Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:6–9
4:6Page 77
وَٱبۡتَلُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُواْ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدٗا فَٱدۡفَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَأۡكُلُوهَآ إِسۡرَافٗا وَبِدَارًا أَن يَكۡبَرُواْۚ وَمَن كَانَ غَنِيّٗا فَلۡيَسۡتَعۡفِفۡۖ وَمَن كَانَ فَقِيرٗا فَلۡيَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡ فَأَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا ٦
And test the orphans [in their abilities] until they reach marriageable age. Then if you perceive in them sound judgement, release their property to them. And do not consume it excessively and quickly, [anticipating] that they will grow up. And whoever, [when acting as guardian], is self-sufficient should refrain [from taking a fee]; and whoever is poor - let him take according to what is acceptable. Then when you release their property to them, bring witnesses upon them. And sufficient is Allāh as Accountant.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهم ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا ومَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهم فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وكَفى بِاللهِ حَسِيبًا﴾
هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِلْجَمِيعِ، والمَعْنى يُخْلِصُ التَلَبُّسَ بِهَذا الأمْرِ لِلْأوصِياءِ، والِابْتِلاءُ: الِاخْتِبارُ، و"بَلَغُوا النِكاحَ" مَعْناهُ: بَلَغُوا مَبْلَغَ الرِجالِ بِحُلْمٍ وحَيْضٍ أو ما يُوازِيهِ، ومَعْناهُ: جَرِّبُوا عُقُولَهم وقَرائِحَهم وتَصَرُّفَهُمْ، و"آنَسْتُمْ"، مَعْناهُ: عَلِمْتُمْ وشَعَرْتُمْ وخَبَرْتُمْ، كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ آنَسَتْ نَبْأةً وأفْزَعَها القَنّا صُ عَصْرًا وقَدْ دَنا الإمْساءُ
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "أحَسْتُمْ" بِالحاءِ وسُكُونِ السِينِ عَلى مِثالِ فَعَلْتُمْ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ وأبُو السَمّالِ وابْنُ مَسْعُودٍ وعِيسى الثَقَفِيُّ: "رَشَدًا" بِفَتْحِ الراءِ والشِينِ، والمَعْنى واحِدٌ. ومالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ يَرى الشَرْطَيْنِ:
البُلُوغَ والرُشْدَ المُخْتَبَرَ، وحِينَئِذٍ (p-٤٧٢)يُدْفَعُ المالُ؛ وأبُو حَنِيفَةَ يَرى أنْ يُدْفَعَ المالُ بِالشَرْطِ الواحِدِ ما لَمْ يَحْتَفِظْ لَهُ سُلْفَةً كَما أُبِيحَتِ التَسْرِيَةُ بِالشَرْطِ الواحِدِ، وكِتابُ اللهِ قَدْ قَيَّدَها بِعَدَمِ الطَوْلِ وخَوْفِ العَنَتِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ، كاليَمِينِ والحِنْثِ اللَذَيْنِ بَعْدَهُما تَجِبُ الكَفّارَةُ، ولَكِنَّها تَجُوزُ قَبْلَ الحِنْثِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والتَمْثِيلُ عِنْدِي في دَفْعِ المالِ بِنَوازِلِ الشَرْطَيْنِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وذَلِكَ أنَّ البُلُوغَ لَمْ تَسُقْهُ الآيَةُ سِياقَ الشَرْطِ، ولَكِنَّهُ حالَةُ الغالِبِ عَلى بَنِي آدَمَ أنْ تَلْتَئِمَ عُقُولُهم فِيها، فَهو الوَقْتُ الَّذِي لا يُعْتَبَرُ شَرْطُ الرُشْدِ إلّا فِيهِ، فَقالَ: إذا بَلَغَ ذَلِكَ الوَقْتَ فَلْيَنْظُرْ إلى الشَرْطِ وهو الرُشْدُ حِينَئِذٍ، وفَصاحَةُ الكَلامِ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، لِأنَّ التَوْقِيفَ بِالبُلُوغِ جاءَ "بِإذا" والمَشْرُوطُ جاءَ "بِإنْ" الَّتِي هي قاعِدَةُ حُرُوفِ الشَرْطِ، و"إذا" لَيْسَتْ بِحَرْفِ شَرْطٍ لِحُصُولِ ما بَعْدَها، وأجازَ سِيبَوَيْهِ أنْ يُجازى بِها في الشِعْرِ، وقالَ: فَعَلُوا ذَلِكَ مُضْطَرِّينَ، وإنَّما جُوزِيَ بِها لِأنَّها تَحْتاجُ إلى جَوابٍ، ولِأنَّها يَلِيها الفِعْلُ مُظْهَرًا أو مُضْمَرًا. واحْتَجَّ الخَلِيلُ عَلى مَنعِ شَرْطِيَّتِها بِحُصُولِ ما بَعْدَها، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: أجِيئُكَ إذا احْمَرَّ البُسْرُ، ولا تَقُولُ: إنِ احْمَرَّ البُسْرُ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الرُشْدُ في العَقْلِ والدِينِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَلْ في العَقْلِ وتَدْبِيرِ المالِ لا غَيْرَ، وهو قَوْلُ ابْنِ القاسِمِ في مَذْهَبِنا. والرِوايَةُ الأُخْرى: "أنَّهُ في العَقْلِ والدِينِ" مَرْوِيَّةٌ عن مالِكٍ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: دَفْعُ الوَصِيِّ المالَ إلى المَحْجُورِ يَفْتَقِرُ إلى أنْ يَرْفَعَهُ إلى السُلْطانِ ويَثْبُتَ عِنْدَهُ رُشْدُهُ، أو يَكُونُ مِمَّنْ يَأْمَنُهُ الحاكِمُ في مِثْلِ ذَلِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ مَوْكُولٌ إلى اجْتِهادِ الوَصِيِّ دُونَ أنْ يَحْتاجَ إلى رَفْعِهِ إلى السُلْطانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والصَوابُ في أوصِياءِ زَمَنِنا أنْ لا يُتَسَنّى عن رَفْعِهِ إلى السُلْطانِ وثُبُوتِ الرُشْدِ عِنْدَهُ، لِما حُفِظَ مِن تَواطُؤِ الأوصِياءِ عَلى أنْ يُرْشَدَ الوَصِيُّ ويُبْرَأ المَحْجُورُ لِسَفَهِهِ وقِلَّةِ تَحْصِيلِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَأْكُلُوها﴾..... الآيَةُ، نَهْيٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِلْأوصِياءِ عن أكْلِ أمْوالِ اليَتامى بِغَيْرِ الواجِبِ المُباحِ لَهُمْ؛ والإسْرافُ: الإفْراطُ في الفِعْلِ، والسَرَفُ: الخَطَأُ في (p-٤٧٣)مَواضِعِ الإنْفاقِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ................. ∗∗∗.... ∗∗∗ ما في عَطائِهِمُ مَنٌّ ولا سَرَفُ.
أيْ: لا يُخْطِئُونَ مَواضِعَ العَطاءِ. "وَبِدارًا": مَعْناهُ: مُبادَرَةَ كِبَرِهِمْ، أيْ: إنَّ الوَصِيَّ يَسْتَغْنِمُ مالَ مَحْجُورِهِ فَيَأْكُلُ ويَقُولُ: أُبادِرُ كِبَرَهُ لِئَلّا يَرْشُدَ ويَأْخُذَ مالَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. و"أنْ يَكْبَرُوا" نُصِبَ بِـ "بِدارًا"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: مَخافَةَ أنْ. وقَوْلُهُ: ﴿وَمَن كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾... الآيَةُ، يُقالُ: عَفَّ الرَجُلُ عَنِ الشَيْءِ واسْتَعَفَّ: إذا أمْسَكَ، فَأمَرَ الغَنِيَّ بِالإمْساكِ عن مالِ اليَتِيمِ، وأباحَ اللهُ لِلْوَصِيِّ الفَقِيرِ أنْ يَأْكُلَ مِن مالِ يَتِيمِهِ بِالمَعْرُوفِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في حَدِّ المَعْرُوفِ، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ وعُبَيْدَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ والشَعْبِيُّ ومُجاهِدٌ وأبُو العالِيَةِ: إنَّ ذَلِكَ القَرْضَ، أنْ يَتَسَلَّفَ مِن مالِ يَتِيمِهِ ويَقْضِيَ إذا أيْسَرَ، ولا يَتَسَلَّفُ أكْثَرَ مِن حاجَتِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وعِكْرِمَةُ والسُدِّيُّ وعَطاءٌ: رُوِيَ عن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: "إنِّي نَزَلْتُ مِن مالِ اللهِ مَنزِلَةَ والِي اليَتِيمِ، إنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ، وإنِ احْتَجْتُ أكَلْتُ بِالمَعْرُوفِ، فَإذا أيْسَرْتُ قَضَيْتُ".
ورُوِيَ عن إبْراهِيمَ وعَطاءٍ وغَيْرِهِما أنَّهُ لا قَضاءَ عَلى الوَصِيِّ الفَقِيرِ فِيما أكَلَ بِالمَعْرُوفِ، قالَ الحَسَنُ: هي طُعْمَةٌ مِنَ اللهِ لَهُ، وذَلِكَ أنْ يَأْكُلَ ما يُقِيمُهُ أكْلًا بِأطْرافِ الأصابِعِ، ولا يَكْتَسِي مِنهُ بِوَجْهٍ، وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ ومَكْحُولٌ: "يَأْكُلُ ما يُقِيمُهُ ويَكْتَسِي ما يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ، ولا يَلْبَسُ الكِتّانَ والحُلَلَ".
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو العالِيَةِ والحَسَنُ والشَعْبِيُّ: "إنَّما يَأْكُلُ الوَصِيُّ بِالمَعْرُوفِ إذا شَرِبَ مِنَ اللَبَنِ وأكَلَ مِنَ الثَمَرِ، بِما يَهْنَؤُ الجَرْبى ويَلِيطُ الحَوْضَ ويَجُدُّ الثَمَرَ، وما شابَهَهُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْرُوفُ أنْ يَكُونَ لَهُ أجْرٌ بِقَدْرِ عَمَلِهِ وخِدْمَتِهِ.
(p-٤٧٤)وَقالَ الحَسَنُ بْنُ حَيٍّ: إنْ كانَ وصِيَّ أبٍ فَلَهُ الأكْلُ بِالمَعْرُوفِ، وإنْ كانَ وصِيَّ حاكِمٍ فَلا سَبِيلَ لَهُ إلى المالِ بِوَجْهٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والنَخْعِيُّ: المُرادُ أنْ يَأْكُلَ الوَصِيُّ بِالمَعْرُوفِ مِن مالِهِ حَتّى لا يَحْتاجَ إلى مالِ اليَتِيمِ.
وقالَ رَبِيعَةُ بْنُ أبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ: المُرادُ اليَتامى في الحالَيْنِ، أيْ: مَن كانَ مِنهم غَنِيًّا فَلْيُعَفَّ بِمالِهِ، ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيُتَقَتَّرْ عَلَيْهِ بِالمَعْرُوفِ والِاقْتِصادِ.
وقَوْلُهُ: "فَإذا دَفَعْتُمْ".... الآيَةُ. أمْرٌ مِنَ اللهِ بِالتَحَرُّزِ والحَزْمِ، وهَذا هو الأصْلُ في الإشْهادِ في المَدْفُوعاتِ كُلِّها، إذا كانَ حَبْسُها أوَّلًا مَعْرُوفًا. وقالَتْ فِرْقَةٌ:
الإشْهادُ هاهُنا فَرْضٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو نَدْبٌ إلى الحَزْمِ، ورَوى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ جُبَيْرَةٍ أنَّ هَذا هو دَفْعُ ما يَسْتَقْرِضُهُ الوَصِيُّ الفَقِيرُ إذا أيْسَرَ، واللَفْظُ يَعُمُّ هَذا وسِواهُ. والحَسِيبُ هُنا المُحْسِبُ، أيْ هو كافٍ مِنَ الشُهُودِ، هَكَذا قالَ الطَبَرِيُّ، والأظْهَرُ أنَّ "حَسِيبًا" مَعْناهُ: حاسِبًا أعْمالَكم ومُجازِيًا بِها، فَفي هَذا وعِيدٌ لِكُلِّ جاحِدِ حَقٍّ.
4:7–9Page 78
لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنۡهُ أَوۡ كَثُرَۚ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا ٧
For men is a share of what the parents and close relatives leave, and for women is a share of what the parents and close relatives leave, be it little or much - an obligatory share.
وَإِذَا حَضَرَ ٱلۡقِسۡمَةَ أُوْلُواْ ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينُ فَٱرۡزُقُوهُم مِّنۡهُ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا ٨
And when [other] relatives and orphans and the needy are present at the [time of] division, then provide for them [something] out of it [i.e., the estate] and speak to them words of appropriate kindness.
وَلۡيَخۡشَ ٱلَّذِينَ لَوۡ تَرَكُواْ مِنۡ خَلۡفِهِمۡ ذُرِّيَّةٗ ضِعَٰفًا خَافُواْ عَلَيۡهِمۡ فَلۡيَتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡيَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدًا ٩
And let those [executors and guardians] fear [injustice] as if they [themselves] had left weak offspring behind and feared for them. So let them fear Allāh and speak words of appropriate justice.
قوله عزّ وجلّ:
﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أو كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ﴿وَإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى واليَتامى والمَساكِينُ فارْزُقُوهم مِنهُ وقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ ولْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾
سَمّى اللهُ عَزَّ وجَلَّ الأبَ والِدًا لِأنَّ الوَلَدَ مِنهُ ومِنَ الوالِدَةِ، كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ بِحَيْثُ يَعْتَشُّ الغُرابُ البائِضُ
لِأنَّ البَيْضَ مِنَ الأُنْثى والذَكَرِ. قالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ: وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ العَرَبَ كانَ مِنها مَن لا يُوَرِّثُ النِساءَ ويَقُولُ: لا يَرِثُ إلّا مَن طاعَنَ بِالرُمْحِ وقاتَلَ بِالسَيْفِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
(p-٤٧٥)قالَ عِكْرِمَةُ: سَبَبُها خَبَرُ أُمِّ كَحْلَةَ، ماتَ زَوْجُها وهو أوسُ بْنُ سُوَيْدٍ وتَرَكَ لَها بِنْتًا فَذَهَبَ عَمُّ بَنِيها إلى ألّا تَرِثَ، فَذَهَبَتْ إلى النَبِيِّ ﷺ، فَقالَ العَمُّ: هي يا رَسُولَ اللهِ لا تُقاتِلُ، ولا تَحْمِلُ كَلًّا ويُكْسَبُ عَلَيْها، ولا تَكْسَبُ، واسْمُ العَمِّ ثَعْلَبَةٌ فِيما ذَكَرَهُ.
و"نَصِيبًا مَفْرُوضًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، كَذا قالَ مَكِّيٌّ، وإنَّما هو اسْمٌ نُصِبَ كَما يُنْصَبُ المَصْدَرُ في مَوْضِعِ الحالِ، تَقْدِيرُهُ: فَرْضًا، ولِذَلِكَ جازَ نَصْبُهُ، كَما تَقُولُ: لَكَ عَلَيَّ كَذا وكَذا حَقًّا واجِبًا، ولَوْلا مَعْنى المَصْدَرِ الَّذِي فِيهِ ما جازَ في الِاسْمِ الَّذِي لَيْسَ بِمَصْدَرٍ هَذا النَصْبُ، ولَكانَ حَقُّهُ الرَفْعَ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَإذا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾... الآيَةُ، اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِيمَن خُوطِبَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما أنَّها مُخاطَبَةٌ لِلْوارِثِينَ، والمَعْنى: إذا حَضَرَ قِسْمَتَكم لِمالِ مَوْرُوثِكم هَذِهِ الأصْنافُ الثَلاثَةُ، فارْزُقُوهم مِنهُ، ثُمَّ اخْتَلَفَ قائِلُو هَذا القَوْلِ، فَقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وأبُو مالِكٍ والضَحّاكُ وابْنُ عَبّاسٍ فِيما حَكى عنهُ المَهْدَوِيُّ: نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ المَوارِيثِ. وكانَتْ هَذِهِ قِسْمَةً قَبْلَ المَوارِيثِ، فَأعْطى اللهُ بَعْدَ ذَلِكَ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وجُعِلَتِ الوَصِيَّةُ لِلَّذِينَ يَحْزَنُونَ ولا يَرِثُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والشَعْبِيُّ ومُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ: ذَلِكَ مُحْكَمٌ لَمْ يُنْسَخْ،.وَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: وقَدْ ضَيَّعَ الناسُ هَذِهِ الآيَةَ، قالَ الحَسَنُ: ولَكِنَّ الناسَ شَحُّوا، وامْتَثَلَ ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ التابِعِينَ: عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ وغَيْرُهُ، وأمَرَ بِهِ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ.
واخْتَلَفَ القائِلُونَ بِإحْكامِها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الفَرْضِ والوُجُوبِ أنْ يُعْطِيَ الوَرَثَةُ لِهَذِهِ الأصْنافِ ما تَفِهَ وطابَتْ بِهِ نُفُوسُهُمْ؛ كالماعُونِ والثَوْبِ الخَلَقِ، وما خَفَّ كالتابُوتِ، وما تَعَذَّرَ قَسْمُهُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ: ذَلِكَ عَلى جِهَةِ النَدْبِ، فَمَن تَرَكَهُ فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ. واخْتُلِفَ في هَذا القَوْلِ إذا كانَ الوارِثُ صَغِيرًا لا يَتَصَرَّفُ في مالِهِ، فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ: هَذا عَلى وجْهِ المَعْرُوفِ فَقَطْ، يَقُولُهُ ولِيُّ الوارِثِ دُونَ عَطاءٍ يُنَفَّذُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ يُعْطِي ولِيُّ الوارِثِ الصَغِيرِ مِن مالِ مَحْجُورِهِ بِقَدْرِ ما يَرى.
(p-٤٧٦)والقَوْلُ الثانِي -فِيمَن خُوطِبَ بِها- أنَّ الخِطابَ لِلْمُحْتَضَرِينَ الَّذِينَ يُقَسِّمُونَ أمْوالَهم بِالوَصِيَّةِ، فالمَعْنى: إذا حَضَرَكُمُ المَوْتُ أيُّها المُؤْمِنُونَ، وقَسَّمْتُمْ أمْوالَكم بِالوَصِيَّةِ، وحَضَرَكم مَن لا يَرِثُ مِن ذِي القَرابَةِ واليَتامى فارْزُقُوهم مِنهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ وابْنُ زَيْدٍ: كانُوا يَقُولُونَ لِلْوَصِيِّ: فُلانٌ يُقَسِّمُ مالَهُ، ومَعْنى "حَضَرَ": شَهِدَ، إلّا أنَّ الصِفَةَ بِالضَعْفِ واليُتْمِ والمَسْكَنَةِ تَقْضِي أنَّ ذَلِكَ هو عِلَّةُ الرِزْقِ، فَحَيْثُ وُجِدَتْ رُزِقُوا وإنْ لَمْ يَحْضُرُوا القِسْمَةَ، و"أُولُو": اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، ولا يَكُونُ إلّا مُضافًا لِلْإبْهامِ الَّذِي فِيهِ، ورُبَّما كانَ واحِدُهُ مِن غَيْرِ لَفْظَةِ "ذُو".
واليُتْمُ: الِانْفِرادُ، واليَتِيمُ: الفَرْدُ، وكَذَلِكَ سُمِّيَ مَن فَقَدَ أباهُ يَتِيمًا لِانْفِرادِهِ، ورَأى عُبَيْدَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ أنَّ الرِزْقَ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُصْنَعَ لَهم طَعامٌ يَأْكُلُونَهُ، وفَعَلا ذَلِكَ: ذَبَحا شاةً مِنَ التَرِكَةِ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فارْزُقُوهُمْ" وفي قَوْلِهِ: "لَهُمْ" عائِدٌ عَلى الأصْنافِ الثَلاثَةِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن تَفْرِيقِ عَوْدِ الضَمِيرَيْنِ -كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَبَرِيُّ- تَحَكُّمٌ؛ والقَوْلُ المَعْرُوفُ: كُلُّ ما يُؤْنَسُ بِهِ مِن دُعاءٍ أو عِدَةٍ أو غَيْرِ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ "وَلْيَخْشَ" جُزِمَ بِلامِ الأمْرِ، ولا يَجُوزُ إضْمارُ هَذِهِ اللامِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ قِياسًا عَلى حُرُوفِ الجَرِّ إلّا في ضَرُورَةِ شِعْرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ ∗∗∗ إذا ما خِفْتَ مِن أمْرٍ تَبالا
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وعِيسى بْنُ عُمَرَ والحَسَنُ والزُهْرِيُّ: بِكَسْرِ لاماتِ الأمْرِ في هَذِهِ الآيَةِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لَفْظِ "ذُرِّيَّةً" في [سُورَةِ آلِ عِمْرانَ]. ومَفْعُولُ "يَخْشى" مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، وحَسُنَ حَذْفُهُ مِن حَيْثُ يَتَقَدَّرُ فِيهِ التَخْوِيفُ بِاللهِ تَعالى، والتَخْوِيفُ بِالعاقِبَةِ في الدُنْيا، فَيَنْظُرُ كُلُّ مُتَأوِّلٍ بِحَسَبِ الأهَمِّ في نَفْسِهِ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ وأبُو حَيْوَةَ والزُهْرِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وعائِشَةُ: "ضُعَفاءَ" بِالمَدِّ (p-٤٧٧)وَضَمِّ الضادِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ: "ضُعُفًا" بِضَمِّ الضادِ والعَيْنِ وتَنْوِينِ الفاءِ، وأمالَ حَمْزَةُ "ضِعافًا"، وأمالَ "خافُوا"، والداعِي إلى إمالَةِ "خافُوا" الكَسْرَةُ الَّتِي في الماضِي في قَوْلِكَ: خِفْتُ، لِيَدُلَّ عَلَيْها. و"خافُوا" جَوابُ "لَوْ" تَقْدِيرُهُ: لَوْ تَرَكُوا لَخافُوا، ويَجُوزُ حَذْفُ اللامِ في جَوابِ "لَوْ"، تَقُولُ: لَوْ قامَ زَيْدٌ لَقامَ عَمْرٌو، ولَوْ قامَ زَيْدٌ قامَ عَمْرٌو.
واخْتُلِفَ؛ مَنِ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والسُدِّيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَحّاكُ ومُجاهِدٌ: المُرادُ مَن حَضَرَ مَيِّتًا حِينَ يُوصِي فَيَقُولُ لَهُ: قَدِّمْ لِنَفْسِكَ وأعْطِ فُلانًا وفُلانَةً، ويُؤْذِي الوَرَثَةَ بِذَلِكَ، فَكَأنَّ الآيَةَ تَقُولُ لَهُمْ: كَما كُنْتُمْ تَخْشَوْنَ عَلى ورَثَتِكم وذُرِّيَّتِكم بَعْدَكُمْ، فَكَذَلِكَ فاخْشَوْا عَلى ورَثَةِ غَيْرِكم وذُرِّيَّتِهِ، ولا تَحْمِلُوهُ عَلى تَبْذِيرِ مالِهِ وتَرْكِهِمْ عالَةً. وقالَ مِقْسَمٌ وحَضْرَمِيٌّ: نَزَلَتْ في عَكْسِ ذَلِكَ، وهو أنْ يَقُولَ لِلْمُحْتَضَرِ: أمْسِكْ عَلى ورَثَتِكَ، وأبْقِ لِوَلَدِكَ، ويَنْهاهُ عَنِ الوَصِيَّةِ فَيَضُرَّ بِذَلِكَ ذَوِي القُرْبى وكُلَّ مَن يَسْتَحِقُّ أنْ يُوصِيَ لَهُ، فَقِيلَ لَهُمْ: كَما كُنْتُمْ تَخْشَوْنَ عَلى ذُرِّيَّتِكم وتُسَرُّونَ بِأنْ يُحْسَنَ إلَيْهِمْ، فَكَذَلِكَ فَسَدِّدُوا القَوْلَ في جِهَةِ المَساكِينِ واليَتامى، واتَّقُوا اللهَ في ضُرِّهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذانِ القَوْلانِ لا يَطَّرِدُ واحِدٌ مِنهُما في كُلِّ الناسِ، بَلِ الناسُ صِنْفانِ: يَصْلُحُ لِأحَدِهِما القَوْلُ الواحِدُ، ولِلْآخَرِ القَوْلُ الثانِي، وذَلِكَ أنَّ الرَجُلَ إذا تَرَكَ ورَثَةً مُسْتَقِلِّينَ بِأنْفُسِهِمْ أغْنِياءَ حَسُنَ أنْ يُنْدَبَ إلى الوَصِيَّةِ، ويُحْمَلَ عَلى أنْ يُقَدِّمَ لِنَفْسِهِ، وإذا تَرَكَ ورَثَةً ضُعَفاءَ مُقِلِّينَ حَسُنَ أنْ يُنْدَبَ إلى التَرْكِ لَهم والِاحْتِياطِ، فَإنَّ أجْرَهُ في قَصْدِ ذَلِكَ كَأجْرِهِ في المَساكِينِ، فالمُراعى إنَّما هو الضَعْفُ، فَيَجِبُ أنْ يُمالَ مَعَهُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المُرادُ بِالآيَةِ وُلاةُ الأيْتامِ، فالمَعْنى: أحْسِنُوا إلَيْهِمْ، وسَدِّدُوا القَوْلَ لَهُمْ، واتَّقُوا اللهَ في أكْلِ أمْوالِهِمْ، كَما تَخافُونَ عَلى ذُرِّيَّتِكم أنْ يُفْعَلَ بِهِمْ خِلافُ ذَلِكَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ المُرادُ جَمِيعُ الناسِ، فالمَعْنى: أمَرَهم بِاتِّقاءِ اللهِ في الأيْتامِ وأولادِ الناسِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا في حُجُورِهِمْ، وأنْ يُسَدِّدُوا لَهُمُ القَوْلَ كَما يُرِيدُ كُلُّ أحَدٍ أنْ يُفْعَلَ بِوَلَدِهِ بَعْدَهُ.
(p-٤٧٨)وَمِن هَذا ما حَكاهُ الشَيْبانِيُّ قالَ: كُنّا عَلى قُسْطَنْطِينِيَّةَ في عَسْكَرِ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، فَجَلَسْنا يَوْمًا في جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ فِيهِمُ الدَيْلَمِيُّ، فَتَذاكَرُوا ما يَكُونُ مِن أهْوالِ آخِرِ الزَمانِ، فَقُلْتُ لَهُ: يا أبا بُسْرٍ، وُدِّي أنْ لا يَكُونَ لِي ولَدٌ، فَقالَ لِي: ما عَلَيْكَ، ما مِن نَسَمَةٍ قَضى اللهُ بِخُرُوجِها مِن رَجُلٍ إلّا خَرَجَتْ أحَبَّ أو كَرِهَ، ولَكِنْ إنْ أرَدْتَ أنْ تَأْمَنَ عَلَيْهِمْ فاتَّقِ اللهَ في غَيْرِهِمْ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ. والسَدِيدُ: مَعْناهُ: المُصِيبُ لِلْحَقِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ أُعَلِّمُهُ الرِمايَةَ كُلَّ يَوْمٍ ∗∗∗ فَلَمّا اسْتَدَّ ساعِدُهُ رَمانِي
مَعْناهُ، لَمّا وافَقَ الأغْراضَ الَّتِي يَرْمِي إلَيْها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences