ بِالمَنعِ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَهُما بِالوَطْءِ، إذا كانَ يَطَأُ واحِدَةً ثُمَّ (p-٥١٠)أرادَ أنْ يَطَأ الأُخْرى؛ فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ البَصْرِيُّ والأوزاعِيُّ والشافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: لا يَجُوزُ لَهُ وطْءُ الثانِيَةِ حَتّى يُحَرِّمَ فَرْجَ الأُخْرى بِإخْراجِها مِن مِلْكِهِ، بِبَيْعٍ أو عِتْقٍ أو بِأنْ يُزَوِّجَها. قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وفِيها قَوْلٌ ثانٍ لِقَتادَةَ، وهو أنَّهُ إنْ كانَ يَطَأُ واحِدَةً وأرادَ وطْءَ الأُخْرى فَإنَّهُ يَنْوِي تَحْرِيمَ الأُولى عَلى نَفْسِهِ وألّا يَقْرَبَها، ثُمَّ يُمْسِكُ عنها حَتّى يَسْتَبْرِئَ الأُولى المُحَرَّمَةَ، ثُمَّ يَغْشى الثانِيَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ: إذا كانَ أُخْتانِ عِنْدَ رَجُلٍ يَمْلِكُ، فَلَهُ أنْ يَطَأ أيَّتَهُما شاءَ، والكَفُّ عَنِ الأُخْرى مَوْكُولٌ إلى أمانَتِهِ، فَإنْ أرادَ وطْءَ الأُخْرى فَيَلْزَمُهُ أنْ يُحَرِّمَ عَلى نَفْسِهِ فَرْجَ الأُولى بِفِعْلٍ يَفْعَلُهُ، مِن إخْراجٍ عَنِ المِلْكِ أو تَزْوِيجٍ أو عِتْقٍ إلى أجَلٍ أو إخْدامٍ طَوِيلٍ، فَإنْ كانَ يَطَأُ إحْداهُما ثُمَّ وثَبَ عَلى الأُخْرى دُونَ أنْ يُحَرِّمَ الأُولى وُقِفَ عنهُما ولَمْ يَجُزْ لَهُ قُرْبُ إحْداهُما حَتّى يُحَرِّمَ الأُخْرى، ولَمْ يُبْقَ ذَلِكَ إلى أمانَتِهِ، لِأنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيمَن قَدْ وطِئَ، ولَمْ يَكُنْ قَبْلُ مُتَّهَمًا إذْ كانَ لَمْ يَطَأْ إلّا الواحِدَةَ. وإنْ كانَتْ عِنْدَ رَجُلِ أمَةٌ يَطَؤُها ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَها، فَفِيها في المَذْهَبِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: في النِكاحِ الثالِثِ مِنَ المُدَوَّنَةِ أنَّهُ يُوقَفُ عنهُما إذا وقَعَ عَقْدُ النِكاحِ حَتّى يُحَرِّمَ إحْداهُما مَعَ كَراهِيَتِهِ لِهَذا النِكاحِ، إذْ هو عَقْدٌ في مَوْضِعٍ لا يَجُوزُ فِيهِ الوَطْءُ، وذَلِكَ مَكْرُوهٌ إلّا في الحَيْضِ، لِأنَّهُ أمْرٌ غالِبٌ كَثِيرٌ، وفي البابِ بِعَيْنِهِ قَوْلٌ آخَرُ: إنَّ النِكاحَ لا يَنْعَقِدُ. وقالَ أشْهَبُ في كِتابِ الِاسْتِبْراءِ: عَقْدُ النِكاحِ في الواحِدَةِ تَحْرِيمٌ لِفَرْجِ المَمْلُوكَةِ؛ وثَبَتَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّهُ نَهى أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها، وبَيْنَ المَرْأةِ وخالَتِها،» وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى ذَلِكَ؛ وقَدْ رَأى بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ هَذا الحَدِيثَ ناسِخٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وذَلِكَ الحَدِيثُ مِنَ المُتَواتِرِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَلامُ: « "يَحْرُمُ مِنَ الرَضاعَةِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَسَبِ"» قِيلَ أيْضًا: إنَّهُ ناسِخٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، مَعْناهُ: لَكِنْ ما قَدْ سَلَفَ مِن ذَلِكَ ووَقَعَ وأزالَهُ الإسْلامُ فَإنَّ اللهَ يَغْفِرُهُ، والإسْلامَ يَجُبُّهُ.
4:24Page 82
۞ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمۡ أَن تَبۡتَغُواْ بِأَمۡوَٰلِكُم مُّحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَۚ فَمَا ٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهِۦ مِنۡهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا تَرَٰضَيۡتُم بِهِۦ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡفَرِيضَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٢٤
And [also prohibited to you are all] married women except those your right hands possess.1 [This is] the decree of Allāh upon you. And lawful to you are [all others] beyond these, [provided] that you seek them [in marriage] with [gifts from] your property, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse. So for whatever you enjoy [of marriage] from them, give them their due compensation2 as an obligation. And there is no blame upon you for what you mutually agree to beyond the obligation. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.
(p-٥١١)قوله عزّ وجلّ:
﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم كِتابَ اللهِ عَلَيْكم وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكم مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنَ بَعْدِ الفَرِيضَةِ إنَّ اللهِ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾
"والمُحْصَناتُ" عَطْفٌ عَلى المُحَرَّماتِ قَبْلُ. والتَحَصُّنُ: التَمَنُّعُ، يُقالُ حَصُنَ المَكانُ: إذا امْتَنَعَ، ومِنهُ الحِصْنُ، وحَصُنَتِ المَرْأةُ: امْتَنَعَتْ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الِامْتِناعِ، وأحْصَنَتْ نَفْسَها، وأحْصَنَها غَيْرُها. والإحْصانُ تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ في أرْبَعَةِ أشْياءَ. وعَلى ذَلِكَ تَصَرَّفَتِ اللَفْظَةُ في كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: فَتَسْتَعْمِلُهُ في الزَواجِ، لِأنَّ مِلْكَ الزَوْجَةِ مَنَعَةٌ وحِفْظٌ. ويَسْتَعْمِلُونَ الإحْصانِ في الحُرِّيَّةِ، لِأنَّ الإماءَ كانَ عُرْفُهُنَّ في الجاهِلِيَّةِ الزِنى، والحُرَّةُ بِخِلافِ ذَلِكَ، ألا تَرى إلى قَوْلِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، حِينَ بايَعَتْهُ: "وَهَلْ تَزْنِي الحُرَّةُ؟" فالحُرِّيَّةُ مَنَعَةٌ وحِفْظٌ. ويَسْتَعْمِلُونَ الإحْصانَ في الإسْلامِ لِأنَّهُ حافِظٌ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "الإيمانُ قَيْدُ الفَتْكِ".»
ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎ فَلَيْسَ كَعَهْدِ الدارِ يا أُمَّ مالِكٍ ولَكِنْ أحاطَتْ بِالرِقابِ السَلاسِلُ
ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ قالَتْ هَلُمَّ إلى الحَدِيثِ فَقُلْتُ لا ∗∗∗ يَأْبى عَلَيْكِ اللهُ والإسْلامُ
(p-٥١٢)وَمِنهُ قَوْلُ سُحَيْمٍ:
؎ ............ ∗∗∗....... ∗∗∗ كَفى الشَيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيا
ومِنهُ قَوْلُ أبِي حَيَّةَ:
؎ رَمَتْنِي وسِتْرُ اللهِ بَيْنِي وبَيْنَها
فَإنَّ أحَدَ الأقْوالِ في السِتْرِ أنَّهُ أرادَ بِهِ الإسْلامَ.
ويَسْتَعْمِلُونَ الإحْصانَ في العِفَّةِ، لِأنَّهُ إذا ارْتَبَطَ بِها إنْسانٌ وظَهَرَتْ عَلى شَخْصٍ ما وتَخَلَّقَ بِها فَهي مَنَعَةٌ وحِفْظٌ.
وحَيْثُما وقَعَتِ اللَفْظَةُ في القُرْآنِ فَلا تَجِدُها تَخْرُجُ عن هَذِهِ المَعانِي، لَكِنَّها قَدْ تَقْوى فِيها بَعْضُ هَذِهِ المَعانِي دُونَ بَعْضٍ، بِحَسَبِ مَوْضِعٍ ومَوْضِعٍ، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ في أماكِنِهِ إنْ شاءَ اللهُ.
فَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ "والمُحْصَناتُ"،﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو قِلابَةَ، وابْنُ زَيْدٍ، ومَكْحُولٌ، والزُهْرِيُّ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: هُنَّ ذَواتُ الأزْواجِ، أيْ: هُنَّ مُحَرَّماتٌ إلّا ما مَلَكَتِ اليَمِينُ بِالسِباءِ مِن أرْضِ الحَرْبِ، فَإنَّ تِلْكَ حَلالٌ لِلَّذِي تَقَعُ في سَهْمِهِ وإنْ كانَ لَها زَوْجٌ
ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ "أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ جَيْشًا إلى (p-٥١٣)أوطاسٍ، فَلَقُوا عَدُوًّا وأصابُوا سَبْيًا لَهُنَّ أزْواجٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَتَأثَّمَ المُسْلِمُونَ مِن غِشْيانِهِنَّ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُرَخِّصَةً".»
وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: مَعْنى المُحْصَناتِ: ذَواتُ الأزْواجِ، فَهُنَّ حَرامٌ إلّا أنْ يَشْتَرِيَ الرَجُلُ الأمَةَ ذاتَ الزَوْجِ، فَإنَّ بَيْعَها طَلاقُها، وهِبَتَها طَلاقُها والصَدَقَةَ بِها طَلاقُها، وأنْ تُعْتَقَ طَلاقُها، وأنْ تُورَثَ طَلاقُها، وتَطْلِيقَ الزَوْجِ طَلاقُها. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذا بِيعَتِ الأمَةُ ولَها زَوْجٌ فالمُشْتَرِي أحَقُّ بِبُضْعِها. ومَذْهَبُ مالِكٍ والشافِعِيِّ وجُمْهُورِ العُلَماءِ أنَّ انْتِقالَ المِلْكِ في الأمَةِ لا يَكُونُ طَلاقًا، ولا طَلاقَ لَها إلّا الطَلاقَ.
وقالَ قَوْمٌ: المُحْصَناتُ -فِي هَذِهِ الآيَةِ- العَفائِفُ، أيْ: كُلُّ النِساءِ حَرامٌ، وألْبَسَهُنَّ اسْمَ الإحْصانِ إذِ الشَرائِعُ في أنْفُسِها تَقْتَضِي ذَلِكَ.
﴿إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قالُوا: مَعْناهُ: بِنِكاحٍ أو شِراءٍ، كُلُّ ذَلِكَ تَحْتَ مِلْكِ اليَمِينِ. قالَ بِهَذا القَوْلِ أبُو العالِيَةِ وعُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ، وطاوُسُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ، ورَواهُ عُبَيْدَةُ عن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
(p-٥١٤)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُحْصَناتُ: العَفائِفُ مِنَ المُسْلِمِينَ ومِن أهْلِ الكِتابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وبِهَذا التَأْوِيلِ يَرْجِعُ مَعْنى الآيَةِ إلى تَحْرِيمِ الزِنى.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن عُرْوَةَ أنَّهُ قالَ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: "والمُحْصَناتُ": هُنَّ الحَرائِرُ، ويَكُونُ ﴿إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ مَعْناهُ: بِنِكاحٍ. هَذا عَلى اتِّصالِ الِاسْتِثْناءِ، وإنْ أُرِيدَ الإماءُ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا.
ورُوِيَ عن أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قالَ: كانَ نِساءٌ يَأْتِينَنا مُهاجِراتٍ، ثُمَّ يُهاجِرُ أزْواجُهُنَّ، فَمُنِعْناهُنَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: "والمُحْصَناتُ"... الآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ يَرْجِعُ إلى ما قَدْ ذُكِرَ مِنَ الأقْوالِ.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ أنَّ رَجُلًا قالَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أما رَأيْتَ ابْنَ عَبّاسٍ حِينَ سُئِلَ عن هَذِهِ الآيَةِ ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِساءِ﴾ فَلَمْ يَقُلْ فِيها شَيْئًا؟ فَقالَ سَعِيدُ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ لا يَعْلَمُها، وأسْنَدَ أيْضًا عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: لَوْ أعْلَمُ مَن يُفَسِّرُ لِي هَذِهِ الآيَةَ لَضَرَبْتُ إلَيْهِ أكْبادَ الإبِلِ. قَوْلُهُ: "والمُحْصَناتُ" إلى قَوْلِهِ: "حَكِيمًا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولا أدْرِي كَيْفَ نُسِبَ هَذا القَوْلُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ؟ ولا كَيْفَ انْتَهى مُجاهِدٌ إلى هَذا القَوْلِ؟
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ أنَّهُ سُئِلَ عن هَذِهِ الآيَةِ ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِساءِ﴾ فَقالَ: يُرْوى أنَّهُ حَرَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ ذَواتَ الأزْواجِ والعَفائِفَ مِن حَرائِرَ ومَمْلُوكاتٍ. ولَمْ يُحِلَّ شَيْئًا مِن ذَلِكَ إلّا بِالنِكاحِ أوِ الشِراءِ والتَمَلُّكِ. وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، عَمَّمَ لَفْظَ الإحْصانِ، ولَفْظَ مِلْكِ اليَمِينِ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ يَتَخَرَّجُ عِنْدِي قَوْلُ مالِكٍ في المُوَطَّإ، فَإنَّهُ قالَ: (p-٥١٥)هُنَّ ذَواتُ الأزْواجِ، وذَلِكَ راجِعٌ إلى أنَّ اللهَ حَرَّمَ الزِنى، فَفَسَّرَ الإحْصانَ بِالزَواجِ، ثُمَّ عادَ عَلَيْهِ بِالعِفَّةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ: "والمُحْصَناتُ" بِفَتْحِ الصادِ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ كَذَلِكَ في هَذا المَوْضِعِ وحْدَهُ. وقَرَأ سائِرَ ما في القُرْآنِ: "المُحْصِناتُ" بِكَسْرِ الصادِ، "وَمُحْصِناتٍ" كَذَلِكَ. ورُوِيَ عن عَلْقَمَةَ أنَّهُ قَرَأ جَمِيعَ ما في القُرْآنِ بِكَسْرِ الصادِ، فَفَتْحُ الصادِ هو عَلى مَعْنى: أحْصَنَهُنَّ غَيْرُهُنَّ مِن زَوْجٍ أو إسْلامٍ أو عِفَّةٍ أو حُرِّيَّةٍ. وكَسْرُ الصادِ هو عَلى مَعْنى: أنَّهُنَّ أحْصَنَّ أنْفُسَهُنَّ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أو بِبَعْضِها.
وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ قُطَيْبٍ: "والمُحْصُناتُ" بِضَمِّ الصادِ، وهَذا عَلى إتْباعِ الضَمَّةِ الضَمَّةَ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "كِتابَ اللهِ" وذَلِكَ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ "كَتَبَ اللهُ عَلَيْكُمْ" عَلى الفِعْلِ الماضِي المُسْنَدِ إلى اسْمِ اللهِ تَعالى.
وقالَ عُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ وغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: "كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ" إشارَةٌ إلى ما ثَبَتَ في القُرْآنِ مِن قَوْلِهِ: "مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ" وفي هَذا بُعْدٌ، والأظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: "كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ" (p-٥١٦)إنَّما هو إشارَةٌ إلى التَحْرِيمِ الحاجِزِ بَيْنَ الناسِ وبَيْنَ ما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ، واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾، فَقالَ السُدِّيُّ: المَعْنى: وأُحِلَّ لَكم ما دُونَ الخَمْسِ، أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكم عَلى وجْهِ النِكاحِ، وقالَ نَحْوَهُ عُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ. وقالَ عَطاءٌ وغَيْرُهُ: المَعْنى: وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ مَن حُرِّمَ مِن سائِرِ القَرابَةِ فَهُنَّ حَلالٌ لَكم تَزْوِيجُهُنَّ. وقالَ قَتادَةُ: وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم مِنَ الإماءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولَفْظُ الآيَةِ يَعُمُّ جَمِيعَ هَذِهِ الأقْوالِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَأحَلَّ لَكُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ والحاءِ، وهَذِهِ مُناسِبَةٌ لِقَوْلِهِ: "كِتابَ اللهِ"، إذِ المَعْنى: كَتَبَ اللهُ ذَلِكَ كِتابًا، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "وَأُحِلَّ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الحاءِ، وهَذِهِ مُناسِبَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
والوَراءُ في هَذِهِ الآيَةِ: ما يُعْتَبَرُ أمْرُهُ بَعْدَ اعْتِبارِ المُحَرَّماتِ. فَهُنَّ وراءَ أُولَئِكَ بِهَذا الوَجْهِ، و﴿أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ﴾ لَفْظٌ يَجْمَعُ التَزَوُّجَ والشِراءَ، و"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويُحْتَمَلُ النَصْبُ بِإسْقاطِ الباءِ.
و"مُحْصِنِينَ" مَعْناهُ: مُتَعَفِّفِينَ، أيْ: تُحْصِنُونَ أنْفُسَكم بِذَلِكَ "غَيْرَ مُسافِحِينَ"، أيْ: غَيْرَ زُناةٍ، والسِفاحُ: الزِنى، وهو مَأْخُوذٌ مِن: سَفْحِ الماءِ أيْ: صَبِّهِ وسَيَلانِهِ، ولَزِمَ هَذا الِاسْمُ الزِنى، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ حِينَ سَمِعَ الدَفّافَ في (p-٥٧١)عُرْسٍ: « "هَذا النِكاحُ لا السِفاحُ ولا نِكاحُ السِرِّ".»
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُمُ: المَعْنى: فَإذا اسْتَمْتَعْتُمْ بِالزَوْجَةِ، ووَقَعَ الوَطْءُ ولَوْ مَرَّةً فَقَدْ وجَبَ إعْطاءُ الأجْرِ، وهو المَهْرُ كُلُّهُ،وَلَفْظَةُ "فَما" تُعْطِي أنَّ بِيَسِيرِ الوَطْءِ يَجِبُ إيتاءُ الأجْرِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٍ، والسُدِّيِّ، وغَيْرِهِمْ: أنَّ الآيَةَ في نِكاحِ المُتْعَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ -إلى أجَلٍ مُسَمّىً- فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ لِأبِي نَضْرَةَ: "هَكَذا أنْزَلَها اللهُ عَزَّ وجَلَّ".
ورَوى الحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: "لَوْلا أنَّ عُمَرَ نَهى عَنِ المُتْعَةِ ما زَنى إلّا شَقِيٌّ".
وقَدْ كانَتِ المُتْعَةُ في صَدْرِ الإسْلامِ، ثُمَّ نَهى عنها النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: نَسَخَتْها آيَةُ المِيراثِ، إذْ كانَتِ المُتْعَةُ لا مِيراثَ فِيها. وقِيلَ: قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: نَسَخَها قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٦]. ولا زَوْجِيَّةَ مَعَ الأجَلِ ورَفْعِ الطَلاقِ والعِدَّةِ، والمِيراثِ. وكانَتْ: أنْ يَتَزَوَّجَ الرَجُلُ المَرْأةَ بِشاهِدَيْنِ (p-٥١٨)وَإذْنِ الوَلِيِّ إلى أجَلٍ مُسَمّىً، وعَلى ألّا مِيراثَ بَيْنَهُما. ويُعْطِيها ما اتَّفَقا عَلَيْهِ، فَإذا انْقَضَتِ المُدَّةُ فَلَيْسَ لَهُ عَلَيْها سَبِيلٌ، وتَسْتَبْرِئُ رَحِمَها لِأنَّ الوَلَدَ لاحِقٌ فِيهِ بِلا شَكٍّ، فَإنْ لَمْ تَحْمِلْ حَلَّتْ لِغَيْرِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي كِتابِ النَحّاسِ: في هَذا خَطَأٌ فاحِشٌ في اللَفْظِ، يُوهِمُ أنَّ الوَلَدَ لا يَلْحَقُ في نِكاحِ المُتْعَةِ. وحَكى المَهْدَوِيُّ عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ أنَّ نِكاحَ المُتْعَةِ كانَ بِلا ولِيٍّ ولا شُهُودٍ، وفِيما حَكاهُ ضَعْفٌ. "فَرِيضَةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ في مَوْضِعِ الحالِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةِ، فَقالَ القائِلُونَ بِأنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ أمْرٌ بِإيتاءِ مُهُورِ النِساءِ إذا دُخِلَ بِهِنَّ: إنَّ هَذِهِ إشارَةٌ إلى ما يُتَراضى بِهِ مِن حَطٍّ أو تَأْخِيرٍ بَعْدَ اسْتِقْرارِ الفَرِيضَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ الَّذِي يَكُونُ عَلى وجْهِ الرِضا جائِزٌ ماضٍ. وقالَ القائِلُونَ بِأنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ هي أمْرُ المُتْعَةِ: إنَّ الإشارَةَ بِهَذِهِ إلى أنَّ ما تَراضَيا عَلَيْهِ مِن زِيادَةٍ في مُدَّةِ المُتْعَةِ، وزِيادَةٍ في الأجْرِ جائِزٌ سائِغٌ.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences