Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:58–68
4:58–59Page 87
۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا ٥٨
Indeed, Allāh commands you to render trusts to whom they are due and when you judge between people to judge with justice. Excellent is that which Allāh instructs you. Indeed, Allāh is ever Hearing and Seeing.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا ٥٩
O you who have believed, obey Allāh and obey the Messenger and those in authority among you. And if you disagree over anything, refer it to Allāh and the Messenger, if you should believe in Allāh and the Last Day. That is the best [way] and best in result.
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ إنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ إنَّ اللهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكم فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهَ والرَسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾
قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبَ، وابْنُ زَيْدٍ، هَذا خِطابٌ لِوُلاةِ المُسْلِمِينَ خاصَّةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهُوَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأُمَرائِهِ، ثُمَّ يَتَناوَلُ مَن بَعْدَهم. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ (p-٥٨٦)وَغَيْرُهُ: ذَلِكَ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ خاصَّةً في أمْرِ مِفْتاحِ الكَعْبَةِ حِينَ أخَذَهُ مِن عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ العَبْدَرِيِّ، ومِنِ ابْنِ عَمِّهِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمانَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، فَطَلَبَهُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ لِتَنْضافَ لَهُ السِدانَةُ إلى السِقايَةِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ الكَعْبَةَ فَكَسَرَ ما كانَ فِيها مِنَ الأوثانِ، وأخْرَجَ مَقامَ إبْراهِيمَ، ونَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: وخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وهو يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ، وما كُنْتُ سَمِعْتُها قَبْلُ مِنهُ، فَدَعا عُثْمانَ وشَيْبَةَ فَقالَ لَهُما: « "خُذاها خالِدَةً تالِدَةً لا يَنْزِعُها مِنكم إلّا ظالِمٌ"،» وحَكى مَكِّيُّ أنَّ شَيْبَةَ أرادَ ألّا يَدْفَعَ المِفْتاحَ، ثُمَّ دَفَعَهُ وقالَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: خُذْهُ بِأمانَةِ اللهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
واخْتَلَفَ الرُواةُ في بَعْضِ ألْفاظِ هَذا الخَبَرِ زِيادَةً ونُقْصانًا، إلّا أنَّهُ المَعْنى بِعَيْنِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الآيَةُ في الوُلاةِ بِأنْ يَعِظُوا النِساءَ في النُشُوزِ ونَحْوِهِ، ويَرُدُّوهُنَّ إلى الأزْواجِ، والأظْهَرُ في الآيَةِ أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الناسِ، ومَعَ أنَّ سَبَبَها ما ذَكَرْناهُ فَهي تَتَناوَلُ الوُلاةَ فِيما إلَيْهِمْ مِنَ الأماناتِ في قِسْمَةِ الأمْوالِ، ورَدِّ الظُلاماتِ وعَدْلِ الحُكُوماتِ وغَيْرِهِ، وتَتَناوَلُهم ومَن دُونَهم مِنَ الناسِ في حِفْظِ الوَدائِعِ والتَحَرُّزِ في الشَهاداتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، كالرَجُلِ يَحْكُمُ في نازِلَةٍ ما ونَحْوِهِ، والصَلاةُ والزَكاةُ والصِيامُ وسائِرُ العِباداتِ أماناتٌ لِلَّهِ تَعالى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يُرَخِّصِ اللهُ لِمُوسِرٍ ولا مُعْسِرٍ أنْ يُمْسِكَ الأمانَةَ. (p-٥٨٧)وَ"نِعِمّا" أصْلُهُ: نِعْمَ ما، سُكِّنَتِ الأُولى وأُدْغِمَتْ في الثانِيَةِ، وحُرِّكَتِ العَيْنُ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، وخُصَّتْ بِالكَسْرِ إتْباعًا لِلنُّونِ، و"ما" المُرْدَفَةُ عَلى "نِعْمَ" إنَّما هي مُهَيِّئَةٌ لِاتِّصالِ الفِعْلِ بِها، كَما هي في "رُبَّما" و"مِمّا" في قَوْلِهِ: « "وَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِمّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ"» وكَقَوْلِ الشاعِرِ:
؎ وإنّا لَمِمّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً عَلى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِسانَ مِنَ الفَمِ
ونَحْوِهِ، وفي هَذا هي بِمَنزِلَةِ "رُبَّما"، وهي لَها مُخالِفَةٌ في المَعْنى، لِأنَّ "رُبَّما" مَعْناها التَقْلِيلُ، و"مِمّا" مَعْناها التَكْثِيرُ، ومَعَ أنَّ "ما" مُوَطِّئَةٌ فَهي بِمَعْنى "الَّذِي" وما وطَّأتْ إلّا وهي اسْمٌ، ولَكِنَّ القَصْدَ إنَّما هو لِما يَلِيها مِنَ المَعْنى الَّذِي في الفِعْلِ.
وحَسُنَ الِاتِّصافُ بَعْدَ هَذِهِ المُقَدِّماتِ بِالسَمْعِ والبَصَرِ لِأنَّها في الشاهِدِ مُحَصِّلاتُ ما يَفْعَلُ المَأْمُورُ فِيما أُمِرَ بِهِ.
وقوله عزّ وجلّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ﴾، لَمّا تَقَدَّمَ إلى الوُلاةِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، تَقَدَّمَ في هَذِهِ إلى الرَعِيَّةِ، فَأمَرَ بِطاعَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وهِيَ: امْتِثالُ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وطاعَةُ رَسُولِهِ، وطاعَةُ الأُمَراءِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ: أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ زَيْدٍ، وغَيْرِهِمْ، وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ: أُولُو الأمْرِ: أهْلُ القُرْآنِ والعِلْمِ، فالأمْرُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، إشارَةٌ إلى القُرْآنِ والشَرِيعَةِ، أيْ: أُولِي هَذا الأمْرِ وهَذا الشَأْنِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الإشارَةُ هُنا بِأُولِي الأمْرِ إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ خاصَّةً، وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ أنَّها إشارَةٌ إلى أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما خاصَّةً، وفي هَذا التَخْصِيصِ بُعْدٌ. وحَكى بَعْضُ مَن قالَ: "إنَّهُمُ الأُمَراءُ": أنَّها نَزَلَتْ في أُمَراءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وكانَ السَبَبُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً (p-٥٨٨)فِيها عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، وأمِيرُها خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، فَقَصَدُوا قَوْمًا مِنَ العَرَبِ، فَأتاهم نَذِيرٌ فَهَرَبُوا تَحْتَ اللَيْلِ، وجاءَ مِنهم رَجُلٌ إلى عَسْكَرِ خالِدٍ، فَدَخَلَ إلى عَمّارٍ فَقالَ: يا أبا اليَقْظانِ، إنَّ قَوْمِي قَدْ فَرُّوا، وإنِّي قَدْ أسْلَمْتُ، فَإنْ كانَ يَنْفَعُنِي إسْلامِي بَقِيتُ، وإلّا فَرَرْتُ، فَقالَ لَهُ عَمّارٌ: هو يَنْفَعُكَ فَأقِمْ، فَلَمّا أصْبَحُوا أغارَ خالِدٌ فَلَمْ يَجِدْ سِوى الرَجُلِ المَذْكُورِ، فَأخَذَهُ وأخَذَ مالَهُ، فَجاءَ عَمّارٌ فَقالَ: خَلِّ عَنِ الرَجُلِ فَإنَّهُ قَدْ أسْلَمَ، وإنَّهُ في أمانٍ مِنِّي، فَقالَ خالِدٌ: وأنْتَ تُجِيرُ؟ فاسْتَبّا وارْتَفَعا إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأجازَ أمانَ عَمّارٍ، ونَهاهُ أنْ يُجِيرَ الثانِيَةَ عَلى أمِيرٍ، واسْتَبّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقالَ خالِدٌ: يا رَسُولَ اللهِ، أتَتْرُكُ هَذا العَبْدَ الأجْدَعَ يَسُبُّنِي؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "يا خالِدُ، لا تَسُبَّ عَمّارًا، فَإنَّهُ مَن سَبَّ عَمّارًا سَبَّهُ اللهُ، ومَن أبْغَضَ عَمّارًا أبْغَضَهُ اللهُ، ومَن لَعَنَ عَمّارًا لَعَنَهُ اللهُ"، فَغَضِبَ عَمّارٌ فَقامَ فَذَهَبَ، فَتَبِعَهُ خالِدٌ حَتّى اعْتَذَرَ إلَيْهِ، فَتَراضَيا، فَأنْزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ قَوْلَهُ: ﴿أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾»، وطاعَةُ الرَسُولِ هِيَ: اتِّباعُ سُنَّتِهِ، قالَهُ عَطاءٌ وغَيْرُهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ: وأطِيعُوا الرَسُولَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
يُرِيدُ وسُنَّتَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
"فَإنْ تَنازَعْتُمْ"، المَعْنى: فَإنْ تَنازَعْتُمْ فِيما بَيْنَكُمْ، أو أنْتُمْ وأُمَراؤُكُمْ، ومَعْنى التَنازُعِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ يَنْتَزِعُ حُجَّةَ الآخَرِ ويُذْهِبُها.
(p-٥٨٩)والرَدُّ إلى اللهِ: هو النَظَرُ في كِتابِهِ العَزِيزِ، والرَدُّ إلى الرَسُولِ: هو سُؤالُهُ في حَياتِهِ، والنَظَرُ في سُنَّتِهِ بَعْدَ وفاتِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والأعْمَشِ، وقَتادَةَ، والسُدِّيِّ، وهو الصَحِيحُ، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: قُولُوا: اللهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَهَذا هو الرَدُّ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ بَعْضُ وعِيدٍ، لِأنَّ فِيهِ جَزاءَ المُسِيءِ العاتِي، وخاطَبَهم بِـ ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ﴾ وهم قَدْ كانُوا آمَنُوا، عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ، لِيَتَأكَّدَ الإلْزامُ.
و"تَأْوِيلًا" مَعْناهُ: مَآلًا، عَلى قَوْلِ جَماعَةٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: أحْسَنُ جَزاءً. قالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى أحْسَنُ عاقِبَةً. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: إنَّ اللهَ ورَسُولَهُ أحْسَنُ نَظَرًا وتَأوُّلًا مِنكم إذا انْفَرَدْتُمْ بِتَأوُّلِكم.
4:60–61Page 88
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا ٦٠
Have you not seen those who claim to have believed in what was revealed to you, [O Muḥammad], and what was revealed before you? They wish to refer legislation to ṭāghūt,1 while they were commanded to reject it; and Satan wishes to lead them far astray.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيۡتَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودٗا ٦١
And when it is said to them, "Come to what Allāh has revealed and to the Messenger," you see the hypocrites turning away from you in aversion.
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالا بَعِيدًا﴾ ﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللهُ وإلى الرَسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عنكَ صُدُودًا﴾
تَقُولُ العَرَبُ: زَعَمَ فُلانٌ كَذا، في الأمْرِ الَّذِي يَضْعُفُ فِيهِ التَحْقِيقُ، وتَتَقَوّى فِيهِ شُبَهُ الإبْطالِ، فَغايَةُ دَرَجَةِ الزَعْمِ إذا قَوِيَ أنْ يَكُونَ مَظْنُونًا. يُقالُ: زَعْمٌ بِفَتْحِ الزايِ، وهو المَصْدَرُ، وزُعْمٌ بِضَمِّها، وهو الِاسْمُ، وكَذَلِكَ زَعْمُ المُنافِقِينَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ هو مِمّا (p-٥٩٠)قَوِيَتْ فِيهِ شُبْهَةُ الإبْطالِ لِسُوءِ أفْعالِهِمْ، حَتّى صَحَّحَها الخَبَرُ مِنَ اللهِ تَعالى عنهُمْ، ومِن هَذا قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَجُلِ زَعَمُوا"،» وقَدْ قالَ الأعْشى:
؎ ونُبِّئْتُ قَيْسًا ولَمْ أبْلُهُ كَما زَعَمُوا خَيْرَ أهْلِ اليَمَن
فَقالَ المَمْدُوحُ: وما هو إلّا الزَعْمُ وحَرَمُهُ، وإذا قالَ سِيبَوَيْهِ: "زَعَمَ الخَلِيلُ" فَإنَّما يَسْتَعْمِلُها فِيما انْفَرَدَ الخَلِيلُ بِهِ، وكانَ أقْوى رُتَبِ "زَعَمَ" أنْ تَبْقى مَعَها عُهْدَةُ الخَبَرِ عَلى المُخْبِرِ. و"أنْ" مَعْمُولَةٌ لِـ "يَزْعُمُونَ".
وقالَ عامِرٌ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في مُنافِقٍ اسْمُهُ بِشْرٌ، خاصَمَ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ، فَدَعاهُ اليَهُودِيُّ إلى المُسْلِمِينَ لِعِلْمِهِ أنَّهم لا يَرْتَشُونَ، وكانَ هو يَدْعُو اليَهُودِيَّ إلى اليَهُودِ لِعِلْمِهِ أنَّهم يَرْتَشُونَ، فاتَّفَقا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى أنْ أتَيا كاهِنًا كانَ بِالمَدِينَةِ فَرَضِياهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِما وفي صَنِيعِهِما.
فالَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ هُمُ المُنافِقُونَ، والَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ هُمُ اليَهُودُ، وكُلٌّ قَدْ أُمِرَ في كِتابِهِ بِالكُفْرِ بِالطاغُوتِ، و"الطاغُوتِ" هُنا- الكاهِنُ المَذْكُورُ، فَهَذا تَأْنِيبٌ لِلصِّنْفَيْنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الطاغُوتُ هُنا هو كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وهو الَّذِي تَراضَيا بِهِ، فَعَلى هَذا إنَّما يُؤَنِّبُ صِنْفَ المُنافِقِينَ وحْدَهُ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ، وبِما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ بِزَعْمِهِمْ، لِأنَّ اليَهُودَ لَمْ يُؤْمَرُوا في شَرْعِهِمْ بِالكُفْرِ بِالأحْبارِ، وكَعْبٌ مِنهم. وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ كَعْبًا هَذا أصْلُهُ مِن طَيِّئٍ وتَهَوَّدَ. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في مُؤْمِنٍ ويَهُودِيٍّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ في يَهُودِيَّيْنِ.
(p-٥٩١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذانِ القَوْلانِ بَعِيدانِ مِنَ الاسْتِقامَةِ عَلى ألْفاظِ الآيَةِ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ مِن قُرَيْظَةَ والنَضِيرِ، وذَلِكَ أنَّهم تَفاخَرُوا بِسَبَبِ تَكافُؤِ دِمائِهِمْ، إذْ كانَتِ النَضِيرُ في الجاهِلِيَّةِ تَدِي مَن قَتَلَتْ، وتَسْتَقِيدُ إذا قَتَلَتْ قُرَيْظَةُ مِنهُمْ، فَأبَتْ قُرَيْظَةُ لَمّا جاءَ الإسْلامُ، وطَلَبُوا المُنافَرَةَ، فَدَعا المُؤْمِنُونَ مِنهم إلى النَبِيِّ ﷺ، ودَعا المُنافِقُونَ إلى أبِي بُرْدَةَ الكاهِنِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ. وحَكى الزَجّاجُ: أنَّ المُنافِقَ المُتَقَدِّمَ الذِكْرِ أو غَيْرَهُ اخْتَصَمَ عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ فَقَضى في أمْرِهِ، فَحُرِجَ وقالَ لِخَصْمِهِ: لا أرْضى بِحُكْمِهِ، فَذَهَبا إلى أبِي بَكْرٍ فَقَضى بَيْنَهُما، فَقالَ المُنافِقُ: لا أرْضى، فَذَهَبا إلى عُمَرَ فَوَصَفا لَهُ جَمِيعَ ما فَعَلا، فَقالَ لَهُما: اصْبِرا حَتّى أقْضِيَ حاجَةً في مَنزِلِي ثُمَّ أخْرُجَ فَأحْكُمَ بَيْنَكُما، فَدَخَلَ وأخَذَ سَيْفَهُ وخَرَجَ، فَضَرَبَ المُنافِقَ حَتّى بَرَدَ، وقالَ: هَذا حُكْمِي فِيمَن لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وقالَ الحَسَنُ: احْتَكَمَ المُنافِقُونَ بِالقِداحِ الَّتِي يُضْرَبُ بِها عِنْدَ الأوثانِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
و"يُضِلَّهُمْ" مَعْناهُ: يُتْلِفُهُمْ، وجاءَ "ضَلالًا" عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ، تَقْدِيرُهُ: فَيَضِلُّونَ ضَلالًا، و"بَعِيدًا" عِبارَةٌ عن عِظَمِ الضَلالِ وتَمَكُّنِهِ حَتّى يَبْعُدَ الرُجُوعُ عنهُ والِاهْتِداءُ مَعَهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَعالَوْا" بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ الحَسَنُ فِيما رَوى عنهُ قَتادَةُ "تَعالُوا" بِضَمَّةٍ، وجْهُها أنَّ لامَ الفِعْلِ مِن "تَعالَيْتَ" حُذِفَتْ تَخْفِيفًا، وضُمَّتِ اللامُ الَّتِي هي عَيْنُ الفِعْلِ، وذَلِكَ لِوُقُوعِ واوِ الجَمْعِ بَعْدَها، كَقَوْلِكَ: تَقَدَّمُوا وتَأخَّرُوا، وهي لَفْظَةٌ مَأْخُوذَةٌ مِنَ العُلُوِّ، لَمّا اسْتُعْمِلَتْ في دُعاءِ الإنْسانِ وجَلْبِهِ وأشْخاصِهِ، سِيقَتْ مِنَ العُلُوِّ (p-٥٩٢)تَحْسِينًا لِلْأدَبِ، كَما تَقُولُ: ارْتَفِعْ إلى الحَقِّ، ونَحْوَهُ.
و"رَأيْتَ" هي رُؤْيَةُ عَيْنٍ لِمَن صَدَّ مِنَ المُنافِقِينَ مُجاهَرَةً وتَصْرِيحًا، وهي رُؤْيَةُ قَلْبٍ لِمَن صَدَّ مِنهم مَكْرًا وتَخابُثًا ومُسارَقَةً حَتّى لا يُعْلَمَ ذَلِكَ مِنهُ إلّا بِالتَأْوِيلِ عَلَيْهِ والقَرائِنِ الصادِرَةِ عنهُ، فَإذا كانَتْ رُؤْيَةَ عَيْنٍ فَـ "يَصُدُّونَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وإذا كانَتْ رُؤْيَةَ قَلْبٍ فَـ "يَصُدُّونَ" نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ الثانِي.
و"صُدُودًا" مَصْدَرٌ عِنْدَ بَعْضِ النُحاةِ مِن "صَدَّ"، ولَيْسَ عِنْدَ الخَلِيلِ بِمَصْدَرٍ مِنهُ، والمَصْدَرُ عِنْدَهُ: "صَدًّا"، وإنَّما ذَلِكَ لِأنَّ فَعُولًا إنَّما هو مَصْدَرٌ لِلْأفْعالِ غَيْرِ المُتَعَدِّيَةِ، كَجَلَسَ جُلُوسًا، وقَعَدَ قُعُودًا، و"صَدَّ" فِعْلٌ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ مَرَّةً كَما قالَ: ﴿فَصَدَّهم عَنِ السَبِيلِ﴾ [النمل: ٢٤]، ومَرَّةً بِحَرْفِ الجَرِّ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَصُدُّونَ عنكَ صُدُودًا﴾ وغَيْرِهِ، فَمَصْدَرُهُ: "صَدَّ"، و"صُدُودًا" اسْمٌ.
4:62–64Page 88
فَكَيۡفَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّآ إِحۡسَٰنٗا وَتَوۡفِيقًا ٦٢
So how [will it be] when disaster strikes them because of what their hands have put forth and then they come to you swearing by Allāh, "We intended nothing but good conduct and accommodation."
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَعِظۡهُمۡ وَقُل لَّهُمۡ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَوۡلَۢا بَلِيغٗا ٦٣
Those are the ones of whom Allāh knows what is in their hearts, so turn away from them1 but admonish them and speak to them a far-reaching [i.e., effective] word.
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا ٦٤
And We did not send any messenger except to be obeyed by permission of Allāh. And if, when they wronged themselves, they had come to you, [O Muḥammad], and asked forgiveness of Allāh and the Messenger had asked forgiveness for them, they would have found Allāh Accepting of Repentance and Merciful.
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إنْ أرَدْنا إلا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عنهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا﴾ ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللهِ ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللهِ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَسُولُ لَوَجَدُوا اللهِ تَوّابًا رَحِيمًا﴾
قالَتْ فِرْقَةٌ: هي في المُنافِقِينَ الَّذِينَ احْتَكَمُوا حَسَبَ ما تَقَدَّمَ، فالمَعْنى: فَكَيْفَ بِهِمْ إذا عاقَبَهُمُ اللهُ بِهَذِهِ الذُنُوبِ بِنِقْمَةٍ مِنهُ؟ ثُمَّ حَلَفُوا إنْ أرَدْنا بِالِاحْتِكامِ إلى الطاغُوتِ إلّا تَوْفِيقَ الحُكْمِ وتَقْرِيبَهُ دُونَ مُرِّ الحُكْمِ وتَقَصِّي الحَقِّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي في المُنافِقِينَ (p-٥٩٣)الَّذِينَ طَلَبُوا دَمَ الَّذِي قَتَلَهُ عُمَرُ، فالمَعْنى: فَكَيْفَ بِهِمْ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ في قَتْلِ قَرِيبِهِمْ ومِثْلِهِ مِن نِقَمِ اللهِ تَعالى؟ ثُمَّ إنَّهم حَلَفُوا ما أرادُوا بِطَلَبِ دَمِهِ إلّا إحْسانًا وحَقًّا، نَحا إلَيْهِ الزَجّاجُ. ومَوْضِعُ "كَيْفَ" نَصْبٌ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: فَكَيْفَ تَراهُمْ؟ ونَحْوُهُ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُها رَفْعًا، تَقْدِيرُهُ: فَكَيْفَ صَنِيعُهُمْ؟
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ تَكْذِيبُ المُنافِقِينَ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم وتَوَعُّدُهُمْ، أيْ: فَهو مُجازِيهِمْ بِما يَعْلَمُ.
و"فَأعْرِضْ عنهُمْ" يَعْنِي عن مُعاقَبَتِهِمْ، وعن شَغْلِ البالِ بِهِمْ، وعن قَبُولِ أيْمانِهِمُ الكاذِبَةِ في قَوْلِهِ "يَحْلِفُونَ"، ولَيْسَ بِالإعْراضِ الَّذِي هو القَطِيعَةُ والهَجْرُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: "وَعِظْهُمْ" يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، و"وَعِظْهُمْ" مَعْناهُ بِالتَخْوِيفِ مِن عَذابِ اللهِ وغَيْرِهِ مِنَ المَواعِظِ.
والقَوْلُ البَلِيغُ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: هو الزَجْرُ والرَدْعُ والكَفُّ بِالبَلاغَةِ مِنَ القَوْلِ. وقِيلَ: هو التَوَعُّدُ بِالقَتْلِ إنِ اسْتَدامُوا حالَةَ النِفاقِ، قالَهُ الحَسَنُ، وهَذا أبْلَغُ ما يَكُونُ في نُفُوسِهِمْ.
والبَلاغَةُ: مَأْخُوذَةٌ مِن بُلُوغِ المُرادِ بِالقَوْلِ، وحُكِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّ قَوْلَهُ: "فِي أنْفُسِهِمْ" مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: "مُصِيبَةٌ" وهو مُؤَخَّرٌ بِمَعْنى التَقْدِيمِ، وهَذا ضَعِيفٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللهِ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى جَلالَةِ الرُسُلِ، أيْ: فَأنْتَ يا مُحَمَّدُ مِنهُمْ، تَجِبُ طاعَتُكَ، وتَتَعَيَّنُ إجابَةُ الدَعْوَةِ إلَيْكَ. و"لِيُطاعَ" نُصِبَ بِلامِ "كَيْ"، و"بِإذْنِ اللهِ" مَعْناهُ: بِأمْرِ اللهِ، وحَسُنَتِ العِبارَةُ (p-٥٩٤)بِالإذْنِ، إذْ بِنَفْسِ الإرْسالِ تَجِبُ طاعَتُهُ وإنْ لَمْ يَنُصَّ أمْرٌ بِذَلِكَ. ويَصِحُّ تَعَلُّقُ الباءِ مِن قَوْلِهِ: "بِإذْنِ" بِـ "أرْسَلْنا"، والمَعْنى: وما أرْسَلْنا بِأمْرِ اللهِ، أيْ: بِشَرِيعَتِهِ وعِبادَتِهِ مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ، والأظْهَرُ تَعَلُّقُها بِـ "يُطاعَ"والمَعْنى: وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِأمْرِ اللهِ بِطاعَتِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وعَلى التَعْلِيقَيْنِ فالكَلامُ عامُّ اللَفْظِ خاصُّ المَعْنى، لِأنّا نَقْطَعُ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى قَدْ أرادَ مِن بَعْضِ خَلْقِهِ ألّا يُطِيعُوا، ولِذَلِكَ خَرَّجَتْ طائِفَةٌ مَعْنى الإذْنِ إلى العِلْمِ، وطائِفَةٌ خَرَّجَتْهُ إلى الإرْشادِ لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ، وهَذا تَخْرِيجٌ حَسَنٌ، لِأنَّ اللهَ إذا عَلِمَ مِن أحَدٍ أنَّهُ يُؤْمِنُ، ووَفَّقَهُ لِذَلِكَ فَكَأنَّهُ أذِنَ لَهُ فِيهِ. وحَقِيقَةُ الإذْنِ: التَمْكِينُ مَعَ العِلْمِ بِقَدْرِ ما مَكَّنَ مِنهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: بِالمَعْصِيَةِ والنِفاقِ ونَقْصِها حَظَّها مِنَ الإيمانِ، و"فاسْتَغْفَرُوا اللهَ" مَعْناهُ: طَلَبُوا مَغْفِرَتَهُ، وتابُوا إلَيْهِ. و"تَوّابًا" مَعْناهُ: راجِعًا بِعِبادِهِ.
4:65–68Page 88
فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا ٦٥
But no, by your Lord, they will not [truly] believe until they make you, [O Muḥammad], judge concerning that over which they dispute among themselves and then find within themselves no discomfort from what you have judged and submit in [full, willing] submission.
وَلَوۡ أَنَّا كَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَنِ ٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ أَوِ ٱخۡرُجُواْ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٞ مِّنۡهُمۡۖ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِيتٗا ٦٦
And if We had decreed upon them, "Kill yourselves" or "Leave your homes," they would not have done it, except for a few of them. But if they had done what they were instructed, it would have been better for them and a firmer position [for them in faith].
وَإِذٗا لَّأٓتَيۡنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٦٧
And then We would have given them from Us a great reward.
وَلَهَدَيۡنَٰهُمۡ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ٦٨
And We would have guided them to a straight path.
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ﴿وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ مِنهم ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ﴿وَإذًا لآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَلَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾
قالَ الطَبَرِيُّ: قَوْلُهُ: "فَلا" رَدٌّ عَلى ما تَقَدَّمَ، تَقْدِيرُهُ: فَلَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقالَ غَيْرُهُ: إنَّما قَدَّمَ "لا" عَلى القَسَمِ اهْتِمامًا بِالنَفْيِ، وإظْهارًا لِقُوَّتِهِ، ثُمَّ كَرَّرَها بَعْدَهُ تَأْكِيدًا لِلتَّهَمُّمِ بِالنَفْيِ، وكانَ يَصِحُّ إسْقاطُ "لا" الثانِيَةِ، ويَبْقى أكْثَرُ الِاهْتِمامِ بِتَقْدِيمِ الأُولى، وكانَ يَصِحُّ إسْقاطُ الأُولى ويَبْقى مَعْنى النَفْيِ، ويَذْهَبُ مَعْنى الِاهْتِمامِ.
(p-٥٩٥)"شَجَرَ" مَعْناهُ: اخْتَلَطَ والتَفَّ مِن أُمُورِهِمْ، وهو مِنَ الشَجَرِ، شَبِيهٌ بِالتِفافِ الأغْصانِ، وكَذَلِكَ الشَجِيرُ الَّذِي امْتَزَجَتْ مَوَدَّتُهُ بِمَوَدَّةِ صاحِبِهِ، وقَرَأ أبُو السَمّالِ: "شَجْرَ" بِإسْكانِ الجِيمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وأظُنُّهُ فَرَّ مِن تَوالِي الحَرَكاتِ، ولَيْسَ بِالقَوِيِّ، لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ.
و"يُحَكِّمُوكَ" نُصِبَ بِـ "حَتّى" لِأنَّها هاهُنا غايَةٌ مُجَرَّدَةٌ، و"يَجِدُوا" عُطِفَ عَلَيْهِ، والحَرَجُ: الضِيقُ والتَكَلُّفُ والمَشَقَّةُ. قالَ مُجاهِدٌ: حَرَجًا: شَكًّا وقَوْلُهُ: "تَسْلِيمًا" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ مُنْبِئٌ عَلى التَحْقِيقِ في التَسْلِيمِ، لِأنَّ العَرَبَ إنَّما تُرْدِفُ الفِعْلَ بِالمَصْدَرِ إذا أرادَتْ أنَّ الفِعْلَ وقَعَ حَقِيقَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وقَدْ تَجِيءُ بِهِ مُبالَغَةً وإنْ لَمْ يَقَعْ، ومِنهُ:
؎ ................. وعَجَّتْ عَجِيجًا مِن جُذامَ المَطارِفُ.
وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّنْ أرادَ التَحاكُمَ إلى الطاغُوتِ، وفِيهِمْ نَزَلَتْ، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا، لِأنَّهُ أشْبَهُ بِنَسَقِ الآيَةِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: نَزَلَتْ في «رَجُلٍ خاصَمَ الزُبَيْرَ بْنَ العَوّامِ في السَقْيِ بِماءِ الحَرَّةِ، فَقالَ لَهُما رَسُولُ اللهِ ﷺ: "اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ"، فَغَضِبَ ذَلِكَ الرَجُلُ وقالَ: آنْ كانَ ابْنَ (p-٥٩٦)عَمَّتِكَ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، واسْتَوْعَبَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، فَقالَ: "احْبِسْ يا زُبَيْرُ الماءَ حَتّى يَبْلُغَ الجُدُرَ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.» واخْتَلَفَ أهْلُ هَذا القَوْلِ في الرَجُلِ، فَقالَ قَوْمٌ: هو رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ مِن أهْلِ بَدْرٍ، وقالَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ: هو حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والصَحِيحُ الَّذِي وقَعَ في البُخارِيِّ أنَّهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، وأنَّ الزُبَيْرَ قالَ: فَما أحْسَبُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ إلّا في ذَلِكَ، وقالَتْ طائِفَةٌ: لَمّا قَتَلَ عُمَرُ الرَجُلَ المُنافِقَ الَّذِي لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ النَبِيِّ ﷺ بَلَغَ ذَلِكَ النَبِيَّ وعَظُمَ عَلَيْهِ، وقالَ: "ما كُنْتُ أظُنُّ أنَّ عُمَرَ يَجْتَرِئُ عَلى قَتْلِ رَجُلٍ مُؤْمِنٍ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ نافِيَةً لِإيمانِ ذَلِكَ الرَجُلِ الرادِّ لِحُكْمِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، مُقِيمَةً عُذْرَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قَتْلِهِ.
و"كَتَبْنا" مَعْناهُ: فَرَضْنا، و"اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ" مَعْناهُ: لِيَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في البَقَرَةِ، وضَمُّ النُونِ مِن "أنِ" وكَسْرُها جائِزٌ، وكَذَلِكَ الواوُ مِن "أوِ اخْرُجُوا"، وبِضَمِّها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والكِسائِيُّ. وبِكَسْرِها قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ، وكَسَرَ أبُو عَمْرٍو النُونَ وضَمَّ الواوَ، و"قَلِيلٌ" رُفِعَ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ في "فَعَلُوهُ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ بِالنَصْبِ "إلّا قَلِيلًا"، وذَلِكَ جائِزٌ، أجْرى النَفْيَ مَجْرى الإيجابِ.
وسَبَبُ الآيَةِ عَلى ما حُكِيَ أنَّ اليَهُودَ قالُوا، -لَمّا لَمْ يَرْضَ المُنافِقُ بِحُكْمِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- ما رَأيْنا أسْخَفَ مِن هَؤُلاءِ، يُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ ويَتَّبِعُونَهُ، ويَطَؤُونَ عَقِبَهُ، ثُمَّ لا يَرْضَوْنَ بِحُكْمِهِ، ونَحْنُ قَدْ أُمِرْنا بِقَتْلِ أنْفُسِنا فَفَعَلْنا، وبَلَغَ القَتْلُ فِينا (p-٥٩٧)سَبْعِينَ ألْفًا، فَقالَ ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ: لَوْ كُتِبَ ذَلِكَ عَلَيْنا لَفَعَلْناهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُعْلِمَةً حالَ أُولَئِكَ المُنافِقِينَ، وأنَّهُ لَوْ كُتِبَ ذَلِكَ عَلى الأُمَّةِ لَمْ يَفْعَلُوهُ، وما كانَ يَفْعَلُهُ إلّا قَلِيلٌ مُؤْمِنُونَ مُحَقِّقُونَ، كَثابِتٍ وغَيْرِهِ، وكَذَلِكَ رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "ثابِتُ بْنُ قَيْسٍ، عَمّارٌ وابْنُ مَسْعُودٍ مِنَ القَلِيلِ"،» وشَرَكَهم في ضَمِيرِ "مِنهُمْ" لَمّا كانَ المُنافِقُونَ والمُؤْمِنُونَ مُشْتَرِكِينَ في دَعْوَةِ الإسْلامِ وظَواهِرِ الشَرِيعَةِ. وقالَ أبُو إسْحاقَ السُبَيْعِيُّ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةُ، قالَ رَجُلٌ: لَوْ أُمِرْنا لَفَعَلْنا، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عافانا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقالَ: "إنَّ مِن أُمَّتِي رِجالًا، الإيمانُ أثْبَتُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجِبالِ الرَواسِي".» وذَكَرَ مَكِّيٌّ أنَّ الرَجُلَ هو أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وذَكَرَ عن أبِي بَكْرٍ أنَّهُ قالَ: لَوْ كُتِبَ عَلَيْنا لَبَدَأْتُ بِنَفْسِي وبِأهْلِ بَيْتِي.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم فَعَلُوا﴾ أيْ: لَوْ أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ اتَّعَظُوا وأنابُوا لَكانَ خَيْرًا لَهم. "تَثْبِيتًا" مَعْناهُ: يَقِينًا وتَصْدِيقًا ونَحْوَ هَذا، أيْ: يُثَبِّتُهُمُ اللهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما كانَ يَمُنُّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن تَفَضُّلِهِ بِالأجْرِ. ووَصْفُهُ إيّاهُ بِالعِظَمِ مُقْتَضٍ ما لا يُحَصِّلُهُ بَشَرٌ مِنَ النَعِيمِ المُقِيمِ. والصِراطُ المُسْتَقِيمُ: الإيمانُ المُؤَدِّي إلى الجَنَّةِ. وجاءَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الآيَةِ كَذا، ومَعْلُومٌ أنَّ الهِدايَةَ قَبْلَ إعْطاءِ الأجْرِ لِأنَّ المَقْصِدَ إنَّما هو تَعْدِيدُ ما كانَ اللهُ يُنْعِمُ بِهِ عَلَيْهِمْ دُونَ تَرْتِيبٍ، فالمَعْنى: ولَهَدَيْناهم قَبْلُ حَتّى يَكُونُوا مِمَّنْ يُؤْتى الأجْرَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences