Ibn 'AtiyyaAn‑Nisa · 4:31–35

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:31–35

4:31Page 83

إِن تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَنُدۡخِلۡكُم مُّدۡخَلٗا كَرِيمٗا ٣١

If you avoid the major sins which you are forbidden, We will remove from you your lesser sins and admit you to a noble entrance [into Paradise].

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عنهُ نُكَفِّرْ عنكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مُدْخَلا كَرِيمًا﴾

(p-٥٣٢)"تَجْتَنِبُوا" مَعْناهُ: تَدَعُونَ جانِبًا، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ "إنْ تَجْتَنِبُوا كَبِيرَ"، وقَرَأ المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ "يُكَفِّرْ"، و"وَيُدْخِلْكُمْ" عَلى عَلامَةِ الغائِبِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالنُونِ، والقِراءَتانِ حَسَنَتانِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "عنكم مِن سَيِّئاتِكُمْ" بِزِيادَةِ "مِن"، وقَرَأ السَبْعَةُ سِوى نافِعٍ: "مُدْخَلًا" بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ نافِعٌ: "مَدْخَلًا" بِالفَتْحِ، وقَدْ رَواهُ أيْضًا أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ هاهُنا، وفي الحَجِّ، ولَمْ يُخْتَلَفْ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في "مُدْخَلَ"، "مُخْرَجَ صِدْقٍ" أنَّهُما بِضَمِّ المِيمِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: "مَدْخَلًا" بِالفَتْحِ، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، التَقْدِيرُ: ويُدْخِلُكم فَتَدْخُلُونَ مَدْخَلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَكانًا فَيَعْمَلُ فِيهِ الفِعْلُ الظاهِرُ، وكَذَلِكَ يَحْتَمِلُ "مُدْخَلًا" بِضَمِّ المِيمِ لِلْوَجْهَيْنِ، وإذا لَمْ يَعْمَلِ الفِعْلُ الظاهِرُ فَمَعْمُولُهُ الثانِيَ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ويُدْخِلْكُمُ الجَنَّةَ.

واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في "الكَبائِرِ"، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: "هِيَ سَبْعٌ: الإشْراكُ بِاللهِ، وقَتْلُ النَفْسِ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وأكْلُ الرِبا، والفِرارُ يَوْمَ الزَحْفِ، والتَعَرُّبُ بَعْدَ الهِجْرَةِ". وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: "الكَبائِرُ سَبْعٌ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها آيَةٌ في كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وذَكَرَ كَقَوْلِ عَلِيٍّ، وجَعَلَ الآيَةَ في التَعَرُّبِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ [محمد: ٢٥] الآيَةَ. ووَقَعَ في البُخارِيِّ، في كِتابِ الحُدُودِ، في بابِ رَمْيِ المُحْصَناتِ: « "اتَّقُوا السَبْعَ المُوبِقاتِ، الإشْراكَ بِاللهِ، والسِحْرَ، وقَتْلَ النَفْسِ، وأكْلَ الرِبا، وأكْلَ مالِ اليَتِيمِ، والتَوَلِّي يَوْمَ الزَحْفِ، وقَذْفَ المُحْصَناتِ (p-٥٣٣)الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ".» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: "هِيَ تِسْعٌ: الإشْراكُ بِاللهِ، والقَتْلُ، والفِرارُ، والقَذْفُ، وأكْلُ الرِبا، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وإلْحادٌ في المَسْجِدِ الحَرامِ، والَّذِي يَسْتَسْحِرُ، وبُكاءُ الوالِدَيْنِ مِنَ العُقُوقِ". قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: هي في جَمِيعِ ما نُهِيَ عنهُ مِن أوَّلِ سُورَةِ النِساءِ إلى ثَلاثِينَ آيَةً مِنها، وهِيَ: "إنْ تَجْتَنِبُوا". وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "هِيَ أرْبَعٌ أيْضًا: الإشْراكُ بِاللهِ، والقُنُوطُ مِن رَحْمَةِ اللهِ، واليَأْسُ مِن رَوْحِ اللهِ، والأمْنُ مِن مَكْرِ اللهِ". ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "هِيَ ثَلاثٌ: القُنُوطُ، واليَأْسُ، والأمْنُ المُتَقَدِّمَةُ". وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وغَيْرُهُ: "الكَبائِرُ: كُلُّ ما ورَدَ عَلَيْهِ وعِيدٌ بِنارٍ أو عَذابٍ أو لَعْنَةٍ أو ما أشْبَهَ ذَلِكَ". وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ الأُصُولِيِّينَ: هي في هَذا المَوْضِعِ أنْواعُ الشِرْكِ الَّتِي لا تَصْلُحُ مَعَها الأعْمالُ. وقالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبّاسٍ: أخْبِرْنِي عَنِ الكَبائِرِ السَبْعِ، فَقالَ: "هِيَ إلى السَبْعِينَ أقْرَبُ". وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "كُلُّ ما نَهى اللهُ عنهُ فَهو كَبِيرٌ"، فَهُنا يَدْخُلُ الزِنى، وشُرْبُ الخَمْرِ، والزُورُ، والغَيْبَةُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا قَدْ نُصَّ عَلَيْهِ في أحادِيثَ لَمْ يُقْصَدِ الحَصْرُ لِلْكَبائِرِ بِها، بَلْ ذُكِرَ بَعْضُها مِثالًا، وعَلى هَذا القَوْلِ أئِمَّةُ الكَلامِ: القاضِي، وأبُو المَعالِي، وغَيْرُهُما، قالُوا: وإنَّما قِيلَ: صَغِيرَةٌ، بِالإضافَةِ إلى أكْبَرَ مِنها، وهي في نَفْسِها كَبِيرَةٌ مِن حَيْثُ المَعْصِيُّ بِالجَمِيعِ واحِدٌ.

وهَذِهِ الآيَةُ يَتَعاضَدُ مَعَها حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ ﷺ في كِتابِ الوُضُوءِ مِن مُسْلِمٍ "عن عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «ما مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلاةٌ مَكْتُوبَةٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَها وخُشُوعَها ورُكُوعَها إلّا كانَتْ كَفّارَةً لِما قَبْلَها مِنَ الذُنُوبِ ما لَمْ يَأْتِ كَبِيرَةً، وذَلِكَ الدَهْرَ كُلَّهُ.".»

(p-٥٣٤)واخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ المَسْألَةِ، فَجَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ وأهْلِ الحَدِيثِ يَرَوْنَ أنَّ الرَجُلَ إذا اجْتَنَبَ الكَبائِرَ، وامْتَثَلَ الفَرائِضَ، كُفِّرَتْ صَغائِرُهُ كالنَظَرِ وشَبَهِهِ قَطْعًا بِظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ، وظاهِرِ الحَدِيثِ. وأمّا الأُصُولِيُّونَ فَقالُوا: لا يَجِبُ عَلى القَطْعِ تَكْفِيرُ الصَغائِرِ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ، وإنَّما يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى غَلَبَةِ الظَنِّ وقُوَّةِ الرَجاءِ، والمَشِيئَةُ ثابِتَةٌ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَوْ قَطَعْنا لِمُجْتَنِبِ الكَبائِرِ ومُمْتَثِلِ الفَرائِضِ بِتَكْفِيرِ صَغائِرِهِ قَطْعًا لَكانَتْ لَهُ في حُكْمِ المُباحِ الَّذِي يَقْطَعُ بِأنَّهُ لا تِباعَةَ فِيهِ، وذَلِكَ نَقْضٌ لِعُرى الشَرِيعَةِ. ومَحْمَلُ الكَبائِرِ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ في هَذِهِ الآيَةِ أجْناسُ الكُفْرِ، والآيَةُ الَّتِي قَيَّدَتِ الحُكْمَ فَتُرَدُّ إلَيْها هَذِهِ المُطْلَقاتُ كُلُّها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] "كَرِيمًا" يَقْتَضِي كَرَمَ الفَضِيلَةِ ونَفْيَ العُيُوبِ، كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كَرِيمٌ، وكَرِيمُ المَحْتِدِ. وهَذِهِ آيَةُ رَجاءٍ. رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: خَمْسُ آياتٍ مِن سُورَةِ النِساءِ هي أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُنْيا جَمِيعًا، قَوْلُهُ: ﴿ "إنْ تَجْتَنِبُوا"﴾ الآيَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] الآيَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أو يَظْلِمْ﴾ [النساء: ١١٠] وقَوْلُهُ: أيْضًا: ﴿يُضاعِفْها"،﴾ [النساء: ٤٠] وقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٥٢] الآيَةُ.

4:32Page 83

وَلَا تَتَمَنَّوۡاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ وَسۡـَٔلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٣٢

And do not wish for that by which Allāh has made some of you exceed others. For men is a share of what they have earned, and for women is a share of1 what they have earned. And ask Allāh of His bounty. Indeed Allāh is ever, of all things, Knowing.

(p-٥٣٥)قَوْلُهُ تَعالى:

﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ واسْألُوا اللهُ مِن فَضْلِهِ إنَّ اللهُ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾

سَبَبُ الآيَةِ أنَّ النِساءَ قُلْنَ: لَيْتَنا اسْتَوَيْنا مَعَ الرِجالِ في المِيراثِ، وشَرَكْناهم في الغَزْوِ، ورُوِيَ أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قالَتْ ذَلِكَ أو نَحْوَهُ، وقالَ الرِجالُ: لَيْتَ لَنا في الآخِرَةِ حَظًّا زائِدًا عَلى النِساءِ، كَما لَنا عَلَيْهِنَّ في الدُنْيا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

لِأنَّ في تَمَنِّيهِمْ هَذا تَحَكُّمًا عَلى الشَرِيعَةِ، وتَطَرُّقًا إلى الدَفْعِ في صَدْرِ حُكْمِ اللهِ، فَهَذا نَهْيٌ عن كُلِّ تَمَنٍّ لِخِلافِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، ويَدْخُلُ في النَهْيِ أنْ يَتَمَنّى الرَجُلُ حالَ الآخَرِ مِن دِينٍ أو دُنْيا، عَلى أنْ يَذْهَبَ ما عِنْدَ الآخَرِ، إذْ هَذا هو الحَسَدُ بِعَيْنِهِ، وقَدْ كَرِهَ بَعْضُ العُلَماءِ أنْ يَتَمَنّى أحَدٌ حالَ رَجُلٍ يَنْصِبُهُ في فِكْرِهِ وإنْ لَمْ يَتَمَنَّ زَوالَ حالِهِ، وهَذا في نِعَمِ الدُنْيا، وأمّا في الأعْمالِ الصالِحَةِ فَذَلِكَ هو الحَسَنُ، وأمّا إذا تَمَنّى المَرْءُ عَلى اللهِ مِن غَيْرِ أنْ يَقْرِنَ أُمْنِيَتَهُ بِشَيْءٍ مِمّا قَدَّمْناهُ فَذَلِكَ جائِزٌ، وذَلِكَ مَوْجُودٌ في حَدِيثِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في قَوْلِهِ: « "وَدِدْتُ أنْ أُقْتَلَ في سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أحْيا فَأُقْتَلُ"،» وفي غَيْرِ مَوْضِعٍ، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْألُوا اللهَ مِن فَضْلِهِ﴾.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "لِلرِّجالِ نَصِيبٌ"﴾ [النساء: ٧] الآيَةُ- قالَ قَتادَةُ: مِنَ المِيراثِ، لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ لا تُوَرِّثُ النِساءَ.

(p-٥٣٦)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، ولَفْظَةُ الِاكْتِسابِ تَرُدُّ عَلَيْهِ رَدًّا بَيِّنًا، ولَكِنَّهُ يَتَرَكَّبُ عَلى قَوْلِ النِساءِ: لَيْتَنا ساوَيْنا الرِجالَ في المِيراثِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ بِسَبَبِهِنَّ: لا تَتَمَنَّوْا هَذا فَلِكُلٍّ نَصِيبُهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِنَ الأجْرِ والحَسَناتِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لِلنّاسِ: لا تَتَمَنَّوْا في أمْرٍ خِلافَ ما حَكَمَ اللهُ بِهِ، لِاخْتِيارٍ تَرَوْنَهُ أنْتُمْ، فَإنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ لِكُلِّ أحَدٍ نَصِيبًا مِنَ الأجْرِ والفَضْلِ بِحَسَبِ اكْتِسابِهِ فِيما شُرِعَ لَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا القَوْلُ هو الواضِحُ البَيِّنُ الأعَمُّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: لا تَتَمَنَّوْا خِلافَ ما حَدَّ اللهُ في تَفْضِيلِهِ، فَإنَّهُ تَعالى قَدْ جَعَلَ لِكُلِّ أحَدٍ مَكاسِبَ تَخْتَصُّ بِهِ، فَهي نَصِيبُهُ، قَدْ جَعَلَ الجِهادَ والإنْفاقَ وسَعْيَ المَعِيشَةِ وحَمْلَ الكُلَفِ كالأحْكامِ والإمارَةِ والحِسْبَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ لِلرِّجالِ، وجَعَلَ الحَمْلَ ومَشَقَّتَهُ وحُسْنَ التَبَعُّلِ وحِفْظَ غَيْبِ الزَوْجِ وخِدْمَةَ البُيُوتِ لِلنِّساءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا كَقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، إلّا أنَّهُ فارَقَهُ بِتَقْسِيمِ الأعْمالِ. وفي تَعْلِيقِهِ النَصِيبَ بِالِاكْتِسابِ حَضٌّ عَلى العَمَلِ، وتَنْبِيهٌ عَلى كَسْبِ الخَيْرِ.

قَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "واسْألُوا" بِالهَمْزِ وسُكُونِ السِينِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ: "وَسَلُوا" ألْقَيا حَرَكَةَ الهَمْزَةِ عَلى السِينِ، وهَذا حَيْثُ وقَعَتِ اللَفْظَةُ إلّا في قَوْلِهِ" "وَسْئَلُوا ما أنْفَقْتُمْ" فَإنَّهم أجْمَعُوا عَلى الهَمْزِ فِيهِ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ولَيْثُ بْنُ أبِي سَلِيمٍ: هَذا في العِباداتِ، والدِينِ، وأعْمالِ البِرِّ، لَيْسَ في فَضْلِ الدُنْيا. وقالَ الجُمْهُورُ: ذَلِكَ عَلى العُمُومِ، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ اللَفْظُ، وقَوْلُهُ: "وَسْئَلُوا" يَقْتَضِي (p-٥٣٧)مَفْعُولًا ثانِيًا، فَهو -عِنْدَ بَعْضِ النَحْوِيِّينَ- في قَوْلِهِ: "مِن فَضْلِهِ"، التَقْدِيرُ: واسْألُوا اللهَ فَضْلَهُ، وسِيبَوَيْهِ لا يُجِيزُ هَذا لِأنَّ فِيهِ حَذْفَ "مِن" في الواجِبِ، والمَفْعُولُ عِنْدَهُ مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: واسْألُوا اللهَ الجَنَّةَ، أو كَثِيرًا أو حَظًّا مِن فَضْلِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا هو الأصَحُّ، ويَحْسُنُ عِنْدِي أنْ يُقَدَّرَ المَفْعُولُ- أمانِيكُمْ، إذْ ما تَقَدَّمَ يُحَسِّنُ هَذا التَقْدِيرَ.

وقَوْلُهُ: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ مَعْناهُ: أنَّ عِلْمَ اللهِ قَدْ أوجَبَ الإصابَةَ والإتْقانَ والإحْكامَ، فَلا تُعارِضُوا بِتَمَنٍّ ولا غَيْرِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ اللهَ يَعْلَمُ الأشْياءَ، والعَقائِدُ تُوجِبُ أنَّهُ يَعْلَمُ المَعْدُوماتِ الجائِزَ وُقُوعُها وإنْ لَمْ تَكُنْ أشْياءَ، والآيَةُ لا تُناقِضُ ذَلِكَ، بَلْ وقَفَتْ عَلى بَعْضِ مَعْلُوماتِهِ وأمْسَكَتْ عن بَعْضٍ.

4:33–34Page 83

وَلِكُلّٖ جَعَلۡنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَۚ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَـَٔاتُوهُمۡ نَصِيبَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا ٣٣

And for all, We have made heirs to what is left by parents and relatives. And to those whom your oaths have bound [to you] - give them their share.1 Indeed Allāh is ever, over all things, a Witness.

ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٞ لِّلۡغَيۡبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُۚ وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّٗا كَبِيرٗا ٣٤

Men are in charge of women1 by [right of] what Allāh has given one over the other and what they spend [for maintenance] from their wealth. So righteous women are devoutly obedient, guarding in [the husband's] absence what Allāh would have them guard.2 But those [wives] from whom you fear arrogance3 - [first] advise them; [then if they persist], forsake them in bed; and [finally], strike them [lightly].4 But if they obey you [once more], seek no means against them. Indeed, Allāh is ever Exalted and Grand.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهم إنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ ﴿الرِجالُ قَوّامُونَ عَلى النِساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ فالصالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللهُ واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إنَّ اللهُ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾

"كُلُّ" إنَّما تُسْتَعْمَلُ مُضافَةً ظَهَرَ المُضافُ إلَيْهِ أو تَقَدَّرَ، فَهي بِمَثابَةِ: "قَبْلَ وبَعْدَ" ولِذَلِكَ أجازَ بَعْضُ النُحاةِ مَرَرْتُ بِكُلٍّ- عَلى حَدِّ "قَبْلَ وبَعْدَ"، فالمُقَدَّرُ هُنا عَلى قَوْلِ فِرْقَةٍ: ولِكُلِّ أحَدٍ - وعَلى قَوْلِ فِرْقَةٍ: ولِكُلِّ شَيْءٍ، يَعْنِي: التَرِكَةَ.

والمَوْلى -فِي كَلامِ العَرَبِ- لَفْظَةٌ يَشْتَرِكُ فِيها: القَرِيبُ القَرابَةِ، والصَدِيقُ، والحَلِيفُ، والمُعْتِقُ، والمُعْتَقُ، والوارِثُ، والعَبْدُ فِيما حَكى ابْنُ سِيدَهْ، ويَحْسُنُ هُنا مِن هَذا الِاشْتِراكِ: الوَرَثَةُ، لِأنَّها تَصْلُحُ عَلى تَأْوِيلِ: ولِكُلِّ أحَدٍ، وعَلى تَأْوِيلِ: ولِكُلِّ شَيْءٍ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ قَتادَةُ والسُدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُمْ: أنَّ "المَوالِيَ": العُصْبَةُ والوَرَثَةُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمّا أسْلَمَتِ العَجَمُ سُمُّوا مَوالِيَ اسْتِعارَةً وتَشْبِيهًا، وذَلِكَ في قَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِينِ ومَوالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].

(p-٥٣٨)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقَدْ سُمِّيَ قَوْمٌ مِنَ العَجَمِ بِبَنِي العَمِّ. و"مِمّا" مُتَعَلِّقَةٌ بِشَيْءٍ، تَقْدِيرُهُ: ولِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ جَعَلْنا ورَثَةً، وهي مُتَعَلِّقَةٌ، عَلى تَأْوِيلِ: ولِكُلِّ أحَدٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: ولِكُلِّ أحَدٍ جَعَلْنا مَوالِيَ يَرِثُونَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ، ويُحْتَمَلُ -عَلى هَذا- أنْ تَتَعَلَّقَ "مِن" بِـ "مَوالِيَ". وقَوْلُهُ: "والَّذِينَ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ "فَآتُوهُمْ".

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "عاقَدَتْ" عَلى المُفاعَلَةِ، أيْ: أيْمانُ هَؤُلاءِ عاقَدَتْ أُولَئِكَ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عَقَدَتْ" بِتَخْفِيفِ القافِ عَلى حَذْفِ مَفْعُولٍ تَقْدِيرُهُ: عَقَدَتْ أيْمانُكم حِلْفَهم أو ذِمَّتَهُمْ، وقَرَأ حَمْزَةُ، في رِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ كَبْشَةَ عنهُ-: "عَقَّدَتْ" مُشَدَّدَةَ القافِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَنِ المُرادُ بِـ "والَّذِينَ"ـ فَقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُمْ: هُمُ الأحْلافُ، فَإنَّ العَرَبَ كانَتْ تَتَوارَثُ بِالحِلْفِ، فَشَدَّدَ اللهُ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ نَسَخَهُ بِآيَةِ الأنْفالِ ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أولى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللهِ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هُمُ الَّذِينَ كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ آخى بَيْنَهُمْ، فَإنَّهم كانُوا يَتَوارَثُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ حَتّى نُسِخَ ذَلِكَ بِما تَقَدَّمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ووَرَدَ لِابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُهاجِرِينَ كانُوا يَرِثُونَ الأنْصارَ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِمْ، لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخى رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهم فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ ناسِخَةً، وبَقِيَ إيتاءُ النَصِيبِ مِنَ النَصْرِ والمَعُونَةِ أو مِنَ المالِ عَلى جِهَةِ النَدْبِ في الوَصِيَّةِ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: هُمُ الأبْناءُ الَّذِينَ كانُوا يُتَبَنَّوْنَ، والنَصِيبُ الَّذِي أُمِرَ الناسُ بِإيتائِهِ هو الوَصِيَّةُ لا المِيراثُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هُمُ الأحْلافُ إلّا أنَّ النَصِيبَ هو المُؤازَرَةُ في الحَقِّ، والنَصْرُ، والوَفاءُ بِالحِلْفِ، لا المِيراثُ.

(p-٥٣٩)وَرُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّها في قَوْمٍ يُوصى لَهم فَيَمُوتُ المُوصى لَهُ قَبْلَ نُفُوذِ الوَصِيَّةِ ووُجُوبِها، فَأمَرَ المُوصِيَ أنْ يُؤَدِّيَها إلى ورَثَةِ المُوصى لَهُ.

ولَفْظَةُ المُعاقَدَةِ والأيْمانِ تُرَجِّحُ أنَّ المُرادَ: الأحْلافُ، لِأنَّ ما ذُكِرَ مِن غَيْرِ الأحْلافِ لَيْسَ في جَمِيعِهِ مُعاقَدَةٌ ولا أيْمانٌ.

و"شَهِيدًا" مَعْناهُ: أنَّ اللهَ شَهِيدٌ بَيْنَكم عَلى المُعاقَدَةِ والصِلَةِ، فَأوفُوا بِالعَهْدِ بِحَسَبِ ذَلِكَ مُراقَبَةً ورَهْبَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: "الرِجالُ قَوّامُونَ" الآيَةُ، قَوّامٌ فَعّالٌ، بِناءُ مُبالَغَةٍ، وهو مِنَ القِيامِ عَلى الشَيْءِ، والِاسْتِبْدادِ بِالنَظَرِ فِيهِ، وحِفْظِهِ بِالِاجْتِهادِ، فَقِيامُ الرَجُلِ عَلى النِساءِ هو عَلى هَذا الحَدِّ، وتَعْلِيلُ ذَلِكَ بِالفَضِيلَةِ والنَفَقَةِ يَقْتَضِي أنَّ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ اسْتِيلاءً ومِلْكًا ما.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرِجالُ أُمَراءُ عَلى النِساءِ، وعَلى هَذا قالَ أهْلُ التَأْوِيلِ، و"ما" في قَوْلِهِ: ﴿بِما فَضَّلَ اللهُ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ، ولِذَلِكَ اسْتَغْنَتْ عَنِ العائِدِ، وكَذَلِكَ: "وَبِما أنْفَقُوا"، والفَضِيلَةُ: هي الغَزْوُ، وكَمالُ الدِينِ، والعَقْلُ، وما أشْبَهَهُ، والإنْفاقُ: هو المَهْرُ، والنَفَقَةُ المُسْتَمِرَّةُ عَلى الزَوْجاتِ.

(p-٥٤٠)وَقِيلَ: سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ سَعْدَ بْنَ الرَبِيعِ لَطَمَ زَوْجَهُ حَبِيبَةَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ أبِي زُهَيْرٍ، فَجاءَتْ مَعَ أبِيها إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأمَرَ أنْ تَلْطِمَهُ كَما لَطَمَها، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُبِيحَةً لِلرِّجالِ تَأْدِيبَ نِسائِهِمْ، فَدَعاهم رَسُولُ اللهِ ﷺ، ونَقَضَ الحُكْمَ الأوَّلَ وقالَ: "أرَدْتُ شَيْئًا، وما أرادَ اللهُ خَيْرٌ"، وفي طَرِيقٍ آخَرَ: "أرَدْتُ شَيْئًا وأرادَ اللهُ غَيْرَهُ"، وقِيلَ: إنَّ في هَذا الحُكْمِ المَرْدُودِ نَزَلَتْ: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]» وقِيلَ: سَبَبُها قَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ المُتَقَدِّمُ، أيْ: لَمّا تَمَنّى النِساءُ دَرَجَةَ الرِجالِ عُرِّفْنَ وجْهَ الفَضِيلَةِ.

والصَلاحُ في قَوْلِهِ: "فالصالِحاتُ" هو الصَلاحُ في الدِينِ. و"قانِتاتٌ" مَعْناهُ: مُطِيعاتٌ، والقُنُوتُ: الطاعَةُ، ومَعْناهُ: لِأزْواجِهِنَّ، أو لِلَّهِ في أزْواجِهِنَّ، وغَيْرُ ذَلِكَ. وقالَ الزَجّاجُ: إنَّها الصَلاةُ، وهَذا هُنا بَعِيدٌ.

"وَلِلْغَيْبِ" مَعْناهُ: كُلُّ ما غابَ عن عِلْمِ زَوْجِها مِمّا اسْتَرْعَتْهُ، وذَلِكَ يَعُمُّ حالَ غَيْبِ الزَوْجِ وحالَ حُضُورِهِ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "خَيْرُ النِساءِ امْرَأةٌ إذا نَظَرْتَ إلَيْها سَرَّتْكَ، وإذا أمَرْتَها أطاعَتْكَ وإذا غِبْتَ عنها حَفِظَتْكَ في مالِكَ ونَفْسِها"، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ.»

وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فالصَوالِحُ قَوانِتُ حَوافِظُ"، وهَذا بِناءٌ يَخْتَصُّ (p-٥٤١)بِالمُؤَنَّثِ، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: "والتَكْسِيرُ أشْبَهُ لَفْظًا بِالمَعْنى، إذْ هو يُعْطِي الكَثْرَةَ وهي المَقْصُودُ هُنا".

و"بِما حَفِظَ اللهُ"، الجُمْهُورُ عَلى رَفْعِ اسْمِ اللهِ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "اللهَ" بِالنَصْبِ عَلى إعْمالِ: "حَفِظَ"، فَأمّا قِراءَةُ الرَفْعِ فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ تَقْدِيرُهُ: يَحْفَظُ اللهُ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي" ويَكُونَ العائِدُ الَّذِي في "حَفِظَ" ضَمِيرَ نَصْبٍ، ويَكُونَ المَعْنى إمّا حِفْظُ اللهِ ورِعايَتُهُ الَّتِي لا يَتِمُّ أمْرٌ دُونَها، وإمّا أوامِرُهُ ونَواهِيهِ لِلنِّساءِ، فَكَأنَّها حِفْظُهُ، فَمَعْناهُ: أنَّ النِساءَ يُحْفَظْنَ بِإرادَتِهِ وقُدْرَتِهِ، وأمّا قِراءَةُ ابْنِ القَعْقاعِ "بِما حَفِظَ اللهَ" فالأولى أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي"، وفي "حَفِظَ" ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ، والمَعْنى: حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِطاعَةٍ وخَوْفٍ وبِرٍّ ودِينٍ حَفِظْنَ اللهَ في أوامِرِهِ حِينَ امْتَثَلْنَها. وقِيلَ: يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، عَلى أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: بِما حَفِظْنَ اللهَ، ويَنْحَذِفُ الضَمِيرُ، وفي حَذْفِهِ قُبْحٌ لا يَجُوزُ إلّا في الشِعْرِ كَما قالَ:

؎ ............ فَإنَّ الحَوادِثَ أودى بِها

يُرِيدُ أودَيْنَ، والمَعْنى: يَحْفَظْنَ اللهَ في أمْرِهِ حِينَ امْتَثَلْنَهُ، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: بِما حَفِظَ دِينَ اللهِ، أو أمْرَ اللهِ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بِما حَفِظَ اللهُ فَأصْلِحُوا إلَيْهِنَّ".

"واللاتِي" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ "فَعِظُوهُنَّ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: وعِظُوا اللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ، كَقَوْلِهِ: "والسارِقَ والسارِقَةَ" عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأها بِالنَصْبِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: النَصْبُ القِياسُ، إلّا أنَّ الرَفْعَ أكْثَرُ في كَلامِهِمْ، وحُكِيَ عن سِيبَوَيْهِ أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ عِنْدَهُ: وفِيما يُتْلى عَلَيْكُمُ اللاتِي.

قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى "تَخافُونَ": تَعْلَمُونَ وتَتَيَقَّنُونَ، وذَهَبُوا في ذَلِكَ إلى أنَّ وُقُوعَ النُشُوزِ هو الَّذِي يُوجِبُ الوَعْظَ، واحْتَجُّوا في جَوازِ وُقُوعِ الخَوْفِ بِمَعْنى اليَقِينِ بِقَوْلِ أبِي مِحْجَنٍ:(p-٥٤٢)

؎ ولا تَدْفِنَنِّي بِالفَلاةِ فَإنَّنِي ∗∗∗ أخافُ إذا ما مِتُّ ألّا أذُوقَها

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الخَوْفُ هاهُنا- عَلى بابِهِ في التَوَقُّعِ، لِأنَّ الوَعْظَ وما بَعْدَهُ إنَّما هو في دَوامِ ما ظَهَرَ مِن مَبادِئِ ما يُتَخَوَّفُ.

"والنُشُوزُ": أنْ تَتَعَوَّجَ المَرْأةُ، وتَرْتَفِعَ في خُلُقِها، وتَسْتَعْلِيَ عَلى زَوْجِها وهو مِن نَشَزِ الأرْضِ، يُقالُ: ناشِزٌ، وناشِصٌ، ومِنهُ بَيْتُ الأعْشى:

؎ تَجَلَّلَها شَيْخٌ عِشاءً فَأصْبَحَتْ ∗∗∗ قُضاعِيَّةً تَأْتِي الكَواهِنَ ناشِصا

و"فَعِظُوهُنَّ" مَعْناهُ: ذَكِّرُوهُنَّ أمْرَ اللهِ، واسْتَدْعُوهُنَّ إلى ما يَجِبُ عَلَيْهِنَّ بِكِتابِ اللهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "فِي المَضْجَعِ"، وهو واحِدٌ يَدُلُّ عَلى الجَمْعِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: "اهْجُرُوهُنَّ"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: جَنِّبُوا جِماعَهُنَّ، وجَعَلُوا "فِي" لِلْوِعاءِ عَلى بابِها دُونَ حَذْفٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُضاجِعُها ويُوَلِّيها ظَهْرَهُ ولا يُجامِعُها. وقالَ مُجاهِدٌ: جَنِّبُوا مُضاجَعَتَهُنَّ، فَيَتَقَدَّرُ عَلى هَذا القَوْلِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: واهْجُرُوهُنَّ بِرَفْضِ المَضاجِعِ، أو بِتَرْكِ المَضاجِعِ. وقالَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي هِجْرَةُ الكَلامِ، أيْ: لا تُكَلِّمُوهُنَّ، وأعْرِضُوا عنهُنَّ، فَيُقَدَّرُ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: (p-٥٤٣)واهْجُرُوهُنَّ في سَبَبِ المَضاجِعِ حَتّى يُراجِعْنَها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا:

مَعْناهُ: وقُولُوا لَهُنَّ هَجْرًا مِنَ القَوْلِ، أيْ: إغْلاظًا، حَتّى يُراجِعْنَ المَضاجِعَ، وهَذا لا يَصِحُّ تَصْرِيفُهُ إلّا عَلى مَن حَكى: هَجَرَ وأهْجَرَ بِمَعْنىً واحِدٍ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: ارْبِطُوهُنَّ بِالهِجارِ كَما يُرْبَطُ البَعِيرُ بِهِ، وهو حَبْلٌ يُشَدُّ بِهِ البَعِيرُ، فَهي في مَعْنى: اضْرِبُوهُنَّ ونَحْوِها، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ مَنزَعَهُ هَذا، وقَدَحَ في سائِرِ الأقْوالِ، وفي كَلامِهِ كُلِّهِ في هَذا المَوْضِعِ نَظَرٌ.

والضَرْبُ في هَذِهِ الآيَةِ هو ضَرْبُ الأدَبِ غَيْرُ المُبَرِّحِ وهو الَّذِي لا يَكْسِرُ عَظْمًا، ولا يَشِينُ جارِحَةً، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "اضْرِبُوا النِساءَ إذا عَصَيْنَكم في مَعْرُوفٍ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ"،» وقالَ عَطاءٌ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: ما الضَرْبُ غَيْرُ المُبَرِّحِ؟ قالَ: بِالشِراكِ ونَحْوِهِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ أنَّهُ قالَ: لا قِصاصَ بَيْنَ الرَجُلِ وامْرَأتِهِ إلّا في النَفْسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا تَجاوُزٌ، قالَ غَيْرُهُ: إلّا في النَفْسِ والجِراحِ، وهَذِهِ العِظَةُ والهَجْرُ والضَرْبُ مَراتِبٌ، إنْ وقَعَتِ الطاعَةُ عِنْدَ إحْداها لَمْ يُتَعَدَّ إلى سائِرِها.

و"تَبْغُوا" مَعْناهُ: تَطْلُبُوا، و"سَبِيلًا" أيْ: إلى الأذى، وهو التَعْنِيتُ والتَعَسُّفُ بِقَوْلٍ أو فِعْلٍ، وهَذا نَهْيٌ عن ظُلْمِهِنَّ بِغَيْرِ واجِبٍ بَعْدَ تَقْدِيرِ الفَضْلِ عَلَيْهِنَّ، والتَمْكِينِ مِن أدَبِهِنَّ، وحَسُنَ مَعَهُ الِاتِّصافُ بِالعُلُوِّ والكِبَرِ، أيْ: قَدْرُهُ فَوْقَ كُلِّ قَدْرٍ، ويَدُهُ بِالقُدْرَةِ فَوْقَ كُلِّ يَدٍ، فَلا يَسْتَعْلِي أحَدٌ عَلى امْرَأتِهِ، فاللهُ بِالمِرْصادِ، ويَنْظُرُ هَذا إلى (p-٥٤٤)حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «فَصَرَفْتُ وجْهِي فَإذا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "اعْلَمْ أبا مَسْعُودٍ أنَّ اللهَ أقْدَرُ عَلَيْكَ مِنكَ عَلى هَذا العَبْدِ".»

4:35Page 84

وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصۡلَٰحٗا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيۡنَهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرٗا ٣٥

And if you fear dissension between the two, send an arbitrator from his people and an arbitrator from her people. If they both desire reconciliation, Allāh will cause it between them. Indeed, Allāh is ever Knowing and Aware.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿وَإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنِهِما إنْ اللهُ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾

قَسَّمَتْ هَذِهِ الآيَةُ النِساءَ تَقْسِيمًا عَقْلِيًّا، لِأنَّها إمّا طائِعَةٌ، وإمّا ناشِزَةٌ، والنَشَزُ: إمّا مَن يَرْجِعُ إلى الطَواعِيَةِ، وإمّا مَن يَحْتاجُ إلى الحَكَمَيْنِ.

اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ أيْضًا في الخَوْفِ هاهُنا- حَسَبَ ما تَقَدَّمَ، ولا يُبْعَثُ الحَكَمانِ إلّا مَعَ شِدَّةِ الخَوْفِ. والشِقاقُ: مَصْدَرُ شاقَّ يُشاقُّ، وأُجْرِيَ "البَيْنُ" مَجْرى الأسْماءِ، وأُزِيلَ عنهُ الظَرْفِيَّةُ إذْ هو بِمَعْنى: حالِهِما وعِشْرَتِهِما وصُحْبَتِهِما، وهَذا مِنَ الإيجازِ الَّذِي يَدُلُّ فِيهِ الظاهِرُ عَلى المُقَدَّرِ.

واخْتُلِفَ مَنِ المَأْمُورُ بِالبَعْثَةِ؟ فَقِيلَ: الحاكِمُ، فَإذا أعْضَلَ عَلى الحاكِمِ أمْرُ الزَوْجَيْنِ، وتَعاضَدَتْ عِنْدَهُ الحُجَجُ، واقْتَرَنَتِ الشُبَهُ، واغْتَمَّ وجْهُ الإنْفاذِ عَلى أحَدِهِما بَعَثَ حَكَمَيْنِ مِنَ الأهْلِ لِيُباشِرا الأمْرَ، وخَصَّ الأهْلَ لِأنَّهم مَظِنَّةُ العِلْمِ بِباطِنِ الأمْرِ، ومَظِنَّةُ الإشْفاقِ بِسَبَبِ القَرابَةِ. وقِيلَ: المُخاطَبُ الزَوْجانِ، وإلَيْهِما تَقْدِيمُ الحَكَمَيْنِ، وهَذا في مَذْهَبِ مالِكٍ، والأوَّلُ لِرَبِيعَةَ وغَيْرِهِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في المِقْدارِ الَّذِي يَنْظُرُ فِيهِ الحَكَمانِ، فَقالَ الطَبَرِيُّ: قالَتْ فِرْقَةٌ: لا يَنْظُرُ الحَكَمانِ إلّا فِيما وكَّلَهُما بِهِ الزَوْجانِ، وصَرَّحا بِتَقْدِيمِهِما عَلَيْهِ، تَرْجَمَ بِهَذا ثُمَّ أدْخَلَ عن عَلِيٍّ غَيْرَهُ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وغَيْرُهُ: يَنْظُرُ الحَكَمانِ في (p-٥٤٥)الإصْلاحِ، وفي الأخْذِ والإعْطاءِ، إلّا في الفُرْقَةِ، فَإنَّها لَيْسَتْ إلَيْهِما. وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَنْظُرُ الحَكَمانِ في كُلِّ شَيْءٍ، ويَحْمِلانِ عَلى الظالِمِ، ويُمْضِيانِ ما رَأياهُ مِن بَقاءٍ أو فِراقٍ، وهَذا هو مَذْهَبُ مالِكٍ والجُمْهُورِ مِنَ العُلَماءِ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في "المُدَوَّنَةِ" وغَيْرِها، وتَأوَّلَ الزَجّاجُ عَلَيْهِ غَيْرَ ذَلِكَ، وأنَّهُ وكَّلَ الحَكَمَيْنِ عَلى الفُرْقَةِ، وأنَّها لِلْإمامِ، وذَلِكَ وهْمٌ مِن أبِي إسْحاقَ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: "إنْ يُرِيدا إصْلاحًا"؟، فَقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: المُرادُ الحَكَمانِ، أيْ: إذا نَصَحا وقَصَدا الخَيْرَ بُورِكَ في وساطَتِهِما. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ الزَوْجانِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وكَذَلِكَ الضَمِيرُ في "بَيْنَهُما" يَحْتَمِلُ الأمْرَيْنِ، والأظْهَرُ أنَّهُ لِلزَّوْجَيْنِ.

والِاتِّصافُ بِعَلِيمٍ خَبِيرٍ يُشْبِهُ ما ذَكَرَ مِن إرادَةِ الإصْلاحِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском